المجادلة بالتي هي أحسن
مرفق مصلح ياسين
الأثنين 31 ديسمبر 2012

المجادلة بالتي هي أحسن

المقدمة:

الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، أحمده ربي حمداً كثيراً، وأسبحه بكرة وأصيلا، أحمده في السراء والضراء، كما أحمده في الشدة والرخاء، القائل سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125], والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، القائل- صلى الله عليه وسلم-: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء ويجاري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم»(1), صلى الله عليه وعلى آله وأتباعه الطيبين الطاهرين من يومنا هذا إلى يوم الدين.

الناس يتفاوتون في خلُقهم وخِلقتهم، فمنهم من يدرك الحق بالسماع فيتبعه، ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18] ومنهم من يدركه ببصره من خلال النظر والتأمل، ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾ [آل عمران: 137] ﴿انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99].

ومن الناس من يدرك الحق بعقله وإعمال فكره، قال الله تعالى: ﴿قُُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46].

ولما كان السمع والبصر والعقل هو الطريق ا لموصل إلى معرفة الحق،كان هو المسئول عنه في يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 36].

وقد عاب الله على من لا يستخدم ذلك في ما أراد الله فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

والناس يتفاوتون في إدراك الحق بتلك الوسائل، فمنهم من يدركه بنفسه، أو بتعليمه وإرشاده، ومنهم من لا يدركه إلا بالحوار والمناقشة والجدال، وهؤلاء صنفان منهم من يتبع الحق ويسلك طريق الرشاد، ومنهم من يجادل ويعاند، ويسلك سبيل الشيطان، ومجادلة كل صنفٍ من هذه الأصناف تختلف باختلافهم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].

فالمجادلة والجدل في الأصل هو الاحتجاج لتصويب رأي ورد ما يخالفه، فهو حوار وتبادل في الأدلة ومناقشتها؛ لأن من الناس من لا تقنعه الموعظة ولا التوجيه والإرشاد، فيحتاج إلى مجادلة ومناظرة لإقناعه وتوجيهه، فقد تكون عند البَعض شبهة، أو يقع في تأويل ما، فهذا الجنس من الناس يحتاج إلى مجادلة ومناظرة، بما يراه المُجادل والمناظر مناسبا من حاله، مع الأخذ بالاعتبار طبيعة الزمان والمكان، وأيضا عقيدة المناظر ومذهبه، فإن هذا من الحكمة.

والمجادلة قد تكون بين مسلمَيْن في أصول الدين وفروعه، وقد كان ذلك بين النبي- صلى الله عليه وسلم- وبين تلك المرأة التي ذكره الله في القرآن بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1] وقد تكون بين مسلم وكافر، وذلك في كتاب الله -عز وجل- كثير، ومن ذلك ما كان بين إبراهيم -عليه السلام- وأبيه، وبينه وبين النمرود الذي زعم أنه يحيي ويميت، وما جرى بين موسى وفرعون وبني إسرائيل من جدالٍ وحوار، ولقد أثريت المكتبة الإسلامية بالمناظرات الفقهية، وتفتقت تلك المناظرات عن أشياء خدمت الحركة الفقهية بشكل لم يسبق له نظير.

وما نتكلم عنه في بحثنا هذا على النحو الآتي:

أولاً: المقصود من المجادلة.

ثانياً: حكم المجادلة بالتي هي أحسن.

ثالثاً: أنواع المجادلة.

رابعاً: نموذج من المجادلة في القرآن الكريم:

خامساً: نموذج من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- للمجادلة بالتي هي أحسن.

وأول ما سنذكره في المجادلة بالتي هي أحسن المقصود من المجادلة.

أولاً: مقصود المجادلة.

1- معنى المجادلة في لغة العرب:

المجادلة في اللغة: المناظرة والمخاصمة، وقابلة الحجة بالحجة.

قال ابن منظور في اللسان: والجَدَل: اللَّدَدُ في الخُصومة والقدرةُ عليها، وقد جادله مجادلة وجِدالاً ورجل جَدِل ومِجْدَل ومِجْدال: شديد الجَدَل، ويقال: جادَلْت الرجل فجَدَلته جَدْلاً أَي: غلبته، ورجل جَدِل: إِذا كان أَقوى في الخِصام، وجادَله أَي: خاصمه مُجادلة وجِدالاً، والاسم الجَدَل: وهو شدَّة الخصومة، والجَدَل: مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة.(2)

2- معنى المجادلة اصطلاحاً:

قال الجرجاني في تعريفاته: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة.(3)

وقيل المجادلة: هي مقابلة الحجة بالحجة، وكشف الشبه لدى من تجادله بالأدلة المقنعة والبراهين الواضحة.(4)

وقيل الجدل أصله: الاحتجاج لتصويب رأي ورد ما يخالفه، فهو حوار وتبادل في الأدلة ومناقشتها. وهو حال أوسع من الخصام والمخاصمة على أن المخاصمة نوع جدل من حيث هي تراد في الكلام والحجج.(5)

ثانياً: حكم المجادلة بالتي هي أحسن.

المجادلة بالتي هي أحسن أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله، وبهذا يتبين لنا أن حكمه يكون فرض كفاية كما أن الدعوة إلى الله فرضٌ على الكفاية، ويتعين على من كانت الدعوة متعينة عليه.

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "لا ريب أنه يجب على كل أحدٍ أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرضٌ على الكفاية، فإن ذلك داخلٌ في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخلٌ في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجبٌ على الكفاية منهم"(6).

ثالثاً: أنواع المجادلة.

ذم الله المجادلة في كتابه العزيز في مواطن متعددة ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً﴾ [الكهف: 56] وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: 3] وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: 8].

وقال تعالى: ﴿الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35] وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء ويجاري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم»(7).

وأمر الله في كتابه العزيز بها فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125], وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46] وبهذا يبين أن المجادلة والمناظرة نوعان: مذمومة، وممدوحة.

قال ابن عثيمين -رحمه الله- وهو يتكلم عن نوعي المجادلة والمناظرة:

النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء ويجاري العلماء ويريد أن ينتصر لقوله؛ فهذه مذمومة.

النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها، وعلامة ذلك -أي المجادلة الحقة- أن الإنسان إذا بان له الحق اقتنع وأعلن الرجوع، أما المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه فتجده لو بان أن الحق مع خصمه، يورد إيرادات يقول: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم تكون سلسلة لا منتهى له، ومثل هذا عليه خطر ألا يقبل قلبه الحق، لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر ولكن في خلوته، وربما يورد الشيطان عليه هذه الإيرادات فيبقى في شك وحيرة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110], وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49] فعليك يا أخي بقبول الحق سواء مع مجادلة غيرك أو مع نفسك، فمتى تبين لك الحق فقل: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا.

ولهذا تجد الصحابة يقبلون ما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام أو ما أخبر به دون أن يوردوا عليه الاعتراضات، فالحاصل أن المجادلة إذا كان المقصود بها إثبات الحق وإبطال الباطل فهي خير، وتعودها وتعلمها خير لا سيما في وقتنا هذا، فإنه كثُرَ فيه الجدال والمراء، حتى إن الشيء يكون ثابتًا وظاهرًا في القرآن والسنة فيورد عليه إشكالات.(8)

والذي نقصد به كأسلوب من أساليب الدعوة هو النوع الثاني الذي يُقصد به إثبات الحق وبيانه للمدعوين، سواءً كانوا من غير المسلمين أومن المسلمين السالكين طريق الغي والضلال.

رابعاً: نموذج من المجادلة في القرآن الكريم:

ذكر الله في كتابه مجادلة أهل الكتاب فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46].

قال القرطبي -رحمه الله-: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا بالخصلة التي هي أحسن كمعارضة الخشونة باللين والغضب بالكظم والمشاغبة بالنصح، وقيل هو منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشد منه، وجوابه أنه آخر الدواء، وقيل المراد به ذو العهد منهم،﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالإفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم: يد الله مغلولة، أو بنبذ العهد ومنع الجزية، ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، هو من المجادلة بالتي هي أحسن"(9).

ويقول ابن عاشور -رحمه الله-: "وعطف ﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ إلى آخر الآية تعليم لمقدمة المجادلة بالتي هي أحسن، وهذا مما يسمى تحرير محل النزاع وتقريب شقة الخلاف وذلك تأصيل طرق الإلزام في المناظرة وهو أن يقال قد اتفقنا على كذا وكذا فلنحتج على ما عدا ذلك، فإن ما أمروا بقوله هنا مما اتفق عليه الفريقان فينبغي أن يكون هو السبيل إلى الوفاق، وليس هو بداخل في حيز المجادلة؛ لأن المجادلة تقع في موضع الاختلاف، ولأن ما أمروا بقوله هنا هو إخبار عما يعتقده المسلمون وإنما تكون المجادلة فيما يعتقده أهل الكتاب مما يخالف عقائد المسلمين"(10).

وقد أعطانا القرآن الكريم نماذج تطبيقية للمجادلة بالتي هي أحسن تربية لنا وتعليما، منها: قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64] ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24] وقد أمر الله تعالى نبييه موسى وهارون -عليهما السلام- أن يجادلا الطاغية فرعون مع تكبره وتجبره وطغيانه بالتي هي أحسن، وأن يُلينا له القول، فقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]؛ لأن للرياسة سُكراً ولذةً لا يناسب من هو في مثل حاله إلا أن يلان له بالقول عسى أن يستجيب داعي الإيمان، وقد بين ربنا -تبارك وتعالى- هذا القول اللين بقوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: 18]، فأخرجه مخرج السؤال لا الأمر، وذلك لموضع تجبر فرعون وعتوه.

وقال تعالى مادحاً نبيه -صلى الله عليه وسلم- بما امتن عليه من جعله رحيمًا بالمدعوين، مشفقًا على المؤمنين، وأن ذلك من أسباب إقبالهم عليه فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 158]، وقال الله ممتناً على المؤمنين بما أنعم عليهم من إرسال رسول منهم حريصٌ عليهم رءوف رحيم بهم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].

وقد يكون في التعنيف والغلظة على الكافر مفاسد كبيرة، فقد يقوده ذلك لسب الله تعالى، أو سب الرسول -صلى الله عليه وسلم -، أو سب الإسلام، ولأجل هذا نهى الله تعالى عن سب آلهة الكفار مع أن سبها من الدين، وذلك خشية تولد منكر أعظم، فجاء النهي سداً للذريعة فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].

وإذا كنا قد أُمرنا بمجادلة أهل الكتاب والملحدين بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم فأهل الإسلام الموحدين أولى بأن يراعى في جدالهم الرفق واللين، وإظهار الرحمة بهم والشفقة عليهم، وقد يحتاج المجادل إلى نوع إغلاظٍ وشدةٍ حسب مقتضيات الحال، فحسن الخلق مع الغير قيمةٌ إسلاميةٌ أعلى الإسلام من شأنها، وأكد عليها، وأكثر من الإشارة إليها؛ فهي أحد معايير القرب من الله تعالى.

وقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذج متعددة من المجادلة، ومنها: ما جرى بين الأنبياء والمدعوين من أقوامهم، وهو في كتاب الله كثير.

خامساً: نموذج من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- للمجادلة بالتي هي أحسن:

ما أحوجنا أن نتأسى به -صلى الله عليه وسلم- في جميع شؤون الحياة، فهو القدوة المثلى لنا؛ لعظيم خُلُقه، وجميل صنعه للأمة أجمع، فهو من أرشدنا إلى الخير وعلمنا الهدى ودلنا عليه، وحذرنا من الغي والضلال، وبين الحلال من الحرام، فأحرى بالدعاة أن ينظروا في سيرته ويسيروا على ملته، راشدين مرشدين غير ضالين ولا مضلين، فالضلال كل الضلال بمخالفة هديه وعدم اقتفاء أثره، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته بشر وأنذر، جاهد وجادل، ومن صور ذلك الجدال المقنع والحوار الشامخ ما ذكره ابن إسحاق -رحمه الله-:

"كان عتبة بن ربيعة سيداً حليماً قال ذات يوم و هو جالس في نادي قريش ورسول الله-صلى الله عليه و سلم- جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء و يكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة بن عبد المطلب ورأوا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيدون ويكثرون فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم فكلمه, فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله -صلى الله عليه و سلم- فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان و النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيمٍ فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم، فاستمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك أن تقبل منها بعضها، فقال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: قل يا أبا الوليد أسمع، فقال: يا ابن أخي إن جئت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، و إن كنت إنما تريد شرفا شرفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، و إن كنت تريد ملكاً ملكناك، و إن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه ولا تستطيع أن ترده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، ولعل هذا الذي يأتي به شعر جاش به صدرك فإنكم لعمري يا بني عبد المطلب تقدرون منه على ما لا يقدر عليه أحدٌ حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستمع منه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم قال: فاستمع مني، قال: أفعل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [فصلت: 1 -3] فمضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقرؤها عليه فلما سمعها عتبة أنصت له و ألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى السجدة فسجد فيها ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض يحلف بالله: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما سمعت لمثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني و اجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم و عزه عزكم كنتم أسعد الناس به قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه فقال: هذا رأي لكم فاصنعوا ما بدا لكم".(11)

والأمثلة في ذلك كثير منها ما هو مع المشركين ومنه ما هو مع المؤمنين فقد اتسم- صلى الله عليه وسلم- بحسن الحوار مع أعدائه وأصحابه، وما سبق هو مع أعدائه، وإليك هذا المثل لحواره مع أصحابه، وذلك عقب توزيع الغنائم في غزوة حنين، عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي "كلما قال شيئاً، قالوا الله ورسوله أمن قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: كلما قال شيئاٍ قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».(12)

إنه والله خلقٌ عظيمٌ، وأسلوبٌ رفيع، إن المجادلة بالتي هي أحسن تغير الكراهية إلى محبة، والبراء إلى ولاء، والسخط إلى رضا، والعناد والابتداع إلى اقتداءٍ واتباع، وكما في بعض الروايات عن الصحابة عقب حوارهم مع الرسول -صلى الله ليه وسلم-: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم و قالوا: رضينا بالله ربا و رسوله قسماً، ثم انصرف و تفرقوا كما ذكر ابن كثير(13).

الخاتمة:

فعلى الداعية أن يحسن جداله وحواره مع المخالفين له ومن يدعوهم إلى الله، وليعلم أن الفظاظة والغلظة ليست دليلاً على غيرته على الدين، وليست دليلاً على عمق إيمانه، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أغير الناس على دين الله، وهو أقوى الناس إيماناً وأعظمهم خشيةً لله، كان رفيقاً حليما يجادل بالتي هي أحسن، ويحاور المسلمين وغيرهم بصدرٍ رحب، وبقلبٍ محبٍ للخير، يتألم كل الألم لعدم إجابة الناس لدعوة الخير حتى يصيروا عباداً لله فيدخلوا الجنة ويزحزحوا عن النار،قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف: 6] فيواسيه ربه بقوله: ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: 18].

وقد استخدم -صلى الله عليه وسلم- معهم الرفق والحلم والتسامح واللين والرحمة والحرص عليهم في دعوتهم إلى الله، وحاورهم بأكرم حوار، وجادلهم أحسن جدال، فعلى الداعية أن يقتدي بذا الهدى المحمدي، وما أعظمه من هدى، وأكرم به من أسلوب دعويٍ أصيل لا سيما وهو أسلوب سيد العالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه- ونسأل الله التوفيق والسداد، وأن يهدينا لما فيه الخير إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير إنه نعم المولى والنصير.

أبو عبد الرحمن مرفق ناجي مصلح ياسين.

28/ شعبان/ 1428هـ - 10/ 9/ 2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم 22/ 9/ 2007م

_____________________

(1) سنن ابن ماجة،1/ 96، برقم: 260، قال الشيخ الألباني: صحيح لغيره، أنظر: صحيح الترغيب والترهيب،1/ 26، برقم: 110.

(2) لسان العرب، 11/ 103.

(3) التعريفات، 1/ 101، علي بن محمد بن علي الجرجاني، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ.تحقيق: إبراهيم الأبياري.

(4) البصيرة في الدعوة إلى الله، 1/ 163، عزيز بن فرحان العنزي، الطبعة: الأولى، دار الإمام مالك - أبو ظبي، تاريخ النشر: 1426هـ - 2005م.

(5) مفهوم الحكمة في الدعوة، صالح بن عبد الله بن حميد، 1/ 9, الطبعة: الأولى، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، تاريخ النشر: 1422هـ.

(6) مجموع الفتاوى، 3/ 312.

(7) سبق تخريجه.

(8) كتاب العلم، لابن عثيمين، 1/ 301- 303.

(9) تفسير البيضاوي، 318.

(10) التحرير والتنوير، 3204.

(11) سيرة ابن اسحاق، 1/ 187.

(12) أخرجه البخاري، 4/ 1574، برقم: 4075، ومسلم، 2/ 738، برقم: 1061.

(13) سيرة ابن كثير، 3/ 674.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: