مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
مباحث إيمانية
   
ما لا يسع المسلم جهله
   
ما لا يسع المسلم جهله في الإيمان بالملائكة
ما لا يسع المسلم جهله في الإيمان بالملائكة
الأثنين 31 ديسمبر 2012

ما لا يسع المسلم جهله في الإيمان بالملائكة

لقد خلق الله -سبحانه وتعالى- الملائكة قبل آدم, قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].(1)

والملائكة عالم غيبي مخلوقون, عابدون لله تعالى, وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء, خلقهم الله تعالى من نور ومنحهم الانقياد التام لأمره, والقوة على تنفيذه. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20].

وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس -رضي الله عنه- في قصة المعراج أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع له البيت المعمور في السماء يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم(2).

والإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان عبد ولا يقبل إلا بتحقيقه.

والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم والأمر بالإيمان بهم والتحذير من الكفر بهم وبيان أحوالهم مع الله ومع الناس وبيان مراتبهم وأعمالهم حتى أن بعض سور القرآن قد سميت باسمهم كسورة فاطر حيث تسمى سورة الملائكة(3), فتارة يقرن اسمه باسمهم ويجعل الإيمان به مستلزم للإيمان بهم وأن البر لا ينال إلا بالإيمان بهم حيث يقول الله سبحانه: ﴿ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾ [البقرة: 177].

وتارة يبين أن الرسول ومن آمن معه مؤمنون مصدقون بما أنزل الله إليهم من ربهم ومن ذلك الإيمان بالملائكة فقال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

وتارة يقرن شهادتهم بشهادته لبيان عظم شهادتهم فيقول سبحانه: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18](4).

وقد أجمع المسلمون على الإيمان بالملائكة وصاروا يذكرون الإيمان بهم في جملة العقائد الواجبة على المسلمين, وقد حكم الله بكفر من أنكر وجودهم وجعل الكفر بهم كفرا به سبحانه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ [النساء: 136].

والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:

الأول: الإيمان بوجودهم

الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالا.

الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم,كصفة (جبريل) فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق.(5)

وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل, كما حصل(لجبريل) حين أرسله الله تعالى إلى مريم فتمثل لها بشرا سويا, وحين جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب,شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة فجلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه, ووضع كفيه على فخذيه, وسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام, والإيمان, والإحسان, والساعة وأماراتها,فأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم- فانطلق.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»(6).

وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم, ولوط كانوا على صورة رجال.

الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى,كتسبيحه,والتعبد له ليلا ونهارا بدون ملل ولا فتور.وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة:

مثل جبريل الأمين: على وحي الله تعالى يرسله الله به إلى الأنبياء والرسل.

ومثل: ميكائيل: الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.

ومثل: إسرافيل: الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق.

ومثل: ملك الموت: الموكل بقبض الأرواح عند الموت.

ومثل: مالك: الموكل بالنار وهو خازن النار.

ومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام: إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن أمه, بعث الله إليه ملكا وأمره بكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقي أو سعيد.(7)

ومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها لكل شخص, ملكان: أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال.

ومثل الملائكة الموكلين بسؤال الميت: إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه,ودينه, ونبيه.(8)

قلت: ومثل الملائكة التي يرسلها الله تعالى لنصرة عباده المؤمنين على أعدائهم عند التحام الصف, وقد جاءت النصوص القرآنية صريحة بذلك كقوله تعالى: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125], وكقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9].

______________________

(1) عقيدة التوحيد/ القاضي أحمد محمد علي, ص52.

(2) رسائل في الأصول ص23.

(3) انظر: (تفسير ابن الجوزي) 6/ 472.

(4) الملائكة المقربين/ د.محمد بن عبد الوهاب العقيل ص 17.

(5) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 1841, برقم: 4576, والترمذي في سننه 5/ 394, برقم: 3278, وأحمد في مسنده 1/ 395, برقم: 3748.

(6) يشير إلى حديث جبريل الطويل الذي أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 1793, برقم: 4499, ومسلم في صحيحه 1/ 40, برقم: 10.

(7) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2036, برقم: 2643.

(8) انظر: رسائل في الأصول ص 25.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: