مركز البحوث
   
الفقه
   
عقيدة
   
التوسل
التوسل
خالد حسن محمد البعداني
الخميس 19 يوليو 2012

‎التوسل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

الدعاء من أعظم القربات التي تصل العبد بخالقه، ولما كان الدعاء بهذه المرتبة، أمر الله عز وجل عباده أن يدعوه في كل أحوالهم فقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [لأعراف: 55]، وبين لهم سبحانه أن من الوسائل التي يكون معها الدعاء أرجى للقبول، الدعاء بأسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسماء الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].

فيشرع للداعي أن يبدأ دعائه متوسلاً بذكر أسماء الله عز وجل وصفاته التي تتعلق بذلك الدعاء، وهذا من أنواع التوسل المشروع.

فالتوسل:

منه ما هو من مشروع ومنه الممنوع فمن أنواع التوسل المشروع: التوسل إلى الله عز وجل بصالح الأعمال التي عملها العبد كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي.. أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد صلى الله عليه وسلم وإيماني به أن تفرج عني.. ومنه أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بالٍ، فيه خوفه من الله سبحانه، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه، ليكون أرجى لقبوله وإجابته قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي للإيمان أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار﴾ [آل عمران: 193] فهؤلاء توسلوا بإيمانهم بربهم، وكذلك قصه الثلاثة المشهورة الذين تقربوا بأعمالهم الصالحات.

ومن أنواع التوسل المشروع:

طلب الدعاء من الأحياء الصالحين، وذلك أن العباد يتفاوتون في الصلاح وفي قربهم ومنزلتهم عند الله، لذلك كان الصحابة يحرصون على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لهم رجاء القبول والإجابة، فعن أبي هريرة tقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل الجنة من أمتي زمرة هي سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر فقام عكّاشة بن محصن قال: ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعله منهم..».

ومن أنواع التوسل المشروع التوسل بذكر حال السائل وما هو عليه من الضعف والحاجة، كأن يقول: اللهم إني الفقير إليك، الأسير بين يديك، الراجي عفوك، المتطلع إلى عطائك، هبني منك رحمة من عندك. والدليل على هذا النوع من التوسل دعاء زكريا عليه السلام، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً﴾ [مريم: 4-5]. ومنه قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].

فهذه بعض أنواع التوسل المشروع، التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، ويستفتح بها دعائه، طالباً من الله قضاء حاجته.

التوسل الغير مشروع:

وهناك أنواع من التوسل يفعلها الناس منها ما يبلغ حدّ البدعة، ومنها ما يبلغ حد الشرك ظناً منهم أنهم يتقربون إلى الله سبحانه بها، وما علموا أن التقرب إليه إنما يكون بما شرع لا بالأهواء والبدع.

فمن أنواع التوسل الغير مشروع: طلب الدعاء من الميت، كمن يأتي إلى ميت مقبور لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ويطلب منه أن يدعو الله له بأمر كشفاء مريضه أو كشف كربته. والدليل على بدعية هذا التوسل انتفاء الدليل على جوازه، والعبادة إنما تكون بالاتباع لا بالابتداع، ويدل أيضا على بدعية هذا النوع من التوسل: أن الصحابة وهم الأكثر علما والأشد اقتداءً بسيد الخلق لم يفعلوا ذلك ولو كان خيراً لسبقونا إليه، حتى أن عمر رضي الله عنه عندما حصل قحط بالمدينة قدَّم العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو الله بالسقيا، ولم يطلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في قبره، لِمَا يعلم من عدم جواز ذلك.

ومن أنواع التوسل التي ابتدعها الناس وهي شرك بالله عز وجل طلب كشف الكربات وقضاء الحاجات من الأموات، أياً كان ذلك الميت رجلاً صالحاً أو نبياً مرسلاً، ذلك أن الدعاء هو العبادة، والعبادة لا تصرف إلا للخالق الرازق سبحانه، فدعاء غير الله شرك ومذلة.قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] فطلب سبحانه أن يكون الدعاء له، ورتب الإجابة على ذلك.

ومن أنواع هذا التوسل: التوسل بالجاه والذوات، كالتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الخلق، فمن توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالًا وولدًا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلًا فليس بمشرك شركًا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع؛ سدًا لذريعة الشرك، وإبعادًا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك.

ومن أنواعه: الإقسام على الله بفلان من الصالحين أو الأولياء.

فهذه أنواع التوسل في الدعاء وأحكامه، فينبغي للمسلم أن يحرص على المشروع منه، وأن يجتهد في دعاء الله في أحواله كافة.

فمما سبق تعلم أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل السلف الصالح، وأجمع عليه المسلمون هو:

1- التوسل باسم من أسماء الله تبارك وتعالى أو صفة من صفاته.

2- التوسل بعمل صالح قام به الداعي.

3- التوسل بدعاء رجل صالح.

4- التوسل بذكر حال السائل وما هو عليه من الضعف والحاجة.

وأما ما عدا هذه الأنواع من التوسلات فغير مشروع وغير جائز لأنه لم يرد فيها دليل يدل عليه.

فينظر في حال المتقدم وما يعتقده من هذه التوسلات، ويُختار ما فيه الخير وما تصان به العقيدة الإسلامية وتسد به ذرائع الشرك.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم.

والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب..

جمع: خالد حسن البعداني

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: