النفاق
خالد حسن محمد البعداني
الأثنين 31 ديسمبر 2012

النفاق

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، الحمد لله لا نحصى نعمه، نحمده ما تعاقب الليل والنهار، لا منتهى لعطاياه، ولا راد لفضله، ذو الجلال والإكرام والعزة والسلطان والأفضال والإنعام، من علينا بالإسلام، وهدانا إلى الإيمان، نحمده حمد الشاكرين الذاكرين، على هذه النعمة الجزيلة والعظيمة، ونسأله العون والسداد في عمل الصالحات والقربات، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمه العالمين، البشير النذير الهادي إلى صراط رب العالمين.

فنعمة الإيمان من أجل النعم التي أنعم بها المنعم علينا فنحمده أن هدانا إلى الإسلام، ومما هو معلوم أن الإيمان يتبعه العمل فهو قرينه ورفيقه، ولا شك أن هذا يدل على أهمية العمل الصالح فهو قرين الإيمان ومن لوازمه.

هذا العمل الصالح من القربات والطاعات والنوافل هناك ما يعوقه ويثبطه، لأن الشيطان الرجيم لا يريد الخير أبداً لهذا الإنسان، فهو يقف وراء كل ما هو خير لهذا الإنسان ويصد عنه، فيعمل على صد الإنسان من فعل الخيرات والطاعات، وحرمانه مما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل.

ومن المثبطات أيضا الشبهات، وضعف اليقين بالله تعالى، والهوى وإتباع غير الهدى الرباني، والجهل والغفلة التي تصيب القلوب، والابتداع في الدين، والشهوات وحب الدنيا والإفراط فيها، والتسويف، والأمن من عقاب الله.

ومن هذه المعوقات ما يصيب القلوب من أمراض كالكبر، والعصبيات الجاهلية، والنفاق وهو موضوع بحثنا هذا وعلى وجه الخصوص النفاق العملي، فالنفاق من أخطر الإمراض التي تصيب القلوب وتعيق العبد المسلم عن التقرب للمولى -جل وعلا- بالعمل الصالح من الطاعات والقربات والنوافل التي يحبها ويرضاها.

فهو الداء العضال ولقد حذر المولى جل وعلا ورسوله - صلى الله عليه وسلم- من النفاق وأهله "فقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة."(1)

ومن أنواع النفاق كما سيأتي الحديث عنه النفاق العملي أو الأصغر وهو عمل شيء من أعمال المنافقين أو الاتصاف ببعض صفاتهم مع بقاء الإيمان في القلب، فهو المعوق والمانع من فعل الخيرات.

وفي هذا البحث نتحدث إن شاء الله تعالى عن تعريف النفاق عند أهل اللغة والاصطلاح، وأنواعه وخصال المنافق وصفاته التي ينبغي على المسلم تجنبها، وخوف الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- من النفاق، مع ذكر بعض الأمثلة التي توضح كيف يعيق النفاق العبد المسلم عن فعل الخيرات والأعمال الصالحات، نسأل منه التوفيق والراشد وأن يطهر قلوبنا من النفاق أنه على ما يشاء قدير.

تعريف النفاق في اللغة:

النفاق مأخوذ من نفق الدالة على الخروج، ومنه النفق وهو المسلك الذي له منفذ يمكن الخلوص منه إلى مكان أخر, لذلك وصف الله تبارك وتعالى: المنافقين بالفاسقين أي الخارجين من الدين قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67].

ومنه النُّفَقةُ والنَّافِقاء وهي جحر الضَّب واليَربوع، وقيل النُّفقةُ والنافِقاء موضع يرققه اليربوع من جحره فإذا أتِي من قبل القاصِعاء ضرب النافِقاء برأسه فخرج، يقال نَفِقَ اليربوع ونَفَق وانْتَفَقَ ونَفَّق إذا خرج منه.

ويقال نَفَّق اليَرْبوع تَنْفيقاً ونافَقَ أَي دخل في نافِقائه ومنه اشتقاق المُنافق في الدين.

يقال: نَافَقَ الرجل إذا أظهر الإسلام لأهله وأضمر غير الإسلام وأتاه مع أهله فقد خرج منه بذلك و محلُّ النِّفاق القلب.

يقول ابن منظور -رحمه الله-: والنِّفاق بالكسر فعل المنافِق والنِّفاقُ الدخول في الإسلام من وَجْه والخروُج عنه من آخر مشتقّ من نَافِقَاء اليربوع إسلامية وقد نافَقَ مُنافَقَةً ونِفاقاً، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به.

وهو الذي يَسْترُ كُفْره ويظهر إيمانَه وإن كان أَصله في اللغة معروفاً يقال نافَقَ يُنافِق مُنافقة ونِفاقاً وهو مأْخوذ من النافقاء لا من النَّفَق وهو السَّرَب الذي يستتر فيه لستره كُفْره.

وفي حديث حنظلة نافَقَ حَنْظَلة(2) أَراد أَنه إذا كان عند النبي -صلى الله عليه وسلم- أخلص وزهد في الدنيا وإذا خرج عنه ترك ما كان عليه ورغب فيها فكأَنه نوع من الظاهر والباطن ما كان يرضى أَن يسامح به نفسه.(3)

وجاء في كتاب العين للخليل: والنَّفاقُ: الخِلافُ والكُفْر والفِعلُ: نافَقَ نِفاقاً قال:

للمؤمنين أمورٌ غير مُحْزِنةٍ *** وللمنافِقُ سِرٌّ دونَه نَفَقُ

أي سِرٌ يخرُجُ منه إلى غير الإِسلام.(4)

تعريف النفاق اصطلاحاً:

ومن خلال التعريف اللغوي نجد التداخل بين المعنيين أعني الشرعي واللغوي فالنفاق في اللغة مخالفة الظاهر للباطن، وهو عند أهل الاصطلاح هو الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر، وبمعنى آخر إظهار الإسلام وإبطان الكفر.

يقول الجرجاني-رحمه الله- في تعريف النفاق: هو إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب.(5) فالمنافق يظهر شيء باطنه بخلافه.

والخيانة والنفاق شيء واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين.(6)

والنفاق على نوعين اعتقادي وعملي مع العلم أن الحديث هنا هو عن النفاق العملي، لأنه لا يوجد إيمان مع النفاق العقدي، وبالتالي ليس هناك عمل صالح أصلاً حتى يكون النفاق أحد المعوقات له.

أنواع النفاق:

ذكرنا أن النفاق على نوعين عقدي وهو النفاق الأكبر، وعملي وهو النفاق الأصغر.

يقول ابن رجب -رحمه الله-: وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.

كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [النساء: 145]

والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث، وهي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا وعاهد غدر.(7), وهي من أمثلة النفاق العملي، فالنفاق العملي هو ظهور العمل على وجه مخالف لما يكون عليه الشرع.

ومن أمثلة النفاق الأكبر التكذيب بما جاء به الله تعالى، أو بعض ما جاء به الله تبارك وتعالى، والتكذيب بالرسول أو بعض ما جاء به، أو بعض الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو بعض ما جاء به، أو كراهية الانتصار لدينه -صلى الله عليه وسلم- وغيرها من الأعمال الكفرية.(8)

وهناك فروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر منها:

1 - أن النفاق الأكبر يخرج من الملة، والنفاق الأصغر لا يخرج من الملة.

2 - أن النفاق الأكبر اختلاف السر والعلانية في الاعتقاد، والنفاق الأصغر اختلاف السر والعلانية في الأعمال دون الاعتقاد.

3 - أن النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن، وأما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن.(9)

فالنفاق الأصغر هو المانع والمعوق للعمل الصالح الذي ينبغي على المسلم تجنبه ليقبل على الخيرات وفعل الصالحات وهو كما سبق النفاق العملي، فصاحبه يتصف ببعض الصفات أهل النفاق الأكبر

ولعل من أهم صفات وخصال النفاق التي ينبغي على المسلم تجنبها ما يلي:

- خصال المنافق:

والنفاق له علامات وآيات وخصال كثيرة تدل عليه من هذه الآيات والعلامات ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»(10), وفي رواية: «من علامات المنافق ثلاث..»(11), وفي رواية: «آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم»(12).

وعن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أئتمن خان»(13).

وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أربع من كن فيه كان منافقا أو كانت فيه خصلة من أربعة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر»(14), ففي هذه الأحاديث نصب النبي - صلى الله عليه وسلم- العلامات الدالة على نفاق العمل.

وقد أختلف أهل العلم في معنى هذه الأحاديث يقول العلامة النووي -رحمه الله-: "ولكن اختلف العلماء في معناه فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم فان النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار.

وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوا بإيمانهم وكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فاخلفوا وفجروا في خصوماتهم وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبى رباح ورجع إليه الحسن البصرى -رحمه الله-، وهو مروى عن بن عباس وبن عمر رضي الله عنهم، قال القاضي عياض -رحمه الله- واليه مال كثير من أئمتنا.

وقيل معناه: التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق, حكاه الخطابي -رحمه الله-، وقيل غير ذلك"(15), ففي هذه الأحاديث ذكر النبي-صلى الله عليه وسلم- بعض خصال النفاق: أهمها:

الكذب في الحديث:

فالكذب من خصال وصفات المنافقين ومن أتصف به فقد أتصف بصفه من صفات أهل النفاق، والكذب من الصفات الممقوتة عند الناس جميعاً فمن الخيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك مصدق وأنت تكذب عليه، فعن سفيان بن أسيد الحضرمي-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب»(16), ولا شك أن هذه الخصلة من المعوقات التي تعوق المسلم عن العمل الصالح.

خلف الوعد:

الثاني: إذا وعد أخلف، وهو على نوعين:

أحدهما: أن يعد ومن نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشر الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته أن لا يفعل، كان كذبا وخلفا، قاله الأوزاعي.

الثاني: أن يعد ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له، فيخلف من غير عذر له في الخلف.(17)

لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد أما لو كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد منه صورة النفاق قاله الغزالي في الأحياء.(18)

وفي الحديث عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه-: «إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف فلا إثم عليه»(19).

وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد، فمنهم من أوجبه مطلقا، وذكر البخاري في "صحيحه" أن ابن أشوع قضى بالوعد، وهو قول طائفة من أهل الظاهر وغيرهم، منهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضى تغريما للموعود، وهو المحكي عن مالك، وكثير من الفقهاء لا يوجبونه مطلقا.(20)

والوعد يكون بالخير ويكون بالشر والمراد هنا هو الوعد بالخير أما الوعد بالشر فيستحب أخلافه كما يقول أهل العلم لما يترتب عليه من مفاسد.

خيانة الأمانة:

الواجب على المسلم أن يؤدي ما عليه فإذا اؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن يؤديها

كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58], وقال- عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27] فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.

وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- بأداء الأمانة فقال في الحديث الذي رواه أبو هريرة-رضي الله عنه قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك»(21).

وخيانة الأمانة ذنب عظيم ففي الأثر المروي عن ابن مسعود- رضي الله عنه-: «القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار جهنم حتى إذا رأى أنه قد خرج منها، زلت فهوت، وهو في إثرها أبد الآبدين»(22).

والأمانة أعم من أن تحصر في الأمانات، فالأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، وفي الحديث وفي غير ذلك وأشد ما تكون في الودائع.(23)

إذا خاصم فجر:

فمن صفات المنافق أنه إذا خاصم فجر في خصومته فيشتم ويرمي بالأشياء القبيحة فكأنه يفتح المعصية ويتسع فيها، فالفجر الشق يقال فجر الماء إذا شقه ومنه فجر الصبح, والشاهد أنه يميل في الخصومة عن الحق ويقول الباطل، حتى يصير الحق باطلاً.(24)

وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»(25).

فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة- سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا - على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات، ومن أخبث خصال النفاق.(26)

ويضل صاحبها في سخط الله حتى ينزع، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع».(27)

إذا عاهد غدر:

من صفات أهل الإيمان الوفاء بالعهود فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 34]، وقال- عز وجل-: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 91].

أما المنافق ومن أتصف ببعض صفاتهم فإنه ينقض ما عاهد عليه ويترك الوفاء به, وهو قريب من خلف الوعد إلا أنه أخص في العهود والمواثيق.

وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر-رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به يقال هذه غدرة فلان»(28).

والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من قتل نفسا معاهدا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما»(29).

وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا.

وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما، وهي تشمل جميع عقود المسلمين فيما بينهم، إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها.(30)

خوف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من النفاق:

لذلك الصحابة الكرام وهو أفضل هذه الأمة، الذين اختارهم الرب تبارك وتعالى لصحبة نبيه خافوا على أنفسهم من النفاق، ومن أن تحبط الأعمال لنعرف خطورة هذا المرض على المسلم، وقد ذكرنا في أول هذا البحث ما نقل عن الصحابي الجليل حنظله -رضي الله عنه- وخوفه من النفاق.

ويقول ابن أبي مليكة -رحمه الله-: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل» ويقول الحسن البصري -رحمه الله-: «ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق»(31).

وسئل أبو رجاء العطاردي: هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخشون النفاق؟ فقال: نعم إني أدركت منهم بحمد الله صدرا حسنا.(32)

وسمع بعضهم أبا الدرداء -رضي الله عنه- يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم، قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم غفرا -ثلاثا- لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة، فينقلب عن دينه.(33)

وروي عن الحسن -رحمه الله- أنه حلف: ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف النفاق، فهو منافق.(34)

وقال إبراهيم التيمي -رحمه الله- ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا.(35)

وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ وكان الحسن يسمي من ظهرت منه أوصاف النفاق العملي منافقا، وروي نحوه عن حذيفة.(36)

فالصحابة الكرام ومن بعدهم من السلف الصالح كانون يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، نسأل من الله تعالى حسن الخاتمة، وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبتْ قلبي على دينكَ»فقيل له: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: «نعم، إن القُلوبَ بينَ أصبعين من أصابع الله -عز وجل- يُقلِّبها كيف يشاء»(37).(38)

ولا شك أن هذه الخصال والصفات إن تحلى بها المسلم كانت من المعوق له عن فعل الصالحات ومضاعفة الحسنات، وكانت السبب في ارتكاب الآثام والحرمان من الأجر والمثوبات.

فالكذب يحرم صاحبه من خصلة الصدق، ونقض العهود وخلف الوعد يحرم صاحبها من صفة الوفاء ومما يترتب عليها من الحسنات والمثوبات، وهكذا بقية تلك الخصال.

وسنعرض في هذه العجالة لنماذج من تأثير النفاق على العمل الصالح، وكونه من أهم المعوقات التي تعيق العبد المسلم عن فعل الأعمال الصالحات والطاعات، من الفرائض والنوافل.

لأن من أجتمع فيه بعض خصال النفاق فقد أجتمع فيه الشر، وظهرت فيه بعض علامات النفاق وصفاتهم من عدم الصدق ونقض العهد، وعدم الوفاء وغيرها، فيفقد جماع الخير، وأخص أوصاف المؤمنين، من الصدق والوفاء وغيرها فيهدم فرضا أو فروضا من فرائض الإسلام والإيمان.

من الأمثلة على ذلك:

1- تأخير الصلاة عن وقتها:

فمن أمثال إعاقة النفاق العملي للعمل الصالح هو التأخر عن أهم الأعمال الصالحات التي يتقرب بها العبد المسلم إلى ربه وهي الصلاة، فالتأخر عن الصلاة من صفات أهل النفاق، والمتأخر عنها يكون قد تحلى بصفه من صفاتهم، وهذه الصفة تعيقه عن هذا العمل الصالح.

فالمنافق يسهو عن صلاته ويؤخرها عن وقتها قال -سبحانه وتعالى-: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5].

جاء في تفسير ابن كثير -رحمه الله-: وقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل في صلاتهم ساهون، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها فاللفظ يشمل ذلك كله ولكن من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمل له النفاق العملي،(39). كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا»(40).

فالسهو في الصلاة على نوعين: أحدهما: أن يؤخرها عن وقتها.

الثاني: أن لا يكمل واجباتها من الطهارة والطمأنينة والخشوع وغير ذلك.(41)

يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-: "يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شرق الموتى فالصبح عند طلوع الشمس والعصر عند الغروب وينقرونها نقر الغراب إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب. ولا يشهدون الجماعة بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان"(42).

فنظر كيف أن النفاق أعق العبد المسلم ومن أتصف ببعض صفاتهم عن فضيلة الصلاة في أول وقتها وكيف ينقرها بين قرني الشيطان، لا يذكر المولى -جل وعلا-، ويلزم من ذلك أيضا ترك صلاة الجماعة وما فيها من الفضل، وسيأتي الحديث عنها، فالنفاق من العوائق عن العمل الصالح.

2- التخلف عن الجماعة:

ومن الأمثلة أيضا أن النفاق يعيق المسلم عن صلاة الجمعة والجماعة وخاصة صلاة العشاء والفجر, فالمنافق يتخلف عن صلاة الجماعة، وعن حضور صلاة الجمعة، فأتصاف المسلم بهذه الصفة يحرمه من أجر الصلاة في جماعة، وما ورد فيها من الفضل وفي ذلك أعاقة واضحة عن العمل الصالح.

ولقد أهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة في جماعة فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»(43), ليدل هذا على عظيم هذه الصفة وخطورتها، وكيف أن النفاق يعيق عن العمل الصالح.

فهذا الخبر كما في الفتح: ورد مورد الزجر والمراد المبالغة في ذلك، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وفيه الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم.(44)

ومن ذلك التخلف عن صلاة الجمعة: فالمتخلف عن صلاة الجمعة يكتب من أهل النفاق- أي النفاق العملي ففي الحديث عن أسامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين»(45), وفي رواية: «من ترك ثلاث جمعات متواليات تهاونا بها طبع الله على قلبه»(46).

قال المناوي -رحمه الله-: "أراد النفاق العملي قال في فتح القدير: صرح أصحابنا بأن الجمعة فرض آكد من الظهر وبإكفار جاحدها"(47).

3- الريا وضرره على العمل:

من المعلوم أن الريا من الكبائر التي تفسد الأعمال وتبطلها، ولا شك أن هذا يدل على أن الريا من المعوقات عن العمل الصالح فالريا يفسد العمل على صاحبه، ويعيق عن فعله.

والرياء من صفات المنافقين قال تعالى: ﴿يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: 142].

وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 5-7]، وقال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: 110].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من سمع سمع الله به ومن يرائي يراءى به»(48). وقد قال العلماء: معناه من رايا بعمله وسمعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيرة سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه.(49)

وقال الخطابي: "معناه من عمل عملا على غير إخلاص إنما يريد أن يراه الناس و يسمعوه جوزي على ذلك بأنه يشهره و يفضحه فيبدو عليه ما كان يبطنه و يسره من ذلك."(50).

و قال -صلى الله عليه و سلم-: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فقيل: و ما هو يا رسول الله؟ قال الرياء..»(51).

فهو من أعظم خصال النفاق العملي يقول ابن رجب -رحمه الله-: "ومن أعظم خصال النفاق العملي: أن يعمل الإنسان عملا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيئ، فيتم له ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيئ الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود".(52)

والرياء من المعوقات لأنه يتسبب في ذهاب ثواب العمل، والعودة عليه بالبطلان، ولا شك أن هذا يعيق عن فعل الأعمال الصالحات قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 264].

فالمميز للعمل هي النية كما في الحديث المشهور: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»(53).

فالواجب تصفية العمل من كل شوب أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس: إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه، أو طلب محبتهم له أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عقد متفرقاتها: هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنا ما كان.(54)

والحديث في الريا يطول بنا المقام والمقصود أنه يعيق المسلم عن فعل العمل الصالحات من الطاعات والقربات.

4 - الإعراض عن الجهاد:

ومن الأمثلة الإعراض عن الجهاد فالنفاق العملي، أو النفاق الأصغر من أسباب التخلف عن فريضة الجهاد التي هي من أهم وأعظم فرائض الإسلام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو يتحدث عن النفاق العملي: "ومن هذا الباب الإعراض عن الجهاد فانه من خصال المنافقين وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق»(55), وقد أنزل الله سورة براءة التي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين"(56).

والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف فان ترك الجهاد أحد شعب النفاق.(57)

فمن أتصف بهذه الصفة مع حرمانه من هذه الفريضة والشعيرة الإسلامية العظيمة يحرم أيضا ما أعده الله -عز وجل- للمجاهدين من الأجر العظيم والثواب الجزيل، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة منها:

ما رواه أبو أمامة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين قطرة من دموع في خشية الله وقطرة دم تهراق في سبيل الله وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله»(58).

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى»(59).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك»(60).

وغيرها كثير فلسنا هناك لعرض فضائل الجهاد، والشاهد أن المنافق ومن أتصف بصفات أهل النفاق من التخلف عن فريضة الجهاد والتكاسل عنها يحرم ما ورد فيها من الأجر العظيم.

- قلة الذكر:

الذكر من أفضل الأعمال الصالحات فهو سلاح المؤمن، وبه تحيى القلوب وتطمئن: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

والذكر من أهم أعمال القلوب والجوارح يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله- وهو يتحدث عن الذكر: في كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها، فبه تحيى القلوب وتعمر، فهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضا من كل شيء، به يزول الوقر عن الأسماع والبكم عن الألسن وتنقشع الظلمة عن الأبصار...إلى أخر ما ذكره -رحمه الله-(61) وقد قال-صلى الله عليه وسلم- عن المنافق كما في الصحيح: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا»(62).

فالذكر من أهم الأعمال الصالحات التي يحتاجها المسلم، ومن صفات أهل النفاق أنهم لا يذكرون الله -جل وعلا- إلا قليلاً قال سبحانه: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: 142] فهم لا يذكرون الله إلا ذكر رياء، ليدفعوا به عن أنفسهم القتل والسباء وسلبَ الأموال، لا ذكر موقن مصدّق بتوحيد الله، مخلص له الربوبية. فلذلك سماه الله " قليلا "، لأنه غير مقصود به الله، ولا مبتغًي به التقرّب إلى الله، ولا مرادٌ به ثواب الله وما عنده(63), فأهل النفاق لا يقصدون بذكرهم المولى -جل وعلا- لذلك وصف بأنه قليل يقول العلامة الألوسي -رحمه الله-: "ولا يذكرونه سبحانه مطلقاً إلا زماناً قليلاً، أو إلا ذكراً قليلاً إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله، أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالنسبة إلى الذكر بالقلب، وقيل: إنما وصف بالقلة لأنه لم يقبل وكل ما لم يقبله الله تعالى قليل وإن كان كثيراً."(64).

فهم لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلاً في الندرة، وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة، ولا تسبيحة، ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه.(65)

فذكر الله تعالى من علامات الحب له سبحانه يقول الربيع بن أنس، عن بعض أصحابه: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره.

وقال ذو النون: "من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه"(66).

والتشبه بهذه الصفة من صفات أهل النفاق لا شك أنه تحرم من هذا العمل العظيم، ويحرم صاحبه لذة هذه العبادة.

والأمثلة على أعاقة النفاق العملي للمسلم عن فعل العمل الصالح كثيرة كمخالفة الأقوال للأفعال وقد قال -سبحانه وتعالى- معاتباً أهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

وكعدم الوفاء بالعقود والعهود، وما يترتب عليها، وقرأت القرآن الكريم وحال المؤمن والمنافق في قرأته، وخلق الحياء، وغيرها من الأخلاق الحميدة، والخشوع في الصلاة، وغيرها كثير والمقصود بيان أعاقة النفاق للمسلم عن العمل الصالح وما ذكر سابقاً بإذن الله سبحانه وتعالى يحصل به البيان والمقصود.

فنسأل من المولى-عز وجل- أن يطهر قلوبنا وأعمالنا من النفاق، وأن يثبت قلوبنا على طاعته ودينه القويم، ونسأله التوفيق والسداد أنه على ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 11/ شعبان/ 1428هـ, الموافق: 24/ 8/ 200م

مراجعة: علي عمر بلعجم 17/ 9/ 2007م

______________________

(1) مدارج السالكين: 1/ 347.

(2) جزء من حديث أخرجه مسلم: 4/ 2106، برقم: 2750، وفيه «...فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما ذاك؟ قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات».

(3) باختصار من لسان العرب: 10/ 357، وانظر في تعريف النفاق: مختار الصحاح: 1/ 688، المصباح المنير: 2/ 618، مفردات القرآن: 1/ 1472.

(4) كتاب العين: 5/ 178.

(5) التعريفات: 1/ 311

(6) مفردات القرآن: 1/ 451.

(7) باختصار من جامع العلوم والحكم: 48/ 3.

(8) أنظر الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة: 1/ 103، ومعجم العقيدة: ص: 434.

(9) كتاب التوحيد: 1/ 24.

(10) أخرجه البخاري: 1/ 21، برقم: 33، مسلم: 1/ 78، برقم: 59.

(11) أخرجه مسلم: 1/ 78، برقم: 59.

(12) صحيح مسلم: 1/ 78، برقم: 59.

(13) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند: 2/ 536، برقم: 10938، وابن حبان في صحيحه:: 1/ 490، برقم: 257، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 536، برقم: 5354.

(14) أخرجه البخاري: 8/ 340، برقم: 2279، وهذه لفظه، ومسلم: 1/ 78، برقم: 58.

(15) باختصار من شرح النووي على مسلم: 2/ 47.

(16) أخرجه أبو داود: 2/ 711، برقم: 4971، وانظر الأدب المفرد: 1/ 142، برقم: 393.

قال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر ضعيف الترغيب والترهيب: 2/ 138، برقم: 1755.

(17) جامع العلوم والحكم: 48/ 4.

(18) فتح الباري: - ابن حجر: 1/ 90.

(19) أخرجه أبو داود: 2/ 717، برقم: 4995، والطبراني في المعجم الكبير: 5/ 199، برقم: 5080، وقال الألباني: ضعيف، الجامع الصغير وزيادته: 1/ 174، برقم: 1736.

(20) جامع العلوم والحكم: 48/ 6.

(21) أخرجه أبو داود: 2/ 312، برقم: 3535، والترمذي في سننه: 3/ 564، برقم: 1264، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 24،برقم: 240.

(22) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 6/ 288، برقم: 12472، حلية الأولياء: 9/ 30، وقال الألباني: حسن، انظر صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 157، برقم: 1763

(23) بتصرف من جامع العلوم والحكم: 48/ 11.

(24) أنظر عمد القاري: 13/ 6، وفيض القدير: 1/ 463.

(25) أخرجه البخاري: 2/ 867، برقم: 2325، ومسلم: 4/ 2054، برقم: 2668.

(26) جامع العلوم والحكم: 48/ 7.

(27) أخرجه أبو داود: 2/ 329، برقم 3597، وأحمد في المسند:: 2/ 70، برقم: 5385، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1115، برقم: 11141.

(28) أخرجه البخاري: 3/ 1164، برقم: 3015، ومسلم: 3/ 1360، برقم: 1736، وهذا لفظه.

(29) أخرجه البخاري: 6/ 2533، برقم: 6516.

(30) جامع العلوم والحكم: 48/ 8.

(31) انظر صحيح البخاري: 1/ 83.

(32) حلية الأولياء: 2/ 307

(33) جامع العلوم والحكم: 48/ 14.

(34) المصدر السابق.

(35) صحيح البخاري: 1/ 83.

(36) جامع العلوم والحكم: 1/ 434.

(37) أخرجه الترمذي في السنن: 4/ 448، برقم: 2140، وأحمد في المسند: 3/ 112، برقم: 2140، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 894، برقم: 8932.

(38) جامع العلوم والحكم: 1/ 58.

(39) تفسير ابن كثير: 4/ 718

(40) أخرجه مسلم: 1/ 434، برقم: 622، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.

(41) مجموع الفتاوى: 22/ 24.

(42) مدارج السالكين: 1/ 354.

(43) أخرجه البخاري: 1/ 234، برقم: 626، ومسلم: 1/ 451، برقم: 651.

(44) بتصرف من فتح الباري - ابن حجر: 2/ 126.

(45) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 1/ 170،برقم: 422، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1109،برقم: 11089

(46) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 22/ 365، برقم: 915، والأوسط: 3/ 169، برقم: 2828، وقال الالباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1109، برقم: 11088.

(47) فيض القدير: 6/ 103.

(48) أخرجه البخاري: 5/ 2383، برقم: 6134، ومسلم: 4/ 2289، برقم: 2986.

(49) شرح النووي على مسلم: 18/ 116.

(50) الكبائر: 1/ 143.

(51) أخرجه أحمد في المسند: 5/ 428، برقم: 23680، والطبراني في المعجم الكبير: 4/ 253، برقم: 4301، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 244، برقم: 2435.

(52) جامع العلوم والحكم: 48/ 16.

(53) أخرجه البخاري: 1/ 30، برقم: 54، ومسلم: 3/ 1515، برقم: 1907.

(54) مدارج السالكين: 2/ 92.

(55) أخرجه مسلم: 3/ 1517، برقم: 1910، عن أبي هريرة-رضي الله عنه-.

(56) مجموع الفتاوى: 28/ 436.

(57) شرح النووي على مسلم: 13/ 56.

(58) أخرجه الترمذي: 4/ 190، برقم: 1669، والطبراني في المعجم الكبير: 8/ 235، برقم: 7918، وقال الألباني: حسن، انظر صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 55.

(59) أخرجه البخاري: 3/ 1029، برقم: 2642

(60) المصدر السابق: 3/ 1032، برقم: 2649.

(61) بتصرف يسير من مدارج السالكين: 2/ 423.

(62) سبق تخريجه.

(63) تفسير الطبري: 9/ 331

(64) تفسير الألوسي: 4/ 277، وانظر في تفسير الآية: فتح القدير: 2/ 235، وانظر تفسير الرازي: 5/ 417، زاد المسير: 2/ 130.

(65) الكشاف: 1/ 479.

(66) جامع العلوم والحكم: 1/ 445.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: