إنّ مِن كريمِ سجَايا المسلِم وجميلِ
خصالِه ورفيع خلالِه وشريفِ صِفاته كمالَ سعيه في طلبِ الحق، وشدّةَ حرصِه على
الإذعانِ له والنُّفرةِ مِن ردِّه، ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأعلى، وأمَلاً في بلوغِ
رضوانِه، و ازدِلافًا إليه رَغبًا ورهَبًا، محبّة وشَوقًا، تعبُّدًا ورِقًّا،
وحذَرًا مِن التّردِّي في وهدَةِ الكِبر المُهلكِ الذي بيَّن واقعَه وأوضح حقيقتَه
رسولُ الهدَى eبقولِه في
الحديثِ الذي أخرجَه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مَسعود رضيَ الله عنه،
عن النبيّ
e أنّه قال: "
لا يدخُل الجنّةَ من كان في قلبِه مثقالُ ذرّة من كِبر"
(1)
فقال رجل: إنّ الرّجل يحِبّ أن يكونَ ثوبُه
حسنًا ونعلُه حسنةً! فقال النبيّe :
"
إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمالَ، الكِبر بَطَر الحقِّ وغَمطُ النّاس"(2).
وبَطَر الحقِّ هو ردُّه ودفعُه وعدَم
القبولِ به، وغَمط الناسِ هو احتقارُهم والترفُّع عليهم بكلِّ لونٍ مِن ألوان
الترفُّع القوليّة والعمليّة. وقد كان ردُّ الحقّ تكذيبًا به وكراهةً له وإعراضًا
عنه ديدنَ الأممِ السّابقة التي حاقَ بها العذاب، وجاءهم بأسُ الله ونزَل
بساحتِهم، فكَان مَا أصابَهم عِبرةً للمعتبِرين وذِكرَى للذّاكرين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ
إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا
جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون *
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي
الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا
وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
[الأنعام:4-6]، وقال عزَّ اسمُه:
﴿لَقَدْ
جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾
[الزخرف:78].
أمّا أهلُ الإيمانِ والتّقوى فإنّ مِن
أظهرِ صفاتِهم القبولَ بالحقّ والاحتفاءَ به والانقيادَ له والدّعوةَ إليه، ولذا
فهم أعقلُ الخلق وأحكمُ النّاس وأبصَر العِباد بأسبابِ السّعادةِ وأبوابِ الظّفَر
وأسرارِ التّوفيق؛ لأنّ الحكمةَ ضالّة المؤمن، أينَما وجدَها التقَطَها، ولأنّ في
التّجافي عن ردِّ الحقِّ والنّأيِ عنه سلامةً مِن مشاركةِ الضّالين المكذِّبين
بآياتِ الله عزّ وجلّ ورسُله، عَن مشارَكتِهم في أوزارِ ضلالِهم وأوضارِ تكذيبِهم
وعاقبةِ استِكبارهم وعلوِّهم في الأرض بغيرِ الحقّ، وتراهم مِن أجلِ ذلك قد
وطَّنوا أنفسَهم على قَبول الحقِّ ممّن أُجرِي على لسانه، لا يستثنون صبيًّا أو
جاهلاً أو عَدوًّا، كما قرّره أهلُ العِلم كالقاضي عياض وكغيرِه من أهلِ العِلم،
بل إنّ مِن كريمِ مناقبِهم وحُلوِ شمائلهم أنّ أحدَهم إذا ناظَر غيرَه أو ناقشَه
دعَا له بظَهر الغَيب أن يثبَّتَ ويُسدَّدَ ويوفَّق للصّواب، وأن يظهِر الله
الحقَّ على لسانِه، ومِن ذلك قولُ الإمام الشافعيّ رحمه الله: "ما ناظرتُ
أحدًا إلاّ أحببتُ أن يظهِرَ الله الحقَّ على لسانه". ثمّ هو يترفَّق بأخيه
غايةَ الترفُّق، ويغضّ مِن صوتِه ويحفَظ لسانَه ويدَه، فلا يستطيل في عِرضه، ولا
يؤذِيه بأيّ جارحةٍ من جوارحه، مستحضِرًا في ذلك قولَ نبيِّ الرحمة والهُدى
e في الحديثِ الذي أخرجَه الإمام أحمد
في مسنده بإسنادٍ صحيح عن عبد الله بن مَسعود رضيَ الله عنه أنّه صلوات الله
وسلامه عليه قال:
"ليسَ المؤمن بالطّعَّان ولا
اللعَّان ولا الفاحِش ولا البَذيء"(3)، ومستحضرًا قولَه
عليه الصلاة والسلام: "المسلمُ من سلِم المسلمون من
لسانِه ويدِه، والمهاجِر من هجَر ما نَهى الله عنه"(4)
أخرجه الشيخان في صحيحيهما. ثمّ هو يكفُّ عن المناقشةِ ويمسِك عن الجِدال إذا لَم
تُرجَ منه فائدة، بل خُشِي الضّررُ بثورةِ الخصومة المفضِيةِ إلى البَغضاء،
مستحضِرًا قولَ رسول اللهe :
"
أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَض الجنّة لمَن ترك المراءَ ـ أي: الجدل ـ وإن كان
مُحِقًّا"(5)
، ومستحضِرًا أيضًا قولَه صلوات الله وسلامه عليه:
"
ما ضلَّ قومٌ بعد هدًى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل"(6).
وبالجملةِ فإنّ إخلاصَ النيةِ وسلامةَ
القصد في كون الوصولِ إلى الحق هو الغاية، وإنّ الحذَر من الانتصار للنّفس وطلبِ
العلوّ وإظهار الفَضل والتقدُّم، مع الحِرص على كمالِ الشّفقَة على الخلقِ وتمامِ
الرّحمةِ بهم وإرادةِ الخير لهم، كلُّ أولئك ممّا لا غناءَ عنه لطلاّبِ الحقّ
ودُعاة الهُدى والسُّعاةِ إلى الخير المبتغِين الوسيلةَ إلى ربِّهم بتوحيدِه
وذِكره وشُكره وحُسنِ عبادتِه والنزولِ على حكمه، وصدَقَ سبحانه إذ يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[القصص:83].
موانع قبول الحق والهـداية
:
فلما كان تمام النعمة على العبد إنما
هو بالهدى والرحمة، وكان لهما ضدان: الضلال والغضب، أمرنا الله سبحانه أن نسأله كل
يوم
وليلة
مرات عديدة أن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم ، وهم أولو الهدى والرحمة، وأن
يجنبنا طريق المغضوب عليهم ،
وهم ضد المرحومين ، وطريق الضالين ، وهم ضد المهتدين ،
ولهذا كان هذا الدعاء من أجمع الدعاء
وأفضله وأوجبه ، ولذلك اشتدت حاجة العبد بل
ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه
الصراط المستقيم كل يوم سبع عشرة مرة فرضا عليه ،
لكن قد تتخلف الإجابة نظرا لضعف
الدعاء في نفسه ، فإنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم
"
إن الله لا يستجيب دعاء من قلب
غافل لاه "(7) فغفلة
القلب أثناء الدعاء تبطل قوته ،
وقد يقول كثير من الناس لماذا مع كثرة التوجهات والدعاء لا
زلنا نشكو من ضعف
الهداية؟ إنني أرغب في الهداية لكني لا أستطيع فما هو السبب
؟
هذه هي صورة المشكلة فما أسبابها
وما نتائجها وما علاجها ؟؟
لا شك أن موانع الهداية كثيرة قد
تجتمع كلها في
الواحد مرة واحدة، وقد يتخلف بعضها، وقد يحول بين العبد
والهداية مانع واحد . وعلى
كل سوف نذكر جملة منها، وهي عشرة موانع
:
1-
ضعف المعرفة
:
الجهل بالعلوم النافعة؛ أكبر عائق، وأعظم
مانع من الوصول إلى الحقائق الصحيحة، والأخلاق الحميدة، قال تعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا
بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الظَّالِمِينَ
﴾ [يونس:39].
وقال: ﴿...وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
﴾
[الأنعام:111]. وقال:
﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
﴾
[الأنعام:37].
فإن كمال العبد في أمرين : معرفة الحق
من الباطل ، وإيثار الحق على
الباطل ، فإن من الناس من يعرف الحق لكن إيثاره على الباطل
قد يكون عنده ضعيفا،
والجاهل إذا عرف كان قريب الانقياد والإتباع ، وبهذا يكون قد
قطع نصف الطريق إلى
الحق وما بقي عليه إلا قوة العزيمة على الرشد
" اللهم
أسألك العزيمة على الرشد"(8), وقال تعالى
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾
[الكهف:68]، وهذا السبب هو الذي
حال بين كثير من الكفار وبين الإسلام ، فإنهم لا يعرفون عنه
شيئا، ومع ذلك يكرهونه
، وكما قيل
:الناس أعداء لما جهلوا.
ومن المؤسف جهل المسلمين في هذه
الأيام
بحقيقة
هذا الدين ، فمنهم من يقول : إذا تبت وأنبت إلى الله وعملت صالحا ضيق علي
رزقي ونكد علي معيشتي ، وإذا
رجعت إلى المعصية وأعطيت نفسي مرادها جاءني الرزق
والعون ، ونحو هذا. هو يعبد الله من
أجل بطنه وهواه ، وإذا حصل مثل هذا فالله يختبر
صدق العبد وصبره ، فلا إله إلا الله !
كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل ، ومتدين
لا بصيرة له ، ومنتسب إلى العلم لا
معرفة له بحقائق الدين ، أما قرأت قوله تعالى
:﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ
بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ
انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ
خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
﴾ [الحج:11]،
فسبحان الله ! كم صدت هذه الفتنة
الكثير عن القيام بحقيقة هذا الدين ، والسبب : الجهل بالدين
، والجهل بحقيقة النعيم
الذي يطلبه ويعمل من أجل أن يصل إليه ، كم نسبة نعيم الدنيا
بالنسبة لنعيم الآخرة؟
أما الأوامر والنواهي فهي رحمة وحمية، ونغص الله الدنيا على
المؤمنين حتى لا
يطمئنوا إليها ويركنوا إليها ويرغبوا في نعيم الآخرة .
2- عدم الأهلية
:
فإنه قد تكون المعرفة تامة لكن يتخلف
عنه عدم زكاة المحل
وقابليته
﴿ وَلَوْ
عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا
وَهُمْ مُعْرِضُونَ
﴾ [الأنفال:23]، مثل : الأرض
الصلدة التي يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات فيها لعدم
قبولها، فإذا كان القلب قاسيا لم يقبل
النصائح ، وأبعد القلوب من الله : القلب
القاسي ، وكذا إذا كان القلب مريضا ،
فلا قوة فيه ولا عزيمة ، لما يؤثر فيه ا لعلم .
ومن صفاتهم كما وصفهم الله
:
﴿وَإِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:45]
0
3- الحسد والكبر
:
الكبر: الذي هو أعظم الموانع من اتباع الحق، قال تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف:146].
وقد فسره عليه الصلاة والسلام بأنه
"بطر الحق وغمط الناس"(9)، وضده التواضع ، وهو قبول
الحق مع من كان ، ولين الجانب ،
فالتكبر – الذي هو رد الحق واحتقار الخلق
– منع خلقاً كثيراً من إتباع الحق والانقياد له بعد ما ظهرت آياته وبراهينه، قال
تعالى:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
﴾
[النمل:14].
والمتكبر متعصب لقوله
وفعله ، وذلك هو الذي حمل
إبليس على عدم الانقياد للأمر لما أمر بالسجود ، وهو داء
الأولين والآخرين ، إلا من رحم الله ،
وبه تخلف اليهود عن الإيمان بالرسول صلى الله
عليه وسلم ، وقد عرفوه وشاهدوه ،
وعرفوا صحة نبوته
﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً
مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
﴾ [البقرة:146] ، فذكر
سبحانه أنهم يعرفون صفات
الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ولكنهم قوم
بهت.
وبهذا الداء امتنع عبد الله بن أبي بن
سلول عن الإيمان ، وبه تخلف الإيمان عن
أبي جهل ، ولهذا لما سأله رجل عن
امتناعه مع أنه يعرف أنه صادق قال : تسابقنا نحن
وبنو هاشم على الشرف حتى إذ ا كنا
كفرسي رهان قالوا، منا نبي ، فمتى ندركها؟ والله
لا نؤمن به ، وكذلك سائر المشركين
فإنهم كلهم لم يكونوا يرتابون في صدقه ، وأن الحق
معه ، ولكن حملهم الكير والحسد على
الكفر والعناد.
فمثلا يكون
الإنسان على جهالة
أو باطل ، فيجيء آخر فيبين له الحجة ، فيرى أنه إن اعترف كان
معنى ذلك اعترافه بأنه
ناقص ، وأن ذلك الرجل هو الذي هداه ولهذا ترى من المنتسبين
إلى العلم من لا يشق
عليه الاعتراف بالخطأ إذا كان الحق تبين له ببحثه ونظره ،
ويشق عليه ذلك إذا كان
غيره هو الذي بين له.
4- مانع الرياسة:
ولو لم يكن في صاحبه حسد ولا كبر عن
الانقياد للحق لكن لا
يمكنه أن يجتمع له الانقياد للحق وملكه ورياسته ، فيضن بملكه
ورياسته ، كحال هرقل
وأضرابه ، فإنه قال في آخر كلامه مع أبي سفيان : "فإن
كان ما تقول حقا فسيملك موضع
قدمي هاتين ، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت
عنده لغسلت عن قدمه
"،
أنه لا يستطيع الوصول إليه
لتخوفه على حياته ومملكته من قومه . وما نجا من هذا
الداء - وهو داء أرباب الولاية - إلا
من عصم الله كالنجاشي . وهذا هو داء فرعون
وقومه
﴿
فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ
﴾ [المؤمنون:47]
، وقد قيل ، إن
فرعون لما أراد متابعة موسى وتصديقه شاور هامان وزيره ، فقال
له : بينما أنت إله
تعبد تصير عبدا تعبد غيرك ، فاختار الرياسة على الهداية.
5-
مانع الشهوة والمال:
وهو الذي منع كثيرا من أهل الكتاب من
الإيمان خوفا من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم ، وقد كان كفار
قريش يصدون الرجل
عن الإيمان بحسب شهوته ، فيدخلون عليه منها، فكانوا يقولون
لمن يحب الزنا : إنه
يحرم الزنا ، ويقولون لمن يحب الخمر : إنه يحرم الخمر، وبه
صدوا الأعشى الشاعر عن
الإسلام ، وأخبروه بأنه يحرم الخمر ، فرجع وهو في طريقه إلى
الرسول ، فوقصته ناقته
فسقط فمات.
وقد قال بعض أهل العلم : لقد فاوضت
غير واحد من أهل الكتاب عن
الإسلام ، فكان آخر ما قال لي أحدهم: أنا لا أترك الخمر
وشربها ، وإذا أسلمت حلتم
بيني وبينها وجلدتموني على شربي ، وقال لي أيضا آخر بعد أن
عرضت عليه الإسلام : إن
ما قلت حق ، ولكني لي أقارب أرباب أموال وإني إذا أسلمت لم
يصل إلي منها شيء ، وأنا
آمل أن أرثهم . ولا ريب أن هذا القدر في نفوس خلق كثير من
الكفار، فإذا اجتمع في
حقهم قوة داعي الشهوة والمال مع ضعف داعي الإيمان ، فلا ريب
أن العبد يجيب داعي
الشهوة والمال
﴿ وَمَنْ
لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ
دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
﴾[الأحقاف:32]0
6- مانع محبة الأهل
والأقارب والعشيرة:
فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم
أبعدوه وطردوه عنهم ، وهذا سبب بقاء خلق كثير من الكفار بين قومهم وأهليهم
وعشائرهم ، وهذه الحالة تحصل
كثيرا بين اليهود والنصارى، وكيف أنهم ينبذون كل من خالف مذهبهم ويعادونه كلهم ،
مما جعل كثيرا من أبنائهم وممن ينتسب إليهم يتركون
الحق بعد معرفته ويعرضون عنه
.
ومن يك
ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلالا
7- محبة الدار
والوطن:
وإن لم يكن بها عشيرة ولا أقارب ، لكن
يرى أن في متابعته للرسول لصلى الله عليه وسلم أو أهل الحق الذين اتبعوه - فيه
خروج
عن
داره ووطنه إلى دار الغربة،
فيضن بوطنه على متابعة الحق أو الدخول في
الإسلام بعد تيقنه ، ومن قرأ
سيرة سلمان رضي الله عنه وما لاقى من المتاعب في سبيل
الوصول إلى الحق لعلم أي مجاهدة جاهد
بها نفسه ، وكيف ترك أهله وعشيرته ووطنه وهاجر
إلى المدينة ، وقد سمي (الباحث عن
الحقيقة) ، وكذا الأمر في سائر الصحابة الذين
تركوا أهلهم وأبناءهم وأموالهم وخرجوا
إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله
ورسوله أولئك هم الصادقون.
9- من تخيل أن في
الإسلام ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم إزراءً
وطعنا منه على آبائه وأجداده:
وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن
الإسلام فرأوا أنهم إذا
أسلموا
سفهوا
أحلام آبائهم وأجدادهم ، ولهذا قال أعداء الله لأبي طالب عند الموت : أترغب عن ملة
عبد المطلب ؟ فكان آخر ما قاله هو على ملة عبد المطلب، فصدوه عن الحق من هذا
الباب، لعلمهم بتعظيمه أباه عبد المطلب، وقد ذكرنا سابقا بأنهم يأتون الرجل من باب
شهوته ، أو من هذا الباب ، ولهذا قال أبو طالب: لولا أن تكون مسبة على بني عبد
المطلب لأقررت بها عينك ، وقد قرر ذلك في شعره
:
ولقد
علمت بأن دين محمد ***من خير أديان البرية دينا
لولا
الملامة أو حذار
مسبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا
وقد يقول قائل :هذا في قوم قد كانوا
فبانوا، وهذه
شبه عند البعض ، فقد سمعت في هذه الأيام ونحن في بعض المناطق
البدوية من بقول : لا
أترك عادات آبائي وأجدادي
﴿ وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا
حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا
يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
﴾ [المائدة:104] ، وهذا السبب
هو الذي منعهم من
الدخول في الإسلام أو قبول الحق بعد معرفته وتيقنه
.
9ـ متابعة من
يعاديه من الناس أو دخوله في
الإسلام أو سبقه إليه وهذا القدر منع كثيرا من إتباع
الهدى بعد معرفة ؟
حيث يكون للرجل عدو ويبغض مكانه ولا
يحب
أرضا
يمشي عليها ويقصد مخالفته ؛ فيراه قد اتبع الحق فيحمله بغضه له على معاداة
الحق وأهله ولو لم يكن بينه
وبينهم عداوة، وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار فإنهم كانوا أعداءهم وكانوا
يتواعدونهم بخروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يتبعونه
ويقاتلونهم معه ، فلما سبقهم الأنصار
إليه وأسلموا حملتهم معاداتهم على البقاء على
كفرهم ويهوديتهم0
10ـ مانع الألفة والعادة والمنشأ :
وهذا السبب
وإن كان أضعف الأسباب معنى فهو أغلبها
على الأمم وأرباب المقالات والنحل ، وليس مبرر
أكثرهم بل جميعهم إلا ما عسى أن يشذ
ودين العوائد هو الغالب على أكثر الناس،
والانتقال عنه كالانتقال من طبيعة إلى
طبيعة ثانية، فصلوات الله وسلامه على
أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم
وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف غيروا
عادات الأمم الباطلة ونقلوهم إلى الإيمان
حتى استحدثوا به طبيعة ثانية خرجوا بها عن عاداتهم وطبيعتهم الفاسدة المتمثلة في
قولهم :
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا
مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ
﴾ [الزخرف:23]
، ولا
يعلم مشقة هذا على النفوس إلا من زاول تقل
رجل واحد عن دينه ومقالته إلى الحق ،
فجزى الله المرسلين أفضل ما جزى به أحدا من
العالمين.
11- الفسق:
فالفسق أكبر مانع من قبول الحق علماً
وعملاً، قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ
كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[يونس:33]. والفسق: هو خروج العبد عن طاعة الله إلى طاعة الشيطان.
والله تعالى لا يزكي من كان هذه حاله؛ بل
يكله إلى نفسه الظالمة، فتجول في الباطل عناداً وضلالاً، وتكون حركاته كلها شراً
وفساداً؛ فالفسق يقرنه الباطل، ويصده عن الحق؛ لأن القلب متى خرج عن الانقياد لله
والخضوع؛ فلابد أن ينقاد لكل شيطان مريد:
﴿كُتِبَ
عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ
السَّعِيرِ﴾ [الحج:4].
أما أسباب الهداية فهي
كثيرة
جداً منها:
الدعاء والقرآن والرسل وبصائر العقول
، فكما أن للشفاء من المرض أسبابا، فكذلك للهداية أسباب ، فالمريض إذا مرض
يذهب إلى الطبيب ويبذل السبب
من أجل طلب الشفاء والعافية، وكذا الأمر بالنسبة للهداية وهي مبذولة ولا يمنع منها
إلا هذه الأسباب التي تعمى على القلوب وإن كانت
لا تعمى الأبصار
.
آداب تعين في الوصول إلى الحق:
هذه جملة من الآداب التي إذا اتبعها
المسلمون فيما ينشأ بينهم من خلاف اهتدوا بحول الله ومشيئته ورحمته إلى الحق .
1)
التثبت من قول المخالف:
أول ما يجب على المسلم أن يتثبت في
النقل ، وأن يعلم حقيقة قول المخالف، وذلك بالطرق الممكنة كالسماع من صاحب الرأي
نفسه ، أو قراءة ما ينقل عنه من كتبه لا مما يتناقله الناس شفاهاً، أو سماع كلامه
من شريط مسجل أيضاً مع ملاحظة
أن الأشرطة الصوتية يمكن أن يدخل عليها القطع والوصل ، وحذف
الكلام عن سياقه ، ولذلك يجب سماع الكلام بكامله ولو أن أهل العلم يتثبتون فيما
ينقل إليهم من
أخبار لزال معظم الخلاف الذي يجري بين المسلمين اليوم ، وقد
أمرنا الله بالتثبت كما
قال سبحانه وتعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى
مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين
﴾ [الحجرات:6] , وقال
تعالى :
﴿
وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْؤُولاً
﴾ [الإسراء:36]
وقد وقعت حالات كثيرة من الخلاف كان
أساسها التسرع في النقل، وعدم التثبت فيه ، وعندما وقع التثبت تبين أن الأمر
بخلافه.
2)
تحديد محل التنازع والخلاف:
الخلاف بين المخالفين كثيراً ما يقع ،
ويستمر النقاش والردود وهم لا
يعرفون على التحديد ما هي نقاط الخلاف بينهم، ولذلك يجب
أولاً قبل الدخول في أي نقاش أو جدال تحديد مواطن الخلاف تحديداً واضحاً حتى يتبين
أساساً الخلاف، وعلى المتجادلين أن لا يتجادلان في
شيء قد يكونان هما متفقين عليه ،
وكثيراً ما يكون الخلاف بين المختلفين ليس في
المعاني ، وإنما في الألفاظ فقط فلو
استبدل أحد المختلفين لفظة بلفظة أخرى لزال
الإشكال بينهما , ولذا لزم تحديد محل
الخلاف تحديداً واضحاً.
3) لا تتهم النيات:
مهما كان مخالفك مخالفاً للحق في نظرك
فإياك أن تتهم نيته ، افترض
في المسلم الذي يؤمن بالقرآن والسنة ولا يخرج عن إجماع الأمة
، افترض فيه الإخلاص ، ومحبة الله ورسوله ، والرغبة في الوصول إلى الحق ، وناظره
على هذا الأساس، وكن سليم
الصدر نحوه.
لا شك أنك بهذه الطريقة ستجتهد في أن
توصله إلى الحق إن كان الحق في
جانبك وأما إذا افترضت فيه من البداية سوء النية ، وقبح
المقصد فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر وهو إرادة كشفه وإحراجه، وإخراج ما تظن أنه
خبيئة عنده ، وقد يبادلك مثل هذا الشعور ، فينقلب النقاش عداوة ، والرغبة في
الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم
المخالف وبيان ضلاله وانحرافه.
4) أخلص
النية لله:
اجعل نيتك في المناظرة هو الوصول إلى
الحق وإرضاء الله سبحانه
وتعالى ، وكشف غموض عن مسألة يختلف فيها المسلمون، ورأب
الصدع بينهم، وجمع الكلمة
وإصلاح ذات البين .
وإذا كانت هذه نيتك فإنك تثاب على ما
تبذله من جهد في هذا الصدد .
قال تعالى:
﴿إِنَّا
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ
الدِّينَ﴾[الزمر:2]
، وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم:
" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ
ما نوى"(10) .
5) ادخل إلى المناظرة وفي نيتك
أن تتبع الحق وإن كان مع خصمك
ومناظرك:
يجب على المسلم الذي يخالف أخاه في
مسألة ويناظره فيها ألا يدخل
نقاشاً معه إلا إذا نوى أن يتبع الحق أنى وجده ، وأنه إن تبين
له أن الحق مع مخالفه اتبعه وشكر لأخيه الذي كان ظهور الحق على يده لأنه لا يشكر
الله من لا يشكر
الناس.
6) اتهم
رأيك:
يجب على المسلم المناظر وإن كان
متأكداً من رأيه أنه صواب أن يتهم
رأيه ، ويضع في الاحتمال أن الحق يمكن أن يكون مع مخالفه،
وبهذا الشعور يسهل عليه تقبل الحق عندما يظهر، ويلوح له .
7) قبول الحق من المخالف حق وفضيلة:
إن قبول الحق من مخالفك حق وفضيلة ،
فالمؤمن يجب أن يذعن للحق عندما
يتبينه، ولا يجوز له رد الحق ، لأن رد الحق قد يؤدي إلى
الكفر كما قال صلى الله
عليه وسلم:
" لا تماروا في القرآن فإن مراء
في القرآن كفر .."(11).
والمماراة هنا معناها المجادلة ، ودفع
دلالته بالباطل لأن هذا يكون تكذيباً لله ورداً لحكمه، وليس تكذيباً للمخالف .
ورد الحق كبراً من العظائم ، وقد فسر
النبي صلى الله عليه وسلم
الكبر فقال صلى الله عليه وسلم:
" الكبر بطر الحق وغمط
الناس"(12) وبطر
الحق رده .
8) اسمع
قبل أن تُجِب:
من آداب البحث والمناظرة أن تسمع من
مخالفك قبل أن ترد وأن تحدد محل
الخلاف قبل أن تخوض في الموضوع.
9) اجعل
لمخالفك فرصة مكافئة لفرصتك:
يجب على كل مختلفين أن يعطي كل منهما للآخر عند النقاش فرصة مكافئة لفرصته فإن هذا أول درجات الإنصاف .