|
منهج أهل الإيمان في النقد والحكم على الآخرين الحمد لله نحمده تعالى
ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه . أما بعد
: فإن أهل الإيمان الحق
لهم منهج متميز في العقيدة والعمل ، وكذا في النظر
والاستدلال ولهم منهج في المناظرة وبيان الحق ، ولهم منهج في الدعوة ، كذلك في
النقد وتقويم الآخرين ، ولذا أحببت أن أسمي هذا البحث بـ ( منهج أهل الإيمان من
النقد والحكم على الآخرين ) . والذي دفعني للكتابة في
هذا الموضوع عدة أمور : أولاً : أهمية بيان
المنهج الإيماني في النقد ، لكثرة صدور الأحكام دون تحري المنهج السليم في إصدار
الأحكام مما أدى إلى الوقوع في أخطاء جسيمة في حق المسلمين . ثانياً : عظم حرمة
حق المسلم على أخيه المسلم. ثالثاً : الآثار
المترتبة بسبب الانحراف عن هذا المنهج ، من بخس الناس، وتقطيع الأواصر ، وحدوث
الفرقة بين المؤمنين ، ووقوع الغيبة والحسد والبغضاء وغير ذلك من الأدواء الكثيرة
والتي لا تخفى على القارئ . ـ وقد قسمت البحث إلى
ثلاثة مباحث . ـ وتحت كل مبحث مجموعة
من القواعد الشرعية المجمع عليها عند أهل الإيمان وذكرت بعض الأدلة على كل قاعدة ـ
باختصار ـ وكذا أقوال العلماء في ذلك وهو كما يلي : المبحث الأول : في الحكم على الآخرين : وفيه سبع قواعد وهي :
1)
الخوف من الله عز وجل عند الحكم على الآخرين .
2)
تقديم حسن الظن بالمسلم
.
3)
الكلام في الناس ـ وإن كانوا خصوماً ـ
يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف .
4)
العدل في كيفية وصف الآخرين
.
5)
العبرة بكثرة الفضائل والحسنات
.
6)
العدل أثناء المفاضلة بين الناس .
7)
المنهج الإيماني في الحب والبغض . المبحث الثاني : لم يبلغه جرح في غيره وتحته أربع قواعد شرعية :
1)
النظر في حال الجارح .
2)
التثبت عند ورود الأخبار
.
3)
رد المغيبة على المغتاب
.
4)
كلام الأقران والنظر يطوى ولا يروى . المبحث الثالث : للمسلم مع غيره ، وفيه خمس قواعد هي :
1)
السعادة في معاملة الخلق
.
2)
حال الإنسان مع غيره إذا لاقاه .
3)
معاملة من أخطاء في طلبه واجتهاده للحق .
4)
ذكر الناس داء ،
وذكر الله دواء .
5)
إعطاء كل ذي حق حقه .
أسأل
الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وإن يبصرنا بعيوبنا ويكفينا شر أنفسنا
ويرزقنا العدل في الأقوال والأعمال .
بقلم / أحمـد زبين
عطيـة
خريج جامعة الإيمان ـ الدفعة الأولى
كلية الشريعة - 10/ ربيع الثاني /
1425هـ
المبحث الأول : سبع قواعد في الحكم على الآخرين : القاعدة الأولى : الخوف من الله عز وجل عند الكلام على الآخرين : حرم الله
الغيبة في كتابه وعلى لسان رسوله فقال في كتابه العزيز :
﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ... ﴾ [الحجرات:12] ، وتفسير الغيبة جاء فيما رواه
أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال :
ذكرك أخاك بما يكره ، قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال
: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته )[1]، وقد كان
السلف من أشد الناس بعداً عن الغيبة والخوف منها ، قال البخاري : سمعت أبا عاصم
يقول : ( منذ أن عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحداً قط )[2]
، وقال أيضاً : أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً . وقال الذهبي : صدق رحمه الله ومن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل ،
علم ورعه في الكلام في الناس ، وإنصافه فيمن يضعفه.. حتى أنه
قال : إذا قلت : فلان في حديثه نظر ، فهو مهتم واه ، وهذا غاية الورع )[3]،
وقد عمل السلف على محاسبة أنفسهم إذا اغتابوا أحداً من الناس ، فهذا وهب بن منبه
يقول : ( نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني فكنت أغتاب وأصوم ،
فنويت كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم ، فمن حب الدراهم تركت الغيبة )[4].
بل إن المغتاب يقدم
حسناته إلى من اغتابه ، وأما ما يفعله بعض الناس في هذا
الزمن من غيبة الآخرين بحجة التقويم ، فإنه ينبغي لهم قبل أن يتكلموا في غيرهم أن
يتدبروا عدة أمور : أولاً : يسأل نفسه
ما هو الدافع الحقيقي لكلامه في غيره ؟ هل هو الإخلاص والنصيحة؟ أم هو الحسد
والكراهية ؟!! وهذا مزلق خطير قد لا
ينتبه له النقاد ثم يؤدي إلى زعزعة أخوة الإيمان . ثانياً : هل الدافع
هو من الحالات الجائز فيها الغيبة ؟!! . ثالثاً : يتأمل قبل
الكلام على الغير ، ما هو جوابي عند الله يوم القيامة إذا سألني : يا عبدي فلان لم
قلت في فلان كذا وكذا ؟ ، وقد قال ابن دقيق العيد : ( أعراض
الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكام )[5]
، وليتذكر أن الله تعالى يقول : ﴿
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) ﴾ [سورة البقرة] . القاعدة الثانية : تقديم حسن الظن بالمسلم : والأصل في
هذه القاعدة قول الله عز وجل : ﴿
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ
الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ... ﴾ [الحجرات:12] ، والتجسس
لا يقع في الغالب إلا بسبب سوء الظن ،
وأمر المسلم ـ في الأصل ـ قائم على الستر وحسن الظن به وترك الإساءة ـ ففي
حادثة الإفك ، عندما قيل ما قيل ، بين سبحانه الموقف الصحيح الذي ينبغي لكل مسلم
أن يقفه فقال تعالى : ﴿
لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ
خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) ﴾ [سورة النور] ، ثم بين
أن التلفظ بهذا الكلام ونقله أمر عظيم فقال :
﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ
عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) ﴾ [سورة النور] ، ثم وعظنا
أن نعود في الوقوع في مثل هذا
الذنب العظيم فقال : ﴿ يَعِظُكُمْ
اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) ﴾
[النور:17] ، وبيّن
سبحانه أن مجرد نقل الجرح في الآخرين بلا ضرورة شرعية وبلا تثبت وروية (أنه إثم)
فقال : ﴿ لِكُلِّ
امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ ... ﴾ [النور:11] ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كفى بالمرء كذباً أن
يحدث بكل ما سمع )[6]،
وقال عبدالرحمن بن مهدي : ( لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع
) ونحو هذا الكلام قاله الإمام مالك بن أنس ، وقد أمر الله المؤمنين التثبت في
الأخبار فقال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) ﴾
[الحجرات:6] . القاعدة الثالثة : الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف : والأصل في
هذه القاعدة الذهبية هو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) ﴾
[سورة
المائدة] ، وقوله تعالى : ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ... ﴾ [هود:85] ، يقول ابن جرير الطبري
: ( يعني بذلك سبحانه : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ليكن من أخلاقكم
القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم ،
وانتهوا في جميع أموركم إلى حدي واعلوا فيه بأمري)
[7]،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل ، لا يجهل
وظلم ، كحال أهل البدع )[8]
، وقال الذهبي : ( ومثل الفضيل تكلم فيه فمن الذي يسلم من السنة الناس لكن إذا ثبت
إمامه الرجل وفضله ، لم يضوه ما قيل فيه ، وإنما الكلام في العلماء يحتاج إلى وزن
بالعدل والورع )[9]
، ولشيخ الإسلام ـ كلام نفيس يبين هذا المنهج الإيماني الصحيح في الحكم والكلام
على الآخرين قال ـ رحمه الله ـ : ( ثم إنه ما من عالم إلا له في الإسلام مساع
مشكورة، وحسنات مبرورة ، وله ردود على البدع والإلحاد ، ما لا يخفى على من عرف
أحوالهم ، وتكلم فيهم بعدل وإنصاف ، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل ، وحدث من
بعضهم هفوات وأخطاء ، صار الناس بسبب ذلك : *منهم من يعظمهم ، لما لهم من المحاسن والفضائل والسوابق . *ومنهم من يذمهم ، لما وقع في كلامهم من الباطل، وخيار الأمور أوساطها
والله يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات ولا ريب أن من
اجتهد من طلب الحق والدين من جهة الرسول وأخطاء في بعض ذلك ، فالله غفر له خطأه ،
تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا : ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ
أَخْطَأْنَا ... ﴾ [البقرة:286] فقال الله : قد فعلت )[10]،
ومن هنا : فمن تكلم في غيره بغير علم ولا عدل فهو مخالف للكتاب والسنة ومنهج أهل
الإيمان : ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) ﴾
[سورة
الإسراء] ، والكلام في الآخرين ، بدون علم أو
بظلم وهوى سبب لتفرق القلوب وحدوث التباغض ، بل سبب للفشل وذهاب وحدة الصف وقوته،
والله المستعان. القاعدة الرابعة : العدل في وصف الآخرين : وهي جزء من
القاعدة السابقة ولكن لأهميتها أفردتها لوحدها ، والمقصود منها : هو العدل في ذكر
المساوئ والمحاسن ، والموازنة بينهما وقد ثبت أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال : ( كل ابن آدم
خطاء وخير الخطائين التوابون )
[11]،
فلا أحد يسلم من الخطأ فلا ينبغي أن تدفن محاسن المرء لخطأ وقع فيه كما أن الماء
إذا بلغ قلتين لا يحمل الخبث ، ولذلك ينبغي للمسلم إذا كان لا بد من وصف غيره ألا
يغفل عن المحاسن لوجود بعض المساوئ([12])
ولا تطمر لوجود عداوة أو بغضاء بينه وبين من يصفه ، فالله عز وجل قد أدبنا بأحسن
أدب وأكمله ، فقال : ﴿ وَلَا
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ... ﴾ [الأعراف:85] ، وإنك
لتجد كثيراً ممن يذم غيره بذكر مساوئه ، ويغض الطرف عن المحاسن ، بسبب الحسد
والبغضاء ، أو التنافس لمذموم بينهما ، وهذا غالباً ما يقع بين الأقران ، ولكن
المنصفين هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه حقه ولو كان
الموصوف مخالفاً لهم في الدين والاعتقاد ، أو في المذهب والانتماء ، ومن العلماء
الذين برز إنصافهم لغيرهم ، الحافظ الذهبي ـ فإنك لما ترى كتابه (سير أعلام
النبلاء) فإنه ترجم للكثير من العلماء بمختلف توجيهاتهم العقدية، فلم يبخس أحداً )
بل أنصفهم وإن كانوا من أهل البدع والفسق والإلحاد ومن أمثلة لك :
1-
قال
عن عبد الوارث بن سعيد : ( كان عالماً من أهل الدين
والورع ، إلا أنه مبتدع قدري ) .
2-
الحكم
بن هشام قال عنه : ( كان جباراً ظالماً ، وكان فارساً
شجاعاً ) .
3-
وقال
عن الواقدي : ( لا نزاع في ضعفه في النقل ، لكنه صادق
اللسان ) .
4-
وقال
عن الجاحظ الأديب المعتزلي :(هو علامة متبحر، أحد
الأذكياء ، وكان ماجناً قليل الدين ) .
5-
وقال
عن ابن العميد : ( كان عجباً في الإنشاد والبلاغة ، ومع
فلسفته فلا يدري ما الشرع ) .
6-
وقال
عن السرخسي : ( فيلسوف بارع من بحور العلم الذي لا ينفع )
. وهناك أمثلة كثيرة ، وهذا المنهج هو منهج أهل الإيمان الدقيق في الحكم على
غيرهم ومن رام الإنصاف فلا يحيد عن هذا الطريق السوي، وأن يتفق الله عز وجل في
وصفه لغيره ، والله الموفق . القاعدة الخامسة : العبرة بكثرة الفضائل : يقول ابن
رجب : ( والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرد في كثير صوابه) ، ومنهج السلف هو اعتبار
الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ ، والنظر إليه بعين الإنصاف ، وقال الذهبي : (
ونحب السنة وأهلها ، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب
ما ابتدع فيه بتأويل سائغ ، وإنما العبر بكثرة المحاسن )[13]
، وقال ـ رحمه الله ـ في ترجمة ابن حزم الأندلسي (الإمام) قال عنه : ( ولم يتأدب
مع الأئمة في الخطاب ، بل فجج العبارة ، وسب وجدع ، وفي الجملة فالكمال عزيز ، وكل
يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ، وكان ـ يعني ابن حزم ـ ينهض بعلوم جمة ، ويجيد
النقل ، ويحسن النظم والنثر، ومقاصده جميلة، ومصنّفاته حميده ، فلا تغلو فيه ولا
نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار)[14]
، ولشيخ الإسلام كلمة لطيفة تتعلق بهذه القاعدة عكس أن نعتبرها أصلاً من أصول أدب
الخلاف والنقد حيث قال : ( العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية )[15]
، وأصل هذه القاعدة وتفسيرها أنه لا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم من وجه
ويعذب ويبغض من وجه آخر ، ولهذا قال ابن تيمية : ( ومن سلك طريق الاعتدال ، عظم من
يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، والرجل له حسنات وسيئات ،
فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب وهذا هو منهج أهل السنة وجماعة المسلمين )[16].
ولكن ـ وللأسف ـ ومن الناس من يرى المثالب ، ويعمى عن
المناقب وفي ذلك يقول الشعبي ـ رحمه الله ـ : ( والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة،
وأخطأت مرة واحدة لعدّوا علي تلك الواحدة )[17]،
وقد قيل : كفى بالمرء نبلاً أن تعد معائبه . القاعدة السادسة : العدل أثناء المفاضلة بين الناس : والأصل في
هذه القاعدة هو قوله تعالى : ﴿
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... ﴾ [الحجرات:13] ، وقول الرسول الكريم عندما سئل : أي الناس أكرم ؟ قال : ( أكرمهم عند الله أتقاهم )[18].
ـ والتفضيل بين الناس
يكون بوجهين : 1 ـ تفضيل مطلق . 2 ـ تفضيل مقيد . ـ أما المطلق فيكون على
أساس التقوى وقوة الإيمان ، ولنا الظاهر فقط والله يتولى
الخفايا والسرائر . ـ وأما المقيد ، فهو بحسب قيده، فالناس يتفاضلون في المواهب والقدرات
والعلم والذكاء والفهم، وقوة الحفظ ، وحسن بالإدارة والتنظيم ، فهذه المفاضلة
مقيدة لا علاقة لها بالأفضلية عند الله تعالى . وقاعدة السلف أنا لا نقدم إلا من قدمه الله
ورسوله، ولا نؤخر إلا من أخره الله ورسوله . كما أن
التفضيل المطلق في كل الأمور يصعب الحكم به في كثير منها، وذلك لاشتمال كل واحد
منهما على فضليه لا توجد في الآخر ، فيلجأ حينئذ إلى
التفصيل، لأن التفضيل بدون التفصيل لا يستقيم ، يقول ابن القيم : ( فإن أريد
بالفضل كثرة الثواب عند الله فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بنص لأنه بحسب تفاضل أعمال
القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح ) . فإذا ثبت وجوه التفضيل
وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل ومن ذلك لما سئل ابن تيمية عن الأفضل : هل هو الغني الشاكر أم الفقير الصابر ؟ فقال : ( أفضلهما أتقاهما لله ، فإذا استويا في التقوى استويا
في الدرجة ) ، وسئل أيهما أفضل خديجة أم عائشة؟ فقال (سبق خديجة وتأثيرها في أول
الإسلام لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من الأمهات، وتأثير عائشة في آخر الإسلام
وحمل الدين وتبليغ الأمة العلم مالم تشركها فيه خديجة ولا غيرها فانظر إلى هذا
الجواب المبني على العدل والخوف من الله ، فعلى المتكلم
في هذا الباب أن يعرف ما يلي :
1-
أسباب
الفضل .
2-
درجاتها
ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينهما .
3-
نسبت
الأسباب إلى من قامت به كثرة وقوة .
4-
ثم
اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها ومكانها . خرب صفة هي كمال لشخص
وليست كمالاً لغيره ، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته
وحروبه ، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه ، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا وهكذا
. القاعدة السابعة : المنهج الصحيح في الحب والبغض : والأصل في
هذه القاعدة قوله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا
عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) ) [سورة التوبة] ، إذن الحب
والولاء بإطلاق للمؤمنين ، والبغض والبراء بإطلاق للكافرين لأنهما من أوثق عرى
الإيمان ، كما ثبت في الحديث الذي رواه أحمد 4/186 ، والذي أخطا أو زل لا ينبغي أن
نبغضه ونذمه بإطلاق كما فعلت الخوارج فكفرت مرتكبي المعاصي ، كما أننا لا نمدحه
مدحاً مطلقاً ، ولا نوصله إلى درجة أبي بكر وعمر بل وجبريل وميكائيل ، كما فعلت
المرجئة، وإنما دين الله وسط بين
الغالي فيه والجافي عنه وهذا منهج سلف هذه الأمة . وينبغي هنا التنبيه إلى
أمر هام : أن من الناس من يبني الحب والبغض على مدى
موافقة الآخرين له ، فتجد من يحب فلاناً من الناس لأنه على مذهبه أو طريقته في
الدعوة ، أو لأنه ضمن جماعته ... وغير ذلك ، ويبغض
الآخرين إذا خالفوه في رأي فقهي واجتهادي ، أو نظري عملي، خالفوه في أسلوب دعوي
معين في دائرة الاجتهاد المشروع المستساغ وغير ذلك ، وهذا كله دليل على ضعف الوازع
وقلة الرادع وضعف الإيمان في القلب ، وصاحب الهوى يعجبه هواه ويصمه فلا يستحضر ما
لله ولرسوله في ذلك فإن رضي فهو السنة والحق والدين وإن غضب فهي الضلالة والبدعة ـ
وهذه الحق ـ ميزان خاسر ومعيار ماكر سرعان ما ينقطع بصاحبه فلا يبرح إلا وقد أغرقه
في الذنوب والآثام وهذا كان حال المختلفين في الدين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً وكفر بعضهم
بعضاً والله المستعان . خلاصة القول : أن أي مسلم إذا أراد أن يحكم على غيره بدافع
شرعي فلا بد له من مراعاة السبع القواعد الآنفة الذكر حتى يسلم المسلمون من لسانه
ويده ويتقى الله في ألفاظه ويتجرد عن الهوى وحظوظ النفس الإمارة بالسوء ويتذكر أن
الجامع للناس هو دين الله الذي تتضاءل أمامه جميع الانتماءات . أن
يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تهطل من غمام واحد أو
يختلف نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد المبحث الثاني : قواعد لمن يبلغه جرح من غيره : القاعدة الأولى : الأصل في الشائعات عدم الصحة حتى تثبت : إن المتأمل
في الوحيين ، وفي التاريخ بشكل عام يعلم قطعاً ما للشائعات من خطر عظيم وأثر بليغ،
فهي من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للأفراد والمجتمعات. فكم أقلقت الإشاعة من أبرياء ، وحطمت من عظماء ، وهدمت من وشائج ، وفككت من علاقات
وصداقات ، وهزمت من جيوش ، وأخرت من حضارات . وليس نوعاً من المبالغة حينما نقول إن
ما وجده الرسول الكريم في حديث الإفك هو حدث الأحداث في تاريخه ،
وهي مجرد فريه وإشاعة مختلقة بيّن الله كذبها، ولولا عناية الله لعصفت بالأخضر
واليابس وقد مكث مجتمع المدينة بأكمله شهراً كاملاً وهو يصلى بنار تلك الفرية ،
ويتعذب ضميره وتعصره الإشاعة الهوجاء عصراً ، وفي الحديث الصحيح : ( كفى المرء كذباً أن
يحدث بكل ما سمع )[19]،
وفي تاريخ المسلمين أخذت الشائعات باعاً طويلاً كانت آثارها وخيمة على الأمة ومنها
على سبيل المثال لا الحصر : مثال : 1- شائعة
انتشرت أن كفار قريش أسلموا بعد الهجرة الأولى للحبشة والنتيجة عودة بعض المسلمين
إلى مكة لينالوا أشد العذاب من الكفار هناك ولله الأمر من قبل ومن بعد . مثال : 2- شائعة
مقتل النبي صلى الله عليه وسلم في أحد فت في عضد كثير من المسلمين حتى ألقى بعضهم
السلاح وترك القتال !! . مثال : 3- واجتمعت
الشائعات الكاذبة ضد عثمان الخليفة المظلوم حتى اجتمعت أخلاط من المنافقين ودهماء
الناس وصارت لهم شركة وقتل على إثرها خليفة المسلمين بل كانت آثار الفتنة الرعناء
أن قامت حروب بين الصحابة الأفاضل كالجمل وصفّين ، وتولدت من ركامها الخوارج،
وتزندقت الشيعة ، وترتب عليها ظهور المرجئة والقدرية الأولى وفتن لا طرف لها
وحسبنا الله ونعم الوكيل . والذي ينبغي على المسلم
عند سمعه مثل هذه الشائعات والأقاويل أن : 1- يقدم حسن الظن بأخيه
المسلم ، وهو طلب الدليل الباطني الوجداني وأن ينزل أخاه
بمنزلته : ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور:12] . 2- أن يطلب الدليل
الخارجي البرهاني : ﴿ لَوْلَا
جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... ﴾ [النور:13] . 3- أن لا يتحدث بما
سمعه ولا ينشره لأن الشائعة لولا ناقليها لماتت في مهدها : ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا
أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) ﴾
[سورة
النور] . 4- أن يرد الأمر إلى
أولي الأمر ولا يشيعه بين الناس أبداً وهذا في كل أمر هام :
﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوْ
الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي
الْأَمْرِ مِنْهُمْ ... ﴾ [النساء:83] . 5- عدم سماع (السماعين)
لهم من منافقين وكذابين وأصحاب القلوب المريضة : ﴿
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ..﴾ [التوبة:47]
.
يقول شيخ الإسلام بن تيمية : ( والفتنة إذا وقعت عجز
العقلاء فيها عن دفع السفهاء فصار الأكابر عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها ،
وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله )[20]،
وللأسف أن هذا العصر يمثل عصراً قذراً لرواج الشائعات ضد الإسلام وأهله وتصيد
أخطاء قادة الأمة المسلمة وعلمائها ودعاتها والنيل منهم لصرف الأمة عنهم ويتولى
كبرها حكام صهيون وأفراخهم في كل بلاد ، جازاهم الله بسوء فعلهم . القاعدة الثانية : النظر في حال الجارح لغيره : والأصل في
هذه القاعدة هو قول الله : ﴿
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ...
﴾ [الحجرات:6] , وقرأ
حمزة والكسائي (فتثبتوا) من الثبت والتثبت ، فإن الله عز وجل بين أن التثبت في خبر
الفاسق واجب ، ولذلك ينبغي إنطلاقاً من هذا المبدأ النظر في حال الجارح ، فقد يكون
بينه وبين المجروح عداوة أو حسد أو بغضاء أو تنافس مذموم، أو هو من قبيل كلام
الأقران بعضهم في بعض ، أو أن الجارح ـ أصلاً ـ غير مرضي في دينه وأمانته .. إلخ ، قال السخاوي : ( رأي ابن عبد البر أن أهل العلم لا
يقبل فيهم الجرح إلا ببيان واضح فإذا انظم لذلك عداوة فهو أولى بعدم القبول)[21]،
ويقول السبكي : بل الصواب عندنا أن تثبت إمامته وعدالته ، وكثر مادحوه ومزكوه وندر
جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه ، من تعصب مذهبي أو غيره فإنا لا نلتفت
إلى الجرح فيه ، ونعمل فيه بالعدالة، ولو فتحنا هذا الباب ، أو أخذنا تقديم الجرح
على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة ، إذ ما من إمام إلا طعن فيه طاعنون ، وهلك
فيه هالكون )[22]،
فلا بد إذن من التأمل في حال الجارح والدوافع التي حملته على هذا الجرح ووضعه في
الميزان الشرعي حفاظاً على الحرمات والأعراض . القاعدة الثالثة : التثبت من الأخبار : وهذه القاعدة أصل عظيم
في تلقي الأخبار والرواية والعمل بها ، وقد سار سلفنا الصالح على المنهج الأسنى
والطريق الأسمى في التثبت والتأني في نقل الأخبار ومن أجل هذا اهتم علماء الرجال
في نقدهم في التفريق بين الضابط وغير الضابط. والحافظ وغير الحافظ
، ومن هنا فإنه يجب التفريق بين الراوي للخبر إذا كان جيد الحفظ أو سيء
الحفظ ، أو كان جيد الفهم أو رديء الفهم، أو جيد التعبير ، أو رديئه ، فضلاً عن
التثبت في صدقه وأمانته . ـ وفي هذا العصر ، كثيراً ما
ينقل أناس فتاوى عن علماء خلاف ما أفتى به العالم ، وما ذلك إلا بسبب سوء حفظهم
وسوء فهمهم، وأحياناً يضاف إليهما سوء تعبيرهم والواقع أكبر شاهد؟!! ـ وكذلك ما
تتناقل أخبار عن أشخاص أو هيئات لا أساس لها من الصحة وما ذلك إلا بسبب من الأسباب
الآنفة الذكر ، هذا إذا حملنا المتكلم على الصدق والبراءة
من تهمة الكذب. ـ يقول الحسن البصري (المؤمن وقاف حتى يتبين) الفتاوى 10/82م . والضابط في هذه المسألة / أن من عرف عنه الصدق والدين
وجودة الحفظ وحسن التعبير والأداء ، فإننا نقبل خبره دون
تثبت ومن اختلت فيه صفة من هذه الصفات ، أو ما شابهها فإنه يحتاج إلى التثبت في
خبره . وقد قيل (وما آفة الأخبار إلا رواتها) . والأولى للناقل نقل
الكلام كاملاً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وفي الحديث
إشارة إلى هذا المعنى في قوله عليه السلام :
( نضّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها ،
وبلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه لا فقه له ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[23]
فوائد الحديث : في قوله : ( فحفظها ووعاها ) إشارة إلى الحفظ
السليم والفهم المستقيم . وفي قوله :
( وبلغها من لم يسمعها ) إشارة إلى أداء الكلام بنصه . وفي قوله :
(فرب حامل فقه لا فقه له) إشارة إلى صاحب الفهم الضعيف. القاعدة الرابعة
: رد الغيبة على المغتاب : ثبت عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ذب عن عرض أخيه الغيبة كان حقاً على الله أن
يعتقه من النار )[24]
، ومن سمع الغيبة ورضي بها فهو مشارك في الإثم للقاتل ، وكان السلف يعملون على رد
الغيبة على قائلها ، قال سفيان بن الحصين : (كنت جالساً عند إياس بن معاوية ، فمر
رجل فنلت منه ، فقال : أسكت ثم قال لي سفيان : هل غزوت الروم ؟ قلت
: لا قال هل غزوت الترك ؟ قلت : لا ثم قال سلم
منك الترك والروم ولم يسلم منك أخوك المسلم.. قال فما عدت إلى ذلك بعد
[25].
ـ وذكر أن إبراهيم بن أدهم : ( أنه أضاف أناساً ، فلما
قعدوا على الطعام، جعلوا يتناولون رجلاً. فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا
كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز )[26].
ولذلك
ينبغي لكل مسلم غيور على دينه أن لا يرضى أن يغتاب بحضرته أحد من الناس لأنه إذا
كان راضياً ساكتاً شارك في الإثم وإلا فلا ينبغي له البقاء في المجلس لأن الغيبة
تجمع خصال الشر كله وهي تكون بالكلام أو الغمز أو بالإشارة أو بالكتابة والقلم ، يقول الحسن : ( والله للغيبة أسرع في دين الرجل من
الأكلة من الجسد ) .
دعاة الغيبة علمهم : إن برز صالح اتهموه، وإن ظهر كريم شتموه،
يتمشوه بالكذب والتدليس، والمغالطة والتلبيس ، يتهمون الثقات ، ويبعثون الفتن ويزرعون الإحن ، ويقطعون الصلات ،
ويفرقون الجماعات ، غراب بين ، ونذر شؤم ، ومشعل اللهب . قيل لبعض الصالحين : لقد وقع فيك فلان حتى أشفقنا عليك ورحمناك فقال :
(عليه فأشفقوا وإياه فارحموا) ، وقال رجل للحسن : بلغني أنك تغتابني ، فقال : ( ولم
يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي ) ، ويقول ابن المبارك : ( فر من المغتاب فرارك
من الأسد ) ، فطوبى ثم طوبى لمن ملك لسانه واهتم بعيوب نفسه وترك عيوب الناس ولله
در القائل : لسانك
لا تذكر به عورة امرئ فكلك
عورات وللناس ألسن وعينك
إن أبدت إليك معائباً فقل : يا عين للناس أعين القاعدة الخامسة : كلام الأقران لا يقبل ويطوى ولا يروى : كلام
الأقران يطوى ولا يروى ، وهي قاعدة قررها جمهور السلف رضي الله عنهم ، والمراد
بالأقران هم : يقول ابن عباس : ( خذوا العلم حيث وجدتم ، ولا تقبلوا قول الفقهاء
بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة)[27]،
قال الإمام مالك بن دينار : ( يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم
في بعض ، فإنهم أشد تحاسداً من التيوس تنصب لهم الشاة الضارب فينب هذا من هنا وهذا
من ههنا )[28]،
يقول الذهبي : ( كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، لا سيما إذا لاح اليأس
لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، وما ينجو منه إلا من عصم الله وما علمت من عصر من
العصور سلم منه أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين ولو شئت لسردت من ذلك كراريس )[29]
، يقول ابن عبد البر : ( إن السلف قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب،
ومنه ما حمل عليه الحسد ، كما قال بن عباس وأبو حازم ومنه على جهة التأويل ولا
يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان أو حجة توجيه )[30]
. ومن الأمثلة على كلام الأقران : 1 - قال الذهبي في
ترجمة رجاء بن حيوة : ( قال مكحول : ما زلت مصطلحاً على
من ناوأني حتى عاونهم علي رجاء بن حيوة ، وذلك أنه كان سيد أهل الشام في أنفسهم
قلت (الذهبي) كأن ما بها فاسداً ، ومكحول ورجاء إمامان فلا يلتفت إلى قول أحد
منهما في الآخر )[31]
. 2 - قال الذهبي في
ترجمة بن مندة : ( لا نعبأ بقولك ـ يقصد أبا نعيم ـ في
خصمك للعداوة السائرة كما لا نسمع قوله فيك ، ولا يقبل قول أحدهما في الآخر ) . وأخيراً ـ لأبي حازم
كلمة جميلة جداً ، يقول بن عيينة : سمعت أبا حازم يقول
لا تعادين رجلاً ولا تناصبه العداء حتى تنظر إلى سريرته مع الله ، فإن يكن له
سريرة حسنة، فإن الله لم يكن ليخذله بعداوتك له ، وإن كانت سريرته رديئة فقد كفاك
مساوئه ، ولو أردت أن نعمل به أكثر من معاصي الله لم تقدر )[32].
فالله الله يا أيها المسلمون ، ويا أيها الدعاة في فهم هذا المنهج الشرعي الذي به
صلحت أوائل هذه الأمة ووالله وتالله لا صلاح لآخرها ولا عزة ولا تمكين إلا نفس هذا
المنهج[33]،
وهذا هو الرجاء والأمل وعلينا الإخلاص والصدق والعمل . المبحث الثالث
: قواعد للمسلم مع غيره :
القاعدة الأولى : السعادة في معاملة الخلق : وهذه تكون
نابعة عن النية الصحيحة في معاملتهم ، فحبه لهم ، وبغضه إياهم إذا كان كله لله
وعلى يقين من أمر الله فإنه يجد السعادة في معاملتهم ، قال شيخ الإسلام : ( والسعادة
في معاملة الخلق ، أن تعاملهم لله ، فترجو الله فيهم ، ولا ترجوهم في الله ، وتكف
عن ظلمهم خوفاً من الله، لا منهم ) ، وفي الحديث: ( إن
من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ، أو تذمهم على ما لم يؤتك الله )[34]
. القاعدة الثانية : حال الإنسان مع غيره إذا لاقاه : كثيراً ما
يلتقي الإنسان بغيره ، سواء في المسجد أو في الشارع ، أو العمل والمنزل إن منهج
الإيمان من الملاقاة ، كما قال عبدالرحمن بن مهدي : ( إذا التقى الرجل الرجل فوقه
في العلم فهو يوم غنيمته ، وإذا لقي من هو مثله ، دارسه وتعلم منه ، وإذا لقي من
هو دونه تواضع وعلمه )[35].
ويقول ابن راهويه : ( كنت أجالس بالطرق أحمد بن حنبل ، وابن معين ،
فكنا نتذاكر الحديث ويأخذ بعضنا من بعض فلا ننصرف إلا بفوائد جليلة )[36].
القاعدة الثالثة : معاملة من أخطأ في طلبه للحق : يقول تعالى : ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
... ﴾ [البقرة:286] ، فإذا
اجتهد الإنسان في طلب الحق من جهة الرسول فأخطأ فهو مغفور له بنص الآية ، وإذا
أخطأ في مسائل الاعتقاد بعد الاجتهاد من جهة الرسول ، فلا يبدع ولا يهجر لخطئه ،
وإن كان يقال إن قوله بدعة، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون مبتدعاً ، فكما أن قول
الكفر لا يلزم منه أن يكون صاحبه كافراً فكذلك المبتدع وكما أن تكفير المعين يحتاج
إلى توفر شروط وانتفاء موانع ، فكذلك تبديع المعين يحتاج إلى توفر الشروط وانتفاء
الموانع ، وعلى هذا فلا نبدع الحافظ ابن حجر، ولا القاضي بن العربي ، وأمثالهما ،
لأننا علمنا من سيرتهم تحريهم للحق ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأموراً أو فعل
محظوراً . الأصل الثاني : المجتهد المستدل ـ من إمام ، وحاكم وعالم ، وناظر ،
ومناظر ، ومفت وغير ذلك ، إذا اجتهد واستدل ، فاتقى الله ما استطاع كان هذا الذي
كلفه الله إياه ، وهو مطيع لله مستحق الثواب ولا يعاقبه الله البتة .. وهو مصيب
بمعنى أنه مطيع لله) المنهاج 5/84 . القاعدة الرابعة : ذكر الناس داء ، وذكر الله دواء : قال الذهبي
بعد ذكر هذه القاعدة : ( أي والله فالعجب منا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم
الداء ) قال تعالى (فاذكروني أذكركم) ، وقد وردت النصوص الدالة على ذكر الله وحرمة
إطلاقه في الأعراض قال تعالى : ( ما يلفظ من قول إلا لديه
رقيب عتيد (18) ) [سورة ق] ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليقل خيراً أو ليسكت ) ، وقال أيضاً : ( من صمت
نجا )[37]
. فالعاقل من انشغل بذكر
الله عن ذكر الناس وحافظ على لسانه من اللغو واللهو، وجعله منشغلاً بذكر الله
والدار الآخرة . القاعدة الخامسة : إعطاء كل ذي حق حقه : قد يبرع أحدهم في العلم
، والآخر في الجهاد ، وآخر في الدعوة وهكذا فيعطى كل إنسان تخصصه ولا يهضم في
مجاله ، قال الذهبي : ( الكتابة مسلمة لابن البواب كما أن أقرأ الأمة أبي بن كعب
وأقضاهم زيد ، وأفرضهم زيد ، وأعلمهم بالتأويل
ابن عباس، وأمينهم أبو عبيدة ، وعابرهم محمد بن سيرين ، وأصدقهم لهجة أبو ذر ،
وفقيه الأمة مالك ، ومحدثهم ابن حنبل ، ولغويهم أبو عبيدة ، وشاعرهم أبو تمام
وعابدهم الفضيل ، وحافظهم سفيان الثوري ، وفارسهم خالد بن الوليد )[38]،
وهكذا فإن المواهب والتخصصات يعطيها الله كيف يشاء فلا بد إذن من إعطاء كل ذي حق
حقه. وأخيراً ـ فإن ما
سبق من القواعد وشرحها الموجز تعتبر منهاجاً للأمة في كيفية التعامل وأسلوب النقد
من أجل بقاء أخوة الإيمان ، والتئام الصف ، وجمع الشمل،
وتوحيد الكلمة والالتزام بشرع الله في كل مجالات الحياة والله المستعان . مراجع البحث : 1- إرواء
الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - للألباني - طبعة المكتب الإسلامي
.
2-الإيمان - ابن أبي شيبة
- نشر دار الأرقم ـ الكويت .
3-بدائع الفوائد - ابن
القيم - دار الفكر. 4-تنبيه الغافلين - السمرقندي - الطبعة الثانية - دار الشروق . 5-جامع بيان
العلم وفضله - ابن عبدالبر - دار الفكر . 6- تفسير الطبري - تحقيق أحمد شاكر - ط2 - مكتبة ابن تيمية . 7- حصائد
الألسن - حسين العوايشة - دار عمار . 8- درء تعارض العقل والنقل - ابن تيمية - الطبعة الأولى - جامعة
الإمام محمد بن سعود .
9-
سلسلة
الأحاديث الصحيحة - للألباني - المكتب الإسلامي .
10-
سير
أعلام النبلاء - الذهبي - الطبعة الثانية - إشراف شعيب الأرناؤط - الرسالة.
11-
صحيح
مسلم - دار إحياء التراث العربي . 12- صحيح البخاري مع
الفتح - دار الريان للتراث .
13-
القواعد
الفقهية - لابن رجب - دار المعرفة - بيروت .
14-
منهاج
السنة النبوية - لابن تيمية - ط الأولى - طبعة جامعة الإمام .
15-
المسند
- للإمام أحمد - ط الرابعة - المكتب الإسلامي .
16-
مجموع
فتاوى ابن تيمية - جمع عبدالرحمن بن قاسم وابنه محمد .
17-
ميزان
الاعتدال في نقد الرجال - للذهبي - ط الأولى - دار المعرفة ،
بيروت .
18-
مناقب
الإمام أحمد - لابن الجوزي - الطبعة الأولى - دار الآفاق الجديدة، بيروت . |