بسم الله الرحمن الرحيم

البحث عن الحق

 

الحق  أعظم مطلوب عند الإنسان ؛ لذا فالمرء ينشد ويتحرى الحق في كل أمور حياته ، لأنه إما أن يسير وفق الحق والصواب أو أن يقع في الباطل والضلال، فإذا وصل الإنسان إلى الحق فقد أبعد نفسه عن الباطل قال تعالى : ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾[الإسراء:81] ، وقال تعالى عن التدافع بين الحق والباطل وأن النفس البشرية إما أن تجتهد وتبحث عن الحق وتصيبه أو تفقده ، وتقع في الباطل ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً﴾[الكهف: 56] ، ويقول عز وجل :

﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾[سبأ:49] ويبين الله سبحانه وتعالى أن الباطل لا يصمد أمام الحق في سبيل الترغيب في البحث عن الحق ، ومدحه ، ومدح أهله . قال تعالى :

 ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾[الأنبياء:18].

وإننا لنوقن أن أنفع شيء للناس هو الحق، وأن أضر شيء بالناس هو الباطل، وقد ضرب لنا القرآن مثلاً للحق بالماء السائل والمعدن النافع، وللباطل بالزبد الرابي على وجه الماء يسيل به الوادي ، أو الرغوة المنتفخة على وجه المعدن حيث يوقد عليه في النار ابتغاء حلية ، أو متاع .

 قال تعالى معقباً على هذا التمثيل : ﴿  كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾[الرعد:17]  .

والذي يمكث في الأرض هو الحق ، وهو الذي عبر عنه القرآن بـ (ما ينفع الناس) فالحق ينفعهم مادياً ومعنوياً ، ينفعهم أجساماً وعقولاً وقلوباً ، وينفعهم أفراداً وجماعات ينفعهم دنيا وآخرة.

والحق لتجاوبه مع فطرة الله في النفوس يجعله مقبولاً مستحباً ، وهذا التجاوب يجعله قادراً على تخطي العقبات ، واجتياز السدود التي قد يصنعها الباطل وأهله.

فالإنسان يجب أن يتحرى الحق في كل أموره صغيرها وكبيرها، وكل طالب للحق يجد نفسه أمام ألوان شتى من التفكير ؛ لذا عليه أن يدقق النظر ، ويمعن التأمل حتى يصيب الحق ، ولا يتعداه.

والقرآن الكريم قد رغب في البحث عن الحق ، وتحريه ، وأرشد إلى وسائل لتحقيق ذلك، والوصول إليه ، ومنها السير في الأرض ، والنظر في أرجائها ، وما وقع عليها .

قال تعالى : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[الأنعام:11].

وقال تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[غافر: 82].

وقال تعالى : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[العنكبوت:20]. وغيرها من الآيات الأخرى التي تدعوا إلى السير ، والتفكير ، والتأمل ، والتقصي الموصل في النهاية إلى حقائق الأمور، بل قد مدح الله الذين يبحثون عن الحق ، ويتفكرون في الأمور ؛ ليصلوا إلى حقائقها ، وذم الذين لا يتفكرون قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف:184-185].

وقال الله تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[الحج:46]. وقال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾[الروم:8] . وغيرها من الآيات الكثيرة جداً التي تدعو إلى السير وإلى التفكر ، وهي وسائل من وسائل إحقاق الحق ، وإظهار ، وإبطال الباطل ، وإلغائه.

فالحق أعظم جوهرة يجب أن يغوص في البحث عنها الإنسان ، ويتحمل في سبيلها المتاعب والصعاب ، وقد ذكر لنا القرآن قصصاً كثيرة للباحثين عن الهدى والحقيقة . ومن ذلك : ما حكاه الله عز وجل لنا في قصة يوسف عليه السلام : ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾[يوسف:51] فبعد أن بحث عن الحق،ودقق النظر في القضية وصل إلى الحق .

وقال الله تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾[البقرة:144].

وفي قول ملكة سبأ التي حدثنا الله عنها في سورة النمل – ما يشير إلى أن البحث عن الحق مؤد إلى قبول الحق ، واعتناقه . قال تعالى حاكياً تلك القصة :

﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ*فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ .. ﴾[النمل:35-40 ] فهي أرسلت الهدية لتبحث عن شيء ألا وهو معرفة حقيقة سليمان : أملكٌ غاصب ، أو نبي مرسل ؛ فلما علمت أذعنت للحق ، واعتنقت الهدى وقالت : ﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[النمل:44 ].

وكذلك حدثتنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم عن نماذج من الباحثين عن الحقيقة ، ومن ذلك ما أخرجه مسلم في قصة ذلك الغلام المؤمن الذي اشتبه عليه الحق بالباطل في أول الطريق ، فظل يبحث ، ويبحث حتى استحق الهدى والحق.

عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "كان فيمن كان قبلكم ملك ، وكان له ساحر ، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلاماً أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاماً يعلمه السحر ، وكان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه وسمع كلامه ، فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب ، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي, وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ -أي أنه كان في مرحلة بحث وتحرٍ عن الحق قبل ذلك- فأخذ حجراً وقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس . فرماها فقتلها ومضى الناس"(1)

ومن الباحثين عن الحقيقة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه فقد أخرج مسلم في صحيحه باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه :

عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: خرجنا من قومنا غفار ، وكانوا يحلون الشهر الحرام ، فخرجت أنا ، وأخي أنيس ، وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا ، وأحسن إلينا ، فحسدنا قومه ، فقالوا : إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس ، فجاء خالنا ، فنثا علينا الذي قيل له,فقلت: أما ما مضى من معروفك ، فقد كدرته ، ولا جماع لك فيما بعد, فقربنا صرمتنا ، فاحتملنا عليها ، وتغطى خالنا ثوبه ، فجعل يبكي ، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة ، فنافر أنيس عن صرمتنا ، وعن مثلها ، فأتينا الكاهن فخير أنيساً ، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها, قال: وقد صليت يا بن أخي قبل أن ألقى رسول الله  صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين, قلت لمن؟ قال: لله0 قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس, فقال لأنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني, فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي ثم جاء, فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر, كاهن, ساحر, وكان أنيس أحد الشعراء, قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة ، فما هو بقولهم, ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتم على لسان أحد بعدي انه شعر . والله انه لصادق ، وإنهم لكاذبون, قال : قلت: فاكفني حتى اذهب فأنظر!! قال: فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم, فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ ؟ فأشار إلي، فقال: الصابئ؟!! فمال علي أهل الوادي بكل مدرة ، وعظم حتى خررت مغشيا علي.

 قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر. قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها ، ولقد لبثت يا بن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم؛ فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع . قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان إذ ضرب على أسمختهم ، فما يطوف بالبيت أحد وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة, قال: فأتتا علي في طوافهما ، فقلت: انكحا أحدهما الأخرى قال: فما تناهتا عن قولهما, قال: فاتتا علي فقلت هن مثل اني لا أكني فانطلقتا تولولان ، وتقولان : لو كان ههنا أحد من أنفارنا, قال فاستقبلهما رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وهما هابطان, قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها0 قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم . وجاء رسول الله  صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ، ثم صلى ، فلما قضى صلاته, قال أبو ذر: فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام, قال: فقلت السلام عليك يا رسول الله, فقال: الله ثم! قال: من أنت؟ قال: قلت من غفار, قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته, فقلت في نفسي: كره إن انتميت إلى غفار,فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبه ، وكان أعلم به مني ، ثم رفع رأسه ، ثم قال : متى كنت ههنا ؟ قال : قلت قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم . قال : فمن كان يطعمك ؟ قال : قلت : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ، وما أجد على كبدي سخفة جوع . قال إنها مباركة . إنها طعام طعمة ... (2)  

 

ومن النماذج المشرقة في البحث عن الحق

سلمان الفارسي رضي الله عنه :

روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا: «جَيٌّ»، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ - أَيْ مُلاَزِمَ النَّارِ - كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لاَ يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً.

قَالَ: وَكَانَتْ لأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ. قَالَ: فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانٍ هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ. فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لاَ أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ. فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ.

قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلاَتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ؟

قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ. قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟! قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَازِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ. قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَلاَّ وَاللَّهِ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا.

قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ. قَالَ: وَبَعَثَتْ إِلَيَّ النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنْ النَّصَارَى فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنْ النَّصَارَى، قَالَ: فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلاَدِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ.

قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلاَدِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: الأَسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ.

قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ. قَالَ: فَادْخُلْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ.

قَالَ: فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلاَلٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ.

قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ. قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ. قَالَ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلاَلٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا. قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللَّهِ لاَ نَدْفِنُهُ أَبَدًا، فَصَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ. ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ.

قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً لاَ يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ وَلاَ أَدْأَبُ لَيْلاً وَنَهَارًا مِنْهُ. قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ رَجُلاً بِالْمَوْصِلِ، وَهُوَ فُلاَنٌ، فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ.

قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنَّ فُلاَنًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ. قَالَ: فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنَّ فُلاَنًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلاً عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلاَّ بِنَصِيبِينَ، وَهُوَ فُلاَنٌ، فَالْحَقْ بِهِ.

قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنَّ فُلاَنًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلاَنٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلاَنٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلاَّ رَجُلاً بِعَمُّورِيَّةَ، فَإِنَّهُ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ. قَالَ: فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا.

قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ.

قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلاَنٍ، فَأَوْصَى بِي فُلاَنٌ إِلَى فُلاَنٍ، وَأَوْصَى بِي فُلاَنٌ إِلَى فُلاَنٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلاَنٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلاَمَاتٌ لاَ تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ. فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلاَدِ فَافْعَلْ.

قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغَيَّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ. قَالُوا: نَعَمْ. فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِق لِي فِي نَفْسِي.

فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا. وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لاَ أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ياَ فُلاَنُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاللَّهِ إِنَّهُمْ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ.

قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ، حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي. قَالَ: وَنَزَلْتُ عَنْ النَّخْلَةِ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟! أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: لاَ شَيْءَ، إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ عَمَّا قَالَ. وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِقُبَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ. قَالَ: فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ.

ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ اثْنَتَانِ.

ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ. قَالَ: وَقَدْ تَبِعَ جَنَازَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، عَلَيْهِ شَمْلَتَانِ لَهُ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي.

فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَدَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، قَالَ: فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَحَوَّلْ. فَتَحَوَّلْتُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي، كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ. ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَدْرٌ وَأُحُدٌ.

قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ. فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلاَثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: أَعِينُوا أَخَاكُمْ. فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ الرَّجُلُ بِثَلاَثِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يَعْنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلاَثُمِائَةِ وَدِيَّةٍ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ، فَفَقِّرْ لَهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ.

فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعِي إِلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ. فوالذي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ.

فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ. فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَغَازِي، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ. فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ. قَالَ: فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ وَعُتِقْتُ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ.ورواه الطبراني في الكبير .(3)

ومن قصة سلمان رضي الله عنه نلتمس هذه المعاني :

1.         البحث عن الحق ليس مسوغاً للتقصير في حق المخلوق، فسلمان لم يترك عمله ويذهب للرسول صلى الله عليه وسلم فور علمه به، والله يعلم كم تحمل في الوصول إليه، بل لما أمسى وحضر وقت راحته إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

2.                     تلطف سلمان في الوصول إلى مراده من معرفة الحق، وعدم الاعتماد على غيره في ذلك.

3.         الهداية منة ومنحة من الله تعالى يمن بها على من يشاء من عباده، ولهذا وفق سلمان لها على بعد داره، وحرم منها أبو طالب على قرابته وجواره...

4.         إن سلمان يطلب أمرًا تصغر أمامه الدنيا وما فيها، ولو أراد مالًا ودنيا لأخذ الذهب وحازه ولم يعرف به أحد، ولكنه لو فعل ذلك لم يصل إلى الخير والإسلام الذي وصل إليه، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.

5.         قوة تأثير الحق على الخلق، فلو ترك الخلق وسماع الخير، وأبعد عنهم التشويش؛ لانقادوا إليه طائعين دون كبير جهد.

 

ومن الباحثين عن الحق :

زيد بن عمرو بن نفيل ....

كثيرة  هي الأحداث والمواقف التي تستوقف المرء عندما يقرأ في التاريخ عموما ، أو السيرة النبوية المطهرة، وتجعله يتأملها ، ويستخرج منها العبر والدروس لحاضره ، أو مستقبله.

وفي هذا المقال يحق لنا أن نتوقف قليلاً مع قصة زيد بن عمرو بن نفيل أحد الباحثين القلائل عن الدين الحق في زمن جاهلية ما قبل البعثة النبوية. زمنه زمن لفَّتْهُ الجاهلية في ضلالها العقائدي، وانحرافاتها الاجتماعية والأخلاقية ، جاهلية شملت العالم كله إلا بقايا من المتمسكين بالدين الحق تناثروا في أصقاع متباعدة من الأرض ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :".. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب..."(4).

  كان زيد بن عمرو رجلاً عاقلاً أعمل عقله وفكره فيما حوله من ضلالات المشركين وانحرافاتهم ، فأرشده عقله ، وفطرته إلى استحالة أن يكون هذا الدين التي تتعبد به العرب هو الحق ، أصنام من تراب ، وربما من تمر هي آلهة هذا الإنسان العظيم في تكوينه وفكره وعقله. كان زيد يدرك أن عبادة العرب هذه باطلة بل هي مجلبة لغضب الله ، وسخطه ، فكيف فرَّ زيد من غضب الله  يبحث عن الدين الحق ليتبعه ويدين به ؟!.

 روى البخاري رحمه الله حديثاً عن ابن عمر رضي الله عنهما : " أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود ، فسأله عن دينهم . فقال : إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله ، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا  ، وأنَّى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا. قال زيد: وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم، لم يكن يهودياً  ، ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد ، فلقي عالماً من النصارى ، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ، ولا من غضبه شيئا أبدا، وأَنَّى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا. قال زيد: وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ، ولا نصرانياً، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم".

  هكذا رجع زيد بالدين الحنيف دين التوحيد ، وإخلاص العبادة لله رب العالمين لا شريك له ، بعد أن سأل أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وأخذ شهادتهم على زيغهم ، وزيغ أتباعهم عن الدين الحق ، وشهادتهم على أن التوحيد هو الحق ، وعبادة الله وحده هي دين إبراهيم ، والرسل من بعده. (5).  

 رجع زيد بالحق ، لكنه لم يكتف باعتناقه ، والإيمان به في خاصة نفسه، إنما أعلن ذلك وجهر به في مجتمع كان كله على خلاف ما رجع به زيد ، فقد روى البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قال: " رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري..." (6)  هكذا أخذ زيد يذكر قومه بانحرافهم عن ملة إبراهيم ، و إسماعيل عليهما السلام، لم يخش زيد بطشاً ، ولا حصاراً ، ولا عزلاً أن يقول الحق ويجهر به.

 لم يكتف زيد بالجهر بالحق وإعلانه ، إنما تحرك بمقتضى إيمانه به، فأخذ في طريق الخير والإصلاح الاجتماعي ، فها هو كما تقول أسماء رضي الله عنها في تكملة الحديث السابق " وكان يحي الموؤدة ، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها ، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤنتها" . هذا هو الإيمان الذي به يحي الله النفوس وتمنع به الجرائم في حق الإنسان ويبسط به يد الخير والإحسان في المجتمع كله.

  أصبحت الحنيفية وهي الدين الحق هي المعيار الذي يقبل ، أو يرفض على أساسه زيد أي أمر في مجتمعه الجاهلي ، فها هو يرفض الأكل مما ذبح على النصب ، أو مما لم يذكر اسم الله عليه ، ويعيب على قومه شططهم في هذه القضية ، ويبين لهم تناقضهم في إقرارهم أن الله هو الذي خلق، ورزق ، ثم ذبحهم الذبائح للأنصاب ، والأزلام ، والأوثان . فمن حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (مكان في طريق التنعيم في مكة) قبل أن ينزل عليه الوحي، فقدمت إلى النبي سفرة ، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وكان يقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله"(7)..

  لله در هذا الإيمان ، وهذا المنطق السليم، إنه تناغم ، وتناسق عجيب بين الإيمان والعقل، والمنطق والسلوك، إنه لا يأكل إلا مما ذبح على اسم الله إقرارا بربوبيته ، ونعمه ، وفضله ، وتطبيقاً لمقتضى ذلك من الخضوع ، والعبودية ، والتسليم لله سبحانه وتعالى. إن زيداً لم يتنازل ، أو يجامل على حساب الحق ، ولو في أمر بسيط كالإجابة إلى مطعم ، أو مشرب . هكذا هي الحنيفية التي تلامس شغاف القلوب ، وتوافق قواعد العقل السليم.  لقد استحق زيد أن يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم " يبعث أمة وحده"(8)  ويقول  " دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين"(9).   

 مما يستفاد من هذه القصة:

·      يمكن الوصول إلى الحق رغم كثرة الباطل وسيطرته.

·      البحث دون كلل ، وعدم الاستسلام للتقليد ، ومتابعة المألوف هو الطريق إلى معرفة الحق بإذن الله.

·      الدين الحق هو الطريق إلى الخير ، ونشره بين الناس ، وهو صمام الأمان في المجتمع الإنساني.

·      المتلبس بالحق قوي ، وإيجابي ، ومحب للخير ، وهو عامل إنقاذ حقيقي للبشرية.

·      أن التنازل عن الحق ، ومجاملة أهل الباطل في باطلهم جريمة في حق الله والعبودية له.

 

ضرورة البحث عن الحق وأصحابه:

إن على الإنسان أن يبحث عن الحق، فيا ترى كيف يجده ؟ وما هو المنهج السليم للوصول إليه؟ ومن هم أصحابه؟

فالذي لا يعترف بأن هناك حقاً وباطلاً، وأنهما مختلفان ولا يمكن أن يختلطا، لا يبحث عن الحق، ولا يتعب نفسه في‏التفكير به، أو البحث عنه، وسيعجز عن أن يميز بين أهل الحق وأهل الباطل، وسوف ينظر إلى الناس نظرة واحدة، لأن‏هؤلاء الناس سواء في ظاهر الخلق، فلماذا -إذن- يتعب الإنسان نفسه في البحث عن أصحاب الحق، وأين يجدهم؟إنهم قد يكونون مجموعة ضعيفة، وقد يمثلون فئة تتناقض مصالحهم مع مصالحه، بل إن التفكير أساساً عملية صعبة،فالغالبية العظمى من الناس يهربون منه، ويفضّلون أن ينساقوا في تيار الأحداث كما هي، وأن يخوضوا مع الخائضين.

ولولا وجود بواعث شديدة تدفع الإنسان إلى التفكير والبحث والتنقيب، فإنه يحجم عن التفكير، ولذلك قيل:(الحاجة أم الاختراع‏) فإذا كان هناك شخصاً محتاجاً فلماذا لا يبادر إلى الابتكار والاختراع؟

وفي مجال الطاعة التي سبقت الإشارة إليها، يقول عز من قائل: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم‏بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[ المائدة/7 ]. ، فالطاعة لصاحب الحق، ولمن‏يحمل رايته، ويبحث عنه.

أدوات البحث عن الحق

والإنسان عندما يريد أن يبحث عن الحق، فإنه يفكر أولاً في أدوات هذا البحث؛ وعقل الإنسان هو أحد هذه ‏الأدوات، فكيف نستثير هذا العقل ونستغلّه ونستضي‏ء بنوره، وكيف نتجنّب الهوى؟

إن بداية الطريق إلى ذلك هي أن ننطلق مستندين إلى المنطق السليم، لأننا نهدف إلى الوصول إلى الحق، وطريقنا إلى الحق ‏هو عقلنا، والعقل يجب أن يبحث عن الطريق المناسب الذي يوصلنا إلى الحق ، وهذه هي المرحلة الأولى.

أما المرحلة الثانية من استخدام أدوات البحث عن الحق، فهي التحرّك. فنحن إذا لُذْنَا بالصمت والسكون فإنّنا لا يمكن‏أن نصل إلى نتيجة، إذْ عندما نريد التعرف إلى أصحاب الحق، علينا أن نتحرّك، ونسأل عنهم، ونتحقق في صفاتهم؛وبالتالي فإن الإنسان لابد أن يحمل مشعلاً يستطيع بواسطته العثور على أهل الحق، وذلك بأن يتحرّك، ويسير في الأرض كما يحثنا على ذلك القرآن الكريم في قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الاَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ العنكبوت/20]

فالقرآن يبيّن لنا بوضوح أن طريقنا إلى الحق طريق شاق يستدعي التحرّك، والسير، والبحث.

فمن عرف الحق واعتقده بذل في سبيل الوصول إليه والبحث عنه كل شيء واستغرق فيه من الزمن ما يوصل إليه .

ومما ذكرت لنا كتب التاريخ والسير من الباحثين عن الحقيقة زيد بن سعنة :

فقد أخرج الطبراني عن عبد الله بن سلام قال ثم إن الله لما أراد هدى زيد بن سعنة قال زيد بن سعنة ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد  صلى الله عليه وسلم  حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله ، ولا تزيد شدة الجهل عليه إلا حلما فكنت ألطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه من جهله . قال زيد بن سعنة : فخرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأتاه رجل على راحلته كالبدوي فقال يا رسول الله إن بصرى قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام وكنت حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدا وقد أصابتهم سنة وشدة وقحوط من الغيث فأنا أخشى يا رسول أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به فعلت فنظر إلى رجل إلى عليا رضي الله عنه فقال يا رسول الله ما بقي منه شيء قال زيد بن سعنة فدنوت إليه فقلت يا محمد هل لك أن تبيعني تمرا معلوما بني فلان إلى أجل كذا وكذا فقال لا يا زفر ولكني أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا ولا بني فلان قلت بلى فبايعني فأطلقت همياني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا فأعطاها الرجل فقال اغد عليهم فأعنهم بها فقال زيد بن سعنة فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاث أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ فقلت له ألا تقضيني يا محمد حقي فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل ولقد كان لي بمخالطتكم علم. ونظرت إلى عمر وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني ببصره فقال : يا عدو الله أتقول لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  ما أسمع وتصنع به ما أرى فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسك ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة ثم قال: يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى هذا أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة اذهب به يا عمر واعطه حقه وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما رعته قال زيد فذهب بي عمر رضي الله عنه فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر فقلت ما هذه الزيادة يا عمر ! فقال : أمرني رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن أزيدك مكان ما رعتك . قلت : وتعرفني يا عمر ؟ قال : لا . من أنت ؟ قلت : أنا زيد بن سعنة . قال : الحبر ؟ قلت : الحبر . قال : فما دعاك أن فعلت برسول الله  صلى الله عليه وسلم  ما فعلت ؟  قلت : يا عمر لم تكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله ولا يزيده الجهل عليه إلا حلما فقد أخبرتهما فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وأشهدك أن شطر مالي ـ وإني أكثرها مالا ـ صدقة على أمة محمد فقال عمر رضي الله عنه :

أو على بعضهم فإنك لا تسعهم . قلت : أو على بعضهم فرجع عمر وزيد إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال زيد : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله  صلى الله عليه وسلم وآمن به وصدقه وبايعه وشهد معه مشاهد كثيرة ثم توفي زيد في غزوة تبوك مدبر رحم الله زيدا(10).

ومن الباحثين عن الحقيقة أيضاً الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه والصحابي الجليل عبدالله بن سلام رضي الله عنه وغيرهما كثير ممن بحثوا عن الحق ، فلما عرفوه تمسكوا به واعتنقوه .

والبحث عن الحقائق صفة مشتركة بين البشر جميعاً إلا أن منهم من يبحث عن الحقائق فإذا وصل إليها التزمها ، ومنهم من يبحث عن الحق ثم يتكبر عن قبوله ويرفضه .

فطلب الحق والبحث عنه مهم جداً وهو سبب من أسباب استحقاق الهدى ، بل ما وصل إليه الناس من التقدم العلمي إلا بسبب البحث عن الحقائق المادية الدنيوية فيكتشفون حقيقة بعد حقيقة إلا أن كثير من الناس غفل عن البحث في كبريات الحقائق كمعرفة الله سبحانه وتعالى ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾  [لقمان:30]

 ، وكذلك يغفل كثير من الناس عن البحث في حقيقة الإيمان بالله تعالى والاهتداء بهديه والاسترشاد بشرعه والإيمان برسل الله تعالى والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم مع أن هذه الحقائق من أعظم الحقائق والتي بها نجاة الإنسان في دنياه وأخراه، فهي حقائق أولى بالبحث من غيرها.

فالبحث عن الحق سبب من أسباب استحقاق الهدى والباحث عن الهدى سائر في سبيل استحقاق الحق والهدى فعلى الإنسان أن يجد في البحث ويتخذ جميع وسائل البحث من السير في الأرض والتفكر في الأمور ونتائجها وعواقبها وللاعتقاد بأنه بحاجة إلى معرفة الحق وأن يدعو الله دائماً أن يوصله إلى الحق والهدى كما جاء في الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, فإن قام بتلك الوسائل المعينة له في بحثه عن الحق كان مستحقاً للهدى والحق.

والله أعلم .

إعداد : علي عمر بلعجم

راجعه : عبد الحميد أحمد مرشد .

 



(1) - أخرجه مسلم في صحيحه 4/2299, برقم: 3005.

(2) - أخرجه مسلم في صحيحه 4/1920, برقم: 2473.

(3) - أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/443, برقم: 23788, والبيهقي في الكبرى 10/322, برقم:21415.

(4) - أخرجه مسلم في صحيحه 4/2197, برقم: 2865.

(5)ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1391, برقم: 3615.

(6)ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1392, برقم:3616.

(7) ـ أخرجه البخاري في صحيحه 3/1391, برقم: 6314.

(8)ـ أخرجه البزار في المسند 4/166, وأبو يعلى في المسند 13/172, وحسنه الوادعي في الصحيح المسند برقم 362.

(9)ـ حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 3367.

(10)ـ أخرجه ابن حبان في صحيحه 1/521-524, برقم:288, والحاكم في المستدرك 3/700, برقم: 6547, والطبراني في المعجم الكبير 5/223, وقال الهيثمي في المجمع 8/239: رواه الطبراني, ورجاله ثقات.