بسم
الله الرحمن الرحيم
شبهات الكافرين قديماً حول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
الحمد لله
رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين،
وعلى آله وأصحابه ومن اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
الإيمان
بنبوته صلى الله عليه وسلم ركنٌ من أركان الإيمان لا يصحُّ إيمانُ العبد إلا به،
ومن لم يؤمن به فهو خارجٌ عن ملة الإسلام، وليس من عداد المؤمنين، وإن آمن بموسى
وعيسى فإن ذلك لا يعفيه من الإيمان بخاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد بن عبد الله
الصادق الأمين.
وإننا إذا
نظرنا إلى ما يقع فيه الخلق من الكفر أو الشرك أو الجحود أو المعاصي والذنوب فإن
سببها لا يخلو عن كونه شبهة أو شهوة، ومما لا شك فيه أن الشبهات أعظم نخراً في دين
المرء من الشهوات، وأعظم الشبهات خطراً على دين المرء ما تكون في المعتقدات، والتي
منها ما يتعلق بالنبوات، ومن هذه الشبهات ما أثارها المشركون الكافرون حول نبوة
الرسول محمد صل الله عليه وسلم، وكذلك ما أثاره أهل الكتاب من اليهود والنصارى،
فأول ما نتكلم عنه شبهات الكفار، ومن هذه الشبهات ما هو في العصر القديم ومنها ما
هو في العصر الحديث، فمن الشبهات التي كانت في العصر القديم، والتي تمسك بها مشركو
مكة:
أولاً: زعموا أن القرآن المعجزة الدالة على نبوته صلى الله
عليه وسلم إنما هي من أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، وليس من
عند رب العالمين، وإذا كان هذا ليس من عند الله فهو ليس نبياً مرسلا وإنما يزعم
ذلك افتراءً على الله وأنهم لو شاؤا لقالوا مثل هذا الذي جاء به صلى الله عليه
وسلم،
وهذه من أسوأ شبهاتهم، وأقبح تراهاتهم، ولذا كان اهتمام القرآن بالرد عليها في
أكثر من موطن، وقد ذكر الله ذلك في كتابه العزيز في أكثر من آيةٍ فقال تعالى: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا
عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن
يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ
يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ
الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام:25],
قال ابن كثير رحمه الله: «﴿حَتَّى إِذَا
جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ أي: يحاجونك ويناظرونك في الحق
بالباطل، يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين، أي: ما هذا الذي جئت به إلا
مأخوذٌ من كتب الأوائل ومنقولٌ عنهم»(1)، وقال مبيناً حالهم
أنهم لو شاؤا لقالوا مثل هذا القرآن كذباً منهم وزوراً: ﴿وإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا
مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال:31]،
وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ
وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
[المؤمنون:83] و[النمل:68]، أي: «قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد
ووعد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنهم لله رسل من قبلك فلم نره حقيقة، ﴿إِنْ هَذَا﴾ يقول: ما هذا الذي
تعدنا من البعث بعد الممات ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث
والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة».(2) وقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ
الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم:15]و[المطففين:13] وفي سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا
فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾[الفرقان:5], وقال تعالى: ﴿وَإِذَا
قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾
[النحل:24] «عن قتادة: قال ذلك قوم مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبي
الله صلى الله عليه وسلم فإذا مر بهم أحدٌ من المؤمنين يريد نبي الله صلى الله
عليه وسلم قالوا لهم: أساطير الأولين يريد: أحاديث الأولين وباطلهم»(3)، وبعد أن ذكرنا الآيات التي تبين مقالهم وزعمهم الباطل عرفنا أن
ذلك من شبهاتهم التي يتبجحون بها ويجعلونها مانعاً من إيمانهم، ويجدر بنا أن نبين
المقصود من قولهم أساطير الأولين؛ حتى يكون الرد على زعمهم واضحاً وبيناً وليس
بعيداً عن مقصدهم ومرادهم الذي جعلوه مانعاً من إيمانهم كما قد تبين من خلال
الإشارة إلى أقوال المفسرين.
المقصود
بقولهم أساطير الأولين:
الأساطير: «جمع
إسطارة وأسطورة مثل أفكوهة وأضحوكة، وجائزٌ أن يكون الواحد أسطاراً مثل أبياتٍ و
أباييتٍ وأقوال وأقاويل، من قول الله تعالى ذكره: ﴿وَكِتَابٍ
مَّسْطُورٍ﴾[الطور:2] من سطَّر
يسطِّر سطراً، فإذ كان من هذا فإن تأويله: ما هذا إلا ما كتبه الأولون، وقد ذكر عن
ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأولونه بهذا التأويل ويقولون: معناه: إن هذا إلا
أحاديث الأولين»(4).
وقال
القرطبي: « ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
أي ليس هو من تنزيل ربنا وقيل: إن المؤمنين هم القائلون لهم اختبارا فأجابوا
بقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
فأقروا بإنكار شيءٍ هو أساطير الأولين والأساطير: الأباطيل والترهات »
(5).
ومما سبق
يتبينُ لنا جملةٌ من أقوالِ المفسرين لبيان معنى قول الكافرين إن القرآن أساطير
الأولين وهي:
- كتُبُ
الأوائل.
- ما سطره
الأولون في كتُبِهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحةَ لها ولا حقيقة.
- أحاديثُ
الأولين.
- الأباطيل
والترهات.
وجميعُ ذلك
يدلُ على تهوينهم من شأن القرآن، وأنه ليس من عند الله وإنما هو من قول البشر.
الرد على
الشبهة
ويتبين
الرد على مثل هذه الشبهة والافتراء من خلال الآتي:
1-
تحدى القرآن أن يأتوا بمثله بل بعشر سورٍ بل بسورةٍ من مثلِه، وإنما تحداهم لأنهم
كذبوا أنه من عند الله وإنما قاله بشر، فإذا كان كما يزعمون فليأتوا بمثل سورةٍ
منه، والآيات التي تحدتهم أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ
بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾[الإسراء:88
]، وقال الله تعالى: ﴿
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾[
الطور:34]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ
سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ
إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾[هود:13]
وقال الله عز وجل: ﴿َإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ
مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ
وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[البقرة:23]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ
بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ
صَادِقِين﴾[ يونس:38],
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ
مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾
[القصص:49] ومن الأدلة على تحديهم الحروف
المقطعة في أوائل السور، قال الزركشي: «الآيات التي اشتملت على الحروف المقطعة في
أوائل السور، فهي وإن اختلف العلماء في تفسيرها إلا أنها دالة على إعجاز القرآن
كما ذكره أهلُ التحقيق من المفسرين»(6)، وقال ابن كثير بعد
أن عدد الأقوال في معنى الحروف المقطعة: «وقال آخرون: بل إنما
ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكره فيها؛ بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق
عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون
بها، وقد حكى هذا المذهب: الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكى
القرطبي عن الفراء وقطرب: نحو هذا، وقرره الزمخشري في كشافه، ونصره أتم نصر، وإليه
ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج
المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية، ....
قلت:
ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه
،وعظمته وهذا معلومٌ بالاستقراء، وهو الواقع في تسعٍ وعشرين سورة، ولهذا يقول
تعالى:
﴿الم*
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة:1-2], ﴿الم * اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
* نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل﴾[آل عمران: 1-3 ]...وغير
ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم»(7).
وباء
المشركون بالخري والعار حين عجزوا عن أن يأتوا بمثل سورة منه، بل لجأوا إلى القول
لو أن هذا القرآن أنزل على رجلٍ من القريتين عظيم كما سنبين ذلك لاحقاً، إن ذلك العجز الذي وقع من ألد أعداء الدعوة، دليلٌ واضحٌ أن هذا القرآن
منزلٌ من عند الله – سبحانه وتعالى- بل ذلك العجز ليس مقتصراً عليهم، وإنما جميع
الخلق جنهم وإنسهم، برهم وفاجرهم، عاجزون عن ذلك.
يقول ابن
تيمية-رحمه الله-: «لما تحداهم بالإتيان بمثله في قوله:﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ ثم
تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا عن ذا و ذاك، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله
فعجزوا، فإن الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا بمثله و لا بسورة مثله، و إذا كان الخلق
كلهم عاجزين عن الإتيان بسورة مثله ومحمد منهم، علم أنه منزل من الله نزله بعلمه
لم ينزله بعلم مخلوق، فما فيه من الخبر فهو خبر عن علم ا لله»(8) .
ويقول ابن
كثير-رحمه الله-: «هذا بيان لإعجاز القرآن وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ولا
بعشر سور ولا بسورة من مثله؛ لأنه بفصاحته، وبلاغته، ووجازته، وحلاوته، واشتماله
على المعاني العزيزة النافعة في الدنيا والآخرة، لا تكون إلا من عند الله الذي لا
يشبهه شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه
كلام المخلوقين»(9).
وكما
أن عجزهم كان دليلاً على أنه منزل من عند الله
-عز وجل-،
هو كذلك دليلٌ على نبوة محمد-صلى الله عليه وسلم- وأنه مرسلٌ من عند الله؛ لأنه قد
أتاهم بما يعجزون عن الإتيان بمثله، وهو بشرٌ عربيٌ مثلهم بل إنه أميٌ لا يقرأ ولا
يكتب، يقول ابن تيمية –رحمه الله-:
«وأما القرآن فهو متضمنٌ لعلمِ الله ابتداءً، فإنما أنزل بعلمه لا
بعلم غيره، ولا هو كلام بلا علم، و إذا كان قد أنزل بعلمه فهو يقتضي أنه حق من
الله، ويقتضي أن الرسول رسول من الله الذي بين فيه علمه»(10).
ويقول الجويني أبوالمعاليى -رحمه الله-: «الدليل على
ثبوت نبوة نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -المعجزات، ومن آياته القرآن وفيه
وجوه من الإعجاز، منها: ما اختص به من الجزالة، والنظم الخارج عن جميع أساليب
أوزان كلام العرب, وتحدى العرب بأن يعارضوا سورة منه، وذكر أنهم لو عارضوها لبطلت
دعواه، وانكف عن التعرض لهم، فحاولوا معارضته وهم اللد البلغاء، واللسن الفصحاء في
نيف وعشرين سنة فلم يتأت لهم معارضة»(11)، ويؤكد الجصاص على أن في ذلك أكبر دلالة على صحة نبوة نبينا
-عليه السلام- من وجوه فقال: «وقوله تعالى ﴿َإِن
كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن
مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ﴾[البقرة:23] فيه أكبر دلالة على صحة نبوة نبينا
-عليه السلام- من وجوه:
أحدها: أنه تحداهم بالإتيان بمثله، وقرعهم
بالعجز عنه مع ما هم عليه من الأنفة، والحمية، وأنه كلام موصوف بلغتهم، وقد كان
النبي -عليه الصلاة والسلام -منهم تعلم اللغة العربية، وعنهم أخذ،
فلم يعارضه منهم خطيب، ولا تكلفه شاعر مع بذلهم الأموال والأنفس في توهين أمره،
وإبطال حججه، وكانت معارضته لو قدروا عليها أبلغ الأشياء في إبطال دعواه وتفريق
أصحابه عنه، فلما ظهر عجزهم عن معارضته دل ذلك على أنه من عند الله الذي لا يعجزه
شيء، .... والوجه الآخر من الدلالة: أنه معلوم عند المؤمنين بالنبي- عليه السلام-
وعند الجاحدين لنبوته أنه من كان من أتم الناس عقلا، وأكملهم خلقا، وأفضلهم رأيا،
فما طعن عليه أحدٌ في كمال عقله ووفور حلمه، وصحة فهمه، وجودة رأيه، وغير جائزٍ
على من كان هذا وصفه أن يدعي أنه نبي الله قد أرسله إلى خلقه كافة، ثم جعل علامة
نبوته، ودلالة صدقه كلاماً يظهره، ويقرعهم به مع علمه بأن كل واحد منهم يقدر على
مثله فيظهر حينئذ كذبه، وبطلان دعواه فدل ذلك على أنه لم يتحداهم بذلك، ولم يقرعهم
بالعجز عنه إلا هو من عند الله لا يقدر العباد على مثله.
الثالث:
قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ [البقرة: 24] فأخبر أنهم لا
يعارضونه، ولا يقع ذلك منهم، وذلك إخبار بالغيب ووجد مخبره على ما هو به، ولا
تتعلق هذه بإعجاز النظم بل هي قائمة بنفسها في تصحيح نبوته؛ لأنه إخبار بالغيب كما
لو قال لهم الدلالة على صحة قولي: إنكم مع صحة أعضائكم، وسلامة جوارحكم لا يقع من
أحد منكم أن يمس رأسه، وأن يقوم من موضعه فلم يقع ذلك منهم مع سلامة أعضائهم،
وجوارحهم وتقريعهم به مع حرصهم على تكذيبه كان ذلك دليلاً على صحة نبوته إذ كان
مثل ذلك لا يصح إلا كونه من قبل القادر الحكيم الذي صرفهم عن ذلك في تلك الحال»(12).
2- ومما رد الله به على
شبهتهم هذه هو قوله تعالى: ﴿َقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ
آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً *وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً *قُلْ أَنزَلَهُ
الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً
رَّحِيماً﴾[ الفرقان:4-6]، فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من أعظم الأدلة على أنه من عند الله
عز وجل فإن القرآن فيه إخبارٌ عن الغيبيات التي لا يطلع عليها أحدٌ من البشر مهما
بلغ من العلم ومهما كان له من الأعوان فإنه يتكلم عما في أعماق البحار، وما في
الفلك من الأسرار، وما كان في الأمم السابقة من الأخبار، وما هو كائنٌ إلى أن يدخل
أهلُ الجنةِ الجنة وأهلُ النارِ النار، ، ومن أعظم أبواب العلم التي تُبين ذلك هو
ما يسميه علماء الإسلام بالإعجاز العلمي، وهو بينٌ جلي، نكتفي بالإشارة تجنباً
للإطالة، وينظر في بابه، والمصنفات فيه قيمة وعديدة، قال ابن جرير: «وقوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ
الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول تعالى
ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بآيات الله من مشركي قومك: ما الأمر كما تقولون
من أن هذا القرآن أساطير الأولين وأن محمدا صلى الله عليه وسلم افتراه و أعانه عليه
قومٌ آخرون، بل هو الحق أنزله الرب الذي يعلم سر من في السماوات و من في الأرض ولا
يخفى عليه شيء ومحصي ذلك على خلقه و مجازيهم بما عزمت عليه قلوبهم و أضمروه في
نفوسهم»(13).
الشبهة الثانية:
قولهم:﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى
رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف:31].
«يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش لما جاءهم
القرآن من عند الله: هذا سحر فإن كان حقا فهلا نزل على رجل عظيم من إحدى هاتين
القريتين مكة أو الطائف؟
واختلف في
الرجل الذي وصفوه بأنه عظيم فقالوا: هلا نزل عليه هذا القرآن فقال بعضهم: هلا نزل
على الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من أهل
الطائف ؟ وهو عن ابن عباس، وقال آخرون: بل عني به عتبة بن ربيعة من أهل مكة وابن
عبد ياليل من أهل الطائف، وهو مروي عن مجاهد، وقال آخرون: بل عني به من أهل
مكة: الوليد بن المغيرة ومن أهل الطائف: ابن مسعود، وهو عن قتادة وابن زيد،
وقال آخرون: بل عني به من أهل مكة: الوليد بن المغيرة ومن أهل الطائف: كنانة بن عبد
بن عمرو، قاله السدي»(14).
وأياً كانا
الرجلين فهي شبهةٌ يقصدون بها الصد عن دين الله حيثُ أن محمدًا – بأبي وأمي هو صلى
الله عليه وسلم- ليس عظيماً ومن ثَمَّ ما يزعمه من نزول القرآن عليه ليس صحيحاً
لكونه ليس أهلاً لذلك فهذا ما يقصدون وهذا هو ما يزعمون، قال ابن كثير رحمه الله:
«وذلك أنهم قبحهم الله كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ بغياً وحسداً
وعناداً واستكباراً، كقوله تعالى مخبراً عنه: ﴿وَإِذَا
رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ
رَسُولاً﴾[الفرقان:41]»(15) وقال ابن عاشور: «كان
من صنوف أذى أئمة الكفر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ومن دواعي تصلبهم في
إعراضهم عن دعوته اعتزازهم بأموالهم وقالوا: ﴿َقَالُوا
لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:31] أي: على رجل من أهل الثروة فهي
عندهم سبب العظمة ونبذهم المسلمين بأنهم ضعفاء القوم وقد تكرر في القرآن توبيخهم
على ذلك كقوله: ﴿َقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ
أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾[سبأ: 35] وقوله: ﴿َذَرْنِي
وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾[المزّمِّل:11]»[16).
الرد على الشبهة
الثانية:
ويكون الرد
على هذه الشبهة من الوجوه الآتية:
1- في
قولهم هذا ما يدل على استعظامهم القرآنَ الكريم؛ لقوة حجته وبيان إعجازه، وفيه ردٌ
على زعمهم المكذوب أنه شاعرٌ وأنه أساطير الأولين، وأنه كاهنٌ أو ساحر، إذ أنهم
عدلوا عن هذه الأوصاف المفتراة إلى قولهم إن القرآن لولا أنه نزل على غير محمدٍ
لكان عظيماً، فهو اعترافٌ ضمنيٌ بأن القرآن من عند الله وإنما الذي منعهم من
الإيمان دعوى أنه لو نزل على رجلٍ من القريتين عظيم، فتبين أن المانع الحقيقي
الكبر والحسد والبغي.
2- العظمة ليس كما يتوهمون وإن أرادوها حقاً فهي جليةٌ واضحةٌ
بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير مبيناً جوانب من عظمته صلى الله عليه
وسلم: «هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه وطهارة بيته ومرباه ومنشئه صلى الله
وملائكته والمؤمنون عليه حتى إنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه [ الأمين ]
وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم: وكيف نسبه فيكم ؟
قال: هو فينا ذو نسب، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا ـ
الحديث بطوله، الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته عليه السلام على صدق نبوته وصحة
ما جاء به»(17).
3- لو أنهم
عقلوا وتدبروا لعلموا أن حقيقة الأمر ليس هو ما تمليه عليه شياطينُهم ولا كما
تزينه نفوسُهم وأهواؤهم، فالأمر ليس إليهم بل كما رد عليهم المولى في هذه الآية: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ
قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾[الزخرف:32], وقوله:
﴿َحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقول تعالى ذكره: بل نحن نقسم رحمتنا
وكرامتنا بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا رسولاً ومن أردنا صديقاً ونتخذ من
أردنا خليلاً كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون بها في حياتهم الدنيا من
الأرزاق والأقوات فجعلنا بعضهم فيها أرفع من بعض درجة بل جعلنا هذا غنيا وهذا
فقيرا وهذا ملكا وهذا مملوكا ﴿ِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾»(18).
فإذا كان
الإنسان لا يستطيع أن يختار شيئاً لنفسه، بل يقف عاجزا مستسلما لأمر الله وقدره إن
كتب الله عليه مرضا أو فقرا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فكيف له أن يتطاول بكل
وقاحةٍ ودناءة أن يقترح من يكون نبياً لإنقاذ العالم، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[القصص:68].
وقال
تعالى: ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ
شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾[الأنعام:124] أي هو أعلم
حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه(19), قال ابن كثير: «قال
الله رداً عليهم: ﴿َأهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ
رَبِّكَ﴾أي نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع
ولنا الحكمة البالغة والحجة التامة في ذلك وهكذا يعطي النبوة لمن يريد كما قال
تعالى: ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ﴾وقال تعالى: ﴿انظُرْ
كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ
وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾[الإسراء: 21]»(20).
الشبهة الثالثة:
ومن هذه
الشبهات التي أثارها المشركون [﴿أَبَعَثَ اللّهُ
بَشَراً رَّسُولاً﴾].
قال تعالى
مبيناً شبهتهم التي افتروها: ﴿وَمَا قَدَرُواْ
اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ
قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ
تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ
تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ
يَلْعَبُونَ﴾[الأنعام:91] وقال
تعالى: ﴿َلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾[النحل:103]
وقال: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ
النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ
أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾[الأنبياء:3] وقال عز وجل: ﴿أَكَانَ
لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ
الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾[يونس:2].
قال ابن
جرير: «عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك ومن أنكر
منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد»(21).
الرد على الشبهة
الثالثة:
والرد على
زعمهم أن محمداً بشر وليس بملك ومن ثم فلا يتبع هو:
1-
إن الرسل الذين من قبله كانوا بشراً
مثله ولم يكونوا ملائكة، وقد آمن من آمن بهم ففاز ونجى، وكذب من كذب منهم فخسر
الآخرة والأولى، وهم يعلمون ذلك كما قال تعالى عن قوم لوط: ﴿َإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ
نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ* ثُمَّ
دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ* وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[الصافات:133-138]، وقد ذكر القرآن من
الأدلة الكثيرة على أن الرسل كانوا بشراً، وبين اعتراض المشركين من الأمم السابقة
والمكذبين بما اعترض به هؤلاء الكفار أنهم بشرٌ ولم ينكروا ذلك ولم يعارضوا
القرآن، ومن تلك الأدلة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ
يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[يوسف:109] وقال
تعالى: ﴿َمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ
رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ
تَعْلَمُونَ﴾[النحل:43]،﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي
إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[الأنبياء:7]، قال ابن تيمية: «كانت العرب لا
عهد لها بالنبوة من زمن إسماعيل فقال الله لهم فاسألوا أهل الذكر يعني أهل الكتاب
إن كنتم لا تعلمون هل أرسل إليهم رجالا أو ملائكة ولهذا قال له: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ ﴾[الأحقاف:9] وقال: ﴿وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾[آل عمران:144] بين أن هذا الجنس من الناس معروف
قد تقدم له نظراء وأمثال وهو سبحانه أمر أن يسأل أهل الكتاب وأهل الذكر عما عندهم
من العلم في أمور الأنبياء هل هو من جنس ما جاء به محمد أو هو مخالف له؛ ليتبين
بإخبار أهل الكتاب المتواترة جنس ما جاءت به الأنبياء وحينئذ فيعرف قطعا أن محمدا
نبي بل هو أحق بالنبوة من غيره والثاني أن يسألوهم عن خصوص محمد وذكره عندهم وهذا
يعرفه الخاصة منهم ليس هو معروفا كالأول يعرفه كل كتابي قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ
وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾[الأحقاف: 10]»(22).
2-
أن هذا القول هو قول المشركين السابقين ولم يعفهم هذا القول من العذاب والهلاك،
وليس هذا القول بدعا من الأقوال بل قد قال به من قبلهم وقد قص القرآن لنا ذلك
وبينه على وجه الإجمال، وعلى وجه التخصيص، ومن الآيات المبينة لذلك مجملا: ثم إن
هذا القول لم يكن من المشركين الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بل هو خُلق
الكافرين من الناس عموماً الجاحدين للرسالات السماوية، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم
بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا
وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [التغابن:6]، ﴿وَمَا
مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ
أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾[الإسراء:94]، ﴿َقالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ
مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا
فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾[إبراهيم:10]، وقد ذكر الله
أقواماً على وجه الخصوص كفروا لزعمهم الباطل أن الله لا يبعث رسولاً من البشر،
ومنهم:
أ-
قوم نوح عليه السلام: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا
نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ
هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ
بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾[هود:27]
﴿وَقَالَ
الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ
يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً
مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾[المؤمنون:24].
ب-
قوم موسى وأخيه هارون: ﴿وَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا
وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾[المؤمنون:47].
ج-
قوم هود [عاد]: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن
قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا
تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً
لَّخَاسِرُونَ﴾[المؤمنون:33- 34].
د-
قوم صالح[ ثمود]: ﴿َوقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا
وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾القمر:24] مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ
مِنَ الصَّادِقِين﴾ [الشعراء:154].
هـ-
قوم شعيب [أصحاب الأيكة]، ﴿َمَا أَنتَ إِلَّا
بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[الشعراء:186].
و-
قوم الرسل الثلاثة [ أهل أنطاكية]: ﴿َقالُوا
مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ
أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾[يس:15].
2-
ويرد تعليلهم الفاسد
وكذبهم الزائف ما ذكر الله في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ
جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا
يَلْبِسُونَ﴾[الأنعام:9] قال ابن جرير الطبري: «ولو جعلنا
رسولنا إلى هؤلاء العادلين بي القائلين: لولا أنزل على محمد ملك بتصديقه - ملكا
ينزل عليهم من السماء يشهد بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ويأمرهم باتباعه ﴿لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ يقول:
لجعلناه في صورة رجلٍ من البشر؛ لأنهم لا يقدرون أن يروا الملك قي صورته يقول:
وإذا كان ذلك كذلك فسواء أنزلت عليهم بذلك ملكاً أو بشراً إذ كنت إذا أنزلت عليهم
ملكاً إنما أنزله بصورة إنسي وحججي في كلتا الحالتين عليهم ثابتة: بأنك صادقٌ وأن
ما جئتهم به حق»(23).
ويقول ابن
كثير: «أي ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكاً أي لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكياً
لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه ولو كان كذلك لالتبس
عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري كقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ
مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾[الإسراء:
95] فمن رحمته تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنفٍ من الخلائق رسلاً منهم؛ ليدعو
بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ
فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ
مُّبِينٍ﴾[آل عمران: 164]»(24).
وقال
ابن تيمية: «فبين سبحانه أنكم لا تطيقون التلقي عن الملك فلو أنزلناه ملكاً
لجعلناه في صورة بشرٍ وحينئذٍ كنتم تظنونه بشراً فيحصل اللبس عليكم فأمر الله
تعالى بسؤالِ أهل الكتاب عمن أرسل إليهم أكان بشراً أم كان ملكاً؛ ليقيم الحجة
بذلك على من أنكر إرسال بشر»(25).
3-
رد الله على زعمهم الباطل أنهم ليسوا
بملائكة حتى يشترطوا لأنفسهم أن تتنزل عليهم ملائكةٌ رسلاً إليهم وإنما هم بشرٌ
فكان الأولى أن يكون الرسل بشراً منهم ولو كان في الأرض ملائكةٌ لأنزل القادر
العليم ملائكةً إليهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ
الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَّوْ
كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم
مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً * قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾[
الإسراء: 94-96] قال ابن جرير: «لو كان أيها الناس في الأرض
ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا؛ لأن الملائكة إنما تراهم
أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله من بني آدم برؤيتها، فأما غيرهم فلا يقدرون على
رؤيتها فكيف يبعث إليهم من الملائكة الرسل وهم لا يقدرون على رؤيتهم وهم بهيئاتهم
التي خلقهم الله بها(26), وقال
ابن كثير: ولهذا قال ههنا: ﴿لَّوْ كَانَ فِي
الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾أي
كما أنتم فيها: ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً
﴾أي: من جنسهم ولما كنتم أنتم بشراً
بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفاً ورحمة(27), وقال الشوكاني: «فيه
إعلامٌ من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل إليهم فكأنه سبحانه
اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: الأول: كون سكان الأرض ملائكة، والثاني:
كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء إذ لو كانوا
قادرين على ذلك لطاروا إليها وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في
بعثة الملائكة إليهم فائدة»(28).
الشبهة الرابعة:
ومن شبهاتهم التي أثاروها شروطهم التي اشترطوها لإيمانهم، وقد ذكر
الله ذلك في كتابه العزيز والتي منها: ﴿وَقَالُواْ
لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً * أَوْ تَكُونَ
لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا
تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ
تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن
زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى
تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ
إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ [
الإسراء: 90-93]، ﴿ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ
يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً
مَّسْحُوراً﴾[الفرقان:8]، وقال:
﴿وَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ
الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾
[الزخرف: 53]، وقال الله عنهم: ﴿وَلَوْ أَنَّ
قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ
بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ
آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً
مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ
الْمِيعَادَ﴾[الرعد: 31].
الرد على الشبهة الرابعة:
1- إن هذه
الشروط من قبل أعداء الله لم يقصدوا بها التأكد من نبوته واستيقان ذلك وإنما
أرادوا العناد والتعجيز وإلا فالمعجزة قائمة والبرهان بين وواضح وإنما هو
الاستكبار والعناد.
2- إن
المعجزة ليست بيد أحدٍ من الأنبياء إنما هي بإذن الله وبرضاه تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ
وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ
بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾الرعد:
38] وقال:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن
قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ
وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا
جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾[غافر:
78] وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على صدق نبوتهم وعلى أنهم من عند الله قال ابن كثير:« أي
ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات إلا أن يأذن الله له في ذلك
فيدل على صدقه فيما جاءهم به»(29).
3- أن
الأمر لو فتح لهم واستجاب الله لمقترحاتهم لما آمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم
ولاستمروا في عنادهم؛ لأن اقتراحَهم كما يعلمه الله ليس لقصد البحث عن الحقيقة؛
لأنَّ الحقيقة قد قامت قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ
جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴾
[يونس:96-97].
4-
المشركون الذين طغوا وكفروا بدعوة الإسلام لو أن الله استجاب لمقترحاتهم لفسد نظام
الكون إذ أنهم ساقطو الأنفس منحطو الأخلاق فمقترحاتهم تكون تبعاً لنفوسهم الساقطة
وأخلاقهم المنحطة، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ
الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ
أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾[المؤمنون: 71].
الشبهة الخامسة:
ومن
الشبهات التي أثارها المشركون أنهم لا يؤمنوا بدعوة أتباعها الأراذل من الناس وهم
الفقراء والضعفاء، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن
بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾[الأنعام:
53], وفي استدلالهم هذا أن محمداً ليس
مرسلاً من عند الله إذ لو كان مرسلاً لاتبعه الأكابر والأقوياء لا الأتباع
والفقراء، قال ابن عاشور: «وقولهم: ﴿مَنَّ
اللّهُ عَلَيْهِم﴾ قالوه على سبيل التهكم ومجاراة الخصم أي حيث
اعتقد المؤمنون أن الله من عليهم بمعرفة الحق وحرم صناديد قريش فلذلك تعجب أولئك
من هذا الاعتقاد أي كيف يظن أن الله يمن على فقراء وعبيد ويترك سادة أهل الوادي؟!
وهذا كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا
نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾
[الزخرف:31]وهذه شنشنةٌ معروفةٌ من المستكبرين والطغاة»(30). بل وصل بهم الحد
إلى أن طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطردهم من عنده شرطاً لإيمانهم كبراً
وبطراً منهم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا
عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ
فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52], قال
أبو جعفر: «ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب جماعة
في ضعفاء المسلمين قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك»(31).
الرد على الشبهة الخامسة:
إنّ ما
قاله هؤلاء المشركون لا يقره العقل السليم والخلق القويم إذ كانوا لا يؤمنون
بالشرع، إن هذا الهدى الذي أنزله الله عز وجل على رسوله ودعا الناس إليه، أليس أن
من آمن به واتبعه فالأولى والأحرى أن لا يرد بحجة أنه من الضعفاء ومن الفقراء،
إنها جاهلية نتنة وعقلية عفنة لا تؤمن ولا تقر إلا بالماديات، وهذا السلوك المشين
قد قاله قومٌ من قبلهم كذبوا الرسل وهؤلاء على شاكلتهم سائرون، وعلى نهجهم العقيم
ماضون، قال تعالى عن قوم نوح: ﴿ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ
إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ
أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ
كَاذِبِينَ﴾ [هود:27]،وقال عنهم: ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
﴾ [الشعراء:111]، وهؤلاء ضلوا وما
علموا أن الحق إذا تبين يجب اتباعه بغض الطرف عن أتباعه، بل في اتباع الضعفاء
دليلاً على أنه الحق وبالأخص في وقتٍ هم فيه محاربون مطاردون فلولا الإيمان الصادق
بما جاء به ما أضافوا لأنفسهم عناءً آخر إلى فقرهم وضعفهم، وإنما هو اليقين
والبرهان المبين، وليس الأمر بيد الرسول حتى يقبل من شاءه أكابرُ المشركين ويرد من
لم يرده الأكابر بل إن الأمر بيد الله، قال تعالى: ﴿وََاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَلَاتُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ
أَمْرُهُ فُرُطاً﴾[الكهف: 28]، وقوله: ﴿وََاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾أي: «اجلس مع
الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشياً من
عباد الله سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء يقال: إنها نزلت في
أشراف قريش حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم
بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود وليفرد أولئك بمجلس على حده
فنهاه الله عن ذلك فقال: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾
الآية وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال: ﴿وََاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ»(32)، هذا ما تيسر لنا
بيانه وتفنيده من الشبهات التي أثارها المشركون تشكيكا بنبوة محمد صلى الله عليه
وسلم، وهذا ما تيسر لنا بيانه نسأل الله التوفيق والهداية، والحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه الغر الميامين.
جمع
وإعداد: مرفق ناجي مصلح ياسين.
26/
3/ 1428هـ - 2/ 4/ 2008م.
مراجعة:
علي عمر بلعجم 25/4/2008م.
(1)- تفسير ابن كثير، 2/173.
(2)- تفسير الطبري، 9/238.
(3)- تفسير الطبري، 7/574.
(4)- تفسير الطبري، 5/168.
(5)- تفسير القرطبي، 10/88.
(6)- البرهان في علوم
القرآن الزركشي أبو عبد الله 2/108, دار
المعرفة - بيروت ، 1391هـ
تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.
(7)- تفسير القرآن العظيم: 1/61.
(8)- مجموع الفتاوى ابن تيمية
14/197- 198.
(9)- تفسير القرآن العظيم 2/549.
(10)-
مجموع الفتاوى
16/465.
(11)- لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة/ 124، عالم
الكتب - بيروت-الطبعة الثانية ، 1987م،
تحقيق: د.فوقية
حسين محمود.
(12)-
أحكام القرآن: أحمد بن
علي الرازي الجصاص أبو بكر1/33-34 , دار إحياء التراث العربي ، بيروت، 1405 هـ
تحقيق: محمد الصادق قمحاوي.
(13)- تفسير الطبري،9/365.
(14)- تفسير الطبري،11/181، باختصار.
(15)
تفسير ابن كثير، 2/232.
(16)- التحرير والتنوير، 3164.
(17)
تفسير ابن كثير، 2/232.
(18)
تفسير الطبري،11/182.
(19)
تفسير ابن كثير، 2/232.
(20)
تفسير ابن كثير، 1/475.
(23)- تفسير الطبري، 5/152.
(24)
تفسير ابن كثير،2/169.
(25)
الجواب الصحيح،2/362.
(26)- تفسير الطبري، 8/151.
(27)- تفسير ابن كثير،3/89 .
(28)
فتح القدير، 3/372.
(29)- تفسير ابن كثير،4/113.
(30)- التحرير والتنوير، 1305.
(31)- تفسير الطبري، 5/198.
(32)- تفسير ابن كثير، 3/110.