مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
   
تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة (2)
تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة (2)
أ.د. سعاد يلدرم
الأثنين 31 ديسمبر 2012

تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة (2)

2- مستندات التوفيق بين النصوص القرآنية وبين النتائج العلمية الصحيحة:

أ.د. سعاد يلدرم

رئيس قسم التفسير -جامعة أتاتورك- تركيا

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى..

إن اصطلاحات "الإعجاز العلمي" و"التفسير العلمي" و"معجزة علمية" أو "فنية" من التعابير التي استحدثت، وشاعت في العصر الحديث، ومعلوم أن هذه التعابير، تفيد تأويل بعض الآيات القرآنية، بما يتفق وبعض النظريات، أو الاكتشافات الحديثة، في العلوم الطبيعية. وعدد المؤلفين المعاصرين الذين حاولوا التوفيق، بين المعنى القرآني، وبين المسائل الفنية ليس بقليل. غير أن قسماً منهم أفرطوا في هذا الأمر، وتكلفوا في كثير من الأحيان.

وهذا القسم تسبب في ظهور أهل تفريط ينكر هذا التوفيق رأساً، ومعظم المفسرين، الذين عاشوا في القرن الأخير، اقتصدوا في هذا الأمر ولم يضلوا عن سواء السبيل.ونحن في بحثنا هذا نريد أن نؤصل هذا الموقف المعتدل، ونظهر بعض أسانيده وبالله التوفيق.

آراء المعترضين في التفسير العلمي:

وقبل أن نخوض في الموضوع، يحسن بنا أن نذكر بعض آراء المعترضين، وفي مقدمتها:

1- آراء أبي اسحق الشاطبي المتوفي سنة 790هـ:

قال رحمه الله في الموافقات: 2/ 55-56:

"أن كثيراً من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحدَّ؛ فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين، أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون، من أهل الفنون، وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم:(1) لم يصح..وإضافة إلى هذا فإن السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن، وبعلومه، وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى، سوى ما تقدم، وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض، ونظر، لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء، مما زعموا"وفيما بعد: ادعى الشاطبي أن المعاني، التي لا عهد للعرب بها، غير معتبرة فقال: "وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 8].وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38] ونحو ذلك. فأما الآيات فالمراد بها، عند المفسرين: ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38] اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع تلك العلوم، النقلية، والعقلية..، فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصلح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه، على كل ما يضاف علمه، إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له، ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه، والله أعلم وبه التوفيق "الموافقات 2/ 55-56"في المسألة الرابعة من النوع الثاني، في بيان قصد الشارع، في وضع الشريعة للإفهام.

2- آراء محمد حسين الذهبي:

ويمكن أن نعتبر الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي ممثل المنكرين للتفسير العلمي. يعرف الدكتور الذهبي: التفسير العلمي بأنه هو: التفسير، الذي يحكم الاصطلاحات العلمية، في عبارات القرآن، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم، والآراء الفلسفية منها.ويعترض الدكتور الذهبي على التفسير العلمي من النواحي الآتية:

أولاً: الناحية اللغوية:

كثير من الألفاظ القرآنية، تغيرت وتوسعت دلالاتها، بمرور الزمان. وهذه المعاني كلها تقوم بلفظ واحد، بعضها عرفته العرب وقت نزول القرآن، وبعضها لا علم للعرب به، وقت نزول القرآن، نظراً لحدوثه، وطروئه، على اللفظ، فهل يعقل أن نتوسع هذا التوسع العجيب، في فهم ألفاظ القرآن، وجعلها تدل على معان، جدت باصطلاح حادث؟.

ثانياً: الناحية البلاغية:

البلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال، والتفسير العلمي للقرآن، يضر بلاغة القرآن؛ لأن من خوطبوا بالقرآن في وقت نزوله: إن كانوا يجهلون هذه المعاني، وكان الله يريدها من خطابه إياهم لزم على ذلك أن يكون القرآن غير بليغ، لأنه لم يراع حال المخاطب؟ وإن كانوا يعرفون هذه المعاني، فلم لم تظهر نهضة العرب العلمية، من لدن نزول القرآن، الذي حوى علوم الأولين والآخرين؟

ثالثاً: الناحية الاعتقادية:

أنزل الله القرآن، إلى الناس كافة حتى قيام الساعة. ولو ذهبنا مذهب من يحمل القرآن كل شيء، وجعلناه مصدراً للعلوم، لكنا بذلك قد أوقعنا الشك، في عقائد المسلمين، نحو القرآن الكريم. وذلك لأن قواعد العلوم، وما تقوم عليه، من نظريات، لا قرار لها ولا بقاء. ولو نحن ذهبنا إلى تقصيد القرآن، ما لم يقصد، من نظريات، ثم ظهر بطلان هذه النظريات فسوف يتزلزل اعتقاد المسلمين في القرآن الكريم؛ لأنه لا يجوز للقرآن أن يكذب اليوم، ما صححه بالأمس(2) هذا ما قاله الدكتور الذهبي ملخصاً! ونحن نظن أن الذهبي بمطالعاته هذه يرد على المفرطين، والمسرفين، في التوفيق بين النصوص القرآنية، والمسائل العلمية. وإلا فهو ليس معترضاً -فيما يبدو- على كون القرآن يشير إلى بعض الحقائق العلمية رأساً. وهذا يظهر في آخر ما كتب في هذا الموضوع: "وحسبهم أن لا يكون في القرآن نص صريح، يصادم حقيقة علمية ثابتة. وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه، وبين ماجد ويجد من نظريات وقوانين علمية، تقوم على أساس من الحق، وتستند إلى أصل من الصحة" أليس كون القرآن لا يصادم حقائق علمية ثابتة معجزة علمية؟(3)

3- الإعجاز العلمي للقرآن وآراء ابن عاشور، وسعيد النورسي:

وفي الصفحات التالية سنعالج هذه الآراء، وننتقدها، مستفيدين من المفسرين المعاصرين، ولاسيما الأستاذ "محمد الطاهر بن عاشور"من "تونس"والإمام "سعيد النورسي"من "تركيا"؛ لأن لهما فضلا كبيراً، في هذا المضمار، وقد وفقاً جداً في تأصيل هذا المنهج القويم، في تفسير القرآن الكريم. ولأنهما لم يشتهرا بين المفسرين كما ينبغي لهما.

قال ابن عاشور -رحمه الله- في تفسيره "في المقدمة العاشرة 1/ 127/ -129 "عند البحث عن إعجاز القرآن ما نصه: "وأما النوع الثاني، من إعجازه العلمي، فهو ينقسم إلى قسمين: قسم يكفي لإدراكه فهمه وسمعه، وقسم يحتاج إدراك وجه إعجازه إلى العلم بقواعد العلوم، فينبلج للناس شيئاً فشيئاً انبلاج أضواء الفجر على حسب مبالغ الفهوم وتطورات العلوم. وكلا القسمين: دليل على أنه من عند الله، لأنه جاء به "أمي" في موضع، لم يعالج أهله دقائق العلوم، والجائي به ثاوٍ بينهم لم يفارقهم.

ولقد أشار القرآن إلى هذه الجهة من الإعجاز بقوله تعالى في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 49-50].ثم إنه ما كان قصاراه إلى مشاركة أهل العلوم في علومهم الحاضرة، حتى ارتقى إلى ما لم يألفوه، وتجاوز ما درسوه، وألفوه. قال ابن عرفة عند قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [آل عمران: 27]، كان بعضهم يقول: إن القرآن يشتمل على ألفاظ، يفهمها العوام، وألفاظ يفهمها الخواص، وعلى ما يفهمه "الفريقان". ومنه هذه الآية؛ فإن الإيلاج يشمل الأيام التي لا يدركها إلا الخواص، والفصول التي يدركها سائر العوام".أقول، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30].

فمن طرق إعجازه العلمية(4) أنه دعا للنظر والاستدلال. قال في الشفاء: "ومنها جمعه لعلوم ومعارف، لم تعهد للعرب، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب، من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجة العقلية، والرد على فرق الأمم، ببراهين قوية، وأدلة كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81].

ولقد فتح الأعين إلى فضائل العلوم، بأن شبه العلم بالنور، وبالحياة، كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70]. وقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]. وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] وهذا النوع من الإعجاز هو الذي خالف به القرآن، أساليب الشعر، وأغراضه مخالفة واضحة. هذا والشاطبي قال في الموافقات: "إن القرآن لا تحمل معانيه، ولا يتأول إلا على ما هو متعارف عند العرب". ولعل هذا الكلام صدر منه في التَّفَصي(5) من مشكلات في مطاعن الملحدين، اقتصاداً في البحث، وإبقاءً على نفيس الوقت، وإلا فكيف ينفي إعجاز القرآن، لأهل كل العصور، وكيف يقصر إدراك إعجازه بعد العصر العربي، على الاستدلال بعجز أهل زمانه، إذ عجزوا عن معارضته.وإذ نحن نسلم لهم بالتفوق في البلاغة والفصاحة، فهذا إعجاز إقناعي، بعجز أهل عصر واحد، ولا يفيد أهل كل عصر، إدراك طائفة منهم لإعجاز القرآن.ثم يستدل الأستاذ ابن عاشور بحديث: «ما من الأنبياء نبي إلا أوتي -أو أعطي- من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» [البخاري فضائل القرآن (1) ومسلم، كتاب الإيمان 239](6)، فالمناسبة بين كونه أوتي وحياً وبين كونه يرجو أن يكون أكثرهم تابعاً لا تنجلي، إلا إذا كانت المعجزة صالحة، لجميع الأزمان، حتى يكون الذين يهتدون لدينه لأجل معجزته، أمما كثيرين، على اختلاف قرائحهم، فيكون هو أكثر الأنبياء تابعا، لا محالة، وقد تحقق ذلك، لأن المعنى بالتابع: التابع له، في حقائق الدين، لا اتباع الادعاء والانتساب بالقول.

وهذه الجهة من الإعجاز: إنما تثبت للقرآن بمجموعه؛ إذ ليست كل آية من، آياته، ولا كل سورة من سوره، بمشتملة على هذا النوع من الإعجاز، ولذلك فهو إعجاز حاصل، من القرآن، وغير حاصل به التحدي، إلا إشارة نحو قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

وقال الأستاذ ابن عاشور في المقدمة الرابعة "تفسير التحرير والتنوير 1/ 42-45"وفي الطريقة الثالثة: تجلب مسائل علمية، من علوم لها مناسبة بمقصد الآية، إما على أن بعضها يومئ إليه معنى الآية، ولو بتلويح ما، كما يفسر أحد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]. فيذكر تقسيم علوم الحكمة ومنافعها، مدخلا ذلك تحت قوله (خيراً كثيراً) فالحكمة، وإن كانت علماً اصطلاحياً، وليس هو تمام المعنى للآية، إلا أن معنى الآية الأصلي، لا يفوت، وتفاريع الحكمة تعين عليه.

وكذلك أن نأخذ من قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7].تفاصيل من علم الاقتصاد السياسي، وتوزيع الثروة العامة، ونعلل بذلك مشروعية الزكاة، والمواريث، والمعاملات المركبة، من رأس مال وعمل، على أن ذلك تومئ إليه الآية إيماء. وإن بعض مسائل العلوم، قد تكون أشدّ تعلقاً بتفسير آي القرآن، كما نفرض مسألة كلامية، لتقرير دليل قرآني، مثل برهان التمانع(7) لتقرير معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. وكتقرير مسألة المتشابه؛ لتحقيق معنى نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد﴾ [الذّاريات:47]. فهذا كونه من غايات التفسير واضح. وكذا قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:6].فإن القصد منه الاعتبار، بالحالة المشاهدة. فلو زاد المفسر ففصل تلك الحالة، وبين أسرارها، وعللها، بما هو مبين، في علم الهيئة، كان قد زاد المقصد خدمة.

وإما على وجه التوفيق بين المعنى القرآني، وبين المسائل الصحيحة من العلم، حيث يمكن الجمع.

وإما على وجه الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف:47].أن فناء العالم يكون بالزلازل، ومن قوله تعالى: ﴿إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:1].

أن قانون الجاذبية يختل عند فناء العالم. وشروط كون ذلك مقبولاً أن يسلك فيه مسلك الإيجاز؛ فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم، ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له، لئلا يكون كقولهم "السيء بالسيء يذكر"(8).

وللعلماء في سلوك هذه الطريقة الثالثة على الإجمال آراء: فأما جماعة منهم فيرون من الحسن: التوفيق بين العلوم غير الدينية، وآلاتها، وبين المعاني القرآنية، ويرون القرآن مشيراً إلى كثير منها. قال ابن رشد الحفيد "هو محمد ابن أحمد بن رشد المتوفي 1198م"في فصل المقال: "أجمع المسلمون، على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها، على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها، بالتأويل.

والسبب في ورود الشرع بظاهر وباطن، هو: اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحهم، في التصديق".وتخلص إلى القول بأن بين العلوم الشرعية والفلسفية اتصالا. وإلى مثل ذلك ذهب "قطب الدين الشيرازي"في شرح حكمة الإشراق، وكذلك الغزالي، والإمام الرازي، وأبو بكر بن العربي، وأمثالهم صنيعهم يقتضي التبسط وتوفيق المسائل العلمية، فقد ملأوا كتبهم من الاستدلال على المعاني القرآنية، بقواعد العلوم اُلحكْمِية(9) وغيرها، وكذلك الفقهاء في كتب أحكام القرآن.

وقد علمت ما قاله ابن العربي فيما أملاه، على سورة (نوح) وقصة (الخضر). وكذلك ابن جني، والزجاج. وأبو حيان قد أشبعوا تفاسيرهم، من الاستدلال على القواعد العربية، ولاشك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب تعالى، وتقدس، لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق، وكل ما كان من الحقيقة في عمل من العلوم، وكانت الآية لها اعتلاق بذلك، فالحقيقة العلمية مرادة، بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر، وبمقدار ما ستبلغ إليه. وذلك يختلف باختلاف المقامات ويبنى على توفر الفهم، وشرطه أن لا يخرج عما يصلح له اللفظ العربي، ولا يبعد عن الظاهر، إلا بدليل، ولا يكون تكلفاً بينا، ولا خروجاً عن المعنى الأصلي، حتى لا يكون في ذلك كتفاسير الباطنية.

وأما "أبو اسحق الشاطبي"، فقال في الفصل الثالث من المسألة الرابعة: "لا يصح في مسلك الفهم والأفهام إلا ما يكون عاماً لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه".

وقال في المسألة الرابعة من النوع الثاني: "ينقل ابن عاشور قول الشاطبي الذي اقتبسناه آنفاً وتعقبه بقوله": "وهذا مبني على ما أسسه، من كون القرآن، لما كان خطاباً للأميين، وهم العرب، فإنما يعتمد في مسلك فهمه، وإفهامه، على مقدرتهم وطاقتهم وأن الشريعة أمية. وهو أساس واهٍ لوجوه ستة:

الأول: أن ما بناه عليه: يقتضي أن القرآن لم يقصد منه انتقال العرب من حال إلى حال، وهذا باطل لما قدمناه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: 49]. وهذا صريح في أن القرآن يحتوي على كثير من الحقائق التي يجهلها قومه، والتي هي من قبيل أنباء الغيب والمعجزات.

الثاني: أن مقاصد القرآن، راجعة إلى عموم الدعوة، وهو معجزة باقية، فلا بد أن يكون فيه، ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة.

وقال ابن عاشور في موضع آخر من تفسيره (1/ 104): "إن وجوه الإعجاز ترجع إلى ثلاث جهات "…"الجهة الثالثة: ما أودع فيه من المعاني الحكمية والإشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية، مما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن، وفي عصور بعده متفاوتة، وهذه الجهة أغفلها المتكلمون في إعجاز القرآن، من علمائنا، مثل أبي بكر الباقلاني، والقاضي عياض، "…"والقرآن معجز من الجهة الثالثة للبشر قاطبة، إعجازاً مستمراً على ممر العصور، وهذا من جملة ما شمله قول أئمة الدين: إن القرآن هو المعجزة المستمرة، على تعاقب السنين، لأنه قدر يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية، بواسطة ترجمة معانيه التشريعية، والحكمية، والعلمية، والأخلاقية وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني، وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك. "انظر أيضاً تفسيره (1/ 127-128)".

الثالث: أن السلف(10) قالوا: إن القرآن لا تنقضي عجائبه، يعنون معانيه، ولو كان كما قال الشاطبي لا نقضت عجائبه، بانحصار أنواع معانيه.

الرابع: أن من تمام إعجازه: أن يتضمن من المعاني مع إيجاز لفظه ما لم تف به الأسفار المتكاثرة.

الخامس: أن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء لا يقتضى، إلا أن يكون المعنى الأصلي مفهوماً لديهم، فأما ما زاد على المعاني الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام، وتحجب عنه أقوام، "ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"(11).

السادس: أن عدم تكلم السلف عليها: إن كان فيما ليس راجعاً إلى مقاصده، فنحن نساعد عليه، وإن كان فيما يرجع إليها فلا نسلم وقوفهم فيها عند ظواهر الآيات، بل قد بينوا، وفصلوا، وفرعوا، في علوم عنوا بها، ولا يمنعنا ذلك أن نقفي على آثارهم، في علوم ن أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنية، أو لبيان سعة العلوم الإسلامية. أما ما وراء ذلك، فإن كان ذكره لإيضاح المعنى، فذلك تابع للتفسير أيضاً؛ لأن العلوم العقلية تبحث عن أحوال الأشياء، على ما هي عليه، وإن كان فيما زاد على ذلك، فذلك ليس من التفسير، لكنه تكملة للمباحث العلمية، واستطراد في العلم لمناسبة التفسير، ليكون متعاطي التفسير، أوسع قريحة في العلوم.ثم قال ابن عاشور: "وأنا أقول" إن علاقة العلوم بالقرآن على أربع مراتب:

الأولى: علوم تضمنها القرآن، كأخبار الأنبياء، والأمم، وتهذيب الأخلاق، والفقه، والتشريع، والاعتقاد، والأصول، والعربية، والبلاغة.

الثانية: علوم، تزيد المفسر علماً، كالحكمة والهيئة، وخواص المخلوقات.

الثالثة: علوم، أشار إليها، أو جاءت مؤيدة له، كعلم طبقات الأرض والطب، والمنطق.

الرابعة: علوم، لا علاقة لها به، إما لبطلانها، كالزجر، والعيافة، والميثولوجيا(12)، وأما لأنها لا تعين على خدمته، كعلم العروض، والقوافي، "تفسير التحرير والتنوير، (1/ 45)".وقال الأستاذ ابن عاشور في المقدمة التاسعة من تفسيره (1/ 94) في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة منها": "ولما كان القرآن نازلاً من المحيط علمه بكل شيء، كان ما تسمح تراكيبه الجارية، على فصيح استعمال الكلام البليغ، باحتماله، من المعاني المألوفة للعرب، في أمثال تلك التراكيب، مظنوناً بأنه مراد لمنزله، ما لم يمنع من ذلك مانع، صريح، أو غالب، من دلالة شرعية، أو لغوية، أو توفيقية.

وقد جعل الله القرآن كتاب الأمة كلها، وفيه هديها، ودعاهم إلى تدبره، وبذل الجهد في استخراج معانيه، في غير ما آية ويدل على تأصيلنا هذا ما وقع إلينا من تفسيرات مروية، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لآيات، فنرى منها ما نوقن بأنه ليس هو المعنى الأسبق من التركيب؛ ولكننا بالتأمل نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أراد بتفسيره، إلا إيقاظ الأذهان، إلى أخذ أقصى المعاني، من ألفاظ القرآن.

ويمثل الأستاذ ابن عاشور لذلك بأمثلة متعددة من تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم-. والأستاذ "بديع الزمان سعيد النورسي" طار صيته، في جميع أنحاء العالم الإسلامي كمجاهد. وهو كما اشتهر. إلا أنه لا ينبغي لنا أن نغض البصر عن ناحيته العلمية. كان رحمه الله عضواً في دار الحكمة الإسلامية. وهذه المؤسسة كانت كبرى المؤسسات العلمية في أواخر الدولة العثمانية. والأستاذ النورسي ألف تفسيره باللغة العربية لسورة البقرة المسمى "بإشارات الإعجاز في مظان الإيجاز "عندما كان يحارب مع طلبته ضد الروس في الحرب العالمية الأولى، أي ما قبل سبعين عاماً تقريباً.

وألف كتبه المسماة "بكليات رسائل النور" باللغة التركية، في تفسير بعض الآيات القرآنية بعد هذا وانتهى من تأليفه سنة (1930م) أي ما قبل خمسة وخمسين عاماً تقريباً. وتوفي -رحمه الله- في عام (1960م) في السابع والثمانين من عمره، المليء بالعلم والجهاد، حتى آخر أنفاسه.

وفي الصفحات الآتية نعالج ونترجم قسماً من أفكاره إلى اللغة العربية للتوفيق بين المعنى القرآني، وبين الحقائق الصحيحة، من العلوم الطبيعية."قسم من آيات القرآن يزداد وضوحاً، بمرور الزمان، وبتطور العلوم. وهذا يعني أن القرآن الكريم خزينة، لا تحصى جواهرها، ولا تنقضي عجائبها. له محكمات ونصوص، لا تتغير معانيها، وأحكامها، في كل الأزمان. ولكن له أيضاً معان ثانوية، تشير إلى بعض الحقائق العلمية، التي تنكشف شيئاً فشيئاً، حسب تقدم المستوى العلمي البشري.

أما الحقائق الظاهرية التي بينها السلف الصالح فمسلمة محفوظة، لا تعتريها شبة. لأنها نصوص، ومحكمات، وأسس، وقواعد، يجب الإيمان بها. والكتاب الكريم موصوف بأنه "قرآن عربي مبين". وهذا يقتضي كونه واضحاً، في معانيه الأساسية. والخطاب الإلهي يدور حول هذه المعاني، ويقويها، ويظهرها. ومن ينكر هذه المعاني المنصوصة، فكأنما يكذب الله تعالى ويتهم فهم الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم.

للقرآن الكريم. إذن لا شك في أن المعاني المنصوصة مأخوذة من منبع الرسالة.. إلخ "المكتوبات (400-401). ويتساءل الأستاذ النورسي، بعد أن تعرض لبعض المعاني الإشارية، من قبيل الإعجاز العلمي فيقول: "فإن قلت: كيف نستطيع أن نعلم: أن القرآن أراد هذه المعاني، وأشار إليها؟ فالجواب: مادام القرآن خطة أزلية، ومادام هو يدرس، ويخاطب كل طبقات البشر، المصطفة، جيلاً بعد جيل، إلى يوم القيامة، فلابد له من مراعاة تلك الأفهام المختلفة، ودرج المعاني المتعددة وإرادتها، ووضع القرائن للإرشاد بأنه أرادها.

وكل هذه الوجوه والمعاني تعد من معاني القرآن، بشهادات واتفاق أهل الاجتهاد، وأهل التفسير، وأهل أصول الدين، وأهل أصول الفقه، بشرط كونه صحيحاً، من ناحية العلوم العربية، وحقاً من جهة الأصول الدينية، ومقبولاً من الناحية البلاغية.

والقرآن وضع أمارة لكل وجه من هذه الوجوه: إما لفظية وإما معنوية.والأمارة المعنوية إما أن تفهم من سياق الكلام وسباقه، وإما أمارة مستنبطة من آية أخرى تشير إليها "يعني إلى هذا المعنى"، وكتب التفاسير التي تعد بالآلاف، والتي ألفها المحققون تشهد بجامعية القرآن هذه وخارقيته.

سوزلر(13): أي الكلمات، (414-415) ويقول:

"فإن قلت: من شأن الهداية، والبلاغة: البيان والوضوح، وحفظ الأذهان عن التشتت، فما بال المفسرين، في أمثال هذه الآية، اختلفوا اختلافاً مشتتاً وأظهروا احتمالات مختلفة، وبينوا وجوه تراكيب متباينة، وكيف يعرف الحق من بينها؟ قيل لك: قد يكون الكل حقاً، لكن الأمر يختلف من سامع إلى سامع، إذ القرآن ما نزل لأهل عصر فقط؛ بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط، بل جميع طبقات الإنسان، ولا لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر، ولكل فيه نصيب من الفهم.

والحال: أن فهم نوع البشر يختلف درجة درجة.. وذوقه يتفاوت جهة جهة.. وميله يتشتت جانباً جانباً.. واستحسانه يتفرق وجهاً وجهاً.. ومتعته تتنوع نوعاً نوعاً.. وطبيعته تتباين قسماً قسماً.. فكم من أشياء يستحسنها نظر طائفة، دون طائفة، وتستلذها طبقة، ولا تتنزل إليها طبقة، وقس. فلأجل هذا السر وهذه الحكمة، أكثر القرآن من حذف الخاص للتعميم، ليقدر كل مقتضى ذوقه واستحسانه.

ولقد نظم القرآن جملة، ووضعها في مكان، ينفتح من جهاته وجوه مختلفة، لمراعاة الأفهام المختلفة؛ ليأخذ كل فهم حصته، وقس، فإذا يجوز أن تكون الوجوه بتمامها مرادة، بشرط أن لا تردها العلوم العربية، وبشرط أن تستحسنها البلاغة، وبشرط أن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة. فظهر من هذه النكتة: أن من وجوه إعجاز القرآن: نظمه، وسبكه في أسلوب، ينطبق على أفهام عصر فعصر.. وطبقة فطبقة (إشارات الإعجاز40-41). لنأخذ مثلاً قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30]. هذه الآية تفهم من لم يتوغل في المسائل الفلسفية، هذا المعنى: بينما كانت السماء صافية بدون صحاب والأرض جافة، ليست قابلة للتوليد، فتح الله السماء بالمطر والأرض بالخضروات، وزاوج بينهما، وخلق من هذا الماء كل شيء حي، وتفهم الآية الحكيم المحقق: أنه في ابتداء الخليقة كانت السموات والأرض كوماً، بدون أي شكل، وعجيناً بدون نفع، ليس عليها أي كائن أو مخلوق، ولكن الفاطر الحكيم فتحهما، وبسطهما فجعل كلتيهما نافعة مثمرة، مزينة ومنشأ لكثير من المخلوقات، يفهم هذا ويعظم حكمة الله تعالى، وتفهم الآية أيضاً في نظر حكيم معاصر: أن أرضنا وسائر (السيارات) التي تشكل المنظومة الشمسية كانت في ابتداء الأمر ممزوجة مع الشمس، عجيناً، ولكن القيوم القدير بسط هذا العجين، ووضع السيارات في أمكنتها وخلق التراب فوق الأرض، وأنزل المطر من السماء، وأرسل الأشعة من الشمس، وعمر الدنيا بالحياة. يفهم هذا ويتخلص من شرك الطبيعة.

سوزلر أي الكلمات (411-412): إن الإنسان يتساءل: إن الواقع الذي نشاهده ضد ما أشار إليه القرآن في بعض الأحيان. فمثلاً نرى الشمس تشرق، وتغرب، والأرض منبسطة ساكنة، ماذا تقول في ذلك؟ نجيب عن هذا السؤال بأن القرآن كتاب هداية وإرشاد. والإرشاد إنما يكون نافعاً، إذا كان على درجة (استعداد) أفكار الجمهور الأكثر. والجمهور باعتبار المعظم عوام. والعوام لا يقدرون على رؤية الحقيقة عريانة، ولا يستأنسون بها، إلا بلباس خيالهم المألوف. فلهذه النكتة صور القرآن تلك الحقائق بمتشابهات، وتشبيهات، واستعارات، وحافظ على الجمهور الذين لم يتحملوا، عن الوقوع في ورطة التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه، فأجمل في المسائل التي يعتقد الجمهور بالحس الظاهر مخالفتها للواقع، لكن مع ذلك أومأ إلى الحقيقة بنصب أمارات.

فإذا تفطنت لهذه النكتة فاعلم: أن الديانة، والشريعة الإسلامية، المؤسسة على البرهان العقلي، ملخصة من علوم وفنون، تضمنت العقد الحيوية في جميع العلوم الأساسية، من فن تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفن تدبير الجسد، وعلم تدبير المنزل، وفن السياسة المدنية، وعلم الحقوق والمعاملات وفن الآداب الاجتماعية، وكذا وكذا … إلخ. مع أن الشريعة فسرت، وأوضحت في مواقع اللزوم، ومظان الاحتياج، وفيما لم يلزم في حينه أو لم تستعد له الأذهان، أو لم يساعد له الزمان، أجملت بفذلكة(14) ووضعت أساساً، وأحالت إلى الاستنباط منه، وتفريعه ونشوء نمائه، على مشورة العقول (إشارات الإعجاز 175). فمثلاً يراعي القرآن، ويتلطف مع الحس الظاهري، الذي يشاهد أن الأرض ساكنة ومنبسطة، ولا يقول بصراحة: أن الأرض كروية، تدور حول نفسها، وحول الشمس بسرعة. لا، ما أراد القرآن أن يلبس على الناس ويشوش أفكارهم، فيبعدهم عن هداية القرآن. ولو قال القرآن هذا وأمثاله، من الحقائق العلمية، لانفض الناس من حوله، ولأنكروا ذلك، لم يكن من ذلك شيء. إلا أن القرآن لم يهمل الإشارة إلى العصر، وإلى المستوى، الذي أدرك الناس فيه حقيقة شكل الأرض أو حركتها.

وبناء على هذه الحقيقة لا بد للمفسرين المتأخرين، من أن يوفقوا بين الحقائق الكونية المنكشفة، وبين النص القرآني، المشير إلى هذه الاكتشافات؛ لأن هذه الحقائق كانت توجد في القرآن مجملة، وفي شكل الفذلكة، وليست هذه المسائل من قبيل العقائد، والعبادات، والأحكام، والمعاملات. ولهذا يجوز أن تفهم، وتؤمن الأجيال المتقدمة، بالمعنى الإجمالي ويكتفوا به. وهذا لا يسبب أي نقيصة، لا للقرآن، ولا للمتقدمين من الأمة، الذين لم يكن في استطاعتهم أن يعرفوا هذه المسائل بالتفصيل، بل يكون دليلاً آخر للإعجاز القرآني؛ لأن القرآن يعلن بصراحة: أنه يحتوي على بعض الحقائق، التي لم تظهر حقيقتها في وقت النزول: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39]. والجملة الأخيرة من الآية صريحة، في أن القرآن يحتوي على بعض الحقائق، التي ستتضح بمرور الأزمان.

يقول المفسر شهاب الدين الآلوسي في تفسيره المسمى بروح المعاني، عند تفسير الآية المذكورة ما نصه: "فالتأويل: نوع من التفسير، والإتيان: مجاز عن المعرفة والوقوف، ولعل اختياره للأشعار بأن تلك المعاني متوجهة إلى الأذهان منساقة إليها بنفسها. وجوز أن يراد بالتأويل: وقوع مدلوله وهو عاقبته وما يؤول إليه. وهو المعنى الحقيقي عند البعض، فإتيانه حينئذ مجاز عن تبينه وانكشافه أي: "ولم يتبين لهم إلى الآن تأويل ما فيه من الإخبار بالغيب، حتى يظهر أنه صدق أم كذب.. والمعنى: أن القرآن معجز من جهة النظم، ومن جهة الإخبار بالغيب، وهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتفكروا في معناه، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة (روح المعاني 11/ 120).

وكذا قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. هذه الآية صريحة في أن الله يظهر بعض الآيات أي بعض الحقائق القرآنية، بعد زمن النزول. فلنقرأ ما كتبه المفسر ابن كثير (المتوفي سنة 774هـ) الذي هو أبعد المفسرين، عن التفسير المسمى بالعلمي، قال رحمة الله في تفسير هذه الآية الكريمة: "أي سنظهر لهم دلالاتنا، وحججنا، على كون القرآن حقاً، منزلاً من عند الله عز وجل على رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم بدلائل خارجية، في الآفاق من الفتوحات، وظهور الإسلام على الأقاليم، وسائر الأديان.

ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه، وفيه، وعليه، من المواد والأخلاط، والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم (التشريح الدال، على حكمة الصانع -تبارك وتعالى-) (تفسير ابن كثير 7/ 175).

وقال ابن زيد: (آفاق السموات): نجومها، وشمسها، وقمرها، اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضاً (تفسير الطبري 25/ 5). ويصرح ابن كثير بأن هذه الآية تشير إلى بعض الحقائق، التي يدرسها علم الأحياء، وعلم التشريح، وابن زيد من السلف يفسر (الآيات) بعلوم الكون، بينما كان ابن جرير الطبري لا يلتزم هذا التفسير، بأن السموات والشمس والقمر، كانت مشهودة ومعلومة عندهم.

وقال الأستاذ النورسي، دفعاً لبعض الشبه، في هذه الموضوع: ثم اعلم أن آية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]. تشير إلى أن أناساً بسبب الغفلة عن مقصود الشارع في إرشاد الجمهور وجهلهم بلزوم كون الإرشاد بنسبة استعداد الأفكار وقعوا في شكوك وريب منبعها ثلاثة أمور (…).

والثاني: أنهم يقولون: إن القرآن الكريم أطلق وأبهم، في حقائق الخلقة، وفنون الكائنات، مع أنه مناف لمسلك التعليم والإرشاد.

والثالث: أنهم يقولون إن بعض ظواهر القرآن الكريم أقرب إلى خلاف الدليل العقلي فيحتمل خلاف الواقع وهو مخالف لصدقه.

والجواب وبالله التوفيق: أيها المشككون: اعلموا أن ما تتصورونه سبباً للنقص، إنما هي شواهد صدق، على سر إعجاز القرآن …..

أما الجواب عن الشبهة الثانية: وهو إبهام القرآن، في بحث تشكيل الخلقة، على ما شرحته الفنون الجديدة، فاعلم: أن في شجرة العالم ميل الاستكمال وتشعب منه في الإنسان ميل الترقي، وميل الترقي كالنواة يحصل نشؤه ونماؤه بواسطة التجارب الكثيرة، ويتشكل ويتوسع، بواسطة تلاحق نتائج الأفكار، فيثمر فنوناً مترتبة، بحيث لا ينعقد المتأخر، إلا بعد تشكل المتقدم، ولا يكون المتقدم، مقدمة للمؤخر، إلا بعد صيرورته كالعلوم المتعارفة. فبناء على هذا السر لو أراد أحد تعليم فن أو تفهيم علم - وهو إنما تولد بتجارب كثيرة - ودعا الناس إليه قبل هذا بعشرة أعصر، لا يفيد إلا تشويش أذهان الجمهور ووقوع الناس في السفسطة، والمغالطة.

مثلاً: لو قال القرآن: (يا أيها الناس انظروا إلى سكون الشمس وحركة الأرض واجتماع مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الخالق) لأوقع الجمهور: إما في التكذيب، وإما في المغالطة مع أنفسهم، والمكابرة معها، بسبب أن حسهم الظاهري أو غلط الحس يرى انبساط الأرض، ودوران الشمس، من البديهيات المشاهدة.

والحال أن تشويش الأذهان -لاسيما في مقدار عشرة أعصر، لتشهي بعض أهل زماننا- مناف لمنهاج الإرشاد، وروح البلاغة، يا هذا، لا تظنن قياس أمثالها، على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة. إذ الحس الظاهري لما لم يتعلق بجهة منها بقيت في درجة الإمكان، فيمكن الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها الصريح التصريح بها، لكن ما نحن فيه لما خرج من درجة الإمكان والاحتمال في نظرهم -بحكم غلط الحس- إلى درجة البداهة عندهم فحقه في نظر البلاغة الإبهام، والإطلاق، احتراماً لحسياتهم، وحفظاً لأذهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك أشار القرآن الكريم، ورمز، ولوح، إلى الحقيقة، وفتح الباب للأفكار، ودعاها للدخول، بنصب أمارات وقرائن. فيا هذا، إن كنت من المنصفين إذا تأملت في دستور (كلّم الناس على قدر عقولهم)(15) ورأيت أن أفكار الجمهور -لعدم استعداد الزمان والمحيط- لا تتحمل، ولا تهضم التكليف بمثل هذه الأمور، التي إنما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار، لعرفت أن ما اختاره القرآن من الإبهام والإطلاق، من محض البلاغة، ومن دلائل إعجازه.

أما الجواب عن الشبهة الثالثة: وهو إمالة بعض ظواهر الآيات إلى منافي الدلائل العقلية، وما كشفه الفن. فاعلم، أن المقصد الأصلي في القرآن: إرشاد الجمهور، إلى أربعة أصول هي: إثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر، والعدالة، فذكر الكائنات في القرآن: إنما هو تبعي، واستطرادي للاستدلال، إذ ما نزل القرآن لدرس الجغرافيا والقوزموغرافيا، بل إنما ذكر الكائنات للاستدلال بالصنعة الإلهة، والنظام البديع على صانع النظام الحقيقي جل جلاله.

والحال: أن أثر الصنعة. والقصد، والنظام، يتراءى في كل شيء. وكيف كان التشكل فلا علينا إذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي. فحينئذ ما دام أنه يبحث عنها للاستدلال، وما دام أنه يجب كونه معلوماً قبل المدعي، وما دام أنه يستحسن وضوح الدليل؛ كيف لا يقتضي الإرشاد والبلاغة، تأنيس معتقداتهم الحسية، ومماشاة معلوماتهم الأدبية، بإمالة بعض ظواهر النصوص إليها، لا ليدل عليها، بل من قبيل الكنايات، أو مستتبعات التراكيب، مع وضع قرائن وإمارات تشير إلى الحقيقة لأهل التحقيق.مثلاً لو قال القرآن الكريم في مقام الاستدلال: أيها الناس، تفكروا في سكون الشمس مع حركتها الصورية، وحركة الأرض اليومية والسنوية، مع سكونها ظاهراً، وتأملوا في غرائب الجاذب العمومي، بين النجوم، وانظروا إلى عجائب الكهرباء، وإلى الامتزاجات غير المتناهية بين العناصر السبعين، وإلى اجتماع ألوف ألوف الحيوانات في قطرة ماء، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير؛ لكان الدليل أخفى وأغمض، وأشكل، بدرجات من المدعي. وإن هذا لمناف لقاعدة الاستدلال، ثم لأنها من قبيل الكنايات، لا يكون معانيها، مدار صدق وكذب. ألا ترى أن لفظ (قال) ألفه يفيد خفة، سواء كان أصله واواً أو قافاً أو كافاً.

الحاصل: بما أن القرآن الكريم نزل لجميع البشر في جميع الأزمان، فالنقط الثلاث المذكورة من دلائل إعجازه (إشارات الإعجاز 180 - 182). ويرى الأستاذ سعيد النورسي في قصص معجزات الأنبياء عليهم السلام إشارات إلى المكتشفات العلمية الحديثة أيضاً. ومعلوم أن القصص القرآنية ليست مسوقة لتعليم الحوادث التاريخية فقط، بل لها عدة أغراض، من بينها الإشارة والإرشاد إلى بعض الأمور الدنيوية.

يقول الأستاذ: كما أن قصص معجزات الأنبياء ترشد إلى الاستفادة من كمالات الأنبياء الدينية، في نفس الوقت ترشد إلى الاستفادة من معجزاتهم المادية أيضاً.

نعم حقق الله هذه الخوارق على أيديهم معجزة، إلا أن هذه القصص تثير في الناس الميل إلى محاكاتهم. لأن الله لم يحقق هذه المعجزات بدون سبب، بل جعل لها وسائل مادية. فمثلاً جعل الريح سبباً لسير سليمان عليه السلام مسيرة شهرين. يريد القرآن أن يقول من خلال هذه القصص: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2] لكم في معجزات الأنبياء عبرة من عدة وجوه، فاستفيدوا من كل هذه الوجوه، حاولوا وسيروا في هذا الطريق؛ لعلكم تستطيعون أن تحققوا، عن طريق سنن الله الكونية، ما تشبه هذه المعجزات، التي أعطاها الله لأنبيائه معجزة خارقة.

ونستطيع أن نقول: إن بعض الكمالات المادية الدينية، والخوارق الدنيوية أهديت إلى البشرية -مثل الكمالات الدينية- على يد الأنبياء، فمثلاً السفينة، أهديت إلى البشرية على يد نوح عليه السلام.

ويقول الأستاذ النورسي: "ثم إني نظراً إلى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]، ومستنداً إلى أن التنزيل كما يفيدك بدلالاته و نصوصه، كذلك يعلمك بإشاراته ورموزه، لأفهم من إشارات أستاذية إعجاز القرآن، في قصص الأنبياء، ومعجزاتهم: التشويق والتشجيع، للبشر على التوسل، للوصول إلى أشباهها، كأن القرآن، بتلك القصص، يضع إصبعه على الخطوط الأساسية، ونظائر نتائج نهايات مساعي البشر، للترقي في الاستقبال، الذي يبني على مؤسسات الماضي، الذي هو مرآة المستقبل.

وكأن القرآن الكريم يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع، قائلاً له: "اسع واجتهد في الوسائل، التي توصلك إلى أشباه بعض تلك الخوارق "أفلا ترى أن الساعة والسفينة أول من أهداهما للبشر، يد المعجزة. وإن شئت فانظر إلى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:31].

وإلـى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:10].

وإلـى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ:12]. أي النحاس.

وإلـى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة:60].

وإلـى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:49]. ثم تأمل فيما مخضه تلاحق أفكار البشر، واستنبطه من ألوف فنون، ناطق كل منها -بخواص، وأسماء- نوع من أنواع الكائنات، حتى صار البشر مظهر: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، ثم فيما استخرجه فكر البشر، من عجائب الصنعة، من السكة الحديدية، والآلة البرقية، وغيرهما بواسطة تليين الحديد، وإذابة النحاس، حتى صار مظهر: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:10] الذي هو أم صنائعه.

وفيما أفرخته أذهان البشر من الطائرات، التي تسير في يوم شهراً حتى كاد أن يصير مظهر: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:12]، وفيما ترقى إليه سعي البشر من اختراع الآلات، والعصي، التي تضرب في الأرض الرملة اليابسة، فتفور منها عين نضاخة، وتصير الرملة روضة، حتى أوشك أن يصير مظهر: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة:60] وفيما أنتجه تجارب البشر، من خوارق الطب، التي طفق: أن تبرئ الأكمه والأبرص والمزمن بإذن الله، وترى مناسبة تامة تصحح لك أن تقول تلك عبرها ومحاكاتها وذكرها يشير إليها، ويشجع عليها.

وكذا انظر إلى قوله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ [الأنبياء:69].

وإلى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (يوسف: 24) أي صورة يعقوب عليه السلام عاضاً على إصبعه في رواية(16).

وإلى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 94].

وإلى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: 10].

وإلى: ﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ﴾ [النمل: 16].

وإلى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40] وأمثالها. ثم تأمل فيما كشفه البشر، مرتبة النار التي لا تحرق، ومن الوسائط التي تمنع الإحراق، فيما اخترعه من الوسائل، التي تجلب الصور، والأصوات، من مسافات بعيدة، وتحضرها إليك قبل أن يرتد إليك طرفك، وفيما أبدعه فكر البشر، من الآلات الناطقة بما تتكلم، وفي استخدامه لأنواع الطيور، والحمامات، وقس عليها، لترى بين هذين القسمين ملائمة يحق بها أن يقال: (في هذه رموز إلى تلك) إشارات الإعجاز (253-255)

تتلخص من هذه المطالعات الأسس التالية:

1- إن القرآن الكريم، هو كلام الله تعالى: وكلامه تعالى جاء من العلم الإلهي، الذي يحيط بكل شيء علماً. ولهذا السبب كانت معاني كلام الله واسعة، بدرجة لا يقاس بها كلام البشر، الذي يستند إلى علم محدود.

2- إن القرآن ذاته يصرح، بأن قسماً من حقائقه، ستظهر بعد، زمن التنزيل.

3- القرآن الكريم لا يتجه بالخطاب إلى جيل ومكان معينين، بل إلى البشرية كافة، في كل زمان ومكان، إلى قيام الساعة

4- إن محكمات القرآن من عقيدة، أو عبادة، أو عمل، أو أحكام، مفهومة تماماً بالتفصيل، منذ عهد السلف الصالح، وهذه المعاني الأساسية للقرآن لا تتغير، ولا تتبدل، بمرور الزمان.ولكن القرآن دون هذه المقاصد الأساسية، ويحتوي على معاني ثانوية، من المتشابهات الإضافية، معاني هذه المتشابهات تفهم على وجه الكمال والتفصيل، بعد زمن التنزيل بقرون. وقد يكون فهم سلف الأمة من بعض هذه المتشابهات الإضافية فهماً ظاهرياً إجمالياً.

5- حكمة الله الحكيم المطلق أرادت أن يحوي كتابه على المتشابهات بأنواعها وبفضل هذه المتشابهات احتوى القرآن الكريم على معان لا تعد ولا تحصى. "لم يرد الله أن يكلف عباده في مثل هذه المسائل بقضية معينة، بل فتح الله باب الاجتهاد للعقل البشري ليسلكه الإنسان ويحقق به نعمة الله عليه في الإدراك والفهم". محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم، القاهرة (67-68) "إن المتشابهات لا تعني إبهاماً كلياً بدون معنى، كما يظنه بعض الناس، هذا الظن خطأ كبير، المتشابه ليس مهملاً، ولا كلاماً بدون معنى، بل لاحتوائه على معان كثيرة لا يمكن لنا أن نتبين المعنى المراد الذي يبدو مبهماً، إنما يبدو مبهماً لأن الحقائق المحيطة التي تفيدها المتشابهات، لا يستطيع أن يستوعبها فكر البشر.

وإن المتشابه في الحقيقة: هو البيان الذي يحتوي على مجموع وجوه البيان: من حقيقة ومجاز، وصريح وكناية، وتمثيل وتحقيق، وظاهر وخفي. ومن أجل ذلك وصفنا المتشابه بأنه (المعلوم المجهول)آنفاً. ومعلوم أن الإبهام في الكلام في بعض المواقع يعد من أثمن وجوه البلاغة، كما أن كل شخص لا يكون أهلاً لكل خطاب، وكذلك لا تستطيع القدرة البشرية على العموم أن تتحمل أفهام وتبليغ كلية العلم المحيط الإلهي "محمد حمدي باوزير، المفسر التركي المعاصر في تفسيره الثمين باللغة التركية المسمى بـ (حق ديني قرآن دلي) استانبول، (1935، 1/ 48). وهكذا نستطيع أن نشبه بعض المتشابهات القرآنية بمصباح بلوري (كريستال) ضوءه لا يتغير في الأصل؛ ولكن بسبب الزوايا الكثيرة التي توجد على زجاجات البلور تتغير الألوان والأشعة، وتزداد بحسب الزوايا، أي بحسب اختلاف نظر الناس، وهذه الإشعاعات تتجدد دوماً.

6- إن لمعاني القرآن طبقات متعددة، تحت معناه الصريح. والمعنى الإشاري والرمزي من هذه الطبقات. وكذا المعنى الإشاري أيضاً هو كلي له جزئيات وأفراد في كل عصر.

وهذه الجزئيات، فضلاً عن أن تنقص من قدر القرآن، تخدم وتقوي إعجازه وبلاغته (سعيد النورسي، شعاعلر، 644). وليس معنى هذا أن القرآن مبهم تستطيع أن تجره إلى حيث تشاء، بل معناه: أن لبعض الآيات القرآنية معاني متداخلة، (مثل الحلقات، التي تشاهد على سطح الماء إثر غمس شيء فيه "بدون تغير المعنى الأصلي، فالآية تحتوي على سطح، وقعر، وجذور، كثيرة. أسلوب الآية يشمل كل هذه العناصر. من أجل ذلك يختلف فهم الناس، بحسب مبلغهم من العلم.

7- قال الله تعالى، واصفاً للقرآن الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]. وقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الشريف: «لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد» [رواه الترمذي في سننه في كتاب فضائل القرآن، 14](17).

ولو كان الحق مع الشاطبي والدكتور الذهبي وأمثالهما لانقضت عجائبه، بانحصار أنواع معانيه. والآثار كثيرة في: أن القرآن ذو وجوه كثيرة.

وكتب التفاسير التي تعد بآلاف المجلدات، باختلافاتها، واتفاقاتها، تشهد بكثرة المعاني هذه.

وكتب محمد رشيد رضا عندما تصدى لشرح إعجاز القرآن تحت عنوان. إعجاز القرآن بتحقيق مسائل كانت مجهولة للبشر) ما نصه: "الوجه السابع: اشتمال القرآن، على تحقيق كثير من المسائل العلمية والتاريخية، التي لم تكن معروفة في عصر نزوله، ثم عرفت بعد ذلك بما انكشف للباحثين، والمحققين، من طبيعة الكون، وتاريخ البشر، وسنن الله في الخلق (وبعد أن ذكر أمثلة متعددة لهذا ختم قائلاً): فكتابه تعالى مظهر لقوله: (55/ 29): ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29] تفسير المنار (1/ 210 - 212).

8- ورغم أن المقصود الأسمى من القرآن الكريم هو: الهداية والإرشاد، أنه مع ذلك حوى أصول الإعجاز: التشريعي، والنفسي، والبياني، والعلمي، الدكتور عبدالله شحاته، تفسير الآيات الكونية، القاهرة (1400/ 1980، ص 22).

9- لا شك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب تعالى وتقدس، لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق، وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم وكانت الآية لها تعلق بذلك، فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر وبمقدار ما ستبلغ إليه، وذلك يختلف باختلاف المقامات.

ويبنى على توفر الفهم وشرطه: أن لا يخرج عما يصلح له اللفظ العربي، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل، ولا يكون تكلفاً بيناً، ولا خروجاً عن المعنى الأصلي؛ حتى لا يكون في ذلك كتفاسير الباطنية، كما قال محمد الطاهر بن عاشور.

10- إن مقاصد القرآن راجعة إلى عموم الدعوة، وهو معجزة باقية فلا بد أن يكون فيه ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس، في عصور انتشار العلوم في الأمة.

11- إن عدم تكلم السلف عليها: إن كان فيما ليس راجعاً إلى مقاصد القرآن فنحن نساعد عليه، وإن كان فيما يرجع إليها فلا نسلم وقوفهم فيها عند ظواهر الآيات، بل قد بينوا، وفصلوا، وفرعوا، في علوم عنوا بها، ولا يمنعنا ذلك أن نقفي على آثارهم، في علوم أخرى، راجعة لخدمة المقاصد القرآنية، كما قال المفسر الطاهر بن عاشور -رحمه الله-.

وهذا المسلك المعتدل الذي يقول: إن القرآن الكريم أتى بأصول عامة، لكل ما يهم الإنسان معرفته، ليبلغ درجة الكمال جسداً وروحاً، وترك الباب مفتوحاً لأهل الذكر، من المشتغلين بالعلوم المختلفة؛ ليبينوا للناس جزئياتها، بقدر ما أوتوا منها، في الزمان الذي هم عائشون فيه -سلكه عدد من العلماء في العصر الحديث- مثل: الطاهر بن عاشور، وسعيد النورسي، ومحمد رشيد رضا: انظر على سبيل المثال: تفسير قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام﴾ [الأعراف: 54] في تفسير المنار (8/ 445-448).

وتفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] في تفسير المنار (1/ 210 - 212).

والأستاذ المراغي: انظر على سبيل المثال: تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19] في تفسير المراغي (14/ 15).

وتفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40] في تفسير المراغي (23/10 -11).

وتفسير قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5] في تفسير المراغي، (23/ 145).

والأستاذ الدكتور/ محمد عبد الله دراز انظر قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 5-6] يخبر عن منشأ خلقة الإنسان.

وقوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [الحج: 5].

وقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: 14] يخبران عن صفات الجنين في بطن أمه.

وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30] يخبر بأن كل الحيوانات من أصل مائي.

وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: 48] يخبر عن تكون المطر.

وقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5] يخبر عن كروية الأرض.

وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41] و[الأنبياء: 44] يخبران بأن الأرض كروية إلا أن كرويتها ناقصة في أطرافها.

وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: 38] يخبر بأن الشمس تجري إلى نقطة معينة.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: 38] يخبر بأن طوائف الحيوانات تعيش حياة جماعية مثل الإنسان ولاسيما النحل.

وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: 36] و[الذاريات: 49] يخبران بأن الله خلق كل شيء أزواجاً.

وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الحجر: 22] يخبر عن التلقيح بواسطة الرياح وما إلى ذلك.

وبعد أن انتقد الدكتور دراز الإسراف في التوفيق بين النص القرآني وبين النتيجة العلمية، تحدث عن فائدة التفكر في الآفاق وفي الأنفس إلى أن قال: نحن لا نفسر نهائياً الآيات المذكورة بالمكتشفات المشار إليها، ولكننا نشاهد التطابق المدهش بين النص القرآني وبين المكتشفات العلمية الناتجة عن بحوث المتخصصين المتلاحقة خلال القرون الكثيرة "وهذا لا يمكن أن يكون صدفة، بل لابد من أن تكون معجزة. (المدخل في القرآن الكريم، ص: (144). والأستاذ/ محمد المدني، والشيخ محمود شلتوت، والأستاذ الشهيد حسن البنا(18)، والأستاذ سيد قطب.قال الأستاذ الشهيد سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5]: وهو تعبير عجيب يقسر الناظر فيه قسراً على الالتفات إلى ما كشف حديثاً عن كروية الأرض، ومع أنني في هذه الظلال حريص على أن لا أحمل القرآن على النظريات التي يكشفها الإنسان) … مع هذا الحرص، فإن هذا التعبير يقسرني قسراً على النظر في موضوع كروية الأرض … إلخ) [في ظلال القرآن، (24/ 12 - 13].

وعند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] تلكم عن عموم الزوجية بما فيها زوجية الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء موجب وسالب.

وفي ظلال القرآن (27/ 25): وعند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: 10] تكلم الأستاذ عن تكون السموات والأرض وعن تكون القشرة الأرضية بالتفصيل ونقل أشياء عن الكتب العلمية الحديثة (في ظلال القرآن 24/ 114-119).

وانظر أيضاً على سبيل المثال: تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: 172] في ظلال القرآن (9/ 98).

وتفسير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] في ظلال القرآن (2/ 74).

وتفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: 14] في ظلال القرآن (18/ 15-16).

وتفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] في ظلال القرآن (30/ 199).

وتفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: 173] في ظلال القرآن (2/ 57).

والعلامة الطباطبائي صاحب الميزان. انظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] في تفسير الميزان (12/ 146).

وتفسير قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: 42] في تفسير الميزان (17/ 92).

وتفسير قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [يس: 36] في تفسير الميزان (17/ 87).

وتفسير قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30] في تفسير الميزان (14/ 277).

وتفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [الأنبياء: 31] في تفسير الميزان (11/ 288).

وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39] تفسير الميزان (17/ 90). وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47] تفسير الميزان (18/ 382).

وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: 38] في تفسير الميزان (17/ 89).

______________________

(1) يعني ما ذكره سابقا في كتابه الموافقات -لم يصح.

(2) انظر التفسير و المفسرون للدكتور الذهبي.

(3) بلى: لكن هذا شيء, وكون القرآن الكريم مصدراً مباشراً للحقائق العلمية المفصلة شيء آخر؟ "تلك وجهة نظر الذهبي, رحمه الله" المراجع د. إبراهيم الخولي "الهيئة".

(4) دعوة القرآن للنظر و الاستدلال ميزة, تفوق بها وتميز من سائر الكتب السماوية, لكن إدخال هذا تحت الإعجاز العلمي ربما كان غير دقيق؟ "المراجع د.إبراهيم الخولي "الهيئة".

(5) تفصى من الشيء, وعنه: تخلص منه. المعجم الوسيط (ص: 692).

(6) هو في أوائل فضائل القرآن حديثة رقم (4981) وأيضا في الاعتصام باب (2) حديث رقم (7274).

وفي صحيح مسلم في كتاب الإيمان باب (69) حديث (239/ 152), ورواه النسائي وفي التفسير وفي فضائل القرين كما قال: المزي في الطراف, وكلهم عن أبي هريرة- "الهيئة".

(7) لست أدري: ما الذي ينتهي إليه النظر, وبرهان التمانع يعرفه المناطقة مثلا, وعرفه أرسطو, وتحت الجاحظ وابن المعتز عما سمى: بالمذهب الكلامي؟ "المراجع د. إبراهيم الخولي "الهيئة".

(8) السى: بسين مهملة مكسورة وتحية مشددة: النظير والمثل. لسان العرب (جـ 14، ص: 411- 412).

(9) لكن السؤال الآن: ما قيمة هذا الذي حشوا به كتبهم من قواعد العلوم الحكمية وما إليها؟ وما مصيره في نظر العلم اليوم؟ "المراجع د. إبراهيم الخولي " الهيئة".

(10) ليسوا السلف, وإنما ورد هذا الوصف في حديث الحارث العور عن علي- رضي الله عنه بإسناد ضعيف. يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم.. أنظر: التاج الجامع للأصول. كتاب فضائل القرآن, وسنن الترمذي: كتاب فضائل القرآن.

(11) هذه الجملة من حديث طويل رواه عمرو بن الأحوص عن النبي صلي الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع, رواه ابن ماجه في المناسك في باب (76) حديث رقم (3056) - "الهيئة".

(12) الميثولوجيا: الأساطير.

(13) سوزلر: مطبعة باستانبول.

(14) حاشية: فإن قلت: إن القرآن وكذا مفسره -أعني الحديث النبوي- إنما أخذ من كل فن فذلكة, وإحاطة فذلكات كثيرة ممكنة لشخص؟ قيل لك: إن الفذلكة بحسن الإصابة في موقعها المناسب,واستعمالها في أرض منبتة, مع أمور مرموزة, غير مسموعة-قد أشرنا إلهيا في النكتة الثانية- تشف كالزجاجة عن ملكة تامة, في ذلك الفن, واطلاع تام في ذلك العلم, فتكون الفذلكة في حكم العلم, ولا يمكن لشخص أمثال ذلك.

(15) كذا قال الباحث, ولكن لم نعثر عليه بهذا اللفظ في كتاب الحديث, وإنما ورد بلفظ: (أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً, وعزاه ابن حجر لمسند الحسن بن سفيان عن ابن عباس بلفظ"أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم" قال: وسنده ضعيف جدا, وفي صحيح البخاري في كتاب العلم باب (49) عن علي موقوفا حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله و رسوله" حديث رقم (127).

وفي مقدمة صحيح مسلم في باب (3) عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة, ملخصاً عن العجلوني حديث (592)-الهيئة.

(16) ذكره السيوطي في تفسيره فقال: أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس-وفيه-: حتى رأى برهان ربه -جبريل عليه السلام- في صورة يعقوب عاضاً على إصبعيه فذكره. وقد ذكر الطبري في تفسيره روايات كثيرة, بألفاظ مختلفة, في كلها مقال, وأقل ما قيل: كلها مضطربة- الهيئة.

(17) رواه الترمذي في أبواب فضائل القرآن في باب (14) حديث رقم (2906), ورواه الدرمي في سننه (2/ 435) كلاهما عن الحارث عن علي.

وفي إسناد هذا الحديث: أبو المختار الطائي وابن أخي الحارث العور وهما من المجاهيل, والحارث العور فيه كلام مشهور, وليس له متابع سليم من المقال وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة نقلاً عن الصنعاني موضوع, وقال المعلمي في الهامش: سنده ضعيف ومتنه حسن فلا يتجه الحكم بوضعه- راجع صفحة (296), وقال الألباني ضعيف-راجع ضعيف الجامع-.

تنبيه: في الترمذي "ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقض عجائبه" يعني خلاف ما ذكره المصنف-الهيئة.

(18) انظر إلى كتاب (تفسير الآيات الكونية للدكتور شحاتة, (ص: 9).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: