الحكمة والموعظة الحسنة
مرفق مصلح ياسين
الأثنين 31 ديسمبر 2012

الحكمة والموعظة الحسنة

الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل، أحمده سبحانه في كل وقت وحين، القائل في كتابه العزيز: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الغر الميامين.

ذكر الله في كتابه العزيز ثلاثة أساليب من أساليب الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى- في آيةٍ واحدةٍ عند قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

وهي:

1- الحكمة.

2- الموعظة الحسنة.

3- الجدال بالتي هي أحسن.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "جعل سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمتسجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن"(1).

وقال في موضعٍ آخر: "والدعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين، والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسن للمعاندين المعارضين، فهذه حال اتباع المرسلين وورثه النبيين"(2).

سئل ابن بازٍ -رحمه الله-: من واقع خبرتكم الطويلة في هذا المجال.. ما هو الأسلوب الأمثل للدعوة؟

فأجاب: "الأسلوب -مثل ما بينه الله عز وجل- واضح في كتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم-، يقول سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].ويقول تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]ويقول -عز وجل- في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] فالداعي إلى الله يتحرى الأسلوب الحسن والحكمة في ذلك وهي: العلم بما قاله الله وورد في الحديث النبوي الشريف، ثم الموعظة الحسنة والكلمات الطيبة التي تحرك القلوب وتذكرها بالآخرة والموت، وبالجنة والنار حتى تقبل القلوب الدعوة وتقبل عليها وتصغي إلى ما يقوله الداعي"(3).

والدعوة إلى الله بالمجادلة الحسنة واضحةٌ وبيّنة، فالجدال مخاصمةٌ بين طرفين حول مسألةٍ ما، ويحتوي على ادعاءٍ معينٍ ورد على ذلك الادعاء، فالمطلوب من الداعية أن يكون جداله حسناً من حيث اللفظ والمعنى والمظهر، وكل ما يتعلق بالجدال ينبغي أن يكون حسناً؛ حتى يكون أدعى لاستجابة المدعو، وقد بينا فيما سبق المجادلة بالتي هي أحسن كأسلوب من أساليب الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-، وما نتكلم عنه حالاً وهو الحكمة والموعظة الحسنة، وقبل أن نشرع بالكلام عنهما لا بد أنبين الماهية والحقيقة لهما.

أولاً: المقصود بالموعظة الحسنة:

1- في اللغة:

قال ابن منظور: الوَعْظ والعِظةُ والعَظةُ والمَوْعِظةُ النُّصْح والتذْكير بالعَواقِب، قال ابن سيده: هو تذكيرك للإِنسان بما يُلَيِّن قلبَه من ثوابٍ وعِقاب، وفي التنزيل: ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: 275]، لم يجئ بعلامة التأْنيث؛ لأَنه غير حقيقي، أَو لأَن الموعِظة في معنى الوَعْظ حتى كأَنه قال فمن جاءه وعظ من ربه.(4)

وقالَ ابنُ فَارِسٍ: "الوَعْظُ: هو التَّخْوِيفُ والإِنْذَارُ، وقَالَ الخلِيلُ: هو التَّذْكِيرُ في الخَيْرِ بما يُرَقِّقُ القَلْبَ"(5).

2- والمقصود بالموعظة الحسنة اصطلاحاً:

قال الطبري -رحمه الله-: "والموعظة الحسنة: العبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكرهم بها في تنزيله"(6).

وقال ابن القيم: "هي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة"(7).

وبتعريف الإمام الشوكاني -رحمه الله- يتبين لنا معنى كونها حسنة:

قال الشوكاني: "هي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها، قيل: وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة"(8).

وقال الجرجاني: "الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة"(9).

قال عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني-وهو باحثٌ متمرس-: "هي الترغيب بالعاقبة الحسنة والسعادة الخالدة لمن اتبع سبيل ربه، والترهيب من العاقبة السيئة الوخيمة والشقاوة والتعاسة لمن أبى أن يتبع سبيل ربه، بشرط عرضها بأسلوبٍ حسنٍ جميلٍ مقبولٍ لا تنفر منه الطباع السوية"(10).

وبهذا يتبين لنا أن الموعظة الحسنة تشمل الترغيب والترهيب، وقد تكلمنا عن ذلك في بحثٍ مستقلٍ فيما سبق من الأبحاث التي تتكلم عن أساليب الدعوة.

والوعظ أخص من التعليم، فإنك قد تعظ الناس بشيءٍ هم يعلمونه ولكن المقصود منه التذكير، وقد تعظهم بشيءٍ لا يعلمونه فتكون قد جمعت بين الوعظ والتعليم؛ ولذلك يفرق العلماء بينهما، وقد بوب البخاري -رحمه الله- في صحيحه فقال: باب ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا.(11)

وقال: باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره(12), ثم ذكر حديث الباب وهو عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان فما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في موعظةٍ أشد غضبا من يومئذ فقال: «أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة»(13), فالذي قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- هو بيانٌ وتعليمٌ وهو أيضاً وعظ؛ لأن الترهيب فيه ظاهرٌ وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- «إنكم منفرون»، فكان وعظاً منه وتعليماً، وتبويب البخاري بذلك دليل اعتنائه -رحمه الله- باختيار الألفاظ المناسبة.

وبقي أن نتكلم عن أسلوب الحكمة في الدعوة إلى الله، وفيما يظهر لي أن هذا الأسلوب من أهم الأساليب الدعوية؛ حيث أن الموعظة الحسنة -الترغيب والترهيب كما يظهر من كلام أهل اللغة والتفسير- في الدعوة إلى الله تحتاج إلى الحكمة أثناء القيام بها، ومن يقوم بأسلوب المجادلة في الدعوة إلى الله ما أحوجه إلى الحكمة في مجادلته، ولن يجادل بالتي هي أحسن إلا إذا تحلى بالحكمة، فالحكمة هي أساس الأساليب الدعوية، بل روحها، ولأهميتها بدأ الله بذكرها في كتابه العزيز، فما المقصود بالحكمة؟

أولاً: تعريف الحكمة:

1- في اللغة:

الحكمة في لغة العرب تأتي بعدة معانٍ وهي:

أ- إتقان الأمور، قال ابن منظور: ويقال لمَنْ يُحْسِنُ دقائق الصِّناعات ويُتقنها حَكِيم.(14)

ب- بمعنى المنع: وفي الحديث «إنَّ من الشعر لحُكْمة»(15), أي إِن في الشعر كلاماً نافعاً يمنع من الجهل والسَّفَهِ ويَنهى عنهما(16), قال ابن حجر -رحمه الله-: وقيل أصل الحكمة المنع، فالمعنى أن من الشعر كلاماً نافعاً يمنع من السفه.(17)

ج- وضع شيء في موضعه.(18)

د- القول السديد والعمل المستقيم، قال ابن قتيبة وغيره: الحكمة هي العلم والعمل به، وهي أيضاً القول الصواب فتتناول القول السديد والعمل المستقيم الصالح.(19)

هـ- العلم: قال ابن منظور: الحِكْمَةُ من العلم، والحَكِيمُ العالِم.(20)

2- الحكمة اصطلاحاً:

وقال ابن القيم: والحكمة هي سنة الرسول وهي تتضمن العلم بالحق والعلم به والخبر عنه والأمر به فكل هذا يسمى حكمة.(21)

وقال: أحسن ما قيل في الحكمة: قول مجاهد ومالك: إنها معرفة الحق والعمل به والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان.(22)

قال الزمخشري: هي المقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة.(23)

وقال ابن عاشور: فالحكمة: هي المعرفة المحكمة أي الصائبة المجردة عن الخطأ فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم، ولذلك عرفوا الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطئ في العلل والأسباب، وهي اسمٌ جامعٌ لكل كلامٍ أو علمٍ يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحاً مستمراً لا يتغير.(24)

قال سيد قطب -رحمه الله-: هي توخي القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، ووضع الأمور في نصابها في تبصر وروية وإدراك.(25)

- حكم أسلوب الحكمة في الدعوة إلى الله:

الحكمة في الدعوة إلى الله واجبةٌ على من تجب عليه الدعوة، وكذلك تجب على من كانت الدعوة في حقه مندوبة إذا قام بالمندوب وكان عدم التصرف منه بحكمةٍ سيؤدي إلى محظور.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "واجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية، فإن ذلك داخلٌ في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخلٌ في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجبٌ على الكفاية منهم"(26).

ونأخذ الوجوب من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

فالأمر للوجوب، وهو للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه من الدعاة الراشدين، قال ابن عاشور-رحمه الله-: "والتخلق بهذه الآية هو أن كل من يقوم مقاماً من مقامات الرسول -صلى الله عليه وسلم- في إرشاد المسلمين أو سياستهم يجب عليه أن يكون سالكاً للطرائق الثلاث: الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وإلا كان منصرفا عن الآداب الإسلامية وغير خليق بما هو فيه من سياسة الأمة، و يخشى أن يعرض مصالح الأمة للتلف، فإصلاح الأمة يتطلب إبلاغ الحق إليها بهذه الوسائل الثلاث، والمجتمع الإسلامي لا يخو عن متعنتٍ أو ملبسٍ، وكلاهما يلقي في طريق المصلحين شوك الشبه بقصد أو بغير قصد"(27).

أركان الحكمة وآفاتها:

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "ولها ثلاثة أركان: العلم والحلم والأناة، وآفاتها وأضدادها: الجهل والطيش والعجلة فلا حكمة لجاهلٍ ولا طائشٍ ولا عجولٍ والله أعلم"(28).

أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله:

لا يُستغنى عن الحكمة في جميع مناحي الحياة، والحكمة في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- من أهم المطالب الدعوية، فأنجح الدعاة وأعظمهم تأثيراً أحسنهم حكمةً، قال ابن القيم -رحمه الله-: فكل نظام الوجود مرتبطٌ بهذه الصفة، وكل خللٍ في الوجود وفي العبد فسببه الإخلال بها فأكمل الناس: أوفرهم منها نصيباً وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال: أقلهم منها ميراثا.ً(29)

وقد أشار الله إلى الحكمة في كتابه العزيز، فذكر أن ما يعتمد عليه المؤمن في دعوته إلى الله هو الكتاب والسنة النبوية، وقد سمى الله السنة في كتابه العزيز بالحكمة فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129], وما أنزله الله من الحكمة إنما هو للوعظ والتذكير والتعليم، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 231] وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [الأحزاب: 34] ومن لم يدعو إلى الله بالحكمة فليس من عداد الدعاة الفائزين.

وهذه الحكمة نعمةٌ من الله من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً، قال تعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269].

وقال القرطبي -رحمه الله-: أي يعطيها لمن يشاء من عباده، واختلف العلماء في الحكمة هنا فقال السدي: هي النبوة وقال ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره، وقال قتادة و مجاهد: الحكمة هي الفقه في القرآن، وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد: الحكمة العقل في الدين، وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له.(30)

قال شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري -رحمه الله-: يعني بذلك جل ثناؤه يؤتي الله الإصابة في القول والفعل من يشاء من عباده ومن يؤت الإصابة في ذلك منهم فقد أوتي خيرا كثيرا.(31)

والحكمة في الدعوة إلى الله هي سجية الأنبياء والمرسلين في دعوتهم إلى الله رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿ولقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء: 54].

﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ [الإسراء: 39].

أي: من جنسه أو بعضٍ منه، وسمي حكمة؛ لأنه كلامٌ محكمٌ، وهو ما علمه من الشرائع أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها الفساد، وعند الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته.(32)

وقال البيضاوي: التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به.(33)

قال ابن تيمية -رحمه الله-: وقد قال غير واحدٍ من العلماء منهم يحيى بن أبي كثير وقتادة والشافعي وغيرهم: الحكمة هي السنة؛ لأن الله أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة والكتاب القرآن وما سوى ذلك مما كان الرسول يتلوه هو السنة.(34)

من مستلزمات الحكمة في الخطاب الدعوي:

1- الرفق بالناس المصحوب بالقول اللين، وقد ذكرت ذلك في موضوعٍ لي سابقٍ تكلمت فيه عن أسلوب التحبب إلى الناس وما قلته مما يناسب المقام:

يقول الله لموسى وأخيه هارون عند ذهابهم إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44].

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فأمر تعالى أن يلينا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفراً وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظ القول له مع أنه حقيقي به ذريعة إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة فنهاهما عن الجائز؛ لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه"(35).

ويقول الغزالي -رحمه الله-: "ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذ وعظه واعظٌ وعنف له في القول فقال: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ فليكن اقتداء المحتسب في الرفق بالأنبياء -صلوات الله عليهم- "(36), فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق بالمدعوين ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً فقد فضحه وشانه.(37)

وإليك جملة من الوقائع في باب الرفق بالمدعو حتى يتبين عظيم أثر الرفق بمن تدعوه، وقوة هذا الخلق الكريم في تغيير النفوس، وأول ما نذكره هو بيان لما كان عليه الرسول-صلى الله عليه وسلم- من الرفق، وهو إمام المرسلين، وقدوة الداعين إلى الله رب العالمين.

عن أبي أمامة: أن رجلا أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا فصاح به الناس فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أقروه» فدنا حتى جلس بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أتحبه لأمك» قال: لا قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم» قال: «أتحبه لابنتك؟» قال: لا قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم» قال: «أتحبه لأختك؟»قال: لا قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم» فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده على صدره فقال: «اللهم كفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه»(38).

ومن هذا الباب قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، ورفق النبي-صلى الله عليه وسلم- بأهل الطائف الذين سلطوا عليه سفهاءهم ورجموه حتى سال الدم من قدمه الشريف بأبي وأمي هو-صلى الله عليه وسلم- وكان من أشد الأمر عليه ومع ذلك كان رفيقاً بهم أعظم الرفق.

فعن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها قالت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله -عز وجل- قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً»(39).

وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»(40).

قوله: فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه" فيه بيان ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به ورفقه بالجاهل ورأفته بأمته وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه -صلى الله عليه وسلم- في الرفق بالجاهل وحسن تعليمه واللطف به وتقريب الصواب إلى فهمه"(41).

وهذا هو حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته للناس، والرفق من تمام البصيرة التي أمر الله نبيه بإعلانها فقال: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108] وأتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الدعوة العظيمة، يجب أن يلتزموا ما عمله النبي في دعوته من اللين والرفق، وقد كان الصحابة والتابعين لهم بإحسان على هذا المنوال من الرفق في دعوتهم.

2- مراعاة المنزلة الاجتماعية لمن توجه له الرسالة -إنزال الناس منازلهم-.

الناس يتفاوتون في منازلهم بين الناس فمنهم الرجل السيد المطاع المتبوع، ومنهم الرجل المعروف بين الناس بحلمه أو ذكائه أو كرمه أو سماحته، فهؤلاء الذين يحتلون منازل رفيعة في قلوب الآخرين لأخلاقهم أو مناصبهم وسيادتهم أو لثرائهم، ينبغ للداعية أن يراعي هؤلاء في دعوتهم فما يصلح لعوام الناس لا يصلح لههم ولا بد من إنزالهم منزلتهم في دعوتهم إلى خالقهم ومولاهم، وكما بينا سابقاً في قوله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] مع أنه أشدهم كفراً وأعظمهم جحوداً إلا أنه أعلاهم منزلة فيما بينهم، فبإسلامه يسلم الكثير وببغيه وظلمه يصد الكثير عن دين الله، ولأنه اعتاد على الرياسة والقيادة وجبلت نفسه على أن يكون آمراً لا مأموراً؛ فأوحى الله إليهم أن يكون الخطاب ليناً حتى يكون أدعى لهدايته واستجابته، سبحانه تعالى ما أحلمه وما أكرمه.

إنزال الناس منازلهم لا يكون في الخطاب الدعوي فحسب، بل يكون بالقول والفعل، وإليك هذا الشاهد النبوي العظيم في إنزال الناس منازلهم قولاً وفعلاً، قال ابن هشام -رحمه الله-:

قال عدي بن حاتم: فخرجت حتى أقدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامدٌ بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي -رسول الله صلى الله عليه وسلم- حتى إذا دخل في بيته تناول وسادة في أدم محشوة ليفاً فقذفها إلي فقال: اجلس على هذه قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها فقال: بل أنت فجلست عليها وجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالأرض.

قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا؟ قال: قلت: بلى قال: أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قال: قلت: بلى قال: فإن ذلك يكن يحل لك في دينك قال: قلت: أجل والله، وقال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم قال: فأسلمت.(42)

هنا نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنزله منزلته بأن أخذه إلى بيته وأجلسه على الوسادة وجلس -بأبي هو وأمي- على الأرض، وأخذ يعدد ما قد يكون مانعاً من إسلامه ويرد على تلك الموانع بما هو ملائمٌ لمكانته، بل من حكمته -صلى الله عليه وسلم- التي كانت سبباً في إسلام حاتمٍ أن أكرم أخته من قبل وأنزلها منزلتها ومنَّ عليها وأطلق سراحها وأكرمها بأن كساها وأعطاها نفقةً وما يحملها مع قومٍ تثق بهم، وعند وصولها إلى أخيها قالت له: "أرى والله أن تلحق به سريعاً، فإن يكن الرجل نبياً فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكاً فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت، قال: قلت: والله إن هذا الرأي"(43).

3- البيان المقرون بالبرهان أو بالحجة الصحيحة المقبولة:

من يدعو الناس لا بد له من بيانٍ مقرونٍ بالحجج المقبولة والبراهين الساطعة التي تجعل الداعية يبرأ أمام الله، ولا تجعل للمدعو مجالاً للشك، ودليلنا على ذلك أن الله لما أرسل الرسل لدعوة الناس إلى الله أيدهم بالمعجزات التي تدل على صدق رسالتهم وصحة نبوتهم، فأيد موسى -عليه السلام- بتسع آياتٍ بيناتٍ منها تلك العصا التي صارت حية تسعى، وجعل النار المتأججة والحريق الملتهب على إبراهيم -عليه السلام- برداً وسلاماً، وأيد صالحاً بالناقة فكفروا بها وعقروها، وعيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى، وأيد نبينا بالمعجزة العظمى والبينة الكبرى، آياتٌ بيناتٌ وقرآنٌ يتلى، عجز أن يأتي بمثله البلغاءُ الفصحاء، فآمن من آمن بها، وكفر من كفر جحوداً وعلواً، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14].

والأنبياء مع هذه المعجزات الواضحات والآيات البينات إلا أنهم بذلوا كل غالٍ ونفيس لبيان ما يدعون إليه بالحجج والبراهين، فإبراهيم-عليه السلام- يحاجج قومه ببراهين نقية وحجج قطعية، تارة يقول للذي كفر بربه إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي تولى وكفر، وتارة يقول مناظراً قومه كما بين المولى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 76-80], وقول إبراهيم هذا ربي ليس على سبيل النظر، وإنما من باب المناظرة، وقد بينت ذلك في بحثٍ لي سابق بعنوان: بينات الرسل ومعجزاتهم من أدلة النبوة، وقمت بسرد الأدلة على ذلك، وتارة يخاطب قومه بعد أن كسر الأصنام، وأخذوا يتساءلون من الذي فعل هذا بآلهتهم، قائلاً لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 63-67].

ونوحٌ عليه السلام يقول مبيناً الوسائل التي سلكها مع قومه رجاء إيمانهم: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارا ً* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارا ً* وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارا ً* ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح: 5-9].

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يدلل على أن الله هو المستحق للعبادة سبحانه بدليل الفطرة كما روى عمران بن حصين قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي: «يا حصين كم تعبد اليوم إلهاً؟» قال أبي: سبعة، ستاً في الأرض وواحداً في السماء، قال: «فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء، قال: «يا حصين: أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك» قال: فلما أسلم حصين قال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني فقال: «قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي»(44).

4- البيان المقرون بالدليل على أفضلية ما جاء في الدين على غيره من الاحتمالات الممكنة، وهذا مما بينه المرسلون في دعوتهم وهو منهج في القرآن متبع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 109], وقال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39], وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59], وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40], وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58].

وانظر إلى بيان النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه في يوم حنين، مقارناً ما من الله عليهم به من الإسلام مع ما كانوا عليه من الكفر والعصيان، عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئاً، قالوا الله ورسوله أمن قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»(45).

5- البدأ بأصول العلم والقضايا والانتقال منها إلى الفروع شيئاً فشيئاً.

وهذا من أهم الأشياء في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- قال تعالى: ﴿لَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79].

6- مراعاة الفروق الفردية في الخطابات الدعوية.

وهذه الفروق متعدة قد تكون في الجانب الفكري أو العلمي أو النفسي أو غيرها من الفوارق المعتبرة، فإن الداعية يراعي هذه الفروق في دعوته إلى الله، وقد بوب البخاري: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال: قال علي: «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله»(46), فيكون خطاب الداعية حكيماً بمراعاته الفروق الفردية والتي منها:

أ- مراعاة المستوى الفكري لمن توجه إليه الرسالة:

أفكار الناس تتفاوت من شخصٍ لآخر فمنهم الفطن اللبيب، ومنهم الرديء في الفهم، منهم الذكي ومنهم القاصر في الفهم، وأهل الذكاء ليسوا على درجةٍ واحدةٍ في الذكاء، ومثلهم الموصوفون بالغباء، والداعية في دعوته يراعي ذلك وعيره اهتماماً بالغاً حتى تثمر دعوته، ويبارك له في جهده.

ب- مراعاة المستوى العلمي لدى من توجه له الرسالة:

فمن الناس العالم ومنهم الجاهل، والمتعلمون يتفاوتون بعلومهم والجاهلون ليسوا على درجةٍ واحدةٍ من الجهل، والداعية إلى الله سواءً كانت دعوته فردية أم جماعية ينبغي له أن يراعي هذا الفرق في المستوى العلمي، وأن يخاطبهم بما هو على مستواهم، قال ابن الجوزي في كتاب السر المكتوم: لا يصلح لإيداع الأسرار كل أحدٍ ولا ينبغي لمن وقع بكنز أن يكتمه مطلقاً، فربما ذهب هو ولم ينتفع بالكنز، وكما أنه لا ينبغي للعالم أن يخاطب العوام بكل علمٍ فينبغي أن يخص الخواص بأسرار العلم لاحتمال هؤلاء ما لا يحتمله أولئك، وقد علم تفاوت الأفهام وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: 83] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] وقال: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125],(47) فاستدلال ابن الجوزي -رحمه الله بالآية الأخيرة ليدلل على أن من الحكمة في الدعوة مراعاة المستويات العلمية.

وعن أبي هريرة قال: "حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم"(48).

7- مراعاة الجوانب العاطفية التي تقتضيها الصلات والعلاقات الاجتماعية في الألفاظ الدعوية:

الداعية له أقاربٌ وهم أولى الناس بالدعوة والخير، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] وقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذج طيبة للاستفادة منها في دعوة الأقربين، فعند خطاب الآباء ومن بمستواهم نستفيد من قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم: 45] وفي دعوة الأبناء ومن بمستواهم نستفيد من قول لقمان لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].

وكذلك الأصحاب ينبغي دعوتهم والاهتمام بهم فمن أول من دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- صاحبه الصديق -رضي الله عنه- فنستفيد في ذلك من قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا ً* لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدا ً* فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ [الكهف: 37-40], ومن قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39].

8- تحين الفرص المناسبة، واستغلال المواقف المختلفة لإيصال الفكرة:

فالنبي -صلى الله عليه وسلم - كان يستغل المواقف بدعوتهم إلى الله وبيان عظمة الله وقدرته ومن أمثلة ذلك، ما قاله عند كسوف الشمس، وكذلك عند خروجه مع أصحابه- رضي الله عنهم في جنازة رجلٍ من الأنصار فذكر لهم ما يحدث للميت عند موته وفي قبره، فعلى الداعية أن يستفيد من المواقف ليوصل الفكرة التي يريدها غرسها في النفوس، ويكون قد ربط الغيب بالمشاهد المحسوس.

9- مراعاة الجوانب الفكرية والانتماءات المذهبية والدعوية:

وينبغي مراعاة هذا الجانب في الخطابات الدعوية العامة كالخطب والدروس والمحاضرات، فإن الناس يتفاوتون في انتماءاتهم الدعوية، والداعية اللبيب الذي يجمع ولا يفرق، ويقارب ويسدد، ولا يهدد ويندد، وييسر ويبشر ولا يعسر وينفر، ينمي في الناس روح المحبة والألفة ولا يذكي نار الخلاف والفرقة، ولا يمنع هذا من ذكر ما يراه الصواب وإن اختلفت في الألباب، وليكن بيانه بيان الناقد الحكيم، مدعماً ما يراه بالدليل، مع إعذاره للمخالف في ما يسع فيه الخلاف، فهو أمينٌ ناصح لا منتقمٌ فاضح، ينطق بالعدل والحكمة، لا تمنعه المحبة من نصح الحبيب، فهو الأولى بالنصح من البعيد، ولا يجور في الحكم على الغير بنسف ما عنده من الخير، فهذا القول حيفٌ وجور، وقد أمر الله بالعدل في القول ولو كان ذا قربى فقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] وأم الخبائث التي لعنها الله ولعن عاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها كما في الحديث الصحيح(49), ومع هذا فإن الله قال عنها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].

هذا ما تيسر بيانه مما ينبغي أن يكون عليه الداعي إلى الله من الحكمة، نسأل الله أن يلهمنا السداد في القول والعمل، وأن يؤتينا الحكمة ويهدينا سبيل الرشاد، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

أبو عبد الرحمن مرفق ناجي ياسين.

26/ ذي القعدة/ 1428هـ- 6/ 12/ 2007م.

مراجعة: علي عمر بلعجم 17/ 1/ 2008م

_______________________

(1) مفتاح دار السعادة، 1/ 153.

(2) المصدر السابق، 1/ 78.

(3) فتاوى ابن باز، 5/ 258.

(4) لسان العرب، 7/ 466.

(5) تاج العروس،1/ 5084.

(6) تفسير الطبري، 7/ 663.

(7) مفتاح دار السعادة، 1/ 153.

(8) فتح القدير، 3/ 291.

(9) التعريفات، الجرجاني، 1/ 305، والتعاريف، للمناوي1/ 685.

(10) فقه الدعوة إلى الله، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، 1/ 609، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1425هـ - 2004م.

(11) أخرجه البخاري، 1/ 37.

(12) أخرجه البخاري، 1/ 46.

(13) أخرجه البخاري، 1/ 46، برقم: 90.

(14) لسان العرب، 12/ 140.

(15) أخرجه البخاري، 5/ 2276، برقم: 5793.

(16) لسان العرب، 12/ 140.

(17) فتح الباري، ابن حجر، 10/ 540.

(18) التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، 1/ 124، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري أبو يحيى، 1/ 73، دار الفكر المعاصر - بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ، تحقيق: د. مازن المبارك.

(19) مجموع الفتاوى، 16/ 298.

(20) لسان العرب، 12/ 140.

(21) طريق الهجرتين وباب السعادتين، 1/ 164، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، الناشر: دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الثانية، 1414 - 1994، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر.

(22) مدارج السالكين، 2/ 478.

(23) الكشاف، 1/ 672.

(24) التحرير والتنوير، 1/ 2415.

(25) في ظلال القرآن، 1/ 292.

(26) مجموع الفتاوى، 3/ 312.

(27) التحرير والتنوير، 1/ 2417.

(28) مدارج السالكين، 2/ 480.

(29) نفس المصدر.

(30) تفسير القرطبي، 3/ 313.

(31) تفسير الطبري، 3/ 89.

(32) فتح القدير، 3/ 327.

(33) تفسير البيضاوي، 1/ 447.

(34) مجموع الفتاوى، 1/ 6.

(35) إعلام الموقعين، 3/ 138.

(36) إحياء علوم الدين، 2/ 334.

(37) شرح النووي على مسلم، 2/ 24.

(38) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 8/ 183، برقم: 7759، قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة، 1/ 712، برقم: 370.

(39) تقدم تخريجه.

(40) أخرجه مسلم، 1/ 381، برقم: 537.

(41) شرح النووي على مسلم، 5/ 20.

(42) سيرة ابن هشام، 5/ 277.

(43) نفس المصدر.

(44) أخرجه الترمذي، 5/ 519، برقم: 3483. قال هذا حديث غريب.

(45) البخاري، 4/ 1574، برقم: 4075، ومسلم، 2/ 738، برقم: 1061.

(46) أخرجه البخاري، 1/ 59، برقم: 127.

(47) الآداب الشرعية 2/ 88.

(48) صحيح البخاري، 1/ 56، برقم: 120.

(49) أخرجه ابن ماجه، 2/ 1121،برقم: 3380، وصححه الشيخ الألباني: انظر: صحيح ابن ماجة، 2/ 243، برقم: 2725.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: