المقدمــة

 

إن الحمد لله رب نحمده، ونستعينه ، ونستغفره ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا .

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا .

وبعد : فإن الله خلق البشر من ذكر وأنثى ، كمل بهما الخلق ، وجعل لكل نوع (جنس) منهما خصائص تميزه عن النوع الآخر ، في التكوين البدني ، والنفسي ، والهرموني ، والعصبي ، ونتج عن ذلك الاختلاف في التكوين التكامل في الحياة البشرية، والقاعدة العلمية تقول اختلاف التركيب العضوي ينتج عنه اختلاف الوظيفة ، فتركيب الأذن وظيفتها مختلف عن تركيب العين ووظيفتها، ونتيجة لذلك الاختلاف الفطري في التركيب الإنساني كان لا بد من أن يوجد الاختلاف المصاحب له في الوظائف الفطرية في الحياة البشرية لكل من الرجل والمرأة، ويتجلى ذلك في اشتغال المرأة بالحمل، والوضع والرضاعة إلى جانب اشتغال بدنها بالعادة في كل شهر ، وما يصاحب ذلك من عاطفة ، ومشاعر نفسية تتناسب مع تلك الحالات البدنية .

وهرمونات وجهاز عصبي ينضم تلك الوظائف، بينما نجد القوة البدنية في الرجل ، والتخلي البدني عن تبعات النسل ، بما يؤهله للاشتغال بالأعمال ذات الطبيعة الخشنة التي تتطلب سعياً ، ومزاحمة ، وقوة شكيمة لإنجازها .

ومع أن هناك فوارق بدنية ، ونفسية ، وهرمونية ، وعصبية بين الرجال والنساء إلا أن هناك وحدة في الفطرة البشرية الآدمية بينهما: فكلاهما من جنس واحد، ومن نفس واحدة.. وكل منهما قد نال التكريم الإلهي كما قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ... ، وكما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (النساء شقائق الرجال)[1].

ومع وضوح هذه الحقائق الفطرية ، فإن الجاهلية المعوجة عندما تسيطر على البشرية تجعلهم يتنكرون لتلك الفطرة البشرية منطلقة وراء أهوائها وشهواتها بعيداً عن هدى ربها وخالقها ـ فتلتبس عليها الحقائق، وتسلك طرق الاعوجاج: فتارة تبالغ في إظهار تلك الفروق والاختلافات بين النوعين، وتجعلها الأساس في تقرير الحقوق والواجبات لكل منهما.

وتارة تتجاهل تلك الفروق، وتلغيها ، ولا تقيم لها وزناً ، وتارة تصادر حقوق المرأة ، وتظلمها مادياً ومعنوياً ، وتارة تحملها من التبعات والواجبات فوق ما تقوم به من الواجبات الفطرية بدعوى المساواة بينها وبين الرجل.. وكم تصاحب هذه الاختلالات الفكرية من فساد ، ودمار للعلاقات الإنسانية بين النوعين، تشهد به قرون التاريخ البشري المتطاولة .

وقد خلق الله الزوجين ، بصفات آدمية مشتركة كالعقل والنفس والبدن ، وجعل لكل منهما خصائص يكمل بها أحدهما الآخر.. وتستقيم الحياة باجتماع تلك الخصائص ورعايتها في كل من النوعين والمنهج القويم هو الذي يجعل الوظيفة تبعاً للمساواة في الخلقة والاختلاف في الوظيفة تبعاً للاختلاف في الوظيفة والفطرة، كما قال تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) وبين القرآن أن تلك الدرجة هي درجة القوامة والولاية في قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) .

هذا البحث دراسة للتكوين البشري من الناحية البدنية والنفسية والهرمونية لكل من الرجال والنساء، وما يصاحب ذلك من عواطف ومشاعر وقدرات وإمكانيات من حيث اتفاقهما واختلافهما .

وما يترتب على ذلك من وظائف مشتركة بينهما تخص كلاً منهما، وفق ما يتميز به من فطرة وتكوين .

كما يتناول هذا البحث الهدي الإلهي الذي جاء منظماً للحياة البشرية في كل شؤونها، وبيان دور كل من الرجال والنساء في حياة المجتمعات، وما يليق بكل منهما من آداب، وأخلاق، وسلوك .

ويتناول البحث وظيفة الولاية التي تتطلب القوة ، والتفرغ البدني ، والحزم، والقوة النفسية لمواجهة المماحكات والتحديات ، والسهر ، والرعاية والمخالطة ، والمعايشة للمتبوعين ، والموقف الشرعي في تقريرها للرجال دون النساء كما دلت عليه آيات الكتاب وأحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وفعل النبي، والصحابة والخلفاء، وما أجمع عليه علماء المسلمين إلى ما قبل عهد الاستعمار.

كما يتناول البحث الحقوق السياسية للمرأة ، وحقها في التعبير عن رأيها ، ومشاركتها في رسم السياسة العامة للمجتمع ، وحقها في التعليم والفتيا ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما يترتب عليه من مراقبة ومحاسبة لولاة الأمر ، ومقاضاة لهم أمام المحاكم ، وما أباحه لها الإسلام من بذل جهدها في الدفاع عن دينها وبلادها ، ذاكراً حقها في النفقة على وليها ، أو على المجتمع .

ويطوف البحث على الواقع المعاصر للمرأة في البلاد التي تنادي بالمساواة المطلقة بين الرجال والنساء دون اعتبار لأي فارق بينهما ، وما آل إليه أمر المرأة من نتلك تلك الدول من عجزها في منافسة الرجال على المواقع القيادية المتعلقة بالولاياة سواء في رئاسات الدول ، أو مجالس الوزراء ، أو مجالس النواب: حيث لم تتمكن المراة في تلك الدول من الحصول على ما يتناسب مع العدد السكاني للنساء في تلك البلاد وأصبحت مشاركة النساء في المواقع القيادية أقرب إلى الرمز منها إلى الحقيقة المعبرة عن النسبة السكانية في تلك البلاد .

ويقدم البحث حلاً يحقق للمرأة تمتعها الكامل بحقوقها السياسية المتلائمة مع فطرتها، وتكوين أسرتها دون تضيع لحق زوجها وأطفالها ، ويتمثل ذلك في المطالبة بتأسيس مجلس شورى للمرأة يوازي مجالس الشيوخ في بعض البلدان التي تنشأ بجوار مجالس النواب .

وتذكر في خاتمة هذا الكتاب الفتوى التي قدمها مجموعة من علماء اليمن إلى مؤتمر عام من مؤتمرات التجمع اليمني للإصلاح عند بحثه لهذا الموضوع .

نسأل الله أن يجعل الأعمال خالصة لوجهه ، وأن يبصر الأمة بالحق، ويهديها إليه. والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

حرر في صنعاء 1420هـ