شبهات أهل الكتاب حول الرسول صلى الله عليه وسلم

 

مقدمـة :

اختار الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من بين خلقه ؛ لحمل آخر الرسالات، وقد حباه الله من الصفات الحميدة ، والأخلاق الجليلة ما لم يحظ به أحد غيره ، إلا أنه مع ذلك لم يسلم من كيد الكائدين ، ومن كلام المغرضين ، ومن شبهات الحاقدين ، ولذا فإن أهل الكتاب يحاولون إثارة بعض الشبهات حول النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لعدة أغراض منها :

1 ـ تشكيك المسلمين في رسالتهم من خلال تشكيكهم بشخصية النبي صلى الله عليه  وسلم .

  محاولة تشويش الرؤية على الباحثين عن الدين الحق من أهل الكتاب ، وغيرهم من الأمم وأهل الملل الأخرى .

وهذه بعض شبهاتهم التي يثيرونها حول النبي صلى الله عليه وسلم :

 

الشبهة الأولى : شبهة انشغاله بالنساء

هذه الشبهة التي أثيرت حول شخصه الكريم : أنه ميال للنساء ، منشغل بهن ، وقد أكثر منهن حتى بلغن إحدى عشرة زوجة !!!

 

دمغ الشبهة

 لا شك أن من يقول هذا لا حظ له من معرفة سيرته صلى الله عليه وسلم ، وليس له أدنى علم بهديه عليه الصلاة والسلام .

ونلخص الإجابة على هذه الشبهة الحاقدة بالنقاط الآتية :

1ـ أن زواجه صلى الله عليه وسلم ، لم يكن بهدف التمتع وإشباع الشهوة ، وإن كان ذلك أمراً فطريا ًسائغاً لا يعاب الإنسان به ، وقد كان ذلك سائداً بين العرب آنذاك ، ومع ذلك فإن هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من زواجه كان أسمى من ذلك ، وأعلى ؛ إذ أراد بتعدد الزوجات تحقيق أهداف سامية ، ونشر قيم نبيلة منها على سبيل التمثيل لا الحصر :

أ ـ الدعوة إلى الله ، ومراعاة مصالح عظيمة اقتضتها الدعوة .

ب ـ الترابط الأسري الذي فيه اتساع رقعة النسب معه صلى الله عليه وسلم؛ لتنتشر الدعوة.

ج ـ ومن المصالح تأليف القلوب ، وكفالة اليتامى ، والإحسان إلى الأرامل، وتعليم النساء أمور دينهن ، ونحو ذلك مما فيه مصلحة عامة.

د ـ  كما أن من الأسباب أي أسباب التعدد الرغبة في نقل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم كافة داخل بيته ، وخارجه مما لا يستطيع رجل واحد ، ولا امرأة واحدة نقله ، أو حصره .

هـ  ـ وقبل كل هذا ، فإن بعض نسائه تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي رباني ، وبأمر إلهي ؛ ليزيل بعض العادات الجاهلية ؛ وليكون هو القدوة في محاربة هذه العادات ، ومن ذلك زواجه بزينب بنت جحش كان بوحي من الله لمحاربة ظاهرة التبني . فقد كان زيد بن حارثة مولى للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت قريش تسميه زيد بن محمد ، وخشي الرسول من أن يسري هذا العرف الخاطئ في المجتمع الإسلامي ، لا سيما مع سكوت النبي حياله ، فقد ينقدح في أذهان البعض أن النبي أقره . فجاء الوحي من الله لرسوله بأن يتزوج زينب بنت جحش بعد طلاق زيد لها ، مع أنه نصح زيداً بأن يمسك عليه زوجته ، وكان هو من زوجه بزينب .

قال تعالى : ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً [الأحزاب:37].

و ـ وكان زواجه ببعض أمهات المؤمنين مراعاة لأخلاق الحروب .

وذلك في زواجه بأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم بما يملي عليه خلقه ، وأهداف رسالته أن بنت حيي سيد قومه كانت سبية مع أحد أصحابه فاشتراها مراعاة لمشاعرها ، ومشاعر قومها .

 فنقول لأهل الكتاب من اليهود ، والنصارى ، وغيرهم ممن يحاربون الإسلام اليوم : هذه أخلاق نبينا في الحروب فأين أخلاقكم ؟ !! .

 

الشبهة الثانية : مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجته وهي حائض:

ذكر المعترضون ما ورد في الصحيحين من حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية (رضي الله عنها) قالت: كان النبي إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت و هي حائض.

و لهما عن عائشة نحوه ، وزعموا بجهلهم ، أو بتجاهلهم أن ذلك يتعارض مع قوله تعالى:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ[البقرة:22]

الرد على الشبهة:

وسبب ذلك أنهم أناس لا يفقهون،  فالمباشرة المنهي عنها في الآية الكريمة هي المباشرة في الفرج . أما ما دون ذلك فهو حلال بالإجماع ، و قد روى الإمام أحمد ، وأبو داوود ، والترمذي ، وابن ماجة عن عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يحل لي من امرأتي وهى حائض؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " ما فوق الإزار"(1), و روى ابن جرير أن مسروقاً ركب إلى عائشة ( رضي الله عنها) فقال: السلام على النبي و على أهله, فقالت عائشة: مرحباً مرحباً فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء ، وأنا أستحي فقالت : إنما أنا أمك ، وأنت ابني ، فقال: ما للرجل من امرأته ، وهى حائض؟ فقالت له : " كل شيء إلا الجماع" ، وفى رواية  "ما فوق الإزار" .

و قد رأينا في حديث ميمونة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ما أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها " فاتزرت "(2) فأين التعارض المزعوم إذاً يا ملبسي الحق بالباطل.

ولعل ما دفعهم إلى الاعتراض هو وضع المرأة الحائض في الكتاب اللامقدس  والذي ينص على أنه (( َإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ ، فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِي طَمْثِهَا ، وَكُلُّ مَنْ يَلْمِسُهَا يَكُونُ نَجِساً إِلَى الْمَسَاءِ. كُلُّ مَا تَنَامُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا ، أَوْ تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِساً ، وَكُلُّ مَنْ يَلْمِسُ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ ، وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِساً إِلَى الْمَسَاءِ. وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعاً تَجْلِسُ عَلَيْهِ ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ ، وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ ، وَيَكُونُ نَجِساً إِلَى الْمَسَاءِ. وَكُلُّ مَنْ يَلَمِسُ شَيْئاً كَانَ مَوْجُوداً عَلَى الْفِرَاشِ ، أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِساً إِلَى الْمَسَاءِ . وَإِنْ عَاشَرَهَا رَجُلٌ ، وَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ طَمْثِهَا ، يَكُونُ نَجِساً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَنَامُ عَلَيْهِ يُصْبِحُ نَجِساً.))(لاوين-15-19)

فهذا هو كتابهم الذي يجعلها في حيضها كالكم المهمل الذي لا يقترب منه أحد، وكأنها ( جربة ) ، و قد ورد عن أنس أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ، ولم يجامعوها في البيوت ، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله تعالى ((البقرة22)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح"(3) ، فبلغ ذلك اليهود ، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه .

ومن المعروف في قواعد علم مقارنة الأديان عدم مؤاخذة دين وفقاً لشريعة دين آخر ، فما بالك ، والإسلام أعدل ، وأسمى ، وقد أنصفت شريعته المرأة في هذا المقام ، وغيره !!.

 

الشبهة الثالثة : قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في حجر عائشة، وهي حائض

روى البخاري عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل رأسه، و أنا حائض و كان يتكىء في حجري و أنا حائض فيقرأ القرآن(4) .

 

دمغ الشبهة

وهذا أيضاً لا شبهة فيه ، وما دفعهم إلى الاعتراض على ذلك الحديث ، إلا نفس السبب الذي دفعهم للاعتراض على الحديث السابق ، وهو تصورهم المتطرف لوضع المرأة الحائض ، وجعلها كالقاذورات التي تنجس كل ما تمسه،

وهذا ليس من شريعة الإسلام الوسطية العادلة ، فالمرأة إن كانت لا يمكنها الصلاة ، أو الصيام ، وهي حائض ، إلا أنها لا تنجس زوجها إذا ما مسته ، ولا ينظر إليها في حيضها بهذا الازدراء حتى أن المرأة الحائض عندهم مذنبة !!

جاء في الكتاب المدنس بتحريفاتهم ما نصه :

((28وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ سَيْلِهَا تَحْسِبُ لِنَفْسِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطْهُرُ. 29وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ تَأْخُذُ لِنَفْسِهَا يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ وَتَأْتِي بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 30فَيَعْمَلُ الْكَاهِنُ الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ وَالْآخَرَ مُحْرَقَةً وَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ سَيْلِ نَجَاسَتِهَا))(لاويين 28:15-30)

فأين ذلك من شريعة الإسلام الطاهرة التي تحترم المرأة لذا استدل العلماء من حديث أم المؤمنين عائشة بجواز ملامسة الحائض ، وأن ذاتها ، وثيابها على الطهارة ما لم يلحق شيئاً منها نجاسة ، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة , قاله النووي : وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرة , قاله القرطبي بل ويمكن للمرأة نفسها أن تتعبد بقراءة القرآن دون النطق به ، ويمكنها تقليب صفحاته باستعمال سواك ، أو بارتداء قفاز ، أو ما شابه ذلك بل وعند ابن حزم يمكنها الجهر بقراءة القرآن وهي حائض دون مس المصحف الشريف .

 

الشبهة الرابعة : شبهة تحريم الرسول مارية على نفسه أو العسل:
 

جاء فى تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ  [التحريم:1-3] عدة روايات انتقى الخبثاء بعضها ونفخوا فيها ليغيروا معانيها ويحملوها أكثر مما تحتمل بكثير ، ومفاد هذه الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب ماريا أم ابنه إبراهيم في البيت المخصص لحفص فقالت : أي رسول الله في بيتي وفي يومي ؟!


فقال صلى الله عليه وسلم : ألا ترضين أن أحرمها على فلا أقربها ؟ فقالت : أي رسول الله كيف يحرُم عليك الحلال ؟ فحلف بالله ألا يصيبها وقال لا تذكري ذلك لأحد .

ووردت عدة روايات لهذا الحديث كثير منها ضعيف ومنها روايات تفيد بأن ذلك كان يوم عائشة والصحيح أن ذلك كان يوم حفص كما دلت الكثير من النصوص و الله أعلم .

وقد أمسك السفهاء بهذه الرواية وأخذوا يخوضون في عرض رسول الله حقداً عليه بل وبثوا سمومهم وسفالاتهم وقالوا أن أم المؤمنين حفص قد وجدت رسول الله في وضع (الخيانة الزوجية)!! و أنه صلى الله عليه وسلم طلب منها ألا تفضحه إلى غير ذلك من ترهات عقولهم السفيهة و قلوبهم المريضة بل ووصل الحقد إلى درجة تحريف الكلم عن مواضعه والتطاول على الله تعالى .

 

دمغ الشبهة

ونقول لهؤلاء الجهلة أين هذه الخيانة الزوجية؟ وهل معاشرة رسول الله  لسريته وأم ولده تعتبر عندكم خيانة زوجية و العياذ بالله ؟

بالطبع لا فهي من نسائه اللاتي أحل الله له وهذا أمر معروف ولا حرج فيه

وأما معاتبة أم المؤمنين حفص لرسول الله  ، فلم تكن بسبب الخيانة كما يزعمون و إنما بسبب غيرتها عندما خلا رسول الله بأم إبراهيم في البيت المخصص لها وكانت في ذلك اليوم عند والدها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فالمسألة كلها تتعلق بترك رسول الله للقسمة في ذلك اليوم وكما هو واضح فهذا لم يكن عن عمد ولم يقصد به رسول الله إيذاء حفص التي كانت شديدة الغيرة ؛بدليل أنه طيب خاطرها وحرم ماريا على نفسه إرضاءً لها .

و قد طلب منها عدم إخبار أحد لأمر من اثنين:

(1) إما لأن رسول الله لم يشأ أن تعلم عائشة فتحزن لذلك وقد كانت أقرب زوجاته إلى قلبه (صلوات الله و سلامه عليه) ذلك على الأخذ بالروايات التي أشارت إلى أن ذلك كان يومها وهذا لا حرج فيه فهذه حياته الخاصة عليه السلام وهؤلاء هن زوجاته أمهات المؤمنين .

(2) الأمر الثاني :  وهو الأرجح و دلت عليه كثير من الروايات أن رسول الله  طلب من حفصة عدم إخبار أحد "بكونه سيُحرم ماريا على نفسه "لأن رسول الله  كره ذلك وإنما فعله إرضاءً لها ولم يشأ أن يسُن ذلك لأمته فيحرم الناس على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم فأنزل الله (التحريم) .

ومن الروايات التى تؤكد ذلك المعنى مارَوَى الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قُلْت لِعُمَرَ بْن الْخَطَّاب مَنْ الْمَرْأَتَانِ ؟ قَالَ عَائِشَة وَحَفْصَة وَكَانَ بَدْء الْحَدِيث فِي شَأْن أُمّ إِبْرَاهِيم مَارِيَة أَصَابَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْت حَفْصَة فِي نَوْبَتهَا فَوَجَدَتْ حَفْصَة فَقَالَتْ يَا نَبِيّ اللَّه لَقَدْ جِئْت إِلَيَّ شَيْئًا مَا جِئْت إِلَى أَحَد مِنْ أَزْوَاجك فِي يَوْمِي وَعَلَى فِرَاشِي قَالَ " أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا فَلَا أَقْرَبَهَا " قَالَتْ بَلَى فَحَرَّمَهَا وَقَالَ لَهَا " لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لأَحَدٍ " فَذَكَرَتْهُ لِعَائِشَةَ فَأَظْهَرَهُ اللَّه عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ يَا أَيّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللَّه لَك تَبْتَغِي مَرْضَات أَزْوَاجك الْآيَات .

كما وردت روايات أخرى عن أسباب نزول هذه الآية الكريمة منها ما رواه البخاري عن عائشة قالت: "كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَب عَسَلاً عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش وَيَمْكُث عِنْدهَا فَتَوَاطَأْت أَنَا وَحَفْصَة عَلَى أَيَّتِنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ : أَكَلْت مَغَافِير إِنِّي أَجِد مِنْك رِيح مَغَافِير . قَالَ" لا وَلَكِنِّي كُنْت أَشْرَب عَسَلاً عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش فَلَنْ أَعُود لَهُ وَقَدْ حَلَفْت لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا"(5)

فهل طلب رسول الله في هذه الرواية من حفص عدم إخبار أحد خشية الفضيحة أيضاًً يا عبّاد الصليب؟ !!

ولو كانت المسألة بهذه الصورة الشوهاء التي رسمتموها فهل كانت تُذكر في قرآن يُتلى على المؤمن والكافر إلى يوم القيامة و يتدارسه المؤمنون في كل وقت وحين؟

أما عن ترك القسمة في ذلك اليوم فهو حالة استثنائية عارضة كما أوضحنا آنفاً و ما لا يعرفه هؤلاء الجهال أن القسمة لم تكن ((فريضة شرعية)) في حق رسول الله حيث أن القسمة الشرعية وُضعت عنه في قوله تعالى: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً[الاحزاب51].

لأن عالم الغيب سبحانه قد علم أن نبيه الكريم سيبقى على القسمة حتى لو لم تكن واجبة عليه فرفع عنه ذلك التكليف حتى إذا ما قسم لهن اختياراً استبشرن به وحملن جميلته في ذلك واعترفن بمنته عليهن في إبقاءه على القسمة وقد أبقى رسول الله على هذه القسمة وكان يقول " اللهم هذا فعلى فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"(6)  وظل على هذا إلى مرض موته عليه السلام ولم يُطبب في بيت عائشة إلا بعد أن جمع أزواجه و أستأذنهن في ذلك.

والآيات في سورة التحريم تتضمن معجزة من معجزاته صلى الله عليه و سلم, في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم:3]

والحديث الذي أسره النبي لزوجته حفصة هو تحريمه ماريا  أو أكل العسل على نفسه , فلما أنبأت حفصة عائشة بذلك أطلعه الله تعالى على ما دار بينهما فأخبرها رسول الله ببعض ما وقع منها وأعرض عن بعض بكرم خلقه فتعجبت   وقالت من أنبأك هذا؟!! قال   نبأنيَ العليم الخبير.
فما الذي يعترض عليه الحاقدون وقد قالت أم المؤمنين عائشة " و الله ما مست يد رسول الله امرأة لا تحل له"(7).

أما الحال عند النصارى فهو مأساة تشريعية بمعنى الكلمة وكثير منهم يستنجدون بالشريعة الإسلامية فالكنيسة المظلمة لا تكاد تبيح الطلاق إلا في أضيق الحدود كحال الزنا أو تغيير الدين أما الكاثوليك فلا طلاق عندهم أساساً

ولكن انفصال جسدي !! و كثير من النصارى البائسين الذين لم يوفقوا في اختيار شركاء الحياة يلجأون إلى الحيل و يغيرون مللهم ليحصلوا على حرياتهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهنا قصة من التراث النصراني وهو ما حدث مع فيليب أغسطس أحد أشهر ملوك الحملات الصليبية الذي كان قد تزوج الأميرة الدنماركية( انجبورج) و لم يشعر معها بأي سعادة فهجرها واستغرق عام كامل في إقناع مجلس الأساقفة حتى يحصل على الطلاق ولكن البابا سلستين الثالث أبى أن يوافق على هذا, فتحدى فيليب البابا وتزوج (أنى) الميرانية فحرمه سلستين!! و لكن فيليب ظل على موقفه وقال ( خير لي أن أفقد نصف أملاكي من أن أفارق أنى) و وأمره انوسنت الثالث أن يرجع انجبورج فلما رفض حرمه من كثير من حقوقه فقال في حسرة (( ما أسعد صلاح الدين ليس فوقه بابا يتحكم في حياته)) وهدد باعتناق الإسلام وواصل كفاحه دفاعاً عن المرأة التي أحبها أربع سنين ولكن الشعب انضم إلى الكنيسة في الضغط عليه خوفاً من عذاب النار الذي هدد به البابا!!! فطرد فيليب زوجته أنى ولكنه أبقى إنجبورج محبوسة في ايتامب حتى عام 1202