الصبر
مرفق مصلح ياسين
الجمعة 28 ديسمبر 2012

الصبر

الحمد لله العزيزِ الوهاب، مكورِ الليل على النهار، أحمدُه آناء الليل وأطراف النهار، أحمدُه في السراء والضراء القائل سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وإمام الأتقياء والأصفياء، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، محمد- صلى الله عليه وسلم-القائل: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غمٍ حتى الشوكة يشاكُها إلا كفر الله بها من خطاياه»(1).

فإن الله جعل الصبر جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، ونوراً لا يخبو، وجنداً لا يُهزم، وحصناً حصيناً لا يُهدم، وهو مطيّة لا يضل راكبها، وسفينة لا يغرق ربانها، فهو والنصر أخوان شقيقان، فالنصر مع الصبر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدّة ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد، وهو سبيل النجاح والفلاح، وطريق الإمامة والتمكين، وهو فضيلة يحتاج إليه الإنسان في دينه ودنياه، في حله و ترحاله، فحال الإنسان إما بين صبرٍ على أمرٍ يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهيٍ يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدرٍ يجب عليه الصبر احتساباً وإيماناً، ونعمةٍ يجب عليه شكر المنعم- سبحانه- عليها، وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه، ولا يفارقها إلا أن تفارق الروح الجسد، فالصبر لازم إلى الممات، والحياة لا تستقيم إلا بالصبر، فهو دواء المشكلات لدار الابتلاء، وهو البلسم الذي يكون به الشفاء، والصبر زاد المجاهد إذا أبطأ عنه النصر، وزاد الداعية إذا أبطأ عنه الناس بالإجابة، وزاد العالم والعابد في زمن الغربة، وزاد المظلوم إلى أن ينصفه القوي الكبير، بل هو زاد الكبير والصغير، والرجل والمرأة، فبالصبر يعتصمون وبه ينطلقون، ومما يروى عن الشافعي أنه قال:

صبرا جميلا ما أقرب الفرجا *** من راقب الله في الأمور نجا

من صدق الله لم ينله أذى ***ومن رجاه يكون حيث رجا

وقال ابن دريد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:

إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق لما به الصدر الرحيب

وأوطأت المكاره واطمأنت *** وأرست في أماكنها الخطوب

ولم تر لانكشاف الضر وجهاً *** ولا أغنى بحيلته الأريب

أتاك على قنوط منك غوثٌ *** يمن به اللطيف المستجيب

وكل الحادثات إذا تناهت *** فموصول بها الفرج القريب(2)

قال الوزير أبو عامر بن شهيد:

أبا حاتم صبر الأديب فإنني *** رأيت جميل الصبر أحلى عواقبا(3)

وقال محمد بن بشر:

إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا

لا تيأسن وان طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا(4)

نسأل من الله العلي القدير أن يرزقنا الصبر، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، ويعفو عن زلاتنا، إنه هو السميع البصير.

فالصبر من أعمال القلوب العظيمة التي يتقرب بها المؤمن إلى الله- سبحانه وتعالى- يقول ابن القيم - رحمه الله-: "وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به وعنه والموالاة فيه والمعاداة فيه والذل له والخضوع والإخبات إليه والطمأنينة به وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة"(5).

ويقول ابن تيمية- رحمه الله-: "وعمل القلب من التوكل والخوف والرجاء وما يتبع ذلك، والصبر واجب بالاتفاق، ولا يلزم الرضا بمرض وفقر وعاهة وهو الصحيح من المذهب والصبر تنافيه الشكوى والصبر الجميل تنافيه الشكوى إلى المخلوق لا إلى الخالق بل هي مطلوبة بإجماع المسلمين قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: 42]"(6).

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: 94].

يقول الألوسي، في قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96]: "وهو الصبر فإنه من الأعمال القلبية والكلام على حذف مضاف أي: لنجزينهم بجزاء صبرهم وكان الصبر أحسن الأعمال لاحتياج جميع التكاليف إليه فهو رأسها"(7). ومن ذلك يتبين لنا أن الصبر من أعمال القلوب، فما المقصود بالصبر؟

أولاً: المقصود من الصبر:

1- في اللغة: الصبر: نقيض الجزع، صبر يصبِر صبراً، فهو صابرٌ وصبَّار وصبيرٌ وصبور، وجمعه صُبُرٌ، والتصبُّر: تكلف الصبر، وتصبَّر واصطبر: جعل له صبراً، وتقول: اصطبرت، ولا تقول: اطَّبرت؛ لأن الصاد لا تدغم في الطاء، فإن أردت الإدغام قلبت الطاء صاداً، وقلت: اصَّبرتُ.

والصبر: الجراءة، ومنه قوله عز وجل: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]، أي ما أجرأهم على أعمال أهل النار.

وأصل الصبر: الحبس، وسمي الصوم صبراً؛ لما فيه من حبس النفس عن الطعام، والشراب، والنكاح.

وصبر به يصُبر صبراً -بضم الباء في المستقبل-: كفل، والصبير: الكفيل، وصبير القوم زعيمهم المقدم في أمورهم، والجمع: صُبَراء، والصبير: السحاب الأبيض الذي يصير بعضه فوق بعضٍ درجاً، والصبير: السحاب الأبيض لا يكاد يمطر.

والصِّبر والصُّبر: جانبُ الشيء، وجمعه أصبار، وصُبر الشيء: أعلاه، قال النمر بن تولب يصف روضة:

عَزَبَت وباكَرَها الشتِيُّ بِدِيمةٍ *** وطْفاء تملؤها إلى أصبارها.

والصُّبرة: ما جمع من الطعام بلا كيلٍ ولا وزنٍ بعضه فوق بعضٍ، والصُّبرة: الطعام المنخول بشيء شبيه بالسَّرَنْد، والصُّبرة: الحجارة الغليظة المجتمعة(8).

أما أصل هذه الكلمة:

- هو المنع والحبس، فالصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب.

- وقيل: أصل الكلمة من الشدة والقوة، ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال الأصمعي: إذا لقي الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها، ومنه الصُبر بضم الصاد للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها، ومنه سميت الحرة أم صبار، ومنه قولهم: وقع القوم في أمر صبُّور بتشديد الباء أي أمرٌ شديدٌ، ومنه صبَارة الشتاء بتخفيف الباء وتشديد الراء لشدة برده.

- وقيل: مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبُرة الطعام، وصبارة الحجارة. والتحقيق: أن في الصبر المعاني الثلاثة المنع والشدة والضم(9).

2- في الشرع:

"قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة، وقال بن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وقال الأستاذ أبو علي الدقاق- رحمه الله تعالى-: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في أيوب -عليه السلام-: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44] مع أنه قال: ﴿إنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83], والله أعلم"(10).

"وقال عمرو بن عثمان المكي: الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة"(11), "وقيل: الصبر هو الاستعانة بالله، وقيل: هو ترك الشكوى، وقيل:

الصبر مثل اسمه مر مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل

وقيل: الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضى من تحبه كما قيل:

سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة *** وحسبي أن ترضي ويتلفني صبري"(12).

ويقول الجرجاني: "الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله"(13), قال ابن عاشور: "الصبر هو حمل النفس على الأمر المكروه"(14), وقال الراغب في مفرداته: "والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه"(15), وعرفه ابن القيم- رحمه الله-: "وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها"(16).

حكم الصبر:

أصل الصبر واجب، الصبر من حيث الجملة واجب، فقد أمر الله أمر به فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: 45] وقال: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200]

ونهى عن ضده، فقال: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: 35] وقال: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [لأنفال: 15]، ورتب عليه خيري الدنيا والآخرة، لكن عندما نأتي إلى التفصيل فالصبر منه ما هو صبرٌ واجب، يأثم الإنسان إذا لم يصبر، ومنه ما هو صبر مستحب فهو واجبٌ في الواجبات و واجب عن المحرمات، ومستحبٌ في المستحبات، و مستحب عن المكروهات، و إذا صبر عن المستحب ولم يفعله فصبره مكروه، وإذا صبر على فعل الحرام فصبره محرَّم، وكذلك الصبر وحرمات الله تنتهك ولم يتغير لذلك، ومما يدل على أن الصبر قد لا يكون واجباً، قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126] فهذا يدل على أن الصبر قد لا يكون لازماً.

فضل الصبر:

أولاً: في القرآن الكريم.

1- الصبر من أخلاق الرسل الكرام- عليهم أفضل الصلاة والسلام- وقد أمر اللهُ أكرمَ الخلق وأفضلَ الرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم- أن يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [الأحقاف: 35]

فالصبر من أخلاق الكرام، والقادة العظام، فالله حين أمر نبَّيه بالصبر، أراد منه أن يصبر كصبر أولى العزم من الرسل، وهم أفضل الأنبياء - عليهم السلام-، فأفضل الأنبياء هم أعظمهم صبراً.

2- نيل الإمامة بالدين، فلا إمامة ولا سيادة إلا بالصبر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24] ومن هذا القبيل يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية: "فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين" (17), والإمامة في الدين من أعظم ما يطلبه عباد الرحمن من الله عز وجل قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما﴾ [الفرقان: 74]

3- وقد تكرر أمر الله لنبيه بالصبر في القرآن الكريم في مواضع متعددة، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49] فبين المولى أن الصبر على البلوى، وتحمل الأذى، هو من علامات التقوى، الذين تكون لهم العاقبة في الآخرة والأولى، والدعوة إلى الله محفوفة بالمخاطر، مملوءة بالإيذاء من قبل الأعداء؛ ولذلك أرشد الله نبيه إلى الصبر على قول العصاة المتمردين، فقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130]وقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39].

وأمر الله تعالى نبيه بالصبر الجميل فقال: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج: 5], "والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو"(18), وقال البيضاوي: "لا يشوبه استعجال واضطراب قلب"(19), وكل ما سبق ذكره هو من الصبر الجميل، ويدخل في ذلك غيره من المعاني الطيبة التي يتحلى بها الصابر.

ومما يروى عن الشافعي أنه قال:

صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا *** من راقب الله في الأمور نجا(20)

4- ووعد الله الصابرين أن يؤتيهم أجرهم مرتين، فقال: ﴿وْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: 54].

5- معية الله- عز وجل- ومن كان الله معه فقد ظفر ونجى من كل بلى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

6- ذكر الله محبته للصابرين، ومن أحبه الله - جلا وعلا- أبعده عن كل مكروه، قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].

7- الصابرون تنالهم رحمة الله وصلواته، وهم المهتدون للخير والصواب، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].

8-الصابرون يوفيهم الله أجرهم بغير حساب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]

9- علق الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال: ﴿يآأيُهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلَكُم تُفلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200] فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور.

10- تعليق النصر والمدد عليه وعلى التقوى، كقوله تعالى: ﴿بَلَى إن تَصبِرُوا وَتَتَقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هَذَا يُمدِدكُم بِخَمسَةٍ ءَالَفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِمِينَ﴾ [آل عمران: 125].

11- الإخبار بأن الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من المكروه المرهوب، ودخول الجنة، وسلام الملائكة عليهم، إنما نالوه بالصبر، كما قال: ﴿وَالملائكةُ يَدخُلُونَ عَلَيِهِم مِن كُلِ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ﴾ [الرعد: 24،23].

12- الإخبار أنه إنما ينتفع بآيات الله ويتعظ بها أهل الصبر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَد أرسَلنَا مُوسَى بِئآياتِنآ أن أخرِج قَومَكَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النورِ وَذَكِرهُم بِأيامِ اللّهِ إنَ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5]

13- الإخبار أن خصال الخير والحظوظ العظيمة لا يلقاها إلا أهل الصبر كقوله تعالى: ﴿وَيلَكُم ثواب اللّهِ خَيرٌ لِمَن ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً وَلاَ يُلَقاهآ إلا الصَابِرُونَ﴾ [القصص: 80]، وقوله: ﴿وَمَا يُلَقاهآ إلا الذّينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَهآ إلا ذُو حّظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35].

14- تعليق الإمامة في الدين بالصبر واليقين، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلنا مِنهُم أئِمّةً يَهدُون بِأمرِنا لَمَا صَبَرُوا وَكَانُوا بِئَاياتِنا يُوقِنُون﴾ [السجدة: 24]. فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين, و "سئل سفيان عن قول علي -رضي الله عنه-: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ألم تسمع قوله: ﴿وَجَعَلنا مِنهُم أئِمّةً يَهدُون بِأمرِنا لَمَا صَبَرُوا﴾ قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوساً"(21).

15- أن الله أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال: ﴿إنّا وَجَدنَاهُ صَابِراً نِعمَ العَبدُ إنَهُ أوابٌ﴾ [ص: 44].

16- أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان، فقرنه بالصلاة في قوله: ﴿وَاستَعِينُوا بِالصّبرِ وَالصّلاةِ﴾ [البقرة: 45]، وبالتقوى في قوله: ﴿إنّهُ مَن يَتَقِ وَيَصبِر﴾ [يوسف: 90]، وبالشكر في قوله: ﴿إن فِي ذَلِكَ لأياتٍ لِكُلِ صَبَارٍ شَكُور﴾ [لقمان: 31]، وبالرحمة في قوله: ﴿وَتَوَاصَوا بِالصّبرِ وَتَوَاصَوا بِالمرحَمَةِ﴾ [البلد: 17]، وبالصدق في قوله: ﴿وَالصّادِقينَ وَالصَادِقَات وَالصَابِرين وَالصّابِراتِ﴾ [الأحزاب: 35]

17- وجعل الصبر -سبحانه وتعالى- عوناً وعدة وأمر بالاستعانة به، فقال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: 153] فمن لا صبر له؛ لا عون له، وعلّق النصر على الصبر والتقوى فقال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125]

ثانياً في السنة النبوية:

1- الصبر طريق الجنة فقد بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم -يقول: «إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة»(22), قال ابن حجر- رحمه الله-: "والمراد بالحبيبتين: المحبوبتان؛ لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به أو شر فيجتنبه، قوله: "فصبر" ....والمراد أنه يصبر مستحضراً ما وعد الله به الصابر من الثواب لا أن يصبر مجرداً عن ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه بل إما لدفع مكروه، أو لكفارة ذنوب، أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد"(23).

وقال المناوي: "سماهما بذلك؛ لأن العالم عالمان عالم الغيب وعالم الشهادة وكل منهما محبوب، ومدرك الأول البصيرة، ومدرك الثاني البصر، واشتق الحبيب من حبة القلب وهي سويداؤه نظير سواد العين، قال أبو الطيب:

يود أن سواد الليل دام له *** يزيد فيه سواد القلب والبصر

ولأن السرور يكنى عنه بقرة العين لما يشاهد المحبوب ويكنى عن الحزن بسخونتها للمفارقة عنه"(24).

وقال عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك " قالت: أصبر قالت فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها»(25).

وإذا كان طريقاً إلى الجنة فإنه يكون مانعاً من النار، فعن أبي هريرة قال: «أتت امرأة النبي -صلى الله عليه وسلم -بصبي لها فقالت: يا نبي الله ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة قال: " دفنت ثلاثة؟ " قالت: نعم قال: " لقد احتظرت بحظار شديد من النار»(26), "أي: امتنعت بمانعٍ وثيقٍ، وأصل الحظر: المنع وأصل الحظار: بكسر الحاء وفتحها ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط."(27).

2- بينت السنة أن الصبر للمؤمن خير عظيم، إذا أصابته ضراء يكون الخير له، عن صهيب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له«(28).

3- بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الصبر ضياء، فعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها»(29).

قال النووي- رحمه الله-: "وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: والصبر ضياءٌ، فمعناه الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضاً على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب"(30).

4- وإذا صبر العبد على فقد الولد فإن الله يبني له بيتاً في الجنة، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي! فيقولن: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده! فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولن حمدك واسترجع فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد»(31).

من كلا م السلف في الصبر:

1- عن مجاهد قال: قال عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه-: وجدنا خير عيشنا بالصبر وقال أيضاً: أفضل عيشٍ أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريماً(32).

2- وقال على بن أبى طالب -رضي الله عنه-: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس بار الجسم، ثم رفع صوته فقال: ألا انه لا إيمان لمن لا صبر له وقال: الصبر مطية لا تكبو(33).

3- وقال الحسن البصري: الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده(34).

4- وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمةٍ فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه(35).

ثانياً: أنواع الصبر:

أنواع الصبر ثلاثة كما قال أهل العلم وهي: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله، ومرجع ذاك أن العبد في هذه الدنيا بين ثلاثة أحوال:

1- أمر يجب عليه امتثاله والقيام به.

2- نهي يجب عليه اجتنابه وتركه.

3- قضاء وقدر يجب عليه الصبر فيهما والرضا بهما.

وهو لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً، وهو محتاجٌ إلى الصبر في كل واحدٍ منها، وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان ابنه في قوله: ﴿يَابُنَي أقِمِ الصَلآةَ وَأمُر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصبِر عَلَى مَآ أصَابَكَ﴾ [لقمان: 17]. والصبر في اللغة: هو الحبس والمنع، فيكون معناه حبس النفس على طاعة الله، وحبس النفس ومنعها عن معصية الله، وحبس النفس إذا أصيبت بمصيبة عن التسخط وعن الجزع ومظاهره من شق الجيوب ولطم الخدود والدعاء بدعوى الجاهلية، وذلك على النحو التالي:

1- الصبر على الطاعات:

أما الصبر على الطاعات فهو صبرٌ على الشدائد؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثيرٍ من الأعمال، بسبب الكسل وإيثار الراحة، فقد تتوانى في دفع الزكاة بسبب الشح والبخل، وقد تترك الحج والجهاد بخلاً وإيثاراً للدعة والراحة، وقد تدع الصوم بسبب محبة الفطر وعدم الجوع، وعلى هذا فقس، فالصبر على الطاعات صبر على الشدائد.

والعبد يحتاج إلى الصبر على طاعته في ثلاث أحوال:

الأولى: قبل الشروع في الطاعة بتصحيح النية والإخلاص وعقد العزم على الوفاء بالمأمور به نحوها، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، ولهذا قدم الله تعالى الصبر على العمل فقال: ﴿إلا الّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ [هود: 11], قال ابن كثير: "أي صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء" (36).

الثانية: الصبر حال العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه وأركانه، فيلازم الصبر عند دواعي التقصير فيه والتفريط، وعلى استصحاب ذكر النية وحضور القلب بين يدي المعبود.

الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل، إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للرياء والسمعة، والصبر عن النظر إلى العمل يعين العجب، والصبر عن الإتيان بما يبطل عمله ويحيط أثره كما قال تعالى: ﴿لاَ تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِ وَالأذَى﴾ [البقرة: 264] فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله، والصبر أيضاً بالمداومة على العمل والاستمرار في أدائه.

فالطاعة إذن تحتاج إلى مجاهدة وصبر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» (37).

وعن عائشة قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه قالت: عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «يا عائشة أفلا أكون عبدا شكوراً »(38).

2- الصبر عن المعاصي:

وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر، ويكون بحبس النفس عن متابعة الشهوات، وعن الوقوع فيما حرم الله، وأعظم ما يعين عليه ترك المألوف، ومفارقة كل ما يساعد على المعاصي، وقطع العادات، فإن العادة طبيعة خاصة، فإذا انضمت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جند الشيطان على جند الله، فلا يقوى باعث الدين على قهرهما؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «وحفت النار بالشهوات»(39), وذلك لأن النفوس تشتهيها وتريد أن تقتحم فيها، فإذا حبس الإنسان نفسه عنها وصبر على ذلك كان ذلك خيراً له.

3- الصبر على البلاء:

وأما الصبر على البلاء فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبلُوَنّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثّمَراتِ وَبَشِرِ الصّابِرينَ﴾ [البقرة: 155]. ويكون هذا الصبر بحبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله تعالى، والقلب عن التسخط والجزع، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوها، وإليك هذه القصة لبيان الصبر على البلاء والمصائب، "ذكر أبو الفرج بن الجوزي في عيون الحكايات: قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا السلام قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فأنسنا بكم فقالت: يا هؤلاء ولو وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا فألقت لنا مسحاً فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل أعظم الله أجرك في عقيل قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر فقالت: انزل فاقض ذمام القوم ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت فقالت: يا هؤلاء هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئا؟ قلت: نعم قالت: اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها قلت: يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157] قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا! قالت: السلام عليكم ثم صفت قدميها وصلت ركعات ثم قالت: إنا لله و إنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثاً اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني"(40).

فالصبر من العبد عند وقوع البلاء به هو اعتراف منه لله بما أصاب منه واحتسابه عنده ورجاء ثوابه، فعن أم سلمة قالت: قال رسول الله: عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها - إلا أخلف الله له خيرا منها قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟ أول بيتٍ هاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»(41).

ومن أمثلة الصبر على المصائب وكذلك على الطاعة هو ما حدث للرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- بعد موت خديجة وعمه أبو طالب يقول ابن القيم- رحمه الله-: "فلما نقضت الصحيفة وافق موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما يسير فاشتد البلاء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من سفهاء قومه وتجرؤوا عليه فكاشفوه بالأذى فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم ودعاهم إلى الله -عز وجل - فلم ير من يؤوي ولم ير ناصراً وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه وكان معه زيد بن حارثة مولاه فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فقالوا: أخرج من بلدنا وأغروا به سفهاءهم فوقفوا له سماطين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فانصرف راجعا من الطائف إلى مكة محزونا وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلا من تكلني إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك»، فأرسل ربه -تبارك وتعال- إليه ملك الجبال ستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة وهما جبلاها اللذان هي بينهما فقال: «لا بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا»(42)"(43).

ومن الأعمال الصالحة ما قد يجتمع فيها أنواع الصبر الثلاثة والتي منها الصوم، يقول ابن رجب الحنبلي: "وأفضل أنواع الصبر الصيام فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة؛ لأنه صبرٌ على طاعة الله -عز وجل- وصبرٌ عن معاصي الله، لأن العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن الله -عز وجل- يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به؛ لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي»(44) وفيه أيضا صبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش وكان النبي-صلى الله عليه وسلم-يسمى شهر الصيام شهر الصبر"(45), وأنواع الصبر التي أشرنا إليها تتفاوت من حيث الأفضل، "قال ميمون بن مهران: الصبر صبران: فالصبر على المصيبة حسن وأفضل منه الصبر عن المعصية"(46), فأفضلها الصبر على الطاعة ثم الصبر عن المعصية ثم الصبر على المصائب.

فالصبر على الواجبات أعلى أنواع الصبر لأن جنس فعل الواجبات أعلى درجة عند الله من جنس ترك المحرمات، وأجر ترك المحرمات أكبر من أجر الصبر على المصائب، لأن الصبر على الواجب والصبر على ترك الحرام عملية اختيارية، لكن لما نزلت به المصيبة، شيءٌ بدون اختياره، ليس له إلا كف النفس والصبر، وصبر يوسف -عليه السلام- على امرأة العزيز أكمل من صبره على إلقائه في غيابة الجب إذ لا اختيار في تلك الحالة، والصبر على المصائب يختلف من شخصٍ لآخر ومن حالٍ إلى حالٍ، فالصبر على المصائب التي يكون للعبد فيها اختيار؛ ابتغاء مرضات الله أكمل من الصبر على المصائب التي ليس للعبد فيها اختيار، ومن هذا صبر يوسف على السجن باختياره كي لا يقع في الفاحشة، أعظم وأكمل من صبره على إلقائه في غيابة الجب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن يوسف عليه السلام: "فأولئك أخرجوه من إطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختيار وهذه ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوساً مسجوناً باختياره فكانت هذه أعظم في محنته وكان صبره هنا صبراً اختيارياً اقترن به التقوى بخلاف صبره على ظلمهم فان ذلك كان من باب المصائب التي من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سلوا البهائم، والصبر الثاني أفضل الصبرين ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان وإن لم يفعل أوذي وعوقب فاختار الأذى والعقوبة على فراق دنيه إما الحبس وإما الخروج من بلده كما جرى للمهاجرين حيث اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين وكانوا يعذبون ويؤذون، وقد أوذي النبي بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبراً اختيارياً فإنه إنما يؤذى لئلا يفعل ما يفعله، باختياره وكان هذا أعظم من صبر يوسف لأن يوسف إنما طلب منه الفاحشة وإنما عوقب إذا لم يفعل بالحبس، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه طلب منهم الكفر وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه، وأهون ما عوقب به الحبس فان المشركين حبسوه وبني هاشم بالشعب مدة ثم لما مات أبو طالب اشتدوا عليه فلما بايعت الأنصار وعرفوا بذلك صاروا يقصدون منعه من الخروج ويحبسونه هو وأصحابه عن ذلك ولم يكن أحدٌ يهاجر إلا سراً إلا عمر بن الخطاب ونحوه فكانوا قد ألجاؤهم إلى الخروج من ديارهم ومع هذا منعوه منهم عن ذلك وحبسوه، فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم؛ طاعةً لله ورسوله لم يكن من المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه وهذا أشرف النوعين وأهلها أعظم درجة"(47).

مراتب الصابرين

"وقيل: مراتب الصابرين خمسة: صابر, ومصطبر, ومتصبر, وصبور, وصبار.

فالصابر: أعمها.

والمصطبر: المكتسب الصبر المليء به.

والمتصبر: المتكلف حامل نفسه عليه.

والصبور: العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره.

والصبار: الكثير الصبر فهذا في القدر والكم والذي قبله في الوصف والكيف، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5][لقمان: 31][سبأ: 19][الشورى: 33] "(48) وهذه مراتب الصابرين، فما مراتب الصبر؟

مراتب الصبر:

وهي ثلاثة كما ذكر ابن القيم رحمه الله(49):

الأولى: الصبر بالله، ومعناها الاستعانة به، ورؤيته أنه هو المُصيّر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَاصبِر وَمَا صَبرُكَ إلا بِاللّهِ﴾ [النحل: 12]يعني: إن لم يُصبرك الله لم تصبر.

الثانية: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله تعالى، وإرادة وجهه والتقرب إليه، لا لإظهار قوة نفسه أو طلب الحمد من الخلق، أو غير ذلك من الأغراض.

الثالثة: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله منه ومع أحكامه، صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها، مقيماً بإقامتها، يتوجه معها أينما توجهت، وينزل معها أينما نزلت، جعل نفسه وقفاً على أوامر الله ومحابه، وهذا أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبر الصديقين.

الرابعة: وزاد بعضهم قسما آخر من أقسامه وسماه الصبر فيه: وهذا أيضا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب:

وذلك في ذات الإله وان يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69] وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه﴾ [الحج: 78].

الخامسة: وزاد بعضهم في الصبر قسما آخر: وسماه الصبر على الصبر وقال: هو أن يستغرق في الصبر حتى يعجز الصبر عن الصبر كما قيل:

صابر الصبر فا ستغاث به الصبر *** فصاح المحب بالصبر صبرا

وليس هذا خارجاً عن أقسام الصبر وإنما هو المرابطة على الصبر والثبات عليه.

نسأل الله العظيم الكريم بمنه ولطفه وكرمه أن يرزقنا الصبر والشكر إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إعداد: أبي عبد الرحمن مرفق ناجي مصلح ياسين.

11/ ربيع أول/ 1428هـ الموافق: 29/ مارس/ 2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم 27/ 4/ 2007م

________________________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 2137، برقم: 5318، ورواه مسلم في صحيحه 4/ 1991، برقم: 2572، من حديث عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " ما يصيب المؤمن من شوكةٍ فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه خطيئة ".

(2) تفسير ابن كثير، 4/ 677..

(3) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن محمد المقري التلمساني،3/ 360، دار صادر، بيروت، 1968م، تحقيق: د.إحسان عباس.

(4) البيان والتبيين، أبي عثمان عمرو بن بحر،390، دار صعب، بيروت، الطبعة الأولى، 1968هـ، تحقيق: المحامي فوزي عطوي.

(5) مدارج السالكين، 1/ 101.

(6) الفتاوى الكبرى، 5/ 359.

(7) روح المعاني، 14/ 225.

(8) لسان العرب، ابن منظور، 7/ 276- 277، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1413هـ، 1993م.

(9) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ابن قيم الجوزية، 7-8، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: زكريا علي يوسف.

(10) شرح النووي على مسلم، 3/ 101- 102.

(11) عدة الصابرين، ص9.

(12) مدارج السالكين، 2/ 158.

(13) التعريفات، الجرجاني، 172، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري.

(14) التحرير والتنوير, 299.

(15) مفردات القرآن، 1/ 811.

(16) عدة الصابرين، ص 8.

(17) مجموع الفتاوى، 3/ 358.

(18) تفسير القرطبي، 18/ 247.

(19) تفسير البيضاوي، 1/ 387.

(20) تفسير ابن كثير، 4/ 677.

(21) تفسير ابن كثير، 3/ 611.

(22) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 2140، برقم: 5329.

(23) فتح الباري، 10/ 116.

(24) فيض القدير، 4/ 488.

(25) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 1994، برقم: 2576.

(26) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2030، برقم: 2636.

(27) شرح النووي على مسلم، 16/ 183.

(28) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2295، برقم: 2999.

(29) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 203، برقم: 223.

(30) شرح النووي على مسلم، 3/ 101-102، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392 هـ.

(31) أخرجه الترمذي في سننه، 3/ 341، برقم: 1021، قال الشيخ الألباني: حسن انظر حديث رقم: 795 في صحيح الجامع، صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 214، برقم: 2012, والسلسلة الصحيحة، 3/ 398، برقم: 1408.

(32) عدة الصابرين، ص77.

(33) نفس المصدر.

(34) نفس المصدر.

(35) نفس المصدر.

(36) تفسير ابن كثير، 3/ 575.

(37) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2174، برقم: 2822.

(38) المصدر السابق 4/ 2172، برقم: 2820.

(39) سبق تخريجه.

(40) تسلية أهل المصائب، لأبي عبد الله المنجبي الحنبلي، 1/ 181.

(41) أخرجه مسلم 2/ 631، برقم: 918.

(42) قال المقتدى الهندي في كنز العمال: رواه الطبراني, وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 35, وفيه إسحاق مدلس ثقة, وبقية رجاله ثقات, وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة 6/ 435, برقم: 2933.

(43) زاد المعاد، ابن القيم، 3/ 28، مؤسسة الرسالة، مكتبة المنار الإسلامية، بيروت، الكويت، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ - 1986م،تحقيق: شعيب الأرناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط.

(44) رواه أحمد، 2/ 393، برقم: 9101، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول الله عز وجل: «الصوم لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي فالصوم جنة وللصائم فرحتان فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى الله عز وجل ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك» تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين, وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم: 4538 في صحيح الجامع.

(45) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، ص219، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ.

(46) تسلية أهل المصائب، لأبي عبد الله المنجبي الحنبلي، 1/ 181.

(47) مجموع الفتاوى،10/ 122- 123.

(48) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، 2/ 158، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1393هـ - 1973م، تحقيق: محمد حامد الفقي.

(49) عدة الصابرين، ص33-40.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: