الجهل
خالد حسن محمد البعداني
الأثنين 31 ديسمبر 2012

الجهل

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، الحمد الذاكرين الشاكرين، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلى الله وسلم عليه وعلى أله وصحبه وسلم قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما﴾ [الأحزاب70 - 71].

أعلم رعاك الله أن العمل الصالح هو قرين الإيمان، فأهميته كبيرة والحاجة إليه كبير وعظيمة، والعمل كل عمل يرضاه الله -عز وجل- ورسوله من الطاعات والقربات من الفرائض والنوافل.

فالعمل الصالح هو ما يتقرب به العبد إلى ربه لينال رضاه، وهو العمل مع تنوعه وكثرة إلا أن هناك أمور تعيقه وتصد عنه، وتنقص منه وتضعفه، وبعضها تأتي عليه بالفساد والبطلان، وهذه المعوقات كثيرة كالشبهات التي تعصف بأصحاب القلوب الضعيفة والمريضة، والشيطان الرجيم بما يقذفه في قلب الإنسان من الوسواس، والهوى الذي يبعد صاحبها عن صراط رب العالمين، ومن هذه المعوقات أمراض القلوب كالكبر والنفاق، والعصبيات الجاهلية، والغفلة التي تعتري الإنسان، والابتداع في الدين، وحب الدنيا والركون إليها، ومن هذه المقومات الجهل بأنواعه، فهو من أهم المعوقات عن العمل الصالح، وضرره على العمل الصالح كبير وعظيم، فقد يأتي عليه بالبطلان والفساد، وقد يتسبب بنقصه وعدم إتمامه على الوجه المطلوب، وقد يتسبب بتركه بالكلية، وقد يجعل صاحبه يرتكب البدع والخرافات معتقداً أنها أعمال صالحات يتقرب بها إلى ربه، فهو أصل كل شر يقع فيه الإنسان، فهو أم الآفات، فما أعظم خطره وضرره! فضرره عام يشمل الأفراد والأمام والشعوب.

وفي هذا البحث نعرج على تعريف الجهل عند أهل اللغة والاصطلاح، وأنواعه، وخطره وضرره على الإنسان مع ذكر بعض الأمثلة على أعاقة الجهل للعبد المسلم عن فعل الصالحات والقربات.

تعريف الجهل:

الجهل عند أهل اللغة هو نقيض العلم يقال جهله فلان جهلا وجهالة وجهل عليه وتجاهل أظهر الجهل، وتجاهل أرى من نفسه الجهل وليس به واستجهله عده جاهلا.

ومنه التجهيل وهو أن تنسبه إلى الجهل ويقال جهل فلان حق فلان، وجهل فلان علي، وجهل بهذا الأمر، يقال جهلته أي نسبته إلى الجهل، واستجهلته وجدته جاهلا، وأجهلته جعلته جاهلا, والجهالة أن تفعل فعلا بغير العلم، جَهِلْتُ الشيء جهلاً وجهالةً خلاف علمته، وجهلت الحق أضاعه فهو جَاهِلٌ.

ويجمع على جُهْلٌ وجُهُلٌ وجُهَّل وجُهَّال وجُهَلاء وهو منقول عن سيبويه قال: شَبَّهوه بِفَعيل كما شبهوا فاعلاً بفَعُول, وقالوا في جمعه جهلاء حملاً له على ضده قاله ابن جني نقلاً عن أهل العلم, والمجهلة ما يحملك على الجهل ومنه الحديث: «إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة»(1).

فالجهل عدم معرفة الشيء يقال جهلت الشيء إذا لم تعرفه تقول مثلي لا يجهل مثلك, ومن هذا الباب قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: 273], يعني: الجاهل بحالهم ولم يرد الجاهل الذي هو ضد العاقل إنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة يقال هو يجهل ذلك أي لا يعرفه، ومنه قوله -عز وجل-: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 46]وفي الحديث: «إن من العلم جهلا»(2).

قيل: وهو أن يتعلم ما لا يحتاج إليه كالنجوم وعلوم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة، وقيل: هو أن يتكلف العالم إلى علم ما لا يعلمه فيجهله ذلك، والجاهلية زمن الفترة ولا إسلام.

ومن هذا الباب أيضا قولهم: الجاهلية الجهلاء فقولهم: جهلاء محمولة على المبالغة.

والجاهلية هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك،(3) ومنه ما ورد في الحديث: «إنك امرؤ فيك جاهلية..»(4).

والجهل في الاصطلاح:

هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه.

والجهل البسيط: هو عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالما، وقيل: انتفاء العلم بالمقصود بأن لم يدرك أصلا.

الجهل المركب: هو عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع، فهو مركب من جهلين جهل المدرك بما في الواقع، وجهله بأنه جاهل به كاعتقاد الفلسفي قدم العالم.(5)

فالجهل هو عدم العلم، وكذلك عدم إتباع العلم والحق هو أيضا من الجهل.

أنواع الجهل:

والجهل على أنواع كما يقول الراغب الأصفهاني-رحمه الله-:

- الأول: وهو خلو النفس من العلم وهذا هو الأصل.

- والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.

- والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا كمن يترك الصلاة متعمدا وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67] فجعل فعل الهزو جهلا، وقال -عز وجل-: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

والجاهل تارة يذكر على سبيل الذم وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذم نحو قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] أي: من لا يعرف حالهم وليس يعني المتخصص بالجهل المذموم(6).

وهو على نوعين أيضا بسيط ومركب.

فالبسيط: عدم العلم عما من شأنه أن يُعْلَمَ، والمركب: هو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع وقال بعضهم: أصحاب الجهل البسيط كالأنعام لفقدهم ما به يمتاز الإنسان عنها بل هو أضل.(7)

ويضرب شيخ الإسلام -رحمه الله- لذلك مثلاً بقوله: فإن من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلا بسيطا فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلا مركبا فإن قال خلاف الحق عالما بالحق أو غير عالم فهو جاهل أيضا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [الفرقان: 63]وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل..»(8).

ومن هذا قول الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا(9).

ومن أنواع الجهل أيضا عدم العلم بالحق، وعدم العمل به وإتباع هذه الحق يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-: الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع وعدم العمل بموجبه ومقتضاه فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة قال موسى -عليه السلام-: ﴿أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67] لما قال له قومه: ﴿قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ أي من المستهزئين، وقال يوسف الصديق -عليه السلام-: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33] أي من مرتكبي ما حرمت عليهم، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17] قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله أن كل ما عصى الله به فهو جهالة وقال غيره: أجمع الصحابة -رضي الله عنه- أن كل من عصى الله فهو جاهل، وسمى عدم مراعاة العلم جهلا إما لأنه لم ينتفع به فنزل منزلة الجاهل، وإما لجهله بسوء العواقب.(10)

خطورة الجهل وضرره:

- الجهل من أسباب ضعف الإيمان:

فالجهل من أسباب ضعف الإيمان فكما ازداد الإنسان معرفة ازداد معرفة بربه وبدينه وما يجب عليه من العبادات والطاعات والأعمال الصالحات والعكس صحيح والجاهل معرض أيضا للشبهات التي تزعزع الإيمان وتنقصه، والجاهل يرتكب الخرافات والبدع التي تهدم الدين وتقوض أركان العقيدة، وما حصل للنصارى من تحريف للدين والتوراة والإتيان بالطامات الكبار من عقيدة التثليث وغيرها إلا بسبب الجهل فالجهل من أسباب ألانحراف والضلال، ومن هذا نعلم خطورة الجهل وضرره, ولذلك يقول أهل العلم أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعصية ويقوى بالعمل ويضعف بالجهل، كما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره.(11)

وقد أمرنا المولى جل وعلا أن نسأله الهدية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة من ركعات الصلاة: ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6- 7] وسؤال الهداية يتضمن معرفة الحق والتوفيق للعمل به، وهما ينافيان الجهل والهوى.

وبين سبحانه أن الصراط هو طريق الأنبياء الكرام، وأن مخالفيهم من اليهود والنصارى قد تنكبوا عن الصراط المستقيم إما إتباعا للهوى مع علمهم بالحق، وهؤلاء هم اليهود، وإما جهلا منهم بالحق، فعبدوا الله على جهل، وهؤلاء هم الضالون من النصارى.(12)

لنعلم من خلال هذا عظم هذه آلافه وخطرها ولهذا أعتبر الإمام الحسن البصري-رحمه الله- أن الجهل أشد من الفقر يحث يقول: لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل ولا عبادة كالتفكر ولا حسب كحسن الخلق ولا ورع كالكف.(13)

- الجهل موت لصاحبه:

ومما يدل على خطورة الجهل وعظيم ضرره أن الجهل موت لصاحبه فللعلم حياة يحيها بها صاحب العلم والجهل موت لصاحبه، فالعلم حياة للقلوب كما أن الجهل موت لأصحابه.

ولله در القائل:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله *** وأجسامهم قبل القبور قبور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم *** فليس لهم حتى النشور نشور.(14)

فالجاهل ميت القلب والروح، والعلم والإيمان حياة للقلوب من مرض الجهل، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122].

ومن وصايا لقمان لأبنه أنه قال له يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل القطر.(15)

- العلم من أسباب انشراح الصدر والجهل من أسباب ضيق الصدور:

بالعلم ينشرح صدر الإنسان ويشعر صاحبه بالاطمئنان في هذه الحياة، وكلما أزداد علماً أزداد انشرح صدره واتسع، بخلاف الجاهل الذي يضيق صدره يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله- وهو يتحدث عن فضل العلم والعالم على الجاهل: ومنها: "العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع وليس هذا لكل عالم بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع فأهله أشرح الناس صدرا وأوسعهم قلوبا وأحسنهم أخلاقا وأطيبهم عيش.."(16).

- الجهل من أسباب الظلال والانحراف:

فمن خطورة هذه المرض أنه من أهم الأسباب لحصول الظلال والانحراف عن الحق لصاحبه ولغيره فهو سبب لانحراف كثير من الناس عن الهدى والصواب فمن علامات الساعة أن يقبض العلم بقبض العلماء، فلا يبقى إلا أهل الجهل فيسألهم الناس فيفتونهم بغير علم ولا هدى فيضلونهم عن الحق والصواب فالجهل سبب ضلال صاحبه ومن أتبعه من الناس.

ففي الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»(17)

ففي الحديث الحث على حفظ العلم والاهتمام بأهله، والتحذير من ترئيس الجهلة لما في ذلك من الضرر على الأمة، والمراد بالجهل بقوله «رؤوسا جهالا» هو القدر المشترك بينهما المتناول لهما أعني بين نوعي الجهل من المركب والبسيط كما في عمدة القاري.(18)

والمراد بقبض العلم رفعه بقبض أهله، وهم أهل العلم وليس المراد محوه من الصدور، وهذا يؤدي إلى اتخاذ الناس رؤساء جهالا فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم ويفتون بجهلهم قال القاضي عياض -رحمه الله-: وقد وجد ذلك في زماننا كما أخبر به عليه الصلاة والسلام قال الشيخ قطب الدين قلت هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه فكيف بزماننا؟! قال العبد الضعيف هذا قوله مع كثرة الفقهاء والعلماء من المذاهب الأربعة والمحدثين الكبار في زمانه فكيف بزماننا الذي خلت البلاد عنهم وتصدرت الجهال بالإفتاء والتعين في المجالس والتدريس في المدارس فنسأل السلامة والعافية.(19)

رحمة الله على علمائنا الأفاضل إذا كان هذا حال زمانهم فماذا نقول عن هذا الزمان الذي نحن فيه.

- الاستعاذة من الجهل:

ومما يدل على خطورة الجهل وضرره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعاذ منه وسأل المولى -جل وعلا- أن يغفر له خطاياه وجهله فقد كان من دعاء النبي-صلى الله عليه وسلم: «رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي..»(20).

واستعاذ منه فعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: ما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي»(21).

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أو أجهل أو يجهل علي" أي أفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء والإضلال، ويحتمل أن يراد بقوله: أجهل أو يجهل علي الحال الذي كانت العرب عليها قبل الإسلام من الجهل بالشرائع والتفاخر بالأنساب والتعاظم بالأحساب والكبرياء والبغي ونحوها.(22)

- الجهل أصل كل شر:

فالجهل هو أصل كل شر فلولا الجهل ما عبد مع الله تبارك وتعالى أحد، فكل فساد وضلال في الأرض لو نقبت عنه لوجد الجهل هو سببه ومنبعه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "والجهل والظلم هما أصل كل شر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: 72]"(23).

والحديث عن ضرر الجهل وخطورة يطول بنا المقام فخطره عظيم وضرره كبير فلا أضر من الجهل فضرره على الفرد وعلى الأمة كبير فقد ضيعت الأمة اليوم كثير من الحقوق والواجبات بسبب الجهل، فكثيرا من الحقوق التي تجب لها ضيعتها، وكثير من الواجبات التي تجب عليها ضاعت ولم تؤدي حقها كل ذلك بسبب الجهل والتجهيل التي تعيشه أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- في هذا الزمان، لذلك أصبحت الأمة اليوم في ركاب الدول المتخلفة، والمتأخرة التي لم تقدم للبشرية شيء جديداً، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأصبحت الأمة اليوم تعيش في جاهلية جهلاء الحق فيها باطل والباطل فيها حق، والمعروف منكر والمنكر معروفاً، في الأمة اليوم يخون الأمين ويأتمن الخائن، ويصدق الكاذب ويكذب الصادق، تقدم الأمة اليوم ما حقه التأخير، وتأخر ما حقه التقديم، تقدم الواجب على الأوجب، تهتم بسفا سف الأمور، وتترك عظامها، تقدم من أخره الله ورسوله وتأخر من قدمه الله ورسوله، انتشر فيها الظلم والعدوان، والمعاصي والآثام كل ذلك وغيره بسبب الجهل فضرره على الأمة عظيم وكبير.

ومن الضرر التي يتسبب به الجهل أن يعيق المسلم عن فعل الأعمال الصالحات والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والقربات من الفرائض والنوافل.

وأمثلة ذلك كثيرة نذكر بعضها على سبيل المثال، مع التنبيه أن المقصود بالحديث عن الجهل هنا هو عن نوعي الجهل الذي سبق الحديث عنهما في أول البحث.

بعض الأمثلة على ذلك:

لا شك أن الجهل من الأسباب التي تعوق العبد المسلم عن فعل الأعمال الصالحات لأن عدم العلم بالشيء هو السبب الحقيقي في عدم الإقبال عليه وفعله، وتنفيذه على الوجه المطلوب، وكذلك عدم القدرة عليه كله هذا بسبب الجهل.

- الحرمان من أجر قراءة القرآن الكريم من المصحف:

من المعلوم أن قراءة القرآن الكريم من العبادات، بل هو أفضل الذكر فالعامي مثلاً الذي لا يستطيع قراءة القرآن الكريم من المصحف محروم من هذه العبادة العظيمة، ومن هذا العمل الصالح.

- عدم إحسان وإتقان العمل:

والجهل يمنع صاحبه من إتقان العمل والتقرب به بالصورة الصحيحة والسليمة التي ينبغي أن يكون عليها بسبب ما عنده من القصور، فمن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح كما قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.(24)

ومن أمثال هؤلاء جهال الصوفية الذين تركوا السنة والعلم وذهبوا للتنسك والتعبد بغير علم, فعن ضرار بن عمرو-رحمه الله- قال: قوما تركوا العلم ومجالسة أهل العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا حتى يبس جلد أحدهم على عظمه وخالفوا السنة فهلكوا فوالله الذي لا إله غيره ما عمل عامل قط على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.(25)

فتركوا الانشغال بالعلم فكان ما أفسدوه أكثر مما أصلحوه، وهذا حال كثير من أفراد الأمة اليوم ففي أمور العبادات تجد عدم الإحسان والإتقان في أداء هذه العبادات بسبب الجهل الذي انتشر بين أفراد الأمة فتجد القصور والخطأ، وليس هذه القصور مقصوراً على الجانب التعبدي بل يشمل حتى الأمور الدنيوية، فضرر الجهل عام.

- عدم معرفة الأولوية في الأعمال الصالحات:

الأعمال الصالحات متفاوتة من حيث الواجب والأوجب، والفرائض من فرض عين وكفاية ومن حيث المندوبات والسنن، فالجاهل قد يقدم النفل على الفرض، والسنة على الواجب، بل قد يترك بعض الواجبات مع الحرص على كثير من السنن والنوافل.

ومن هذا الجانب قد يتهم ببعض الأعمال مع قله الفائدة منها وحصول كثير من التعب معها فالجهل بالمقصود في هذا يولد كثير من التعب مع قله الثمرة فربما يجتهد في فعل بعض النوافل وربما ضيع فرضاً وفي هذا يقول ابن القيم-رحمه الله-: "فإن صاحبه إما أن يجتهد في نافلة مع إضاعة الفرض، أو في عمل بالجوارح لم يواطئه عمل القلب، أو عمل بالباطن والظاهر لم يتقيد بالإقتداء، أو همة إلى عمل لم ترق بصاحبها إلى ملاحظة المقصود، أو عمل لم يتحرز من آفاته المفسدة له حال العمل وبعده، أو عمل غفل فيه عن مشاهدة المنة فلم يتجرد عن مشاركة النفس فيه، أو عمل لم يشهد تقصيره فيه فيقوم بعده في مقام الاعتذار منه، أو عمل لم يوفه حقه من النصح والإحسان وهو يظن أنه وفاه فهذا كله مما ينقص الثمرة مع كثرة التعب".(26)

وقال الأوزاعي -رحمه الله-: سأل رجل ابن مسعود -رضي الله عنه- أي العمل أفضل؟ قال: العلم، فكرر عليه ثلاثاً كل ذلك يقول العلم، ثم قال: ويحك إن مع العلم بالله ينفعك قليل العلم وكثيرة، ومع الجهل بالله لا ينفعك قليل العمل ولا كثيره.(27)

ويقول شيخ الإسلام -رحمه الله- وهو يتحدث عن موقف المؤمن من الشرور والخيرات وما يجب عليه: "والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر خيرا وأقل شرا علي ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح".(28)

فالجاهل يشتغل بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وربما توسع في النوافل والمندوبات وترك الفرائض والواجبات، فتجده ينشغل بالمحافظة على بعض النوافل والمسنونات، مع تقصيره ببعض الفرائض كبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحافظ على سنن الصلاة ويتخلف عن صلاة الفجر، يمتنع عن الطعام والشراب في رمضان ولا يمتنع عن شهادة الزور والكذب والرشوة وغيرها كثير.

- الوقوع في بعض البدع مع الاعتقاد بأنها من الأعمال الصالحات التي يقترب بها بسبب الجهل:

فصاحب العلم النافع يحميه علمه من الوقوع في الانحراف والضلالات من الشركيات والبدع والخرافات، أما الجاهل فيقع في كثير من هذه البدع والمحدثات سواء كانت في الاعتقادات أو في التعبدات والأعمال، والأعظم من ذلك أن يتقرب بها إلى ربه ضاناً منه أنه على هدى ونور، وأنه قد فاز برضا ربه تعالى، وأنه على الطريق الصحيح، يقدم القرابين بين يدي أصحاب القبور، ويتقرب لهم بأنواع القربات، وهو يحسب أنه قد أحسن صنعاً، وما علم أنه قد أبعد النجعه، وخالف هدى رب العالمين، وقول سيد المرسلين، وكل هذا بسبب الجهل، فما أعظم ضرره!!

والأمثلة في هذا الجانب كثيرة فالبدع في العبادات وخاصة الصلاة كثيرة وهي قد تحصل في زمان وتنتشر، وقد تضمحل في زمان أخر فلا تعرف بين الناس بسبب انتشار العلم، ومن البدع ما يحصل في شهر رمضان وفي الحج وغيرها، وكل هذا فيه أعاقة للعبد المسلم عن فعل الصالحات فهو مشغول بفعل بعض البدع عن الفعل الصالح السليم الموافق للكتاب والسنة النبوية.

وهكذا الجهل يحرم صاحبه الثواب والأجر المترتب على هذه الأعمال الصالحات، فهو يجهل الأجر والثواب المترتب عليها فلا يقبل عليها، والجهل أيضا ويوقعه في الخطأ والمعاصي والسيئات، ويصعب عليه أحيانا التفريق بين الحق والباطل، وما هو النافع وما هو الضار.

فنسأل من المولى -عز وجل- أن يلهمنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يثبت قلوبنا على طاعته، ونسأله التوفيق والسداد أنه على ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 16/ شعبان/ 1428هـ, الموافق: 29/ 8/ 200م

_______________________

(1) بهذا اللفظ أخرجه الحاكم في المستدرك: 3/ 335، برقم: 5284، والطبراني في المعجم الكبير: 24/ 241، برقم: 614، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 376، برقم: 3753.

(2) أخرجه أبو داود: 2/ 721، برقم: 5012، وانظر مسند الشهاب: 2/ 98، برقم: 961، بلفظ: "وإن من طلب العلم جهلا" ، وقال الألباني: ضعيف، ضعيف أبي داود: 1/ 492، برقم: 1066.

(3) أنظر في تعريف الجهل لسان العرب: 11/ 129، وتاج العروس: 1/ 6957، والقاموس المحيط: 1/ 1267.

والمصباح المنير: 1/ 113.

(4) جزء من حديث أخرجه البخاري: 5/ 2248، برقم: 5703، ومسلم: 3/ 1282، برقم: 1661، من حديث أبي ذر.

(5) التعريفات: 1/ 108، وانظر الحدود الأنيقة: 1/ 67.

(6) مفردات القرآن: 1/ 274.

(7) تاج العروس: 1/ 6957.

(8) أخرجه البخاري: 2/ 670، برقم: 1795، بلفظ: «الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم»، ومسلم: 2/ 806، برقم: 1151، بنحوه.

(9) اقتضاء الصراط: 1/ 77.

(10) بتصرف يسير من مدارج السالكين: 1/ 469.

(11) أنظر اعتقاد الإمام ابن حنبل: 1/ 301.

(12) أثر العلم الشرعي في مواجهة العنف والعدوان: 1/ 6.

(13) الورع: 1/ 122.

(14) مدارج السالكين: 3/ 261.

(15) إحياء علوم الدين: 2/ 173.

(16) زاد المعاد: 2/ 22.

(17) أخرجه البخاري: 1/ 50، برقم: 100، ومسلم: 4/ 2058، برقم: 2673.

(18) عمدة القاري: 2/ 132.

(19) عمدة القاري: 2/ 83.

(20) أخرجه البخاري: 5/ 2350، برقم: 6035، ومسلم: 4/ 2087، برقم: 2719، من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.

(21) أخرجه أبو داود: 2/ 746، برقم: 5094، والطبراني في المعجم الكبير: 23/ 320، برقم: 726، وقال الألباني: صحيح، انظر مشكاة المصابيح: 2/ 49، برقم: 2442.

(22) فيض القدير: 5/ 123.

(23) اقتضاء الصراط: 1/ 37.

(24) مختصر شعب الإيمان: 1/ 44.

(25) تلبيس إبليس: 1/: 394.

(26) الفوائد: 1: 171.

(27) الآداب الشرعية: 2/ 44.

(28) قاعدة في المحبة: 1/ 119.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: