طرق المتكلمين والفلاسفة المسلمين
في إثبات عقائد الإيمان
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد
الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم.
أما بعد:
فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ
فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا
يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ
آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ
وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾[الجاثية:3-6] .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فبعد أن عرفت الطرق والأدلة
الإلهية في إثبات الإيمان، فاعلم أن هناك طرقاً وأدلة أخرى لكنها طرق بشرية قاصرة،
اتخذت لها منهجاً مخالفاً للمنهج الإلهي في إثبات الإيمان، ومن أشهر هذه الطرق:
طرق المتكلمين وطرق الفلاسفة المسلمين، ونبدأ أولاً بطرق المتكلمين:
أولاً: طرق المتكلمين:
من هم المتكلمون؟
المتكلمون: نسبة إلى المشتغلين بعلم
الكلام، ويعرفون بأهل الكلام وهم الطوائف الذين ارتضوا علم الكلام وقواعده
الفلسفية منهجاً في الاستدلال على مسائل الإيمان(1).
نشأة علم الكلام:
1 ـ مراحل ظهور الكلام في الدين: كان
السلف الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان يرون في
مسائل العقيدة والإيمان أن الله قد استوفى أصولها كلها في قرآنه الكريم وأوضحها أقوال
الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله فلا مجال البتة للبحث فيها بالاستقصاء والنظر
والاجتهاد ولذا كانوا يرون ألا سبيل إلى تقرير العقائد إلا بالوحي.
وذلك طاعة منهم لما ورد عن النبي صلى
الله عليه وسلم من النهي عن الجدل والمراء والخصومات في الدين ومن ذلك أنه نهى عن
النظر في تشابه القرآن فقد روى البخاري ومسلم وأفعاله فلا مجال البتة للبحث فيها
بالاستقصاء والنظر والاجتهاد ولذا كانوا يرون ألا سبيل إلى تقرير العقائد إلا
بالوحي.
وذلك طاعة منهم لما ورد عن النبي صلى
الله عليه وسلم من النهي عن الجدل والمراء والخصومات في الدين ومن ذلك أنه نهى عن
النظر في تشابه القرآن فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة(2)
– رضي الله عنها – قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
﴿هُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾[آل عمران: 7] فقال صلى الله عليه وسلم :
" فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى
الله فاحذروهم"(3)،
وقد نفذ أصحاب الصدر الأول هذا النهي وأطاعوا أمر الرسول واجتنبوا تحذيراته، فلم
يظهر من يحاول ويبحث في الآيات المتشابهة وعلة ذلك كما يقول ابن عباس – رضي الله
عنهما- منع وقوع الشك في القلوب.
ومنه ما رواه مسلم : أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يتناظرون في القدر ورجل يقول ألم يقل الله
كذا؟ ورجل يقول كذا؟ فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان فقال: "أبهذا أمرتكم، إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض
وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضاً، انظروا ما أمرتكم به فافعلوه وما نهيتكم
عنه فاجتنبوه.."(4)
وهكذا ارتضى السلف لأنفسهم في مسائل الاعتقاد موقفاً عملياً يتمثل في التسليم
والانقياد لما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فلم يتنازعوا في
مسائل الأسماء والصفات والأفعال بل تلقوها بالقبول والتسليم والإيمان بها من غير
تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا نزوع إلى التأويل القائم على الظن، لقد امتنعوا هم
ونهوا غيرهم عن الجدال في الدين الذي يورثه في العقائد الإيمانية، واعتبروه بدعة
تؤدي إلى الانسلاخ من الدين، والخروج عن السنة المأثورة، والنهج القويم.
·
ثم بعد موجة الفتوحات الكبرى التي حملت الإسلام إلى الأراضي
المفتوحة جابهت المسلمين مشاكل متعددة ومنها مشاكل عقدية بسبب الخلاف الداخلي
والاحتكاك بالأديان والثقافات الأجنبية؛ ولذلك، وبسبب عصيان ومخالفة أمثال تلك
الأوامر والنواهي ظهر الكلام في مسائل الإيمان، يقول طاش كبرى زاده : (اعلم أن
مبدأ شيوع الكلام كان على أيدي المعتزلة والقدرية في حدود المائة من الهجرة) وبذلك
بدأ على أيدي هذه الفرق النظر العقلي في العقائد بعد أن كان منهج المسلمين هو
التسليم والإتباع.
· وكانت أول بدعة تظهر هي بدعة (القدرية) أي نفاة القدر وظهرت في أواخر زمن الصحابة وقد روي أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له (سيسويه) من أبناء المجوس وتلقاه عنه معبد الجهني، فلما أعلن هؤلاء التكذيب بالقدر رد عليهم من بقي من الصاحبة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ووائلة بن الأسقع، وكان أكثرهم في أطراف البلاد لا في وسطها، فكان أكثر القدرية بالبصرة والشام وقليل منهم بالحجاز، أي أن التيارات الخارجية وجدت بغيتها في العناصر الداخلية في الإسلام حديثاً، والتي لم تستمد عقيدتها من الجهابذة العالمين بدينهم، كالصحابة والتابعين.
· ثم بدأ نفي صفات الله عز وجل بواسطة الجعد بن درهم وهو أول المتكلمين في الصفات وأعلن نفيها ثم تتلمذ على يديه جهم بن صفوان.
· ثم بدأ الاعتزال بواسطة واصل بن عطاء 131هـ وعمرو بن عبيد 148هـ وتضخم بعدهما المذهب إذ جمع ما تناثر من الأقوال الآنفة في شكل نسق شبه فلسفي، متضمناً الأصول الخمسة عند المعتزلة قال السفاريني: ( وكان أول من صنف في علم الكلام والجدال والخصام مع أهل السنة والجماعة واصل بن عطاء وهو رئيس المعتزلة)(5)، ويقول الملطي في معرض تقويمه للمعتزلة: ( وهم أرباب الكلام وأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على من خالفهم وأنواع الكلام، والمفرقون بين علم السماع وعلم العقل والمنصفون في مناظرة الخصوم)(6).
2 ـ عوامل نشأة المشكلات الكلامية:
· إن المشكلات الكلامية ظهرت بسبب عوامل سلبية مثلت انحساراً عن موجة المد الإسلامية الأولى في أصول الدين وفروعه ونظمه وأخلاقياته، ورجوعاً عن النموذج الذي حققه المسلمون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين بعده.
· إنها لم تبدأ من أصل إسلامي صحيح بل بدأت بمخالفة الأصول المدعمة بالأدلة، والأمثلة على ذلك كثيرة منها أن الآية الكريمة السابقة تتناول تقسيم الكتاب إلى آيات محكمات وأخر متشابهات تحمل في طياتها الأمر بعدم إتباع المتشابه ابتغاء الفتنة فجاء البعض ليتجاوز هذا الأمر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بعدم الكلام في القدر فخالفه المخالفون وأمر بألا يسب أحد أصحابه، فجاء الشيعة بعده فسبوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
· إذاً فهي لا تدل على النضج العقلي أو التفكير الحر كما يصوره بعض المستشرقين وإنما العكس تماماً هو الصحيح فأقرب الفرق الكلامية التي ظهرت وهم المرجئة نجم خطؤهم من الجهل باصطلاحات اللغة العربية فزعموا أن الإيمان لغة هو التصديق والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان أو بالقلب فقط، فالأعمال عندهم ليست من الإيمان .
· فلم يكن الكلام في الدين إذن تطوراً من البسيط إلى المركب أو من الأدنى إلى الأعلى ، بل كان نكوصاً من الكمال إلى النقصان، وعصياناً للأوامر وانشقاقاً على الجماعة .
· ومن استقراء المراحل التاريخية التي مر بها الجدل في أصول الدين وإثارة التساؤلات وفتح باب المناقشات في القضايا المنهي عن الجدال فيها تكاد تجمع المصادر التاريخية على تعليل ظهور الجدل بعوامل خارجية من قبيل الغزو الثقافي الأجنبي، وتشير أصابع المؤرخين إلى هذا المصدر حيث هبت منه أعاصير النزاع بعد أن كانت العقيدة راسخة في النفوس والقلوب، يصف ابن قتيبة المظاهر الطارئة على المسلمين فيقول : (وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وتفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى، وقد صار المتناظرون اليوم يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات قد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى).
· وبمتابعة الأزمنة بعد عصر الحجاج نرى أنه كلما بعد الزمن وقل عدد الصحابة والتابعين بعدهم بدأت البدع تظهر تدريجياً، لأن نور النبوة في الأصل كان بمثابة الشمس الساطعة التي طمست الكوكب وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم حجب بعض ذلك النور شيئاً فشيئاً.
· ويمكن أن نجمل أسباب وعوامل نشأة المشكلات الكلامية في الأمور التالية:
1-
القصور في فهم نصوص الوحي في أصول الدين.
2- مخالفة وعصيان أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم ونواهيه في ذلك.
3- البعد عن زمن الوحي وموت غالبية الصحابة وكبار التابعين.
4- الجهل باللغة العربية وأسرارها وعدم فهم لسان العرب الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، وقد أرجع الشافعي القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من المسائل إلى الجهل بالعربية، وكان الحسن البصري يقول: إنما أهلكتكم العجمة.
5- الغزو الثقافي الخارجي مع ما صاحب ذلك من ترجمة كتب الفرس والروم واليونان والهند.
6- الخلافات السياسية.
7-
ظهور سلطان الموالي من غير العرب كما في العصر العباسي.
3 ـ ظهور علم الكلام :
ما ذكر آنفاً من عوامل وأسباب كان لها
الدور الكبير في ظهور علم الكلام، وعلم الكلام شأنه شأن سائر العلوم نشأ بعد الصدر
الأول من الإسلام حيث لم يكن هناك تدوين للعلوم، ومثلت العوامل الخارجية أهم
العوامل التي أدت إلى قيام علم الكلام فلقد اضطر المسلمون إلى مجادلة مخالفيهم
الذين التقوا بهم بعد امتداد الفتح الإسلامي للبلدان الكثيرة شرقاً وغرباً فكانت
مناقشات بينهم وبين أصحاب الديانات الشرقية القديمة وبينهم وبين أصحاب الديانات
السماوية السابقة على الإسلام كاليهودية والنصرانية.
ولهذا أوجدوا العلم الذي يهدف – حسب
زعمهم – إلى إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها، يقول
الغزالي ت(505هـ) : (علم الكلام مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل
البدعة، فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق لما فيه صلاح
دينهم ودنياهم كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة
أموراً مخالفة فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها فأنشأ الله طائفة
المتكلمين وحرك بها دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف تلبيسات أهل المحدثة على
خلاف السنة المأثورة فمنه نشأ علم الكلام وأهله) والغزالي يبين هنا أن علماء
الكلام يستهدفون الرد على المبتدعة الذين خالفوا السنة في عقائدهم(7).
ويذكر ابن خلدون في مقدمته عن أسباب ظهور
علم الكلام وتطوره وأهميته فيقول بعد ذكر العقائد الإيمانية (.. هذه أمهات العقائد
الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثيرة، وعن تلك الأدلة
أخذها السلف وأرشد إليها العلماء وحققها الأئمة إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في
تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر
والاستدلال بالعقل وزيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام ولنبين ذلك تفصيل هذا
المجمل : وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من
غير تأويل في آي كثيرة وهي سلوب كلها صريحة في بابها فوجب الإيمان بها، ووقع في
كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين وتفسيرها على ظاهرها ثم وردت
في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها
ولا يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل وهذا معنى قول الكثير منهم (إقرأوها كما جاءت)
أي آمنوا بأنها من عند الله ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون
ابتلاء فيجب الوقف والإذعان له، وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات
وتوغلوا في التشبيه ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملاً
بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي
أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من التعليق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية وجمع بين
الدليلين بتأويلهم ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام وليس ذلك بدافع
عنهم لأنه قول متناقض وجمع بين نفي وإثبات إن كان بالمعقولية واحدة من الجسم وإن
خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتقاربة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق إلا
جعلهم لفظ الجسم اسماً من أسمائه ويتوقف مثله على الأذن وفريق منهم ذهبوا إلى
التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك وآل
قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات جهة لا كالجهات
نزول لا كالنزول يعنون من الأجسام واندفع ذلك بما اندفع به الأول، ولم يبق في هذه
الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكر النفي على
معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن ولهذا تنظر ما تراه في عقيدة
الرسالة لابن أبي زيد وكتاب المختصر له وفي كتاب الحافظ ابن عبد البر وغيرهم فإنهم
يحرمون على هذا المعنى ولا تغمض عينيك عن القرائن الدالة على ذلك في غضون كلامهم
ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء وألف
المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة في تعميم هذا التنزيه في آي السلوب فقضوا
بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والإرادة والحياة زائدة على أحكامها لما يلزم
على ذلك من تعدد القديم بزعمهم وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها
وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام وهو مردود لعدم اشتراط البينة
في مدلول هذا الفظ وإنما هو إدراك المسموع أو المبصر وقضوا بنفي الكلام لشبه ما في
السمع والبصر ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس فقضوا بأن القرآن مخلوق
بدعة، صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل
الناس عليها وخالفهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم وكان ذلك
سبباً لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعاً في صدور هذه البدع
وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفي التشبيه
وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف، وشهدت له الأدلة
المخصصة لعمومه فأثيبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم
بالنفس بطريق النقل والعقل، ورد على المبتدعة في ذلك كله متكلم معهم فيما مهدوه
لهذا البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة
وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب، وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ
من بدعة الإمامية من قولهم إنما من عقائد الإيمان وأنه يجب على النبي تعيينها
والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الأمة وقصارى أمر الإمامة أنها قضية
مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم
الكلام إما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وليست براجعة إلى عمل،
وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي، وكثر أتباع
الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلاميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ
عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات
العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء
وأن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم
وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة
عليها وأن بطلان الدليل يؤذون ببطلان المدلول وجملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن
الفنون النظرية والعلوم الدينية إلا أن صور الأدلة تعتبر بها الأقيسة ولم تكن
حينئذ ظاهرة في الملة ولو ظهر منها بعض الشيء فلم يأخذ منه المتكلمون لملابستها
للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة فكانت مهجورة عندهم لذلك.
ثم جاء بعض القاضي أبي بكر الباقلاني
إمام الحرمين أبو المعالي فأملى في الطريقة كتاب الشامل وأوسع القول فيه ثم لخصه
في كتاب الإرشاد واتخذه الناس إماماً لعقائدهم ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطلق
في الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة
فقط يسير به الأدلة منها كما يسير من سواها ثم نظروا في تلك القواعد المقدمات في
فن الكلام للأقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدلت إلى ذلك وربما أن
كثيراً منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات فلما سبروها بمعيار
المنطق ردهم إلى ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه
القاضي فصارت هذه الطرية من مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى وتسمى طريقة المتأخرين
وربما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد إيمانية وجعلوهم
من خصوم العقائد لتناسب الكبير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم وأول من كتب في طريقة
الكلام على هذا المنحى الغزالي رحمه الله وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم
واعتمدوا تقليدهم، ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلاسفة والتبس
عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوا فيهما واحداً من أشباه المسائل فيهما. واعلم
أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالهم على وجود
الباري وصفاته وهو نوع من استدلالهم غالباً والجسم الطبيعي ينظر فيه الفيلسوف في
الطبيعيات وهو بعض هذه الكائنات إلا أن نظر فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في
الجسم من حيث يتحرك ويسكن والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل وكذا نظر
الفيلسوف في الإلهيات وإنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته ونظر
المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجد بالجملة.. وإذا تأملت حال الفن في
حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه صدراً بعد صدر وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض
الحجج والأدلة علمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه ولقد اختلطت
الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا تتميز
أحد الفنيين من الآخر ولا يحصل عليه طالبه من كسبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع
ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تآليفهم..(8).
علم الكلام :
تعريفه :
يعرف الإيجي في كتاب (المواقف) فيقول: هو
علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبة(9),
ويعرفه ابن خلدون في المقدمة فيقول: هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية
بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل
السنة(10)
، ومن هذين التعريفين يمكننا أن نستخلص أن علم الكلام يقوم على إثبات العقيدة عن
طريق الأدلة العقلية ولابد أن يكون لدى المتكلم القدرة التامة على إثبات العقائد.
أهميته:
يرى علماء الكلام أن لعلم الكلام دوراً
إيجابياً في إثبات صحة العقيدة بالعقل، ودوراً دفاعياً يقوم بالدفاع عن العقيدة ضد
الخصوم المنكرين لها من أصحاب الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية وغيرهما،
فيقوم علم الكلام بتقويض أدلتهم وبيان بطلانها مع الرد على الشبه التي يوردونها
على العقيدة الإسلامية(11).
موضوعه:
العقائد الدينية:
العقائد الدينية، فعلم الكلام يتناول أصول
الدين ومباحثه: ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وبعث الرسل وأحكام الآخرة، ويبحث في
العالم من حيث دلالته على الله تعالى. يقول ابن خلدون : فموضوع علم الكلام عند
أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل
عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد(12).
سبب تسمية علم الكلام:
هناك عدة آراء في التسمية:
1-
منها : أن مسألة الكلام الإلهي كانت أشهر مباحثه، فسمي الكل
بأشهر أجزائه.
2- وقيل : لأنه يورث قدرة على الكلام فسمي به تسميته للسبب باسم المسبب.
3- وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إنما سمي علم الكلام لكثرة ما فيه من الكلام الذي لا يفيد الإنسان علماً لم يكن عنده، بل ليس فيه إلا تضيع الزمان وارتقاب الأذهان وكثرة الهذيان .
4- وقيل : لأن نسبة هذا العلم للعلوم الإسلامية كنسبة المنطق إلى الفلسفة فسمي بالكلام وذلك حتى تقع المخالفة اللفظية بين الاسمين وكذلك لأن مباحث هذا العلم نظرية.
5- وقد يسمى بعلم الكلام بما رواه جلال الدين السيوطي في ذم أهل البدع: وهم الذين يتكلمون في أسماء الله، وصفاته ، وكلامه وعلمه ، وقدرته، ولا يسكتون عم سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان(13).
أهم مسائله:
تدور المناقشات في أصول الدين التي يتكلم
فيها المتكلمون ويتناظرون عليها حول المسائل التالية :
أولاً : الرد على الدهرية القائلين بقدم
العالم، والبرهان على حدوث الأجسام والدلالة على أن للعالم محدثاً هو الله.
ثانياً : تنزيه الله، للرد على أهل
الكتاب من اليهود والنصارى ودحض مزاعم القائلين بكثرة الصانعين كالمجوس، فقد شبه
اليهود الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين وادعى النصارى القول بالتثليث، وقال
المجوس بإله النور وإله الظلمة.
ثالثاً: إثبات أن الله تعالى عالم حي
قيوم، وأنه واحد، للرد على المعطلة النافين للصفات.
رابعاً: الكلام في رؤية الله عز وجل في
الجنة، إثباتها أو نفيها، وأن كلام الله مخلوق أو غير مخلوق.
خامساً : البحث في أفعال العباد وهل هي
مخلوقة يحدثها الله تبارك وتعالى أو العباد وإذا كانت الاستطاعة قبل الفعل أو معه.
سادساً : الحكم على من مات مرتكباً
الكبائر، فهل يخلد في النار أو يجوز أن يرحمه الله تعالى ويتجاوز عنه ويدخله
الجنة؟
سابعاً: الدلالة على النبوة بعامة، رداً
على البراهمة وغيرهم من مبطلي النبوة، والدلالة على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم بخاصة.
ثامناً : القول في الإمامة ومن يصلح لها
ومن لا تصلح له، وهل هي قضية مصلحية تتم بأهل الحل والعقيدة في الأمة أم أنها تتم
بالنص.
هذه هي المسائل المثارة في المدارس
الكلامية، ويظهر من مصطلحاتها أنها ترتبط بمراحل تاريخية للمسلمين من أهم سماتها
أنهم كانوا فيها أصحاب الحضارة السائدة في عالمهم(14).
منهج المتكلمين :
منهج المتكلمين في إثبات عقائد الإيمان
يقوم بالبرهان عليها بالأدلة العقلية.
من أجل ذلك كان المتكلمون – على تفاوت
بينهم – يسلكون مسالك منهجية تقوم على النظر العقلي كتقديم العقل على النقل،
وتأويل بعض نصوص الكتاب والسنة تأويلاً عقلياً، وعدم الاحتجاج بأخبار الآحاد في
مسائل العقيدة، وغير ذلك مما سنذكره تحت عنوان (قواعدهم المنهجية).
قواعدهم المنهجية:
1 ـ تقديم العقل على النقل عند التعارض:
لقد سلك المتكلمون من المعتزلة وغيرهم في
العقل والنقل منهجاً أدى بهم إلى التعارض بينهما حيث جعلوا ما سموه عقلاً أصلاً ،
والنقل فرعاً تابعاً محكوماً عليه من قبل العقل، فواصل بن عطاء (ت151هـ) رأس
المعتزلة يرى أن النقل ولو وصل إلى درجة التواتر غير مقبول ما لم يوافق العقل وذلك
لأن العقل أصل والنقل تابع له حسب زعمه(15).
ويعلل القاضي عبد الجبار عدم استدلاله
بالأدلة النقلية قائلاً: ".. ولو استدللنا بشيء منها على الله لكنا مستدلين
بفرع الشيء على أصله وذلك لا يجوز"(16).
إن البراهين العقلية إذا صارت معارضة
بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها "هكذا يضع الفخر الرازي هذا التساؤل
ويجيب عليه: أن الحال لا يخلو من أمور أربعة:
1-
إما تصديق العقل والنقل معاً، فيلزم تصديق النقيضين، وهذا
محال.
2- وإما تكذيبهما معاً، وهذا محال أيضاً.
3- وإما تصديق الظواهر النقلية وتكذيب الظواهر العقلية، وهذا باطل لأن معرفة صحة الظواهر النقلية لا تتم إلا بالأدلة العقلية، ومن ثم فإن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح فيهما معاً.
4- ولما بطلت الأقسام الثلاثة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية: إما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها" ، ولكن ما هو السبيل إلى معرفة المراد منها؟ يبين الرازي أن أمامنا أحد خيارين (التأويل أو التفويض)، فإن جوزنا التأويل اشتغلنا بالبحث عن التأويلات المحتملة، وإن لم نجوز التأويل فوضتا العلم بها إلى الله؛ ثم يقول الرازي: فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات(17).
ولقد وصل الغلو بعمرو بن عبيد أن قال –
وقد ذكروا له حديثاً - : "لو سمعت الأعشى يقول هذا لكذبته ، ولو سمعت رسول
الله يقول هذا لرددته ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت
ميثاقنا"(18)،
وإبراهيم النظام يذكر أن حجة العقل قد تنسخ الأخبار(19).
يقول أبو الحسن الطيب البصري : وإن منع
العقل من الشيء بغير شرط نحو منعه من حسن تكليف ما لا يطاق فمتى ورد خبر بخلاف ذلك
فإن أمكن تأويله من غير تعسف جوزنا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله وعنى
التأويل الصحيح وإن لم يمكن تأويله إلا بتعسف لم يجز أن يكون النبي صلى الله عليه
وسلم قاله على ذلك الوجه لأنه لو جاز التأويل مع التعسف بطل التناقض من الكلام كله
ويجب فيما لا يمكن تأويله القطع على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله وإن كان
قاله فإنما قال حكاية عن الغير أو مع زيادة أو نقصان يخرج بهما من الإحالة وإنما
لم يقبل ظاهر الخبر في مخالفة مقتضى العقل أنا قد علمنا بالعقل على الإطلاق أن
الله عز وجل لا يكلف ما لا يطاق وأن ذلك قبيح فلو قبلنا الخبر في خلافه لم يخل إما
أن نعتقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فيجتمع لنا صدق النقيضين أو لا
نصدقه فنعدل عن مدلول المعجز وذلك محال(20).
2 ـ الأدلة النقلية لا تفيد اليقين:
يقول الرازي : الدلائل اللفظية لا تكون
قطعية.., ويقول في موضع آخر: إن الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية، والمبني
على المقدمات الظنية ظني.
يقول ابن تيمية: الرازي.. من أعظم الناس
طعناً في الأدلة السمعية حتى ابتدع قولاً ما عرف به قائل مشهور غيره، وهو أنها لا
تفيد اليقين.
ويبين الرازي أن الأدلة النقلية لا تفيد اليقين
وإنما الظن لأسباب عديدة منها:
أن الدلائل اللفظية موقوفة على نقل
اللغات أي ما يفهم من ألفاظ القرآن والسنة وهي ألفاظ حمالة أوجه وقد يشكل على كثير
من الناس فهم معاني هذه الألفاظ فالمرجع في ذلك إلى روايات أئمة اللغة وعلماء
النحو والصرف وهم غير معصومين من الخطأ، فما ينقل عنهم لا يفيد إلا الظن.
ومنها الاشتراك في الألفاظ (كلفظ العين
له معاني عدة) فيجوز أن يكون مراد الله تعالى من آية ما معنى غير المعنى الذي
عرفناه من اللغة.
ومنها أن اللفظ قد يقال على سبيل المجاز(21).
3 ـ وجوب التأويل العقلي :
يقتضي القانون الكلي الذي وضعه الرازي أن
يكون التأويل أصل منهجي ضروري، لا مفر منه، يقول الرازي :المصير إلى التأويل أمر
لابد منه لكل عاقل.
والتأويل كمصطلح كلامي يراد به صرف ظاهر
اللفظ إلى معنى مغاير لما ورد في معاجم اللغة، ويبن الرازي أن التأويل بهذا المعنى
ضروري بقوله : "ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر العين وذكر الجنب الواحد وذكر
الأيدي وذكر الساق الواحدة، فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه واحد وعلى
ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحدة ولا نرى في
الدنيا أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة، ولا أعتقد أن عاقلاً يرضى أن يصف ربه
بهذه الصفة"(22).
والتأويل يشمل كذلك الأحاديث النبوية إذا
كانت متونها مما يجوز في العقل "فإن روى الراوي ما يحيله العقل ولم يحتمل
تأويلاً صحيحاً فخبره مردود" ، "وإن كان ما رواه الرازي الثقة يروع
ظاهرة في العقول ولكنه يحتمل تأويلاً صحيحاً يوافق قضايا العقول قبلنا روايته،
وتأولناه على موافقة العقول" ، ويضرب البغدادي أمثلة من هذه الأحاديث، منها
ما روي:"أن الجبار يضع قدمه في النار"(23)،
يقول عن هذا الخبر: "صحيح، وتأويله محمول على الجبار المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا
وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾[إبراهيم:15]. ومثل هذا كثير."(24)
4 ـ تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز:
من أهم مبررات التأويل عند دعاته تقسيم
الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز، والغالب أن أول من قال بهذه التفرقة
المعتزلة ومن تبعهم من المتكلمين، أما الأشاعرة فقد أنكرت طائفة منهم هذه التفرقة
كأبي إسحاق الإسفراييني (ت418هـ) ويؤكد الرازي على هذا الأصل المنهجي في مسألة
الصفات فيقول في قوله تعالى: (يد الله) : لفظ اليد يعني في الحقيقة الجارحة
المخصوصة إلا أنه يستعمل على سبيل المجاز في أمور غيرها، إذ يستعمل تارة بمعنى
القدرة وتارة يراد به النعمة(25).
5 ـ أخبار الآحاد ظنية لا يحتج بها في
العقائد :
يقول القاضي عبد الجبار: إن جميع ما رووه
وذكروه أخبار آحاد ولا يجوز قبل ذلك فيما طريقه العلم لأن كل واحد من المخبرين يجوز
عليه الغلط.. وإنما يعمل بأخبار الآحاد في فروع الدين وما يصح أن يتبع به غالب
الظن فأما ما عداه فإن قبوله فيه لا يصح ولذلك لا يرجع إليه في معرفة التوحيد
والعدل وسائر أصول الدين.."(26)
ويذكر البغدادي: "أن أخبار الآحاد متى صح سندها، وكانت متونها غير مستحيلة في
العقل، كانت موجبة للعمل بها دون العمل، وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم،
يلزمه الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة(27).
وقد سبق البغدادي في تقرير هذا الأصل
شيخه الباقلاني، وأبو بكر بن فورك (ت408هـ) كما قرره من بعده أبو المعالي الجويني
وكذلك الفخر الرازي الذي يقول: إن أخبار الآحاد مظنونة، فلم يجز التمسك بها في
معرفة الله وصفاته، وإنما قلنا: إنما مظنونة لأنا أجمعنا أن الرواة ليسوا
معصومين..(28).
وقال أبو علي الجبائي: إذا روى العدلان
خبراً وجب العمل به، وإن رواه واحد فقط لم يجز العمل به إلا بأحد شروط منها:
"أن يعضده ظاهر، أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو يكون منتشراً(29).
6 ـ النظر العقلي أول الواجبات:
يقول القاضي عبد الجبار: إن سأل سائل
فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى لأنه
تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر(30)،
وفي هذا المعنى يقول البغدادي: "الصحيح عندنا قول من يقول: إن أول الواجبات
على المكلف النظر والاستدلال المؤدي إلى المعرفة بالله تعالى وبصفاته وتوحيده
وعدله وحكمته، ثم النظر والاستدلال المؤدي إلى جواز إرسال الرسل منه، وجواز تكليف
العباد ما شاء، ثم النظر المؤدي إلى وجوب الإرسال والتكليف منه، ثم النظر المؤدي
إلى تفضيل أركان الشريعة.."(31).
7 ـ التحسين والتقبيح:
ذهبت المعتزلة إلى : أن العقل يحسن ويقبح
قبل الشرع وتجب معرفة الله تعالى بالعقل.
يقول الجبائي: "كل معصية كان يجوز
أن يأمر الله سبحانه بها فهي قبيحة للنهي، وكل معصية لا يجوز أن يبيحها الله
سبحانه فهي قبيحة لنفسها كالجهل به والاعتقاد بخلافه وكذلك كل ما جاز ألا يأمر
الله سبحانه به فهو حسن للآمر به، وكل ما لم يجز إلا أن يأمر الله به فهو حسن
لنفسه"(32).
يتفق الماتريدي مع المعتزلة في مسألة أن
للأشياء قبحاً ذاتياً وأن العقل يستطيع أن يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها، مع
الاتفاق على أن العقل هو المصدر الأول للمعرفة، لكنه يختلف معهم في نتيجة ذلك،
فالمعتزلة ترتب على ذلك أن ما يدرك العقل حسنه يكون واجب الفعل بتكليف العقل، وما
أدرك قبحه يكون منهياً عنه، الماتريدي ذهب مذهب شيخه أبي حنيفة وهو: أنه ولو أن
العقل يدرك فلا تكليف إلا بالشارع الحكيم، لأن العقل لا يمكن أن يستقل بالتكليف
الديني قط إذ الحاكم في التكليف الديني هو الله,
يقول الماتريدي : فإن الله تعالى لما خلق
البشر للمنحة بما جعلهم أهل تمييز وعلم بالمحمود من الأمور والمذموم وجعل ما يذم
منها قبيحاً في عقولهم وما يحمد حسناً وعظم في أذهانهم إيثار القبيح على الحسن،
والرغبة فيما يذم على ما يحمد، دعاهم على ما عليه ركبوا وما به أكرموا، إلى إيثار
أمر على أمر، وقبح في عقولهم احتمال أمثالهم.. ورغبت عقولهم في محاسن الأعمال
ومكارم الأخلاق باختيار ما حسن من الأعمال واجتناب ما قبح من ذلك(33).
بينما يخالف كل منهما الأشاعرة الذين
يردون الحسن والقبح إلى مجرد الأمر الإلهي، فالأشعري لا يرى أن للأشياء حسناً
ذاتياً أو قبحاً ذاتياً، بل إن التحسين بأمر الشارع والتقبيح بنهي الشارع والتقبيح
بنهي الشارع، فالحسن حسن لأن الله أمر به والقبح قبيح لأن الله نهى عنه, وبهذا نرى
الماتريدي توسط بين المعتزلة والأشاعرة(34).
طرق وأدلة المتكلمين لإثبات الإيمان :
من أدلة وطرق المتكلمين في إثبات الإيمان
ما يأتي:
(1)دليل الأعراض وحدوث الأجسام:
لقد استدل علماء الكلام على وجود الله
تعالى بأدلة مختلفة، أشهرها وأكثرها شيوعاً عندهم الاستدلال بحدوث العلم على وجوده
تعالى، واتفقوا على أن الطريقة الموصل إلى الإيمان بالله إنما يكون عن طريق إثبات
دليل الأعراض وحدوث الأجسام، فهو بهذا أصل الدين كله. ونذكر هنا شيئاً من كلامهم
الذي يدل على ذلك:
فقد ذكر القاضي عبد الجبار: "أن أول
ما يجب على المكلف النظر إلى الجوهر والأعراض وإثبات حدوثهما لمعرفة حدوث العالم
ثم الاستدلال بذلك على وجود محدثه وصانعه، وادعى أن هذا هو أول العلم بالله تعالى(35).
وقد بلغت أهمية هذا الدليل عند المتقدمين
من الأشاعرة أقصاها، حتى قالوا إن الإيمان به واجب، حيث يتوقف عليه – كما قالوا –
الإيمان بالله، وعندما جاء المتأخرون خالفوا متقدميهم في وجوب الإيمان به قائلين: إن
عدم الإيمان بالدليل لا يعني عدم الإيمان بالمدلول، لجواز أن يثبت المدلول (وجود
الله) بدليل آخر، غير دليل الحوادث"، فقرروا الدليل دون أن يوجبوه على
الإنسان، فظل دليل الحدوث أشهر الأدلة التي استدل بها المتكلمون وأقواها؛ فما هو
هذا الدليل؟
إليك موجزه:
(العالم حادث، لأنه يتكون من الجواهر
والأعراض.
وهما حادثان:
فالعالم المتكون منهما حادث أيضاً.
وكل حادث (العالم) يحتاج إلى محدث (هو
الله سبحانه وتعالى) منعاً للتسلسل والدور).
ولابد هنا لشرح بعض هذه المصطلحات:
فالعالم، يقصدون به كل ما سوى الله تعالى
.
والحادث هو الموجود بعد العدم، أي وجد
بعد أن لم يكن موجوداً، والجوهر هو ما تحيز (ما يشغل مكاناً حيزاً) بنفسه، ولا
يحتاج في تحيزه إلى غيره.
والعرض هو ما لا يتحيز (أي لا يشغل
مكاناً وحيزاً) بنفسه وإنما يقوم دائماً بغيره.
ومثال الجوهر: الجسم.
ومثال العرض: اللون أو المرض أو الجوع،
فهي أشياء لا بد لها من الجسم لكي تقوم بها.
وحدوث الأعراض بديهي ثابت بالمشاهدة لأن
الأعراض تأتي وتذهب وتتغير.. إلخ.
أما الجواهر فإنها لا تخلو أبداً من
الأعراض، فليس هناك جسم مثلاً لا لون له وهو إما أن يكون ساكناً أو متحركاً
وكلاهما عرضان، وإذا كانت الجوهر لا تخلو من الأعراض فهي حادثة مثلها، لأن ما لا
يخلو من الحوادث فهو حادث.
شرح هذا الدليل:
1-
إن العالم يتكون من أجسام وهو محصور في تلك الأجسام وإثبات
حدوث تلك الأجسام هو الطريق لإثبات حدوث العالم.
2- للأجسام صفات تسمى (أعراضاً)، لأنهما تعرض للأجسام فتطرأ عليها: فتوجد ثم تنعدم بحلول صفة أخرى تطرأ على الجسم، فتنعدم الصفة الأولى.
3- من هذه الأعراض والصفات: الأكوان الأربعة المتمثلة في الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ومنها الألوان والطعوم، وسائر الصفات ودليل وجود هذه الأعراض أن الجسم (العين – الجسم) قد يكون ساكناً ثم يتحرك أو العكس، ولو كان السكون أو الحركة من طبيعة الجسم لكان الجسم في حالة حركة وسكون على الدوام، ولو كانت الصفات المتناقضة الأخرى من طبيعة الأجسام (الأعيان – الجواهر – المواد) لظهرت هذه الصفات المتناقضة في تلك الأجسام وهذا محال، فدل ذلك على أن الأجسام شيء والأعراض شيء آخر.
4- وهذه الأعراض أو الصفات كلها حادثة ، عرف حدوث بعضها بالحس والمشاهدة، وبعضها بحدوث أضدادها فتحيلها إلى العدم وما أمكن انعدامه أمكن حدوثه، فيكون جواز العدم وتحقيقه دليل الحدوث(36).
5- ويمتنع خلو الأجسام عن الأعراض، فوجود جسم غير مجتمع ولا متفرق الأجزاء أو غير متحرك أو سكان محال. أو بعبارة أخرى يستحيل وجود مادة أو جسم من غير صفات أو خصائص، وعليه فلا يمكن أن تخلو الأجسام من الأعراض، أو المادة عن الخصائص والصفات. ولو جاز ذلك في بداية تكوينها لجاز ذلك لأن، فثبت أن الجسم لا يخلو عن الأكوان في وقت من الأوقات.
6- ولا يمكن أن تسبق الأعراض الأجسام فهي لا تقوم بذاتها فلا حركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق إلا في جسم، ولا يمكن أن تسبق الأجسام الأعراض فلا يمكن وجود جسم بدون أعراض أو صفات.
7- وإذا استحال خلو الأجسام عن الأعراض واستحال سبق الأجسام للأعراض وعكسه، وثبت حدوث الأعراض فلا بد أن تكون الأجسام حادثة.
8-
وإذا ثبت حدوث الأجسام فإن العالم المكون منه لا شك حادث من
العدم، ولابد له من خالق أوجده من العدم، فالعدم لا يخلق شيئاً.
وجه القصور والمخالفة في الاستدلال بهذا
الدليل:
(1)اعتبارهم هذا الدليل أصل الدين:
قرر العلماء أن أساس الدين الإيمان بالله
لم يثبت الإيمان بالله فإن كل قضايا الدين الأخرى من إيمان بالرسل والكتب
والملائكة والقدر والغيب والدين والشريعة تتهدم إذا أنهدم الإيمان بالله، وهذا حق
لا شك فيه، لكن علماء الكلام قرروا أن الأساس الوحيد للإيمان بالله إنما يكون عن
طريق النظر والتفكر وأن النظر لا يوصل إلى الإيمان بالله إلا إذا أثبتنا أن الكون
حادث ومخلوق من العدم، فيعلم بذلك أن له خالقاً أوجده، وقرروا أن الدليل الوحيد
لإثبات حدوث الكون هو دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وبهذا اعتبروا أن هذا الدليل
يمثل أصل الدين، وأن أي شيء يعارضه إنما هو هدم للدين كله ونقض لكل حقائقه، وبناء على
ذلك فإن الإيمان بالله ورسوله يتوقف على معرفة هذا الدليل.
(ب) يخالف منهج القرآن والسنة في بناء
الإيمان:
إن القارئ للقرآن والمتتبع للسنة لا يجد
فيهما دليل الأعراض وحدوث الأجسام الذي اعتبره أصحابه أساس الإيمان وأصل الدين،
لكنه يلتقي مع هذا الدليل في أن الكون مخلوق لله سبحانه وتعالى وأنه أوجده بأمره؛
وللقرآن منهجه المتميز في بناء الإيمان الذي يقوم على :
·
الحث على النظر والتفكر في الكون لرؤية آثار صفات الله
وقدرته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾[آل عمران:190] ؛ فهذا المنهج يجعل المرء
يشاهد آثار صفات الله من رحمة وعلم وحكمة وقدرة وخبرة ورزق وإحياء وإماتة وإرادة
وتصوير وحفظ وقوة وغيرها من الصفات الإلهية، فتصبح الصفات الإلهية الغيبية معلومة
بآثارها المشاهدة.
· بيان معجزات الرسل الدالة على صدقهم وعلى من أرسلهم بها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾[الإسراء101-102].
· حث الإنسان على الاتصال المباشر بالله بتحقيق العبادة ومعرفة ربه وقربه ورحمته ولطفه وقوته وعلمه عن طريق مشاهدة آثار دعاء العبد لربه وإجابته له أينما كان وفي أي وقت يتوجه فيه بالدعاء إليه بصوت لا يكاد يسمعه من بالمكان المجاور، ولكن الله يسمعه ويراه وإجابته له هي: الدليل الجلي المشاهد الذي تطمئن به قلوب المؤمنين قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[البقرة:186].
· تقديم الأدلة العقلية المقنعة حول قضايا الإيمان مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾[الطور:35-36].
·
إيقاظ الفطرة التي فطرها الله على الإيمان والتذكير بما يحدث
لها من يقظة عند الشعور بالخطر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ
الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ
إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾[الإسراء:67] .
لقد عرف الصحابة ذلك المنهج القرآني وملأ
قلوبهم إيماناً فملؤا الأرض عملاً صالحاً ونوراً وهدىً، وشهد لهم القرآن بالإيمان،
قال تعالى في حقهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾[الأنفال:4] ، وشهد لهم بالرشد: ﴿أُولَئِكَ
هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾[الحجرات:7] .
ومع ذلك كله لم يعلم النبي أصحابه هذا
الدليل ولا عرفه أحد منهم، فكيف يقال: إن هذا الدليل أصل الدين الوحيد وهو لم يرد
في الكتاب والسنة وما عرفه الصحابة؟(37)
(ج)
نقد
دليل الأعراض وحدوث الأجسام:
*يقوم دليل الأعراض وحدوث الأجسام على
مصطلحات مجملة مثل لفظي "الأعراض والأجسام" ولم يردا في الاستدلال
الشرعي مما قد يسبب إشكالاً في وضوح معانيها الشرعية، فالأعراض تطلق في اللغة على
ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه وأطلقها القرآن الكريم على المتاع الدنيوي فقال
تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ
مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾[النساء:94] وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً
قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ﴾[التوبة:42] .
وأما عند المتكلمين فيطلق على ما يطرأ
ويحدث بعد أن لم يكن، ثم جرهم ذلك إلى إطلاق الأعراض على صفات الله سبحانه وتعالى،
ومن المتكلمين من عرف العرض بأنه (ما لا يبقى زمانين) فلا يدوم عندهم، ثم جرهم ذلك
أيضاً إلى تطبقه على بعض صفات الله، ورأوا أن النتائج التي وصلوا إليها لا تليق
بالله فقاموا بنفيها عن الله تنزيهاً له، فجاءوا بمصطلح العرض وأضافوا له معاني
جديدة، وقد وضعوه للمخلوقين ثم توسعوا في تطبيقه على الخالق سبحانه بون دليل من
الشرع الذي لا سبيل لمعرفة الغيب إلا عن طريقه.
وكذلك لفظ الجسم أعطوه معاني أخرى غير ما
دل عليه القرآن كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾[المنافقون:4] أي : أبدانهم ، وكما جاء في
قوله سبحانه : ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾[البقرة:247] والذي يدل على الغلظ
والكثافة؛ فأطلقوا لفظ الجسم على ما يلي:
1) ما
يقبل الإشارة الحسية بأنه هنا أو هناك(38).
2) على أي شيء موجود وإن كان لطيفاً لا يرى مثل الهواء(39).
3) على الشيء الذي يقوم بنفسه وإن تعاقبت عليه الصفات(40).