مركز البحوث
   
الفقه
   
عبادات
   
صلاة الجماعة في غير المسجد
صلاة الجماعة في غير المسجد
محمد بن حسين الحميدي
الجمعة 11 يناير 2013

صلاة الجماعة في غير المسجد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين أما بعد: فإذا أردنا الكلام على صلاة الجماعة من جميع النواحي فسوف يطول بنا الأمر ولكن سوف نتعرض لمسألتين مهمتين هما:

المسألة الأولى: هل تصح صلاة الجماعة في غير المسجد؟

المسألة الثانية: هل تضعف صلاة الجماعة في غير المسجد؟

أما المسألة الأولى فمبنى القول فيها على خلاف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، فمن قال منهم بأن صلاة الجماعة فرض على الأعيان، اختلفوا في صحتها في غير المسجد، فمنهم من قال بأن الصلاة في غير الجماعة لا تصح، ومنهم من قال بأن الصلاة تصح مع الإثم، وأما من قال بأن صلاة الجماعة واجبة أو سنة يقولون بجوازها مع الإثم ممن يقول بالوجوب.

وعلى كل حال الذي يظهر من خلال النظر في الأدلة الشرعية أن صلاة الجماعة تصح في غير المسجد ومن تلك الأدلة ما يأتي:

1- عن جابر بن عبد الله الأنصاري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة»(1)، فالحديث يدل على أن الصلاة تصح في أي مكان من الأرض وهذا من خصائص أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

2- عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها قالت: «صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيته وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم (أن اجلسوا)»(2).

ففي الحديث دلالة على صحة الصلاة في غير المسجد ولو لم تصح لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة أن يذهبوا إلى المسجد لأداء الصلاة لأنهم غير معذورين، فلما لم يأمرهم بالذهاب وتركهم يصلون معه دل على جواز الصلاة في غير المسجد.

3- عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: «شهدت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه فقال على بهما فجيء بهما ترعد فرائضهما فقال ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا قال فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة»(3).

هذا الحديث فيه دلالة قوية على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينكر عليهما أنهما صليا في رحالهما؛ بل أقر هما على ذلك،فدل على جواز الصلاة في غير المسجد وصحتها.

4- عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»(4).

أما المسألة الثانية: هل صلاة الجماعة تضّعف وإن كانت في غير المسجد؟

لقد اختلف العلماء في المقصود بالصلاة في غير المسجد، والتي تفضلها جماعة المسجد، فقال بعضهم: هي صلاة المنفرد، وقال آخرون هي الصلاة خارج المسجد ولو في جماعة، ولكن الراجح أن الصلاة المفضولة عن صلاة المسجد هي صلاة المنفرد، ومن صلى جماعة في بيته مع أهله أو ضيفه فله أجر الجماعة، ولكن هذا الأجر لا يساوي أجر الجماعة في المسجد، كما أن الجماعة خارج المسجد خير من صلاة المنفرد وإليك الأدلة على ذلك:

استدل القائلون بأن صلاة الجماعة تضعف سواء كانت في المسجد أو في غيره بأدلة منها:

أولاَ: عن قباث بن أشيم الليثي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى و صلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى و صلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى»(5).

الشاهد من الحديث: أنه لم يقيد الفضل بالصلاة في المسجد بل جاءت مطلقة في أي مكان،ويشهد لهذا الفهم حديث تضعيف الصلاة في الفلاة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة»(6), إذ لو كان من شرط التضعيف المسجد لما ضعفت في الفلاة.

ثانياَ: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صل عليه اللهم ارحمه ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة»(7).

الحديث الوارد في فضل صلاة الجماعة يشمل الجماعة في المسجد وفي غيره؛ إذ النص: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، فصلاة الجماعة في غير المسجد لها فضلها، إلا أن الجماعة إذا أديت في المسجد كان ذلك مدعاة لمزيد من الأجر من حيث التطهر في البيت والمشي إلى المسجد، فلا يرفع قدمه إلا رفع درجة ولا حط قدمه إلا حطت عنه خطيئة، والاعتكاف في المسجد وانتظار الصلاة، ودعاء الملائكة بالمغفرة والرحمة لمن يكون في انتظار الصلاة، كل هذا وغيره يزداد به أجر صلاة الجماعة في المسجد.

فالمقصود من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه» أي صلاته في بيته وفي سوقه منفردا لا جماعة وغلى هذا الفهم ذهب الإمام النووي وابن حجر -رحمهما الله تعالى- حيث قال النووي في (شرح صحيح مسلم) في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة» المراد صلاته في بيته وسوقه منفردا هذا هو الصواب، وقيل فيه غير هذا، وهو قول باطل نبهت عليه لئلا يغتر به.(8)

ومن كلام الإمام النووي يفهم أن الصلاة في البيت والسوق جماعة تضعف كما تضعف الصلاة في المسجد.

وقال ابن حجر في (فتح الباري، شرح صحيح البخاري): قوله: (في بيته وفي سوقه): قال ابن دقيق العيد: مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادى، والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردا، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفرد.(9)

وفي (عون المعبود شرح سنن أبي داوود): وقوله: (على صلاته في بيته): أي على صلاة المنفرد، وقوله في بيته قرينة على هذا، إذ الغالب أن الرجل يصلي في بيته منفردا.(10)

وقال في المجموع قال الشافعي والأصحاب: ويؤمر الصبي بحضور المساجد وجماعات الصلاة ليعتادها وتحصل فضيلة الجماعة للشخص بصلاته في بيته أو نحوه بزوجة أو ولد أو رقيق أو غير ذلك وأقلها اثنان كما مر.

وما كثر جمعه من المساجد كما قاله الماوردي: "أفضل" مما قل جمعه منها وكذا ما كثر جمعه من البيوت أفضل مما قل جمعه منها أي فالصلاة في الجماعة الكثيرة أفضل من الصلاة في الجماعة القليلة فيما ذكر، قال -صلى الله عليه وسلم- صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى.

وقضية كلام الماوردي أن قليل الجمع في المسجد أفضل من كثيره في البيت وهو كذلك وإن نازع في ذلك الأذرعي بالقاعدة المشهورة وهي أن المحافظة على الفضيلة المتعلقة بالعبادة أولى من المحافظة على الفضيلة المتعلقة بمكانها لأن أصل الجماعة وجد في المسجد منفردا نعم لو كان إذا ذهب إلى المسجد وترك أهل بيته لصلوا فرادى أو لتهاونوا أو بعضهم في الصلاة أو لو صلى في بيته لصلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى وحده فصلاته في بيته أفضل.(11)

قال ابن قدامة في المغني:

ويجوز فعلها في البيت والصحراء وقيل فيه رواية أخرى أن حضور المسجد واجب إذا كان قريبا منه أنه يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»(12)، ولنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: «جعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان»، وقالت عائشة: «صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيته وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا».

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجلين: «إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الجماعة فصليا معهم تكن لكما نافلة»، وقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» لا نعرفه إلا من قول علي نفسه كذلك رواه سعيد في سننه والظاهر أ نه إنما أراد الجماعة وعبر بالمسجد عن الجماعة لأنه محلها ومعناه لا صلاة لجار المسجد إلا مع الجماعة وقيل أراد به الكمال والفضيلة فإن الأخبار الصحيحة دالة على أن الصلاة في غير المسجد صحيحة جائزة.(13)

وبهذا السرد للأدلة على جواز صلاة الجماعة في غير المسجد وتضعيف الأجر يتبين لنا جواز صلاة الجماعة في غير المسجد، ومع ذلك لا يعني أنها تعدل الصلاة في المسجد فللمسجد خصيصة ليست لأي مكان آخر، فيجب أن نحرص على الصلاة في المسجد وتكثير جماعة المسلمين في المساجد كيف لا ولك بكل خطوة تخطوها إلى المسجد حسنة،وانتظارك للصلاة صلاة،حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صل عليه اللهم ارحمه ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة»(14).

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين.

إعداد/ محمد بن حسين الحميدي.

______________________

(1) صحيح مسلم (جزء 1 - صفحة 370).

(2) صحيح البخاري (جزء 1 - صفحة 244).

(3) سنن الترمذي (جزء 1 - صفحة 424)، وصححه الألباني، ج1/ 67، برقم 669.

(4) صحيح البخاري (جزء 1 - صفحة 231).

(5) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ج19/ 36، 73، الجامع الصغير وزيادته (جزء 1 - صفحة 729).

(6) سنن أبي داود (جزء 1 - صفحة 209) وصححه الألباني في صحيح أو داوود، ج1/ 112، برقم 524.

(7) صحيح البخاري (جزء 1 - صفحة 232).

(8) شرح صحيح مسلم للنووي ج5 ص165.

(9) فتح الباري ج2 ص135.

(10) عون المعبود ج2 ص186.

(11) مغني المحتاج (جزء 1 - صفحة 229).

(12) المستدرك ج1 ص373،سنن الدار قطني ج1 ص419،ضعفه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ج2 ص251.

(13) المغني (جزء 2 - صفحة 6).

(14) صحيح البخاري (جزء 1 - صفحة 232).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: