مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
مباحث إيمانية
   
من معوقات العمل الصالح
   
حب الدنيا وإيثارها على الآخرة
حب الدنيا وإيثارها على الآخرة
خالد حسن محمد البعداني
الأثنين 31 ديسمبر 2012

حب الدنيا وإيثارها على الآخرة

الحمد لله وحده، نحمده حمد الذاكرين، ونشكره على ما أنعم به علينا من النعم، ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما﴾ [الأحزاب70 - 71].

أعلم أخي رعاك الله أن العمل الصالح له أهمية كبيرة، فهو قرين وشرط من شروط الإيمان، والعمل الصالح بأنواعه المختلفة من قربات وطاعات وأعمال صالحات، ومن أعمال للقلب واللسان والجوارح، كلها تزيد في الإيمان وتقويه، إلا أن هذا العمل هناك ما يعيق عنه ويثبط، وهذا المثبطات والمعوقات عن العمل صالح كثيرة سواءً كان جهلاً أو عصبية جاهلية عمياء، أو نفاقا يملأ القلب، أو شبهات، أو حب للدنيا وشهواتها وما فيها من متاع زائل.

وهو ما سنتحدث عنه إن شاء الله تعالى في هذا البحث، فالدنيا بما تحتويه من فتن ومال وشهوات عائق من المعوقات التي تعوق المسلم عن فعل الصالحات والطاعات، فهي تشغل المسلم بما جبلت عليه عن القيام بهذه الإعمال أو الإكثار منها، فزينة المال والحرص عليه، وعلى جمعه وتحصيله يمنع الإنسان عن فعل كثير من الخيرات من إنفاق وصدقة، وكذلك زينة الولد فهي مجبنة مبخلة، وكذلك المرأة فهي من متاع الحياة الدنيا، وكذلك ما في الدنيا من الأمتعة والشهوات كما سيأتي الحديث عنه.

والحاصل أن الدنيا تعوق عن العمل الصالح وتصد عنه، فهي رأس الفتنة، وباب كل شر، فالخير له مفاتيح والشر له مفاتيح، والدنيا مفتاح من مفاتيح الخير، وهي مفتاح عظيم من مفاتيح الشر؛ بما جبلت عليه من الشهوات والملذات، نسأل الله السلامة والعافية.

وسنذكر في هذا البحث نماذج وأمثلة على إعاقة الدنيا عن فعل الصالحات والطاعات، مبتدئين الحديث عن الدنيا، وما المقصود بحب الدنيا، وما هو المذموم منه.

مقدمة عن الدنيا:

كان من سنن الله تعالى أن خلق آدم وبنيه، وشاء سبحانه أن يبتليهم في هذه الحياة الدنيا، واقتضت حكمته أن يجعل دار الدنيا محلا للاختبار والامتحان، فالدنيا دار للعمل، والآخرة دار للجزاء.

والدنيا هي الجزء الأول أو المرحلة الأولى من الحياة التي يعيشها الإنسان، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: 13]، وقد خلق الله تبارك وتعالى آدم -عليه السلام- وأدخله جنته، واقتضت حكمة الحكيم سبحانه إخراج آدم -عليه السلام- منها، ونزوله إلى الأرض بسبب ما صدر منه من مخالفة أمره سبحانه.

فالناس جميعاً من لدن آدم -عليه السلام- إلى يوم القيامة في سفر للعودة إلى الدار التي خرجوا منها.

فالدنيا ما هي إلا مرحلة يمر بها الإنسان في طريق عودته إلى الجنة، والناس في ذلك على صنفين منهم من يعود إلى الدار التي خرج منها، ومنهم إلى النار أعاذنا الله تعالى منها.

ولذلك جاءت تسمية الدنيا في القرآن الكريم بجملة من الأسماء تدل على حقيقتها ومفهومها فهي العاجلة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً﴾ [الإسراء: 18]، وقال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: 20]، وهي دار الغرور: ﴿ما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

وتحدث القرآن الكريم في كثير من الآيات عن قصرها وسرعة انقضائها، وبين حقيقتها، وحقارة ما فيها من المتاع، وضرب لذلك الأمثال، وبين أن أجل الإنسان فيها محدود لا يتقدم أو يتأخر.

والمتأمل في سير الناس في هذه الحياة الدنيا يجد انغماس الناس في ملذاتها وشهواتها، رغم ما ورد في القرآن الكريم من التحذير من الاغترار بها وبمتاعها الزائل، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33].

وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5].

فالدنيا بما فيها من المتاع والشهوات تعيق الإنسان المسلم عن السير إلى جنات ربه، وعن كل عمل صالح يقرب منها، والمذموم في ذلك هو متاع الدنيا وشهواتها المحرمة، وليس المقصود ذات الدنيا فهي دار لعمل الخير كما هي دار لعمل الشر، كما اقتضت حكمة الله ذلك.

فالمذموم من الدنيا الركون إليها وإلى متاعها الزائل، وما فيها من شهوات ومضلات الفتن.

وكثير من المسلمين اليوم يُزهد في الدنيا، ويحذر منها، وأنها سبب كل شر، ورأس كل خطيئة، وهو صحيح، لكن هذا لا يعنى العزوف عنها وعن عمارتها، والاستخلاف فيها، والسعي وفق منهج الحق تبارك وتعالى، ولعل هذا أحد أسباب تخلف المسلمين في الريادة والقيادة للعالم، وعزوف كثير من المسلمين عن تقديم كل ما يخدم الإنسان من تقدم وتطور، على عكس ما كان عليه سلف هذه الأمة.

فالأصل هو عمارة هذا الحياة بكل جوانبها، وجعلها مزرعة نحصد ثمارها الطيبة في الحياة الأبدية، في جنات عدن التي خرجنا منها.

فما المقصود بحب الدنيا؟

فالمراد بحب الدنيا هو التعلق بها وبشهواتها وبما فيها من المتاع، وتفضيلها على الآخرة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: 20].

هذا الحب يغمر القلب فلا يوجد فيه مكان للآخرة أو يقل فيه مكان الآخرة، فالدنيا مقدمة على الآخرة بحيث تصير أكبر الهم، وأعظم ما يبلغه.

والمراد بحب الدنيا المذموم أن يرضى بالحياة الدنيا ويستحبها على الآخرة، فلا يسعى ولا يعمل لما بعد الموت، فيتعلق القلب بالدنيا وبمتاعها وشهواتها.

والمقصود بحب الدنيا الحب الذي يدفع صاحب الدنيا إلى فعل المحظورات والمنهيات، وترك القربات والطاعات، وفعل الصالحات، فالمذموم أن تكون الدنيا بالقلب لا باليد.

والمقصود بحب الدنيا أن تكون الدنيا مالكة له ومتصرفة فيه، لا هو مالك الدنيا ومتصرف فيها.

وهنا نريد أن ننبه على أمر مهم قد غفل عنه كثير من الناس، وهو ما يفهمه بعض الناس من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وما ورد عن السلف من ذم للدنيا والتزهيد فيها، والإعراض عنها، بأن المقصود من ذلك هو ترك الدنيا والسعي فيها، والإعراض الكلي عنها، والتزهيد بكل ما فيها.

وهذا الفهم غير صحيح؛ لأن المسلم مطالب شرعاً بالاستخلاف في الأرض وعمارتها، والسعي فيها بل كل ما ينفع الأمة ويخدمها، ويخدم البشرية قاطبة في سائر المجالات العلمية والصناعية النافعة.

فالمقصود أن تجعل الدنيا مزرعة تحصد ثمارها في الآخرة، يصرف الدنيا في طاعة الله تعالى، والعمل الصالح، وعمارتها حسب ما أمر الحق تبارك وتعالى من الاستخلاف فيها، بما ينفع الدين والدنيا.

وهذا الفهم القاصر -للأسف الشديد- أن الدنيا ليست من نصيب المؤمن بل هي من نصيب الكافر، وهي دار له، وليست دار للمسلم لعله من أهم الأسباب التي أدت إلى تراجع المسلمين، في سائر الميادين اليوم، وفي شتى العلوم، وما أجمل أن يجتمع في المسلم الدين والدنيا، فيكون ذات دين وخلق، وصاحب مال يستعمله وفق مراد ربه وخالقه، فهذا أمر مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه، وبذلك وردت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والدين الإسلامي لا يدعو إلى كبت الشهوات وقتلها، بل إلى ضبطها وتنظيمها، فهو يراعي الفطر، وما جبل عليه الإنسان من حب المال والبنين.

من الأمثلة التي يصد فيها متاع الدنيا عن العمل الصالح.

من الأمثلة على ذلك: الدنيا زينة ومتاع:

فقد ورد في القرآن الكريم من الآيات ما تبين خطر الدنيا، وما فيها من المتاع والشهوات، فهي واحدة من الموانع التي تمنع عن عمل الصالحات والتقرب إلى المولى جل وعلا بالطاعات.

فالتعلق المذموم بالدنيا وغلبت حب القلب لها، وتفضيلها على الآخرة التي هي خير وأبقى، وهو الخطر الذي يعيق المسلم عن التقرب إلى الله تعالى بما يحب ويرضى من الأعمال الصالحات.

وقد ذكر القرآن الكريم ذلك عن الدنيا في معرض الذم، وبين أن ما فيها من زينة ومتاع ما هي إلا فتنة للناس وابتلاء لهم، فمن أخذ بما فيها من الحلال وترك المحرمات، ولم تلهه المباحات عن فعل الطاعات كان من الفائزين، ومن كانت الدنيا همه كان من الخاسرين.

قال الحق تبارك وتعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14].

ففي هذه الآية يخبر الحق تبارك وتعالى عما زُيِّن للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وغيرها من متاع الدنيا.

وفي ذلك تحذير من الانخداع بما فيها فقد جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها، والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، وطلب الدنيا على طلب ما عند الله تعالى.(1)

يقول سيد -رحمه الله-: وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف؛ إذا لم تضبط باليقظة الدائمة؛ وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى؛ وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى.

إن الاستغراق في شهوات الدنيا، ورغائب النفوس، ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار؛ ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة؛ ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى؛ ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة؛ ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض؛ واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض.(2)

وبين القرآن الكريم أن زينة الدنيا ومتاعها قد يكون سبباً من أسباب الهلاك والخسارة في الدنيا والآخرة فقد قال سبحانه وتعالى على لسان موسى-عليه السلام- وهو يحكي حال فرعون وأتباعه.

: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: 88].

فقد أعطى المولى جل وعلا قوم فرعون زينة من الحياة الدنيا من أنوع الحلي والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة والخدام، والأموال العظيمة، والصحة والجمال، والدواب وغيرها من نعم الدنيا، لكنهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضلون ويضلون.(3)

قال موسى -عليه السلام-: ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه زينة من متاع الدنيا; فلم يشكروا لك، وإنما استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، فلا ينتفعوا بها.

فسبب دعاء موسى -عليه السلام- على قومه أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين، فقدموا الدنيا على الدين، فكانت الدنيا وما فيها من متاع سببا من أسباب إعراضهم وضلالهم، فكانت الدنيا بما فيها من النعم والمتاع مغرية ومعيقة لأهل الجهالة من فرعون وأشراف قومه.(4)

وبين سبحانه وتعالى أن الأعمال الصالحات هي التي تبقى، وهي النفع الحقيقي، وما عداه من متاع الدنيا وزينتها زائل لا نفع فيه، وكان هذا بعد بيان حقيقة الحياة الدنيا، وبيان حقارتها، وزوالها وفنائها، بضرب المثل، كما ورد في مواطن كثيرة في كتاب الله تعالى فقد قال سبحانه وتعالى في الحديث عن الدنيا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: 46].

ففي هذه الآيات ردّ على الرؤساء وطلاب الدنيا الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى والأبناء فأخبرهم سبحانه أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا مما ينفع في الآخرة، وبيان أن أعمال الخير أفضل من هذه الزينة بالمال والبنين ثواباً، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها.

والإقبال على فعل الطاعات والأعمال الصالحات، والتفرغ للعبادة خير من الاشتغال بمتاعها الزائل.

وتقرير هذا الدليل أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية، وخيرات الآخرة دائمة باقية، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي، وهذا معلوم بالضرورة.

والظاهر والله أعلم أن الباقيات الصالحات كل عمل خير فلا وجه لقصرها على نوع من أنواع الطاعة من صلاة أو ذكر، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فقد بين سبحانه وتعالى حقيقة الحياة بهذا المثل المضروب أي مجعول للحياة الدنيا التي اغتر بها الناس وخدعتهم فصرفتهم عن الله تعالى ربهم فلم يذكروه ولم يشكروه فاستوجبوا غضبه وعقابه.

ثم أخبر سبحانه بحقيقة أخرى، يعلم فيها عباده لينتفعوا بها، وهي أن المال والبنون زينة من زين الدنيا، يتجمل بها الإنسان ساعة ثم يذهبان، فلا يجوز الاغترار بهما، بحيث يصبحان هم الإنسان في هذه الحياة فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإيمان وصالح الأعمال.(5)

فالدنيا يتزين بها الإنسان، وهي تفنى وتزول، وإعمال الخيرات من صيام وصلاة وقيام وحج وغيرها هي التي تبقى، وهي النفع.

اللهو واللعب:

فالدنيا هي دار اللهو واللعب، فهي بما فيها من المتاع واللهو تصرف صاحبها عن العمل الصالح، وعن فعل الخيرات، وتصده عن السير في طريق فعل الصالحات والطاعات، والتقرب إلى الله بسائر القربات قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد: 36].

فالدنيا بما فيها من المتاع من اللهو والزينة والتفاخر بالأولاد، وكثرة الأموال صد عن الوصول إلى الرضوان، والفوز بما عند الله تعالى من النعيم المقيم، فالإنسان إذا اشتغل بما في الدنيا من المتاع والتكاثر في الأموال، والتفاخر بالأولاد حرم كثير من الخير، الذي من أعظمه فعل الطاعات والأعمال الصالحات قال -عز وجل-: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].

هذا الاشتغال لا شك أنه يكون على حسب فعل الصالحات، فالدنيا تلهي صاحبها عن الخير الذي ينبغي أن يحصله، فيحرم الخير الكثير.

الصد عن الجهاد في سبيل الله تعالى:

والدنيا بما فيها من المتاع والشهوات والملذات تثبط الإنسان عن كثير من الأعمال الصالحات، من أهمها الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته ونصرة دينه، فلا يجاهد إلا من باع الدنيا واشترى الحياة الآخرة: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: 74].

وقال -سبحانه وتعالى- وهو يدعو إلى النفير والجهاد في سبيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]

ففي غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر، حضرت الدنيا والدعة وطيب الثمار، وحصل الكسل إلى مقام الجهاد في سبيل الله تعالى، فكانت الدنيا بمتاعها الزائل مانعا من موانع الجهاد في سبيل الله تعالى، وهذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه.(6)

ففي هذه الآيات تبين لنا كيف كانت الدنيا بمتاعها عائقا من العوائق التي تصد المسلم عن كل خير وعمل صالح، فهي ثقلة الأرض ومطامع الأرض، وتصورات الأرض ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللذائذ، والمصالح والمتاع ثقلة الدعة والراحة والاستقرار ثقلة الذات الفانية، والأجل المحدود والهدف القريب، ثقلة اللحم والدم والتراب، عن النفير في سبيل الله تعالى.(7)

فقوله سبحانه: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ أي تباطأتم عن الخروج راضين ببقائكم في دوركم وبلادكم: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ ينكر تعالى على من هذه حاله منهم، ثم يقول لهم: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي ما كل ما يوجد فيها من متع على اختلافها بالنسبة إلى ما في الآخرة من نعيم مقيم في جوار رب العالمين: ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ تافه لا قيمة له؛ فكيف تؤثرون القليل على الكثير والفاني على الباقي.(8)

الصد عن الدعوة إلى الله تعالى:

وكذلك من أهم الأعمال الصالحات، والواجبات التي تجب على المسلم، الدعوة إلى دين الله تعالى، وتبليغ شرعه للناس، وتعليم الناس أمور دينهم، وما يجب عليهم تجاه خالقهم، وتجاه الناس، فالدعوة إلى الله عز وجل والاشتغال بها لا شك أنه من أفضل ما يتقرب به المرء إلى الله تعالى، لكن الدنيا بمتاعها وشهواتها تصد الإنسان عن هذا الفعل العظيم، وتضع أمامه الكثير من العوائق والعراقيل التي تصد الناس عن هذا الخير الكثير والأجر العظيم، قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: 3].

فقد ذكر سبحانه وتعالى من صفات الكافرين أنهم يستحبون الحياة الدنيا ويختارونها وما فيها من متاع على طاعة الله تعالى، وما يقرِّبهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرة، فهم يقدمونها ويُؤثرونها، ويعملون لها ونَسُوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم.

فاستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصد عن عمل الصالحات وفعل الطاعات؛ لأنها أي حب الدنيا يصطدم بتكاليف الإيمان؛ ويتعارض مع الاستقامة على الصراط المستقيم الذي أمر به الحق تبارك وتعالى فيحرم الإنسان الخير الكثير، فتفضيل الحياة الدنيا يجعل صاحبها يعمل للدنيا ويترك العمل للآخرة.

والذين يتوجهون إلى الدنيا يكون هذا التوجه على حساب الآخرة، بعكس من توجه إلى الآخرة فلا يخسر الحياة الدنيا كما يقوم في الأخيلة المنحرفة فصلاح الآخرة في الإسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا.(9)

وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: 134]، وقال -عز وجل-: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ [هود: 15].

الصرف عن التوبة والاستغفار:

ومن المعوقات التي يتعرض لها المسلم بسبب حب الدنيا وحب متاعها، الصد والتسويف عن التوبة والاستغفار فالإنسان كثير الذنوب والخطايا والزلات، فيحتاج إلى التوبة والاستغفار والندم على ما صار منه من الذنوب والمعاصي إلا أن حب الدنيا والاشتغال بها يصرفه عن التوبة والعودة إلى الله تعالى بسبب ما فيها من الأهواء والشهوات ومضلات الفتن، من المتاع والزينة فيعيقه كل هذا عن تحصيل الخير، وعن هذا الأمر العظيم الذي يحتاجه المسلم، لذلك عند عدم التوبة يحصل الندم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 70].

ومن الأمثلة: فتنة الأولاد والأموال:

ومن فتن الدنيا التي تشغل المسلم عن كل خير ونفع في هذا الحياة فتنة الأموال والأولاد، فهي تشغل الناس عن الطاعة قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 28].

وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: 15]، بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.

سماهم أعداء لأنهم يشغلونهم عن الخير، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولاً أوّلياً، وهو أن رجالاً من مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا، فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله سبحانه وتعالى بأن يحذروهم، فلا يطيعوهم في شيء مما يريدونه منهم مما فيه مخالفة لما يريده الله، فالأولاد والأموال بلاء واختبار ومحنة، فقد يحملون المرء على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى، فمنهم من يكون عوناً على طاعة الله، ومنهم من يكون عدواً يصرف عن طاعة الله تعالى والتزود للدار الآخرة، وقد ينازعونكم في دينكم ودنياكم فيمنعونكم عن الخير، فكونوا على حذر أي كونوا منهم على حذر أن تُطيعوهم في التخلف عن فعل الخير من هجرة وجهاد وغيرهما.(10)

ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الولد مبخلة مجبنة»(11), فالولد سبب من أسباب حصول البخل وعدم الإنفاق في سبيل الله، وكذلك سبب من أسباب الجبن والقعود عن الجهاد في سبيله سبحانه، فبسبب حب الأولاد يمسك المال ويتقاعد عن الغزوات، فهم محل لتحصيل البخل والجبن.

ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث عن فتنة المال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»(12). فالحرص على المال فتنه من فتن الدنيا.

ومن المعوقات جعل الدنيا الهم الأكبر:

ومن الأمثلة على أن الدنيا عائق من معوقات فعل الصالحات والقربات، أن تكون الهم الأكبر عند صاحبها فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة»(13).

فمن جعل الدنيا همه كان هذا الهم سبباً من الأسباب التي تشغل الإنسان عن الآخرة، فتكثر عنده المشاغل التي تشغله عن كل ما هو خير ومنفعة ينتفع بها في يوم القيامة، فتصبح له هما وغما، ويصيبه الحزن والكآبة، وكذلك من جعل الدنيا أعظم شيء يهتم به ويصرف كليته إليه حصل له الندم والخسران؛ لأن الدنيا فقر كلها لأن حاجة الراغب فيها لا تنقضي فهي كداء الظمأ كلما زاد صاحبه شربا ازداد ظمأ فمن كانت الدنيا نصب عينيه صار الفقر بين عينيه وتفرق سره وتشتت أمره وتعب بدنه وشرهت نفسه وازدادت الدنيا منه بعدا وهو لها أشد طلبا.

ومن أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث هم لازم وتعب دائم وحسرة لا تنقضي.(14)

وحب الدنيا أصل كل خطيئة فقد جاء عن عيسى -عليه السلام-: حب الدنيا أصل كل خطيئة.(15)

وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة فان حبها يدعو إلى خطيئة ظاهرة وباطنة ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها فيسكر عاشقها حبها عن علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهتها واجتنابها، وحبها يوقع في الشبهات، ثم في المكروهات، ثم في المحرمات، وطالما أوقع في الكفر بل جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا فان الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصي التي كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا.(16)

فحب الدنيا يصرف الإنسان عن عظام الأمور، وما سيقبل عليه في الدار الآخرة، فيسعى في أمور صغار ولا يهتم بما ينفعه في الدنيا والآخرة من الأمور العظمية الذي من أعظمها القربات والأعمال الصالحات.

الدنيا ملعونة:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ألا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم».(17)

الدنيا ملعونة: أي مطرودة مبعودة عن الله تعالى، والمراد بالدنيا الملعونة كل ما يشغل عن الله تعالى ويبعد عنه من شهوات وشبهات، وعن فعل الصالحات، فهو مذموم بخلاف ما يقرب إلى الله تعالى من الطاعات والأعمال الصالحات.(18)

والدنيا بما فيها من الأمتعة والشهوات مفسدة للدين، فهي رأس الخطايا وذلك لأن حبها يقتضي تعظيمها وهي حقيرة عند الله، وهي فتنة فمن أحب ما لعنه الله ومقته فقد تعرض للفتنة والمقت، ومن أحب الدنيا صيرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إليه والى الدار الآخرة، فيشغل نفسه عن الأعمال الصالحات، فهي مفتاح كل شر.

وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله تعالى يقول: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإلا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك»(19).

وهذا من أنواع العذاب الذي يلاقيه أهل الدنيا، وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومتاعبها، وهمومها فينشغل عن كل خير ونفع.

ومن المعلوم أن شهوات الدنيا تفتح على الإنسان أبواباً كثيرة من الشر، فيبقى القلب مشغولاً وغافلاً عن الله تعالى، قد سيطر عليه حب الدنيا وطلبها والانشغال بها، حتى يكون عبداً لها عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش».(20)

فهو يجري وراء متاع زائل حتى صار عبداً لها.

ويكفي في ذم الدنيا وحب متاعها أنها سبب من أسباب الغفلة والتثاقل إلى الأرض، ونسيان اليوم الأخر، واعلم أن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية وأن الضيف مرتحل والعارية مردودة.

ولا شك أن التنازل عن متاع الدنيا وملذاتها طاعة لله والتزاما بأمره - يعوض عنه في الآخرة متاعا أعلى وأخلد وأبقى، في جنة عرضها السموات والأرض، فهي المتاع الحقيقي، الذي يبغي على العاقل الحرص عليه.

فالدنيا تعيق عن عمل الصالحات من الجهاد والإنفاق في سبيل الله تعالى، وعن قيام الليل، وتثبط المسلم عن ذكر الله تعالى، وعن كثير من الأعمال الصالحات.

ولهذا كله جاءت تلك التحذيرات في القرآن الكريم والسنة النبوية تحذر من الاغترار بالدنيا وبمتاعها الزائل، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5].

والله نسأل الهداية والتوفيق، والرشد والصواب، وأن يلهمنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يثبت قلوبنا على طاعته، إنه على ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة، وصلى الله وسلم على إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

إعداد/ خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 30/ 7/ 1429هـ

الموافق: 3/ 8/ 2008م

________________________

(1) بتصرف يسير من الكشاف: 1/ 259.

(2) بتصرف يسير من ظلال القرآن: 1/ 342.

(3) تفسير السعدي: 1/ 372.

(4) أنظر في تفسير هذه الآية: التفسير الميسر: 3/ 460. تفسير الرازي: 8/ 336، والتحرير والتنوير: 7/ 56.

(5) بتصرف من أيسر التفاسير: 2/ 386، وانظر في تفسير الآية: تفسير ابن كثير: 5/ 161، وفتح القدير: 4/ 396، وتفسير الرازي: 10/ 213، وتفسير البيضاوي: 3/ 492.

(6) تفسير الرازي: 8/ 23.

(7) في ظلال القرآن: 4/ 30.

(8) أيسر التفاسير للجزائري: 2/ 76.

(9) بتصرف من ظلال القرآن لسيد قطب: 4/ 387، وانظر في تفسير الآية: تفسير الطبري: 16/ 515، وتفسير ابن كثير: 4/ 477، تفسير الرازي: 9/ 205.

(10) أنظر فتح القدير: 7/ 237، وتفسير الرازي: 15/ 368، والمحرر الوجيز: 6/ 366، وأيسر التفاسير للجزائري: 4/ 271.

(11) أخرجه ابن ماجه: 2/ 1209، برقم: 3666، أحمد بن حنبل في المسند: 4/ 172، برقم: 17598، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 376، برقم: 3752.

(12) أخرجه الترمذي: 4/ 588، برقم: 2376، وأحمد بن حنبل في المسند: 3/ 456، برقم: 15822، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1056، برقم: 10557.

(13) أخرجه ابن ماجة: 2/ 1375، برقم: 4105، وأحمد في المسند: 5/ 183، برقم: 21630، وقال الألباني: صحيح، انظر السلسلة الصحيحة: 1/ 760، برقم: 404.

(14) بتصرف من فيض القدير: 2/ 369.

(15) شعب الإيمان: 7/ 323، برقم: 10458.

(16) عدة الصابرين: 1/ 185.

(17) أخرجه الترمذي: 4/ 561، برقم: 2322، وابن ماجة: 2/ 1377، برقم: 4112، وقال الألباني: حسن، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 249، برقم: 2489.

(18) فيض القدير: 2/ 414.

(19) أخرجه الترمذي: 4/ 642، برقم: 2466، وابن ماجة: 2/ 1376، برقم: 4107، وقال الألباني: صحيح، انظر: الجامع الصغير وزيادته: 1/ 280، برقم: 2795.

(20) أخرجه البخاري: 3/ 1057، برقم: 2730.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: