بسم الله الرحمن الرحيم

الاستقامة

 الحمد لله ، وصلى الله وسلم على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد :  

في كثير من الأحيان.. يبدو طريق الاستقامة غامضاً في ذهن كثير من الناس ! ولئن كان كثير من الناس يعلمون أن الاستقامة على الدين هو طريق السعادة في الحياة إلا أن القليل منهم من يوفق إليها علماً وعملاً..

فما هي الاستقامة؟... وماهو طريقها؟...

الاستقامة لغة: مصدر استقام، بمعنى الاعتدال، يقال: قام الشيء واستقام: اعتدل واستوى.

الإستقامة إصطلاحا: هي سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها كذلك.

قال ابن حجر رحمه الله : هي كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلا وتركا .

وهي : الوفاء بالعهود كلها وملازمة الطريق المستقيم برعاية حد التوسط في كل الأمور من الطعام والشراب واللبس وفي كل أمر ديني ودنيوي .

وهي السداد قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه "سددوا وقاربوا واعلموا انه لن ينجو أحد منكم بعمله 000"(1)

بين العلماء رحمهم الله أن الاستقامة هي الاعتدال . وضدها الاعوجاج والميل هذا من حيث اللغة . يقال خط : مستقيم يعني خط لا عوج فيه ولا ميل .

والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة  ولا يسرى ويكون ذلك بفعل الأوامر كلها واجتناب النواهي كلها كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله الاستقامة كناية عن التمسك بأمر الله عز وجل فعلاً وتركا الله جل جلاله يأمرنا وينهانا من التزم أوامر الله عز وجل في إقامة الصلاة وإتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الأمانة والقيام بالحقوق وحسن الخلق والتزم أوامر الله عز وجل فيما بينه وبين ربه فيما بينه وبين الناس والتزام نواهي الله عز وجل فأعرض عن كل ما نهى الله عنه واجتنبه فهذا هو المستقيم وهذا الذي يستحق الثناء من الله عز وجل والجزاء

والاستقامة أصعب الأمور على العارفين و لذلك فقد قال المعصوم : " شيبتني هود ، و أخواتها"(2) .. يشير إلى قول الله تعالى ، من سورة هود : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾[هود:1121]  

والاستقامة – كما يقول ابن القيم – رحمه الله في (( مدارج السالكين )) [2/80]:
" كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد. والاستقامة تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات، فالاستقامة فيها: وُقوعُها لله، وبالله وعلى أمر الله " أ.هـ

الحرص على الاستقامة :  

موضوع الاستقامة موضوع عظيم ، فجدير بكل مؤمن ، وكل مؤمنة العناية بالاستقامة ، والحرص على ذلك في جميع الأوقات ، وسؤال الله جل وعلا والضراعة إليه بطلب التوفيق لذلك .

وأنت يل عبد الله ، عليك أن تحرص على الخير ، وأن تبادر إليه وأن تلزمه ، وأن تحذر الشر وتبتعد عنه وعن وسائله وأسبابه ، وعليك بسؤال ربك والضراعة إليه : أن يمنحك العون والتوفيق .

وهذه الدنيا هي دار الابتلاء والامتحان ، هي دار العمل والإعداد للآخرة . فالله خلق الخلق؛ ليعبدوه ، وأرسل لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب ، وأعطاهم عقولا وأسماعا وأبصارا ، وابتلاهم بالشياطين ، من الإنس والجن ، والشهوات .

فالواجب استعمال ما أعطاهم الله من المحافظة في ترك ما يضرهم ، مما ابتلاهم الله به ، من دعاة السوء وشياطين الإنس والجن .

وهذه الدار دار عمل ، ليست دار نعيم ولكنها دار عمل ، هي دار الغرور ، ﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ متاعها قليل ، كما قال تعالى : ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ

فالواجب على المكلفين ، من الرجال والنساء الحرص على الاستقامة ، فالواجب هو الإصغاء للحق واقتضاؤه في أداء الواجبات وترك المحرمات ، وشرعية الإكثار من الخيرات المستحبة ؛ لأنها تقوي الإيمان وتزيده ، والبعد عن الأشياء التي قد تضر العبد ، وإن كانت مباحة أو مكروهة .

ويجتهد العبد في ترك كل ما يضره ، وكل ما يخشى منه النقص في العمل ، أو التفريط عن العمل وإن كان مباحا ، يقول سبحانه : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ _ فصلت 30 _ أي : عند الموت ، وعند البعث والنشور ، وفي القبور ؛ فضلا من الله عليكم ، وفي سورة الأحقاف نقرأ قول الله جل وعلا : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف 13] وفي سورة النحل قول الله جل وعلا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً و َلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ حياة طيبة في الدنيا ، وسعادة في الآخرة .

آيات الإستقامة:

الاستقامة ورد ذكرها في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في عدة مواضع, يأمر الله بها و يثني على أهلها ويعدهم بجزيل الأجر والثواب , قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاتَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير [هود/112] ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى/15]

وقال تعالى لموسى وهارون :﴿ قَالَ قَدْ أجيبت دعوتكما فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ الَّذِين َسَبِيل لاَ يَعْلَمُونَ  [يونس/89]

وقال تعالى في بيان جزاء المستقيمين عل شرعه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت/30]

وقال أيضاً : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف/13] وقال تعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا [الجن/16]

وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت/6]وقال تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾  [المائدة/16 ] وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾  [الأنعام/161] وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾  [الشورى/52] وقال عز وجل: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام/153]

وهذا الدين هو الطريق المستقيم :﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف/30] , وقال تعالى: ﴿ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [يس/61]

وقال سبحانه وتعالى:﴿ لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج/67] وقال عز وجل: ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر/41] وقال الله تعالى في محكم كتابه : ﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُون﴾ [الأنعام/126] وقال تعالى: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم﴾َ [التكوير/28]

﴿ إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة/6] , الصراط المستقيم هو الطريق المعتدل الذي ليس فيه اعوجاج ولا ميل بخلاف الطرق الضالة فان فيها اعوجاج وفيها ميل وفيها مخاطر. أما صراط الله المستقيم ، فهو طريق معتدل لا اعوجاج فيه ولا ميل ولا خطر على من سلكه قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾   [النساء/175]

وقال تعالى مبينا الفرق بين أهل الإستقامة وغيرهم: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الملك/22]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سفيان بن عبدالله رضي الله عنه قال : سالت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله قل لي قولا في الإسلام لا أسال عنه أحدا غيرك قال صلى الله عليه وسلم " قل آمنت بالله ثم استقم "(3) .

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان رضي الله عنه " استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "(4) .

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ": سددوا وقاربوا واعلموا انه لن يدخل احد الجنة منكم بعمله " . قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل "(5).  

فالاستقامة معناها الاعتدال على إطاعة الله سبحانه وتعالى ، الاعتدال على شرعة الله ، الاعتدال على كلمة التوحيد . هذه هي الاستقامة شرعا كما تدل على ذلك عبارات السلف، كلها تجتمع على أن الاستقامة شرعا هي لزوم طاعة الله سبحانه وتعالى من غير ميل ومن غير التفاف إلى غيرها .

فهي تعني لزوم ما شريعة الله سبحانه وتعالى في التوحيد وإخلاص العبادة لله وفي الآداب والأخلاق والتعامل مع الناس وفي كل ما يفعله الإنسان في هذه الحياة يكون مستقيما على المنهج الصحيح الذي رسمه الله سبحانه وتعالى وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم لان هذا المنهج هو منهج الذين انعم الله عليهم .

كما قال تعالى : ﴿ إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صراط الذين أنعمت عليهم﴾ الفاتحة/6-7,فالذين أنعم الله عليهم هم أهل الاستقامة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . فالاستقامة تعني التوسط بين الإفراط والتفريط بين التساهل وعدم المبالاة وبين الغلو والتشدد . هذا هو طريق الاستقامة لأن دين الله بين الغالي والجافي . الغالي هو الذي يريد ويتشدد .والجافي هو المتساهل الذي لا يهتم بدينه بل هو مفرط وكذلك الغالي والمتشدد الذي يزيد في العبادة ويزيد في التمسك يظن أنه بذلك يطيع الله ورسوله ، وهو بالعكس,لأن من خرج عن الجادة ومال عنها سواء بتساهل أو بتشدد خرج عن شرع الله سبحانه وتعالى؛فالاستقامة هي الاعتدال من غير جفاء وتساهل ومن غير زيادة وتشدد و إفراط في العبادة هذا هو طريق الاستقامة .

فالاستقامة إذن عرفنا أنها السير على الطريق المعتدل وهو ما شرعه الله تعالى وشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم والتزام ذلك من غير إفراط ولا تفريط .

وقد ذكر الله في هذه الآيات التي سبقت وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الحث على الاستقامة والأمر بها وذكر جزاء أهل الاستقامة . قال سبحانه : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ الأحقاف:13]  قالوا ربنا الله نطقوا بالشهادتين لا اله إلا الله محمد رسول الله ثم استقاموا على هذا فعملوا بمقتضى الشهادتين اخلصوا العبادة لله عز وجل ولم يشركوا بالله شيئا ولم يقصروا في عبادة الله ولم يتكاسلوا عن طاعة الله فأدوا الفرائض واجتهدوا في النوافل في العبادات على مارسم الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك حققوا شهادة أن محمدا رسول الله فاتبعوه فيما شرع وتجنبوا البدع والخرافات والمحدثات ولزموا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم عملا بقوله صلى الله عليه وسلم " من أحدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفي رواية " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (6)"

وقال عليه الصلاة والسلام " من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (7)"

وقال عليه الصلاة والسلام : " إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (8)" .

هذا بسبب الاستقامة وهذا جزاء الاستقامة على الدين ففي قوله تعالى : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ هود:112] لا تطغوا يعني لا تزيدوا , و الطغيان هو الزيادة على المشروع, وفي الآية الأخرى . ﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت: من الآية6] . ما الحكمة في الأمر بالاستغفار بعد الأمر بالاستقامة لان الإنسان بشر يحصل منه خطا ويحصل منه بعض التفريط فيرتفع هذا الاستغفار لما يصدر منه من خلل في الاستقامة لأنه لا يستطيع الاستقامة كلها .

والمعنى : استقيموا على الطاعة فان حصل منكم تقصير فعليكم بالاستغفار لان الاستغفار يمحو التقصير .

وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم " استقيموا ولن تحصوا "(9) هل يستطيع احد أن يحصى كل الطاعة ولا يترك منها شيئا ؟ لا يستطيع احد أن لا يحصل منه تقصير ابدآ " استقيموا ولن تحصوا " هذا إخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم لان الإنسان عرضة للخطأ عرضة للتقصير ، وعدم إحصاء كل الطاعات ولكنه عليه بالاستغفار .

فالحاصل أن الاستقامة مقامها في الدين عظيم ومن غير تشدد ومن غير تساهل وتفريط وجفاء وعدم مبالاة وإذا حاول الإنسان الاستقامة وحرص عليها وقصدها وحصل منه خلل فانه يستغفر الله عز وجل ويكثر من الاستغفار لأن الإنسان ليس معصوما . قال الله تعالى ﴿  فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم : من الآية32] فالذي يرى انه قد أتى بالواجب وانه وفي الحق الذي عليه لربه فهذا تزكية للنفس . فالإنسان يعتبر نفسه مقصرا دائما في حق الله سبحانه وتعالى فيستغفر الله ولهذا يقول سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم " لا أحصي ثناء عليك "(10) اعتراف بالتقصير في حق الله سبحانه وتعالى لان حق الله عظيم ولا يحصيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اجتهاده في العبادة التي لا يماثله احد من الخلق فيها عيه الصلاة والسلام ومع هذا يعتذر إلى ربه ويقول : لا أحصي ثناء عليك " لأنه مهما عبدت الله واجتهدت فان نعم الله وفضله عليك أكثر ولكن الله جل وعلا عفو غفور .

الاستقامة: هي درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات، ومن لم يكن مستقيمًا ضاع سعيه وخاب جهده، ومن استقام نال أجر الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

فلا خوف، ولا حزن، وبشرى بالجنة، وولاية الله تعالى لهم في الدنيا والآخرة، ثم حصول النفس على كل ما تشتهيه.

ولمعرفته - صلى الله عليه وسلم - بقيمة الاستقامة أجاب سفيان بن عبد الله الثقفي لما سأله: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك، وفي رواية "غيرك" قال: " قل آمنت بالله ثم استقم".

وما أعطيت الاستقامة كل هذه القيمة إلا لأنها حقيقة الإيمان، وهي العبودية الحقة لله تعالى، والاستعانة به وتوحيده وتنزيهه -عز وجل-، وأما طريقها فهو الالتزام التام بهذا المنهج دون إفراط أو تفريط، وهو أمر شاق وعسير، لذلك قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ.

 قال عمر -رضي الله عنه-: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب.

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: هم من استقاموا على أمر الله، يعملون بطاعته، ويجتنبون معصيته، وقال ابن تيمية -رحمه الله-: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة أو يسرة.

وقد أوضح رسولنا -صلى الله عليه وسلم- سبيل حدوث الاستقامة بقوله: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" .(11)

فالاستقامة وراءها الخير الكثير والفضل العظيم في الدنيا والآخرة، فإذا أردت أن تحيا في الدنيا والآخرة بلا خوف ولا حزن، وأن تنال ولاية الله في الدنيا والآخرة، وأن تبشر بالجنة، وتفوز بكل ما تشتهيه النفس، قل: آمنت بالله.. ثم استقم.

ومن وسائل الإستقامة: مرافقة الصالحين, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي"(12).

 وقال صلى الله عليه وسلم"مثل الجليس الصالح والجليس السوء, كحامل المسك ونافخ الكير, فحامل المسك إما أن يحذيك, وإما أن تبتاع منه وإما أن تجدمنه ريحاً طيبة, ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة"(13)

ومن وسائل الاستقامة على الدين التضرع إلى الله بالدعاء, فأعلن افتقارك إلى الله, وارفع أكف الضراعة إليه دائماً طالبا منه العفو والعافية, والثبات على الهدى, والتوفيق في الدنيا والآخرة. قال الرسول صلى الله عليه وسلم "إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً"(14), وإياك واستعجال الإجابة فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم "ما من عبد يرفع يديه حتى يبدو إبطه يسأل الله مسألة إلا أتاه الله إياها مالم يعجل. قالوا يا رسول الله وكيف عجلته؟ قال: يقول: قد سألت وسألت ولم أعط شيئاً".(15)

فما هو جزاء الاستقامة؟

جزاء الاستقامة عند الموت إذا نزلت بالعبد كربته وأحاطت به شدته وصار من حوله لا يملكون له نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا وهو يرى ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون في تلك الساعة كما قال ربنا سبحانه :﴿ فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ*وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ*وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ* فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ*تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:83-87] فإذا كان العبد في تلك الشدة فالملائكة تنزل عليه وهي بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة يبشرونه يقول الله عز وجل ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ*نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ*نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]  هذا جزاءهم عند الله, وجزاءهم عند الله كذلك أن يرزقهم السداد في القول وفي العمل ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا وإذاً لأتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيما0

 

الوسائل التي تعين على الاستقامة:

الوسيلة الأولى:

وهي الدرجة الأولى في سلم الاستقامة هي الإيمان بالله عز وجل أن يستقيم القلب على توحيد الله ومعرفته ومهابته ورجائه وخشيته جل جلاله فينتج عن ذلك استقامة الجوارح لما سأل سفيان ابن عبد الله الثقفي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك  قال عليه الصلاة والسلام : "قل أمنت بالله ثم استقم"