بسم الله الرحمن الرحيم

الإيمان بالملائكة

 

تعريف الملائكة :

 الملائكة مخلوقات نورانية مكرمة قدرة على التشكل . قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾[ الأنبياء:26]. 

وقال تعالى : ﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [مريم:17] .

الإيمان بالملائكة:

ملائكة الله سبحانه وتعالى عالم غيبي مما احتجب عن بصرنا كما أخبر عنه الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم – فيجب أن نؤمن بإخبار الله تعالى ، وبإخبار رسوله ـ صلى الله عليه وسلم والإيمان بالغيب هي السمة الأولى من سمة المتقين الذين يهتدون بهذا الكتاب المنزل من عند الله ، فقد قال الحق ـ سبحانه وتعالى – ﴿  الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [ البقرة:1-3] .

وبهذا يفارق المسلمون المؤمنون غيرهم من الذين انحبسوا في مضيق هذا العالم المحسوس ، فلم يؤمنوا إلا بما تمتد إليه أبصارهم ، وتسمعه آذانهم ، وتقع عليه سائر حواسهم ، فالمؤمن يؤمن بأن وراء هذا العالم المحسوس ، عوالم أخرى ، هي أوسع من هذا العالم ، وبإيمانه هذا يزداد قربا وصلة بالله سبحانه وتعالى الذي خلق هذه العوالم ، كما يزداد حبا لله ورغبة في عبادته ، وحرصا على طاعته ، وخشية من عقابه .

تعريف الإيمان بالملائكة:

الإيمان بالملائكة : وهو التصديق الجازم بأن لله ملائكة موجودين، مخلوقين من نور، وأنهم عباد مكرمون يسبحون الله في الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ثم أنهم ليسوا كالبشر، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناسلون وأنهم قائمون بوظائف متنوعة أوكل الله تعالى إليهم القيام بها.

الإيمان بالملائكة ركن أساسي في الإيمان و إنكار الملائكة أحد أبواب الكفر . و قد قال الله تعالى مثبتا ضلال من يكفر بالملائكة : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً ﴾ [النساء:136] 

وقد وردت طائفة كثيرة من أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام فيها ذكر للملائكة منها:

الحديث المشهور الذي يرويه سيدنا عمر رضي الله عنه المتضمن أسئلة جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم عن الإسلام, والإيمان, والإحسان والساعة ......هذا حديث مشهور :

" حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسلامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإسلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ "(1)

وحديث سيدنا حنظلة رضي الله عنه الذي رآه الصدّيق رضي الله عنه في الطريق يبكي, فَقَالَ مَالَكَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ،، نَكُونَ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، يُذَكّرُنَا بالنّارِ وَالْجَنّةِ كأَنّا رَأْىَ عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا عافَسْنَا اْلأَزْوَاجَ والضّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيراً قال فَوَالله إنا لكَذَلِكَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقْنَا فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَالَكَ يَا حَنْظَلةُ؟" قَالَ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسولَ الله، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكّرُنَا بِالنّارِ وَالْجَنّةِ حَتّى كَأَنّا رَأْىَ عَيْن: فَإِذَا رَجَعْنَا عافسَنَا الأَزوَاجَ وَالضّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيراً،

قال: فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالِ الّذي تَقُومُونَ بهَا مِنْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ المَلائِكَةُ في مَجَالِسِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ وَفي طُرْقكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةَ سَاعَة وَسَاعَة"(2)

فمن أنكر وجود الملائكة  فهو منكر لكلام الله و رسوله كافر لا محالة  فالنصوص واضحة صريحة قاطعة والعلم بوجود الملائكة مما هو معلوم من الدين بالضرورة عند جميع المسلمين .

ذكر الملائكة في القرآن الكريم:

جاء الحديث عن الملائكة في القرآن الكريم في مناسبات مختلفة في نحو خمس و سبعين آية في ثلاث وثلاثين سورة.

فذكرت الملائكة في آيات كثيرة من آيات القرآن الكريم ، منها ما تكرر في كثير من الآيات في كثير من السور من ذكر قصة آدم - عليه السلام – وما كان من إيذان ـ إعلام ـ  الله تعالى ملائكته بأنه سيجعل خليفة في الأرض ، ومنها ما وصف الله سبحانه وتعالى ملائكته به في كثير من آيات الكتاب ، كقوله عز من قائل : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:1]

ويقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾[ الحج:75] 

ويقول عز من قائل في وصف هؤلاء الملائكة : ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ *يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء:26-28] .

ويقول سبحانه وتعالى أيضا في وصف طائفة منهم ، وهم زبانية النار والعياذ بالله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾[ التحريم:6] 

التأنيث والتذكير للفعل الوارد مع لفظ ملائكة في القرآن الكريم:

لفظ الملائكة لا يوصف بالتذكير ولا بالتأنيث ولكن ترد كلمة الملائكة في القرآن الكريم ومعها الفعل بتذكير الفعل مرة, وبالتأنيث له مرة أخرى.

فما أسباب هذا الاختلاف وهل هو جائز أصلا؟

أما من حيث الجواز فهو جائز طبعا؛ لأن الملائكة ليست جمعا مذكر سالما فيجوز تذكير الفعل ويجوز التأنيث.

يجوز تأنيث الفعل في ثلاثة مواضع :

ـ إذا كان الفاعل أو شبهه ( نائب الفاعل ، اسم الفعل الناسخ ) اسما ظاهرا حقيقي التأنيث مفصول عن الفعل مثل: سعى بين الصفا والمروة المؤمنة ويجوز سعت .

ـ إذا كان الفاعل أو شبهه جمع تكسير, تقول: ذبلت الأوراق, ويجوز: ذبل الأوراق.

ـ إذا كان الفاعل أو شبهه اسما ظاهرا مجازي التأنيث تقول: اندلعت الحرب, ويجوز: اندلع الحرب.

ولكن السؤال: هل هناك قاعدة معينة نستنبطها من آيات القرآن في ترتيب هذه الأفعال؟ ولماذا اختار الله عز وجل بعض المواضع ليكون الفعل معها مذكرا ومواضع أخرى جاء الفعل مؤنثا؟؟

بعد استقراء الآيات القرآنية التي تحدثت عن الملائكة تم التوصل إلى الملحوظات التالية والتي تبين طريقة مميزة سار عليه القرآن في استعمال الفعل مع (الملائكة) ، ولها حِكم وأسرار تخص هذا الترتيب البديع في الاستعمال، قد يدرك العلماء بعضها, ويغيب عنهم بعضها ولكنه لا ينقص من قدر هذا التميز بل يدفع للتفكير فيه ومحاولة النسج على منواله, ومن هذه الملحوظات ما يأتي:

ـ كل فعل أمر يصدر للملائكة يكون بالتذكير: اسجدوا ، أنبئوني، فثبِّتوا.

ـ كل فعل للعبادة يأتي بالتذكير: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾[ الحجر:29] , وقال تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ [ الحجر:30].

وقد يكون ذلك لما تتطلبه العبادة من قوة ، ولأن المذكر في العبادة أكمل، وقد قال عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾[ الأنبياء:7] .

كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يكون بالتذكير، أي الفعل الذي يتأخر عن الملائكة يكون بالتذكير: ﴿ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾[ الرعد: من الآية23﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً [النساء:166].

كل وصف اسمي للملائكة يكون بالتذكير كما قال تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [ آل عمران:124], وقال تعالى: ﴿ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾[ الأنعام: من الآية93].

ـ العقوبات تأتي بالتذكير، ولو كانت عقوبة جاءت في موضعين فالأشد منهما بالتذكير , قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً [ الفرقان:25]. 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾[ فصلت:30]  , الفعل واحد هو النزول، ولكن حالة الشدة جاء الفعل فيها مذكرا، أما جو الطمأنينة فقد استدعى التأنيث وفي المقابل لم تأت بشرى من الملائكة بصيغة التذكير، بل كل البشارات بالتأنيث، ولعل ذلك لما في البشارة من رقة وما يتناسب معها من لطف وخفة وذلك من خصائص الإناث  ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [ آل عمران:45] 

وقال تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾[ آل عمران:39], وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾[ فصلت:30].

أسماء الملائكة:

ورد في القرآن الكريم ذكر بعض أسماء الملائكة :

1ـ جبريل: قال تعالى : ﴿  قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾[ البقرة:97] 

    وقال : ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾[ البقرة:98] 

وقد وردت أسماء وأوصاف أخرى لسيدنا جبريل في القرآن الكريم منها:

 أ ـ الروح . قال تعالى : ﴿  تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾[ القدر:4] 

ب ـ الروح الأمين . قال تعالى : ﴿  نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِين ﴾[ الشعراء:193-194] .

ج ـ رسوله كريم . قال تعالى:  ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير:19-21].

د ـ  شديد القوى. قال تعالى﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾   [النجم : 5ـ6  ]  .

وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم ير جبريل في صورته التي خلق عليها غير مرتين"(3)، يعني المرة الأولى بالأفق الأعلى، والنزلة الأخرى عند سدرة المنتهى. ووصف جبريل عليه السلام في موضع آخر بأن الروح الأمين،

هـ ـ  وأنه روح القدس، إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء والعقلاء، وأنه جوهر قائم بنفسه، ليس خيالا في نفس النبي، كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة، والمدعون ولاية الله وأنهم أعلم من الأنبياء.

2ـ ميكائيل : قيل أنه الملك المكل بالقطر والنبات قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾[ البقرة:98] 

3ـ مالك : وهو خازن النار .قال تعالى ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾[ الزخرف:77]

4ـ ملك الموت . قال تعالى : ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾[ السجدة:11] 

والإمام القرطبي يقرر بأن اسم ملك الموت هو عزرائيل , فقال القرطبي في " أحكام القرآن " (14/62 – 63) معنى اسم " عزرائيل " فقال : واسمه عزرائيل ومعناه عبد الله.ا.هـ ، ويقال أن معناه : عبد الجبار .

 وقال ابن كثير في البداية والنهاية (1/42) : وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ، ولا في الأحاديث الصحاح ، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل.ا.هـ.

وأما ما ورد في السنة من أسماء الملائكة فلا أعلم أسماءً غير من ذكرنا إلا أن السنة قد ذكرت بعض الملائكة لا بأسمائهم وإنما بأعمالهم  وسنذكر ذلك عند حديثا عن أعمال الملائكة .

صفات الملائكة في القرآن:

إن العلم بالملائكة من الأمور الغيبية التي لا يصل إليها العقل المجرد ، وإنما السبيل لمعرفتهم هو الخبر الصادق عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت الأخبار التي تفيد بوجود الملائكة وتذكر بعض صفاتهم بصورة مجملة دون تفصيل ومما ورد في ذلك.

  أنهم عباد مكرمون : قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ *لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ *وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:26-29]

أنهم يشفعون لبعض عباد الله . قال تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:26]  وقال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سـبأ:22-23] .

من صفاتهم أيضاً الطاعة.قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[ التحريم:6]

     من صفاتهم أنهم مخلوقون من النور فقد جاء عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ "(4) .

والملائكة يكونون معنا ولا نراهم فقد كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يراه جلساء النبي. النبي وحده يراه . فعن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلامَ فَقُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لا أَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "(5) .

هذا الحديث متفق عليه ، لكن هناك حديثاً لم يبلغ درجة الصحة ..يعطينا فكرة..فقد ورد أن السيدة خديجة رضي الله عنها كانت تمتحن نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم بإماطة الخمار عن رأسها فإذا كشفت شعرها هدأت حالة الرسول وإذا غطت شعرها عادت إليه الحالة لعلمها بأن الملك جبريل لا يدخل بيتا فيه امرأة مكشوفة الرأس. لذلك قالت له لما حسرت عن رأسها : "هل تراه ؟ قال : لا.  قالت : يابن عمي اثبت وأبشر فوالله انه لملك وما هذا بشيطان"(6). لذلك المرأة إذا قامت لتصلي عليها أن تغطي شعرها حسب السنة .

فهم مخلوقون من نور: لكنه لم يبين لنا النور الذي خلقوا منه ، لذا فإننا لا نستطيع الخوض في ذلك وإنما الواجب الاعتقاد بصحته وصدقه والتوقف عنده. أما متى خلقوا فليس هذا أيضا مما ذكر بل الذي جاءت به النصوص أن خلقهم كان قبل آدم عليه السلام لأنه تعالى أمرهم بالسجود لآدم عند خلقه ، قال تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [ص:71]

 وقال أيضا: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:72].

  : الملائكة قادرون على التمثل بأمثال الأشياء والتشكل بالأشكال الجسمانية فقد ثبت بالقرآن الكريم وبالأحاديث الصحيحة أن جبريل عليه السلام كان يأتي إلى مجلس رسول الله أو غيره كما يلي : أولاً : على صورة إنسان مجهول " إنسان " بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع عليه رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد .. فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة(7) فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عنها بالتفصيل ،وأخيراً بعد أن انصرف قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه أتدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال :فانه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

إذن الملائكة قد تتمثل بأشخاص.وكما في قصة نزول جبريل على السيدة مريم وقد انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً وتمثل لها بشراً سوياً : ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً ﴾[ مريم:16-19]

روحنا: يعني جبريل ، وقد يتمثل الملك على صورة إنسان معلوم  فكثيراً ما كان يأتي مجلس رسول الله " جبريل "  على صورة "دُحية الكلبي"(8)  أحد أصحاب رسول الله و كان رجلاً وسيماً ، جميلاً ، وإما أن يأتي على شكل رجل مجهول أو على شكل رجل معلوم وطبعاً هناك أدلة كثيرة ... منها قصة ضيف إبراهيم .. قال تعالى : ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾[ الذريات:24-28].

وقصة ثانية، قال تعالى   : ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ [هود:77-78].

جاءوا على شكل غلمان جميلي الصورة ، مع سيدنا لوط جاءوا على شكل شباب حسان الصورة  " مرد " .

ومنها قصة الملكين الذين تسورا المحراب على داوود عليه السلام في صورة رجلين متخاصمين : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾[ ص:21-22]

هذه قصة ثالثة .. لهذه الصفة أنهم قادرون على التشكل بأشكال بشرية معروفة أو غير معروفة .

أنهم لا يأكلوا ، ولا يشربون .

ومن صفاتهم أن لهم قدرات خارقة .  فقد ثبت للملائكة في القرآن الكريم و السنة المطهرة قدرات عجيبة لأقدار الله لهم .  فمنهم على قلة عددهم يحملون العرش -عرش الرحمن - قال تعالى في سورة الحاقة : ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾[ الحاقة:16-17]

وفي الحديث الشريف:" عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ "(9)

ومنهم من ينفخ نفخة يصعق لها من في السماوات والأرض وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى في سورة الزمر : ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [الزمر:68]

وفي الحديث الشريف  :

" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَ الصُّورَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ"(10).

يعني النبي الكريم قال :

" حَدَّثَنَا سَهْلُ ابْنُ سَعْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ "(11)

يعني بعثة النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة..

ورسل سيدنا لوط وهم ملائكة..قلبوا أرض قومه عاليها سافلها دفعة واحدة .. هذه أعمال خارقة : ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴾[ هود:82]

8ـ ومن صفاتهم أيضاً أنهم لا يستكبرون عن عبادته ولا يتعبون فيها وأنهم يسبحون ربهم دائماً من غير انقطاع : ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾[ الأنبياء:19-20] - يعني لا يملون - قال تعالى : ﴿  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾[ البقرة:30]

9ـ أيضاً من صفاتهم أنهم لا يعملون إلا بأمره : ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾[ الأنبياء:27]

منفذون، طائعون، لا يفترون عن التسبيح ، ...

10ـ ومن صفاتهم أيضاً أنهم مقربون إلى الله تعالى ومكرمون : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾[ الأعراف:206]

وقال تعالى: ﴿  وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾[ البقرة:116].

11ـ ومن صفاتهم أنهم لا يتناكحون ولا يتناسلون ولكنهم عباد الرحمن مخلوقون لله من دون وساطة ، الله عز وجل خلقهم دفعة واحدة نحن بنو البشر خلقنا من بعضنا بعضاً... فلان ابن فلان ابن فلان ابن فلان... يخلق إنساناً ..ويموت إنسان .. هكذا سُنة الخلق لكن الله سبحانه وتعالى لحكمة أرادها مع الملائكة..خلقهم دفعة واحدة... " لا تناسل عندهم .. ولا  تزاوج .. ولا تناكح ".. ولا طعام ولا شراب .

وقد ذمَّ الله الكافرين الذين جعلوا الملائكة إناثاً وتوعدهم بكتابة شهادتهم " الكاذبة " وسؤالهم يوم القيامة عن افتراءاتهم ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ ﴾[ الزخرف:19]

12ـ  من صفاتهم أيضاً أن الله سبحانه وتعالى جعل منهم الرسل للقيام بتبليغ الشرائع للأنبياء أو للقيام بمهام أخرى ، قال تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[ فاطر:1]

13ـ ومن صفاتهم أنهم قادرون على الصعود والهبوط بين السماوات والأرض .. من غير تأثر بجاذبية أو تصادم : ﴿ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾[ المعارج:4] " والروح " هنا يعني سيدنا جبريل...

14ـ ومن صفاتهم الخوف من الله تعالى ، وإن كانوا لا يعصونه وعلى عبادة الله يقيمون ، قال تعالى : ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾[ الرعد:13]

يسبحونه خوفاً منه أيضاً... ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل:50]

15- عظم خلقهم : لقد ذكر الله تعالى بعض صفات الملائكة في القرآن العظيم، ومن ذلك عظم خلقهم فقد قال تعالى عن ملائكة النار ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾[ التحريم:6] وقال تعالى عن جبريل عليه السلام ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾[ التكوير:19-21]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش: ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام "(12) فهذه النصوص وغيرها تبين عظمة الملائكة ، فالواجب علينا الإيمان بكل ما جاء في ذلك مع أننا لا نستطيع تصور كيفياتهم، إذ كيف نتصور مخلوقات ذات أجنحة مثنى وثلاث ورباع والجناح الواحد يسد الأفق ، وجبريل عليه السلام له ستمائة جناح كما ورد بذلك الحديث.

16-كثرة الطاعة والعبادة : إن الملائكة كثيرو الطاعة والعبادة لله تعالى: حمدا وتسبيحا وتنزيها وطاعة لأوامره دون كلل أو ملل، قال الله تعالى﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾[ الأنبياء:20] ,  وقال الله تعالى ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ﴾[ فصلت:38], ومع هذا فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، ولا يتناسلون، كما أنهم لا يوصفون بالذكورة أو الأنوثة.

 

خلاصة هيئة الملائكة وصفاتهم:

إذا نستخلص من هذا كله أن الملائكة هم خلق لهم كيان مستقل ، أي هم جنس من جنس مخلوقات الله سبحانه وتعالى المستقلة ، كاستقلال البشر بطباعهم ، وصفاتهم ، وأحوالهم ، وأن هذا الجنس اصطفاه الله عز وجل بأن جعله جنسا بعيدا عن الشهوات ، ولذلك لا يقع تحت تأثير الإغراء الشيطاني ، فلا يعصي ربه عز وجل، ﴿  لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾[ التحريم: من الآية6]، ونستخلص من ذلك أيضا أن هذا الجنس جنس له طاقات قوية تفوق طاقات البشر.

وجاء في أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم _ ما يدل على أن هؤلاء الملائكة خلقوا من نور كما جاء ذلك في حديث عائشة – رضي الله عنها – عند مسلم رحمه الله(13)، وجاء أيضا في الكتاب العزيز وفي الحديث النبوي ما يدل على أنهم يتشكلون.

ولذلك قال العلماء في تعريف الملائكة : بأنهم مخلوقات نورانية قادرة على التشكل ، من ضمن ما يدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال في مريم : ﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾[مريم:17] جاء إليها في صفة بشر.

وجاء أيضا في حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – ما يدل عليه ، فقد جاء في حديث عائشة – رضي الله عنها – عند الأئمة الأربعة والبخاري ومسلم ، أن الحارث بن هشام سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كيف يأتيك الوحي يا رسول الله ؟ قال : "يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول"(14).

وجاء أيضا في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي روته أم المؤمنين – عائشة – في تفسير الآيات التى في سورة النجم والتي في سورة التكوير، انه – عليه أفضل الصلاة والسلام – قال " ذلك جبريل ، لم أره في صورته التى خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض"(15).

وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم– كان يراه في سائر المرات في صورة غير صورته الحقيقية ، بحيث كان يتمثل للرسول – عليه أفضل الصلاة والسلام – في صورة غير الصورة التى خلقه الله عليها ، وإنما هو في هاتين المرتين رآه – عليه أفضل الصلاة و السلام – رؤية واضحة في صورته التى خلقه الله عليها ، وقد كان سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض .

وإن ما كان من لطف الله تعالى بعبده ورسول محمد – صلى الله عليه وسلم – وبغيره من أنبيائه الذي يرون الملائكة ، كان من لطف الله سبحانه وتعالى بهم أن الملائكة كانت تتمثل لهم في صور تطيقها القوى البشرية .

أعمالهم:

للملائكة وظائف عديدة لا تحصى ومن أهمها :

(1) إبلاغ كلام الله تعالى وحكمه إلى عباده المرسلين : قال الله تعالى مخبراً عن القرآن﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾[ الشعراء:193-194]  وقال تعالى ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾[ غافر:15] وقد ثبت بالسنة أن هذه وظيفة جبريل عليه السلام.

(2) حمل العرش : فقد نص القرآن الكريم على أن عرش الرحمن تحمله الملائكة قال الله تعالى ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾[الحاقة:17].

(3) رعاية الجنة وأهلها والقيام على النار ومن فيها : وقد أطلق القرآن الكريم على القائمين بهذه الوظائف اسم الخزنة وخص أصحاب النار باسم الزبانية.

(4) مراقبة أعمال الخلق وتصرفاتهم وإحصاؤها : وذلك أن مع كل إنسان مكلف ملكين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، قال تعالى ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ  * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾[ قّ:17-18].

(5) المحافظة على الإنسان خلال حياته كلها : قال الله تعالى ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾[ الرعد: من الآية11].

(6) قبض الأرواح عند الموت : قال تعالى ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ﴾[ الأنعام:61] فهناك ملائكة موكلون بقبض أرواح بني أدم ، وعلى راس هؤلاء ملك الموت قال تعالى : ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ[ السجدة:11]، ودلت الآية الأخرى على أن هناك أعوانا له من جنس الملائكة، إذ يقول عز وجل: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾[ الأنفال:50].

(7) وظائف إنزال المطر وإرسال الرياح و إنزال العقاب على من يشاء الله تعالى عقابه.

(8) وهناك وظائف أخرى كنفخ الروح في الأجنة .

(9) المحافظة على البشر. وهم المقصودون في قوله سبحانه وتعالى﴿ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ* وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ*كِرَاماً كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  [ الانفطار:9ـ12] ويقول سبحانه : ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾[ قّ:18]  .

(10) كما بين الله سبحانه وتعالى أن الملائكة ينصرون عباد الله المؤمنين في القتال ، سواء كان هذا النصر بالمشاركة في القتال – كما قال بعض المفسرين – أو بتثبيت عزائم المؤمنين ، فقد قال عز من قائل : ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾[ الأنفال:9]  . وقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ ﴾[ آل عمران:124-125].

(11) توجيه بني ادم فقد جاء أيضا في الكتاب العزيز ما يدل على أن هناك طائفة من الملائكة تتولى توجيه بني آدم . يفهم ذلك مما ذكره الله سبحانه وتعالى في قصة مريم – عليها السلام – فإن تلك المقاولة أو ذلك القول إنما كان إلهاما ألهمه الله سبحانه وتعالى مريم بواسطة هؤلاء الملائكة(2) وجاء في الحديث ما يدل على ذلك ، فقد جاء في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي رواه الترمذي وغيره " إن للملك لمة بابن آدم وإن للشيطان لمة فأما لمة الملك فإيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق فمن وجد الأولى فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ، ثم تلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قول الله تعالى ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾[ البقرة:268] "(16).

ثمرات الإيمان بالملائكة :

1.    وقوف المؤمن على عظيم قدرة الله تعالى وذلك واضح في عظم خلق الملائكة.

2.  اطمئنان المؤمن إلى أنه محاط برعاية الله تعالى له بهؤلاء الخلق العظام الذين يرعون شؤونه، ويسيرون كثيرا من شؤون الكون بإذن الله تعالى.

3.    حث المؤمن على العمل الصالح وزجره عن السيئات، حيث أن الملائكة يترصدون جميع أعماله ويسجلونها عليه.

4.  إغلاق باب الخرافة والتخيلات الباطلة والاعتقاد الزائف في الملائكة وذلك ببيان الحق في شأنهم وتوضيح ما يخص البشر وينفعهم العلم به من أمر الملائكة.

الملائكة ذوات عاقلة : إذا جئنا إلى آيات القرآن الكريم وجدنا هذه الآيات كلها تدل على أن الملائكة لا يمكن بأن يفسروا بأنهم خاصيات في الكائنات الموجودة ، أو أنهم أرواح ، وإنما الآيات تدل على أن الملائكة هم ذوات عاقلة ؛ لأن وصفهم وصف عقلاء :

فالله تعالى يقول : ﴿  جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ  [ فاطر: من الآية1] ، لفظة {أولي } لا تستعمل إلا في جنس العقلاء.

ويقول الله سبحانه وتعالى : ﴿  بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾[ الأنبياء: من الآية26]، الخاصيات لا توصف بهذا اللفظ – لفظ عباد – لا يقال بأنها عباد ، لا تسمى عبادا … {بل عباد مكرمون } مكرمون جمع مذكر سالم خاص بالعقلاء ، ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾[ الأنبياء:27] لا يسبقونه ؛ هذا الوصف لا يكون إلا في العقلاء ، الصبغة هذه لا يمكن إلا أن تكون في العقلاء .

 ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾[ الأنبياء:27]هذه الصيغة أيضا لا تكون إلا في العقلاء . ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾[ طـه:110] هذه الصيغة في العقلاء,{ وما خلفهم } هذه الصيغة أيضا خاصة بالعقلاء.

قال تعالى: ﴿  وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾[ الأنبياء: من الآية28] صيغة { يشفعون } هذه خاصة بالعقلاء , { وهم } هذه أيضا خاصة بالعقلاء ، { من خشيته مشفقون } هذه الصيغة خاصة بالعقلاء .

﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾[ الأنبياء:20] هذه الصيغ خاصة بالعقلاء .

هذه الأوصاف كلها إنما هي أوصاف العقلاء .

والإلهام لا يلزم أن يكون باتصال الجسد بالجسد ، فإن هذه الإلهام إنما هو بما أودع الله سبحانه وتعالى في الملائكة من طاقات روحانية لا تكتنهها عقول البشر ، بل جعل الله سبحانه وتعالى هذه الطاقة الروحانية ، في بعض البشر أنفسهم ، فالتنويم المغناطيس بماذا يتم ؟ كيف يستطيع أحد أن يؤثر على أحد حتى ينام ؟ هل يتصل بجسده ؟ … لا … بل قرأت في أحد الصحف بأن التنويم المغناطيسي يحصل حتى بالاتصال بالهاتف ، والله سبحانه وتعالى أخبر عن إبليس بأنه من جنس الجن ، وحكى قوله : ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ  [ ص: من الآية76]

وأخبر سبحانه وتعالى عن وسوسة الشيطان … لا يشعر ، فما دمنا نحن لا نشعر بحرارة نار الشيطان عند اتصاله بنا للوسوسة – والعياذ بالله من شره – فكذلك إلهام الملك إنما يكون من غير اتصال من الملك بالإنسان اتصالا جسمانيا ، وإنما هو اتصال روحاني، ولا ينافي ذلك أن يكون الملك جسم نوراني كما دل حديث عائشة – رضي الله تعالى عنها – أن الملائكة خلقوا من نور .

فالإيمان بالملائكة ، إيمان بعالم مغيب ، وعلينا أن نؤمن بهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى .

شبهات:

نفي صفة الخيال عن جبريل:

وقد أخبر أن الملائكة جاءت إبراهيم عليه السلام في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشرا سويا، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي، ويراه الناس كذلك.

اثر موجة الإلحاد والخرافة في عقيدة المسلمين:

طغت موجة إلحادية في البلاد الإسلامية ، من جراء البعثات التعليمية ، التى أوفدت إلى أوربا، وهي خالية من تعاليم الإسلام ، فرجعوا من هناك – رجع أولئك الطلاب الذين ابتعثوا إلى هناك – بأفكار مادية ، بحيث لا يؤمنون بما وراء العالم المحسوس ، وكانوا يعتقدون أن الدين عدو للعلم ، وأن بإمكانهم أن يحطموا هذا الدين الإسلامي حتى يتلاشى بمطارق العلم الحديث كما تحطمت العقائد النصرانية وذابت تحت وهج ,العلم وما أدركوا أن ثم فارقا بين العقيدة الإسلامية الصافية الناصعة التى جاء بها القرآن الكريم وثبتت بها السنة – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – وبين معتقدات النصارى التى هي نسيج من الأوهام ، اشتد العداء للدين من قبل كثيرين من أولئك المبتعثين ، وكانوا ينتظرون اليوم الذي يقضي فيه على هذا الدين ، الذي يعتبرونه ضربا من ضروب الخيال ، وفنا من فنون الأوهام .

في مقابل هذا التيار ، كان في البلاد الإسلامية تيار أخر هو التيار الخرافي الذي يجعل من الخرافات حقائق دينية مسلمة ، وهذه الخرافات – بطبيعة الحال – لا تتفق مع الواقع ، ولا تتفق مع العلم ، شاعت خرافات متعددة ، شاع بأن الإنسان إذا بلغ مرتبة ما من عبادة الله سبحانه وتعالى يمكن أن يتصرف في هذا الكون ، ويمكن أن يعقل ، ويمكن أن يحرك الكون ؛ يمكن أن يقول للسماء انشقي فتنشق ، يمكن أن يقول للأرض انشقي فتنشق، يمكن أن يقول للنهر غر فيغور ، إلى آخره .

وبجانب ذلك ألصقت بتفسير القرآن الكريم إسرائيليات بعيدة عما جاء به الدين الحنيف ، فتجد في كتب التفسير أن المطر ينزل من شجرة تحت الجنة ، وأن السحاب إنما هو غربال لهذا المطر ، وأن قطرات المطر التى تنزل من السماء إلى السحاب هي في حجم الجمال ، ولكنها تتبدد فتنزل في حجمها الحالي …… في هذا الغربال إلى آخر ما كان يقال ، ويعتقد بأنه حق.

رأي المدرسة الإصلاحية في جنس الملائكة والرد عليه:

ما بين هذين التيارين نشأت المدرسة الإصلاحية التى كان على رأسها السيد جمال الدين الأفغاني، الذي زار مصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري ، وقد التفت حوله شبيبة من المصريين على رأسهم الأستاذ العملاق الإمام محمد عبده، وعندما خرج جمال الدين الأفغاني من مصر ، قال : تركت فيكم محمد عبده.

نحن ندين للمدرسة الإصلاحية بمكافحة البدع والخرافات ، لها الفضل في ذلك ، كما أن لها الفضل في رد شبه كثير من أعداء الإسلام ،من المستشرقين اليهود ، والنصارى ، والملاحدة ، ولكن مع ذلك وقعت المدرسة الإصلاحية في إحراج عظيم عندما واجهت هذين التيارين ، فأرادت أن تفسر الدين تفسيرا تقبله عقول أولئك الماديين ، الذين لا تستسيغ عقولهم إلا ما كان أمرا معهودا ، ما كان واقعا تحت التجربة أو تحت الحس ، فدفع ذلك بالإمام محمد عبده إلى القول ، بأن قصة آدم – عليه السلام – التى ذكرها الله سبحانه وتعالى إما أن يفوض فيها ولا يقال فيها بشي ، وإما أن تؤل هذه القصة على أنها تمثيل أي كانت قصة تمثيلية.

والقول بأن ما ذكره الله سبحانه وتعالى من قول وجهه إلى الملائكة ، ومن جواب من الملائكة ، ومن رد الله تعالى عليهم ، ومن كل ما وقع مجرد تمثيل ، هذا القول يؤدي إلى فتح الباب للذين يريدون أن يكذبوا بالنبيين ، إلى القول بأن كل ما جاء في القرآن من قصة نوح وهود وصالح وشعيب وغيرها لم يكن ذلك كله إلا تمثيلا ، كما يؤدي أيضا إلى رد جميع أخبار الله سبحانه وتعالى بأن تحمل هذه الأخبار على التمثيل .

وفي تجويز الإمام محمد عبده لأن تكون هذه القصة مجرد تمثيل توطئة لما أراد أن يقرره من بعد ، بعد ذلك بين بأن القرآن الكريم والسنة النبوية دلا على أن للملائكة تأثير في خواطر الخير التى تخطر للإنسان ، كما أن للشياطين تأثيرا في خواطر الشر.

فإذا ، ندرك من هذا ، حسبما قال ، بأن الملائكة إنما هي كائنات روحانية، أي هي أرواح مجردة ، ليس لها أجساد ، لأنها لو كانت لها أجساد لاتصلت بأجسادنا عند الإلهام، كما أن الشياطين لو كانت لهم أجساد أيضا لاتصلت أجسادهم بأجسادنا عند الوسوسة ، ولكن بما أن هذا التأثير تأثير روحاني فيجب أن يقال في هذين الصنفين بأنهما صنفان روحانيان فحسب .

كانت هذه الخطوة هي الخطوة الأولى التى خطاها ليقرر ما يريد أن يقرره 

بعد هذا ذكر بأن في الكائنات المختلفة التى تشهدها خاصيات هذه الخاصيات هي من أسرار الله سبحانه وتعالى فيها ، فهذه البذرة التى تخرج منها الشجرة ، هذه البذرة فيها خاصية أودعها الله سبحانه وتعالى فيها ، ويسر هذه الخاصية تخرج منها هذه الشجرة وتنمو ، فإذن لا يستحيل أن يقال بأن المقصود بالأرواح والمقصود بالملائكة هذه الخاصيات التى أودعها الله سبحانه وتعالى في هذه الكائنات الأرضية ، وأن هذه الخاصيات جعلها الله سبحانه وتعالى مسخرة للجنس البشري ، سخرت هذه الخاصيات للجنس البشري .

بحيث تصرف الإنسان في هذه الأرض وما فيها من المنافع ، فاستغل منافعها ، ودفع مضارها ، وتمكن من قضاء حاجته فيها ، هذا التسخير هو المراد بسجود الملائكة لآدم الذي أخبر الله تعالى عنه طبعا الرأي للإمام محمد عبده ليس رأيي وإنما كانت هناك قوة لم تسخر لأدم عليه السلام – هذه القوة هي التى سماها الله سبحانه وتعالى إبليس ، وهذه القوة هي التى لزت بهذا العالم لزا ، وهي التى ترجع بالموجود إلى العدم ، وتقطع سبيل الباقي حتى يعود إلى الفناء ، يعنى تقطع سبيل الكائنات عن البقاء حتى تعود إلى الفناء وتثني الإنسان عن عمل الخير إلى عمل الشر ، ويقول بأن هذه القوة هي القوة التى ضللت أناسا كثيرين فقالوا بأن هناك إلها للشر وليست هي بإله ولكنها محنة من الإله.

وفي هذه الخطوات كلها كان تلميذه السيد رشيد رضا يخطو معه هذه الخطوات ، بل يقرر كلامه، ويستدل له أحيانا ويرد حجج خصومه أحيانا أخرى ، والسيد رشيد رضا أراد أن يوفق ما بين كلام الإمام محمد عبده في الخواطر الخيرية والخواطر الشرهة ، فإن الإمام محمد عبده سوغ ـ أيضاـ أن تكون خواطر الخير هي الملائكة ، وخواطر الشر هي إبليس أو هي الشياطين ، أراد السيد رشيد رضا بين كلام هذا وبين كلام الإمام الغزالي في " عجائب القلب " من كتاب " إحياء علوم الدين " مع التباين الذي بين الكلاميين، فإن كلام الإمام الغزالي واضح لمن تأمله ، واضح في أن مراده بأن هذه الخواطر الخيرية هي من سبب الملائكة وليست هي عينها الملائكة ، والخواطر الشرهة هي من الشيطان ، وليست هي عينها الشيطان ، وضرب مثلا لذلك … ضرب مثلا ما يتأثر به الجدار عندما تنفلت النار … ما يتأثر به الجدار من الدخان فيسود ، وما يتأثر تربه الفضاء من الضوء فيستنير فإن الذي يتأثر به الجدار فيسود غير الذي يتأثر به الفضاء فيتنور ، وكذلك الخواطر الخيرة تختلف عن الخواطر البشرية ، فالخواطر الشرهة منشؤها من الشياطين ، والخواطر الخيرية منشؤها من الملائكة.

هذا الذي قصده الإمام الغزالي في " إحياء علوم الدين " وأراد الإمام محمد عبده بعد ما قرر الذي قرره من أن هذه الخصائص يحتمل أن تكون هي الملائكة أن يرجم الفجوة التي بين الذين لا يؤمنون بالغيب والمؤمنين بالغيب فقال بأن هذه الخاصية يسميها الذي لا يؤمن بالغيب قوة طبيعية ، والمؤمنون بالغيب يسمونها روحا ويسمونها ملكا ، ولو تسامح هؤلاء الذين يؤمنون بالغيب ، ولم يتقيدوا بالألفاظ ، لوافقوا على تسميتها قوة طبيعية ، لأنها باعتبار أثرها الظاهر هي قوة طبيعية ، وباعتبار خفائها ، هي روح وهي ملك ، ولو تسامح أيضا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالغيب واقتربوا قليلا لأدركوا الحقيقة ، وآمنوا بالملائكة الذين أخبر الله تعالى عنهم.

بعد هذا الكلام ذكر السيد رشيد رضا بأن قصد الأستاذ بما قرره هنا أن يعرض الدين للذين لا يؤمنون به في الصورة التى يفهمونها وتستيقنها عقولهم، يقول " وقد اهتدى بذلك كثيرون ، وضل به قوم آخرون ، فأنكروا عليه " . ما قصده بالقوم الآخرين الذين ضلوا؟ هم الذين لم يوافقوا الإمام محمد عبده على رأيه؟!.

فإن كثيرا من العلماء بحكم ما رسخ في نفوسهم من الاعتقاد الصحيح بأن الملائكة جنس له ذوات مستقلة ، جنس له حقيقة تختلف عن بقية الحقائق التى نشاهدها, أنكروا هذا الرأي ، وإنكاره ضرورة.

هنا التهبت عاطفة الإمام محمد عبده ، وانفعل فرد على هؤلاء ردا ، نقله السيد رشيد رضا بنصه في المنار هذا الرد أقرب إلى العاطفية منه إلى الموضوعية ، فإن من يتأمله يجده منصبغا بلون من انفعاله الشديد ، ومتوقدا بنار عاطفته الجياشة ، وكانت كلمات هذا الرد كلمات قاسية ، مما جاء في هذا الرد " ما الذي فعلت العادات والتقاليد بعبيد الألفاظ ، حتى أبوا من قبول هذا التفسير للملائكة ، ولو سُئل هؤلاء عما يعتقدون لوقعوا في إحراج عظيم بحيث لا يمكنهم أن يجيبوا عليه من أن الإسلام هو الإذعان التام الذي يشترك فيه العقل والوجدان وتنقاد له الأركان ، وأي إذعان يحصل إذا كان الإنسان يتحدث بما لا يعرف".

فعابه ما يقول هؤلاء ـ إذا سئلوا عن الملائكة ـ بأنهم أجساد نورانية قابلة للتشكل ، وهذا الكلام نفسه كلام غير منطقي ، كلام لا يستسيغه العقل فإن النور لا يقوم بنفسه ، بل لا بد من أن يكون قائما بغيره ، يقوم بجرم كثيف وتشكل الأجساد أمر غير مقبول ، ثم إن هؤلاء يقولون بأن ملائكة في الأرض وملائكة في السماء ، فلو سئل هؤلاء أين أماكن ملائكة الأرض ، كيف يمكنهم أن يجيبوا ، هل يحسون بأثر من اقتراب الملكين ، الذين يكتبان أعمالهم حولهم هل يشهدان النور الذي يتلألأ من وجود هذين الجسدين النيريين المخلوقين من النور ، هل بإمكانهم أن يعرفوا كيف تنقلان هؤلاء.... إلى أخر ما قاله .

هذا الكلام على أي حال ليس فيه حجة في رعد المعتقد الصحيح ، كون الملائكة خلقوا من نور أمر غير مستحيل ، فالله سبحانه وتعالى أخبرنا عن الشيطان بأنه خلق من النار، حكى الله تعالى قول إبليس – لعنه الله - : ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ  [ص: من الآية76]  وقرر هذا القول ولم يرده ، وقال الله تعالى : ﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾[ الحجر:27] ، فإذن الجان خلقوا من نار، والنار كالنور بحسب معرفة الناس النار كالنور ، لا تقوم النار بنفسها بل لا بد من أن تشتعل في جسم ، جسم كثيف تشتعل فيه ، هذا هو المألوف في النار ، فإذن كما أن هذا الكيان حصل كيان الشياطين وقد خلقوا من نار ، فإذا لا يستحيل أن يخلق الله سبحانه وتعالى الملائكة من نور ، لا يتعذر أن يكون هؤلاء الملائكة قادرين على التشكل بما أودعه الله سبحانه وتعالى فيهم من الطاقات .

تناقضات السيد رشيد رضا:

وقد تعجبت كثيرا ؛ لأن السيد رشيد رضا ـ الذي يوافق أستاذه الإمام محمد عبده على هذا الرأي الشاذ في الملائك