مركز البحوث
   
الفقه
   
أحكام المرأة
   
حكم تولي المرأة ولاية المسلمين العامة
حكم تولي المرأة ولاية المسلمين العامة
علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس
الجمعة 11 يناير 2013

حكم تولي المرأة ولاية المسلمين العامة

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

إن الناظر في التكاليف الشرعية، يرى الحكمة الإلهية البالغة في هذا التشريع المُحكم المتقن الذي جاء من الله بالحق المبين، قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]، ففيه يجد العبد تكاليفاً جاءت لجميع الأفراد تكلِّفهم كأفراد. وهذه التكاليف منها: ما هو شامل لجنس الرجال والنساء، ومنها: ما هو خاص بجنس الرجال، ومنها: ما هو خاص بجنس النساء، ومنها: ما هو تشريع خاص بجنس الأطفال. ومنها: ما هو تكليف لا لجميع الأفراد، ولكنه تكليف لبعضٍ دون بعض، كلٌ من موقعه، ومكانه الذي هو فيه، وزمانه الذي يعيش فيه. ومنه ما هو تكليف للفرد في حالٍ دون حال، أو في زمان دون زمان، أو تكليفٌ له في مكان دون مكان، والنظر في هذه الأحوال إلى وجود الفعل وتحققه، ولكن ممن كُلِّف به وطُلب منه، وهذه ما تعرف عند علماء المسلمين بفروض الأعيان.

ومن التشريع ما هو تكليف لمجموع الأمة، لا يُنظر في تحققها إلى فاعلٍ بعينه، بل النظر متسلطٌ هنا على وقوع الفعل، إذ المطلوب أن يوجد هذا الفعل، سواء كان فاعل ذلك زيد من الناس أو عمرو، وهذا ما يعرف عند علماء المسلمين بفروض الكفايات.

ولكنَّ هنا نظراً، وهو: أن الطلب في فعل هذه التكاليف العينية أو الكفائية ليس متروكاً إلى هوى العبد واجتهاده، بل الطلب مسلّط عليه وفق شروط وضوابط وقيود معينة يجب على العبد أن يمتثلها، وأن يعتبرها في طلبه لتحصيل هذه الفروض. وبيان ذلك -على سبيل المثال- أن الصلاة والزكاة،... من الفروض العينية على كل من كُلِّف بها، ولكنّ أداءها والقيام بها ليس متروكاً للعبد ليؤديها بالطريقة التي يريد هو، بل هو مطالب أن يؤديها بالطريقة والكيفية التي أرادها الله سبحانه وتعالى، وذلك عند تحقُق شروطها، ووجود أسبابها، وانتفاء موانع أدائها، ومثل ذلك فروض الكفايات، كصلاة الجنازة، وتوليه القضاء، والولاية العامة أو الخلافة. إذ المطلوب من مجموع الأمة فِعْل هذه الأعمال، ولكن وفق الطريقة والكيفية التي أرادها الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40].

ومسألتي هذه التي سأتحدث عنها من فروض الكفايات، والتي أراد الله سبحانه أن تتحقق لسير حياة الناس، ولكن وفق الضوابط والشروط الشرعية التي جعلها الله سبحانه لتولي هذا المنصب، ولقد وُجِد في زماننا هذا من المسلمين من يطالب بمساواة النساء بالرجال في أن تتولى إحداهن الرئاسة والإمارة. ويحسبون أن منعهن من ذلك غمصٌ لهن، ومنعٌ لهن من حقٍ مشروع؛ ولذا كان لا بد من بيان حكم الشرع في هذه المسألة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: 36]؛ فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونِعم الوكيل:

تعريف الولاية:

هي اسم أو مصدر من وَلِيَ. قال الفيروز آبادي: "ووَلِيَ الشيءَ، وعليه وِلايَةً وَوَلايَةً، أَو هي (أي الوَلاية) المَصْدَرُ، وبالكسر الخُطَّةُ، والإِمارَةُ، والسُّلطانُ. وأوْلَيْتُه الأمْرَ: وَلَّيْتُه إياهُ"(1). وقال ابن سيده: وَليَ الشيءَ ووَلِيَ عليه، وِلايةً ووَلايةً، وقيل: الوِلاية الخُطة كالإِمارة، والوَلايةُ المصدر. وقال ابن السكِّيت: الوِلاية -بالكسر-: السلطان، والوَلايةُ: النُّصرة. يقال: هم عليَّ وَلايةٌ أَي: مجتمعون في النُّصرة. وقال سيبويه: والوِلاية -بالكسر- الاسم، مثل الإِمارة والنِّقابة؛ لأَنه اسم لما توَلَّيته وقُمْت به. وقال الزجاج: والوِلايةُ التي بمنزلة الإِمارة مكسورة؛ ليفصل بين المعنيين(2)، ويقصد بالمعنيين: الإمارة والنصرة.

تعريف العامة:

قال زين الدين الرازي: "والعامة ضِدُّ الخَاصَّة. وعَمَّ الشَّيْءُ يَعُمُّ (بالضم) عُمُوماً أي: شَمِلَ الجماعةَ. يقال: عَمَّهم بالعَطِيَّة"(3). وقال المرتضى الزبيدي: "والعَمَم: اسم جمع للعامة، وهى خلاف الخاصة، وقال ثعلب: إنما سميت؛ لأنها تعم البشر، وقال الراغب: لكثرتهم وعموميتهم في البلاد"(4).

تعريف الولاية العامة:

عرَّفها ابن نجيم الحنفي بأنها: "استحقاق تصرفٍ عام في الدين، والدنيا على المسلمين"(5). وقيل: "هي رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافةً عن النبي صلى الله عليه وسلم"(6).

والولاية متعلقة بتصرف الراعي في تدبير شئون الرعية؛ لا أنه أصبح مستحقاً ولأنه يتصرف فيهم، والمستحَق عليهم طاعة الإمام، لا تصرفه فيهم.(7)

حكم تولي الخلافة:

تنصيب خليفة للمسلمين من فروض الكفايات -كما تقدم- التي يتسلط الأمر فيها إلى مجموع الأمة الإسلامية، فإن قام بها من يكفي أجزأ ذلك عن الجميع، وارتفع الإثم عن الباقين. قال أبو النجا المقدسي في الإقناع: "هي فرض كفاية، كالقضاء"(8).

الحكمة من تولي الخلافة:

المقصود الأعظم من تولي الخلافة كما ذكر فقهاء المسلمين هو: خلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا بالدين(9). وذلك متمثل في: إقامة شعائر الدين، والدفاع عنها، ونشر السنة النبوية المطهرة، والذبِّ عنها، وحمل الناس عليهما، ونشرهما بكل الوسائل، ومحاربة البدعة وأهلها، وحماية بيضة المسلمين وجماعتهم، والدفاع عنهم، وجمع كلمتهم، وإقامة الحدود، وأداء الحقوق، ونصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم وإرجاعه إلى الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والسعي في مصالح الرعية، وتوفير احتياجاتهم، والتخفيف عنهم، والتجاوز عن مُسيئهم، والرأفة بضعيفهم، والعطف على فقيرهم ومراعاته...

قال الشربيني: "إذ لا بد للأمة من إمام يُقيم الدين، ويَنصر السنة، ويُنصِف المظلوم من الظالم، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها"(10)، وقال البهوتي في كشاف القناع من كتب الحنابلة: "لأن بالناس حاجة إلى ذلك لحماية البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرط(11). وقد أشار أبو النجا المقدسي في الإقناع من كتب الحنابلة إلى أن من الحِكَم لتولي الخلافة: اتحاد كلمة المسلمين(12). وقال في رد المحتار من كتب الحنفية: "والمسلمون لا بد لهم من إمام، يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسدِّ ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغائر، الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم"(13).

الذكورة شرط في تولي الخلافة:

اشترط الفقهاء في خليفة المسلمين ما اشترطوه فيمن يتولى قضاء المسلمين وزيادة، كما نص على ذلك أبو النجا المقدسي من الحنابلة(14)، و الرملي من الشافعية.(15)

وبيان ذلك بالتفصيل كما يأتي:

أما فقهاء الحنفية فقد اشترطوا الذكورة في خليفة المسلمين أو واليهم. قال في الدر المختار: "شترط كونه مسلماً، حراً، ذكراً، عاقلاً، بالغاً، قادراً، قرشياً، لا هاشمياً، علوياً..."(16). وقال في رد المحتار: "شروط الإمامة: أن يكون عدلاً، بالغاً، أميناً، ورعاً، ذكراً، موثوقاً به في الدماء والفروج والأموال، زاهداً، متواضعاً، مُسايساً في موضع السياسة"(17).

ومعنى قادراً أي: "على تنفيذ الأحكام، وإنصاف المظلوم من الظالم، وسدِّ الثغور، وحماية البيضة، وحفظ حدود الإسلام، وجرِّ العساكر"(18).

وأما فقهاء المالكية فهم في هذه المسألة كالحنفية يشترطون فيمن يتولى الولاية العامة أن يكون ذكراً. قال في منح الجليل شرح مختصر خليل: "فيشترط فيه (أي الإمام الأعظم) العدالة، والذكورة، والفطنة، والعلم..."(19).

وأما الشافعية فقد اشترطوا فيمن يتولى الخلافة العامة شروطاً، وهي: أن يكون مسلماً، مكلفاً، حراً، ذكراً، قرشياً، عدلاً، مجتهداً، شجاعاً، ذا رأي وسمع وبصر ونطق. وقد نص زكريا الأنصاري في أسنى المطالب على اشتراط الذكورة فيمن يتولى منصب الإمام الأعظم(20)، وقال النووي في المنهاج: "شرط الإمام: كونه مسلماً، مكلفاً، حراً، ذكراً، قرشياً، عدلاً، مجتهداً، شجاعاً، ذا رأي وسمع وبصر ونطق"(21).

وأما الحنابلة فقد اشترطوا أيضاً شروطاً فيمن يتولى الخلافة العامة، وهي: أن يكون أهلاً للقضاء، قرشياً، شجاعاً، سليماً من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، وأن يكون بالغاً، عاقلاً، سميعاً، بصيراً، ناطقاً، حراً، ذكراً، عدلاً، عالماً، ذا بصيرة، كافياً ابتداءً ودواماً. قال أبو النجا المقدسي: "فشرط الإمام كونه أهلاً للقضاء، قرشياً، شجاعاً، وتعتبر سلامته من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض"(22)، ومن هذا النص يُعلم أنهم يشترطون الذكورة فيمن يتولى الولاية العامة. وقد عُلم أنهم يشترطون الذكورة في تولي القضاء؛ فدل ذلك على أنهم يشترطونها في الولاية العامة. وقال البهوتي: "ويعتبر في الإمام كونه قرشياً، بالغاً، عاقلاً، سميعاً، بصيراً، ناطقاً، حراً، ذكراً، عدلاً، عالماً، ذا بصيرة، كافياً ابتداءً ودواماًط(23)، وقال ابن قدامة المقدسي: "ولا تصلح (أي المرأة) للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان"(24)، وقال المرداوي: "ويعتبر كونه قرشياً، حراً، ذكراً، عدلاً، عالماً، كافياً، ابتداءً ودواماً"(25).

وأما الزيدية فقد أشار الإمام المهدي أحمد بن يحي المرتضى في البحر الزخار أن مذهب الزيدية كمذهب غيرهم في اشتراط الذكورة في أي ولاية(26). وهو ما نص عليه الشوكاني في نيل الأوطار حيث ذكر أن المرأة ليست من أهل الولايات، وأنه لا يحل لقوم توليتها.(27)

وعدم تولي المرأة الولاية العامة (الخلافة) هو ما ذكره ابن حزم أيضاً في المحلّى حيث قال: "ولا يجوز الأمر لغير بالغ ولا مجنون ولا امرأة"(28).

وقد ذكر حافظ محمد أنور، أقوالاً وفتاوى كثيرة لكثير من المعاصرين من علماء الأزهر، والسعودية، والباكستان، وبنغلادش، وشبه القارة الهندية، وغيرهم من العلماء الذين لم يذكرهم من علماء اليمن، والخليج، كلهم حرَّموا على المرأة أن تتولى الولاية العامة، بل وساقوا إجماع علماء الأمة المتقدمين على ذلك.(29)

ومن خلال ذلك كله يتبين لك أن فقهاء المسلمين قاطبة قد أجمعوا على اشتراط الذكورة؛ لصحة تولي منصب الولاية العامة.

أدلة العلماء على تحريم تولي الإمارة العامة على النساء:

استدل فقهاء المذاهب الإسلامية على حرمة تولي المرأة الولاية العامة بأدلة منها:

1. الكتاب: وذلك في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. قال ابن كثير: "أي: الرجل قَيِّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها، والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجَّت ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ ولهذَا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك المُلْك الأعظم.."(30)، وقال القرطبي: "قَوَّام: فعَّال للمبالغة، من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه، وحفظه بالاجتهاد. فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها، وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته، وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك: بالفضيلة، والنفقة، والعقل، والقوة في أمر الجهاد، والميراث، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(31). وقال الشوكاني: "إنما استحقوا هذه المزية؛ لتفضيل الله للرجال على النساء؛ بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء، والسلاطين، والحكام، والأمراء والغزاة، وغير ذلك من الأمور..."(32). وقد دل على حرمة تولي المرأة الولاية العامة قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282]، إذ في الآية دليل على عدم قبول شهادتها على انفرادها؛ وما ذاك إلا لضعف عقلها، وهو ما نص عليه الرملي في تحفة المحتاج من كتب الشافعية حيث قال في سبب عدم تولي المرأة الخلافة: "لضعف عقل الأنثى، وعدم مخالطتها للرجال"(33)، وهذه العلل مما استدل به العلماء على حرمة توليها الولاية العامة، حيث ذكروا أن الخلافة أو الولاية العامة تحتاج إلى تفرغ ومخالطة للرجال، وقد علل الشربيني اشتراط الذكورة في تولي الخلافة بقوله: "ليتفرغ، ويتمكن من مخالطة الرجال. فلا تصح ولاية امرأة"(34)، والمرأة غير متفرغة؛ لأنها مشغولة بحق زوجها وأولادها، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم»(35)، كما أن مخالطتها للرجال ممنوعة لحديث أبي أسيد الأنصاري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للنساء: «استأخرن. فإنه ليس لكنَّ أن تحققن الطريق. عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلتصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به»(36). وهذه العلل التي علَّل بها الفقهاء علَِل مستنبطة، قد دلت على عدم جواز أن تتولى المرأة الولاية العامة.

2. السنة: وذلك في حديث الإمام البخاري عن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لن يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»(37)، وهذا الحديث هو عمدة ما استدل به الفقهاء على حرمة توليها(38). وقد حمل ابن حزم هذا الحديث على الولاية العامة(39)، وأما الشوكاني فقال عن هذا الحديث: "فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجِب لعدم الفلاح واجب"(40). وقد ربط حديث أبي بكرة هذا عدم الفلاح بتولي المرأة، وما ذاك إلا لكونها قد اتصفت بهذا الوصف (وهو أنها امرأة)، فدل ذلك على أن علة منعها من الولاية العامة هي الأنوثة، وهذه العلة علة منصوص عليها في الحديث كما ترى، وليست علة مستنبطة، والحكم يدور مع علته المنصوص عليها حيث درات وجوداً وعدماً.

ومما يدل أيضاً على عدم جواز توليها الولاية العامة، حديث الإمام مسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب إليك ما أحب لنفسي. لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مال يتيم»(41)، وفي رواية «قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي. ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها»(42)، ووجه دلالة الحديث على ذلك هو: أن الضعفاء لا يصلُحون للإمارة، وقد عُلِم أن المرأة ضعيفة.

وبذلك ترى أن منع المرأة من تولي الولاية العامة معلل بأكثر من علة، سواء كانت عللاً منصوصاً عليها (وهو كونها امرأة) أو مستنبطة (وهو كونها ضعيفة العقل، وكونها ممنوعة من مخالطة الرجال) فهذه العِلل كلها تدل على عدم جواز أن تتولى المرأة الولاية العامة، وتدل على عدم صلاحيتها لهذا المنصب. واستدلوا من الآثار على حرمة توليها بأثر ابن مسعود -رضي الله عنه- حيث قال عن النساء: «أخروهنّ حيث أخرهن الله»(43). والله قد أخَّرهن في مقام الولاية العامة، وقدَّم الرجال عليهن.

3. الإجماع: قال القرطبي: "وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماماً"(44). وقد نقل القرطبي عن القاضي أبي بكر بن العربي قوله في حديث أبي بكرة المتقدم: "هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه"(45). وقال الشنقيطي في أضواء البيان: "من شروط الإمام الأعظم كونه ذكراً، ولا خلاف في ذلك بين العلماء"(46).

4. كما استدلوا بقياس الأولى، فإذا كانت المرأة قد مُنِعت من الولاية الخاصة على بعض المسلمين، فبالأولى والأحرى أن تُمنع من الولاية العامة على سائر المسلمين. قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: "لأن المرأة لا تلي الإمامة الخاصة بالرجال، فكيف تلي الإمامة العامة التي تقتضي البروز، وعدم التحرُز؟!"(47). وقد دل على ذلك كثير من الشواهد التي تدل على أن المرأة لا تتقدم على الرجال، من ذلك الصلاة: فلا يجوز لها أن تتقدم على الرجال؛ ولذا فإنه لا يجوز لها أن تكون إماماً بالرجال في الصلاة، كما أن صفوف النساء متأخرة عن صفوف الرجال، بل إن خير صفوف النساء آخرها، وهو ما ابتعد عن صفوف الرجال. ومنها الأذان: فلا يصح لها أن تؤذن للصلاة، وإنما ذلك للرجال. ومنها الجمعة: فلا يصح لها أن تخطب بالناس الجمعة. وقد عُلِم أن الخليفة هو إمام الناس في الصلاة، وهو خطيبهم في الجمعة، والعيدين، وسائر المناسبات، فكيف يصح أن تكون المرأة إماماً في الصلاة، وخطيباً في الجمعة...؟! ومنها القضاء: فلا يجوز لها أن تتولى قضاء المسلمين، ولا أن تفصل بين المتخاصمين. ومنها الخِطبة: فالذي يتقدم إلى الخِطبة هو الرجل، إذ الرجل هو الذي يتقدم لخِطبة المرأة، وليست المرأة من يتقدم لخِطبة الرجل. ومنها عقد النكاح: فلا يحق للمرأة أن تتولى عقد النكاح بنفسها إنما يتولى ذلك وليُّها. ومنها الطاعة: إذ حق الرجل على زوجته أن تطيعه في كل ما يأمرها به، في غير معصية الله تعالى. ومنها الطلاق: فالذي يملك حق الطلاق هو الرجل، فهو الذي يطلِّق وليست هي. ومنها القِوامة: فليس لها القِوامة على زوجها، بل القِوامة في ذلك للرجل. ومنها الميراث: إذ ميراث المرأة نصف ميراث الرجل. ومنها الدية: فدية المرأة على النصف من دية الرجل. ومنها الشهادة: إذ شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل. ومنها الطريق: فحق المرأة أن تمشي في حافة الطريق، وألا تزاحم الرجال فيه، بل تستأخر عنهم.

وقد أكَّد هذا الأمر أن الشرع قد اختص المرأة ببعض التكاليف التي تفارِق الرجل فيها؛ وذلك مراعاة لفطرتها وطبيعتها التي فُطِرت عليها، من ذلك: أنها أُمرت أن تقرَّ في بيتها، وألا تخرج إلا لضرورة، كما أنها أُمرت ألا تسافر يوماً وليلة إلا مع ذي محرم، وأُمرت أيضاً ألا تخلع المرأة ثيابها في غير بيت زوجها أو أهلها، وأُمرت أيضاً ألا تخرج من بيتها متعطرة مطلقاً، وقد جعل الإسلام جسدها كله عورة، كما أن الإسلام قد جعل صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وقد أجاز الإسلام للرجل أن يتزوج بأربع نسوة في وقت واحد، إن عدل بينهن...، بخلاف الرجل في ذلك كله.

وتقديم الرجال على النساء في هذه الأمور ليس انتقاصاً للمرأة ولا استخفافاً بها، بل هو إنزالٌ لها في المكان الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون فيه، وليس إنزالها في هذا المكان باختيارها، ولا هو حتى باختيار الرجل، وكذا المكان الذي أراد الله سبحانه أن يكون فيه الرجال ليس من اختيارهم، ولا هو من اختيار النساء. فالله سبحانه هو الذي وضع هذا في هذا المكان، ووضع ذاك في ذاك المكان، قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، وقال: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: 68].

فهذه الأدلة وغيرها مما استدل به العلماء على تحريم أن تتولى المرأة الولاية العامة.

شبهات وردود:

فإن قيل: قد ورد ما يدل على خلاف ذلك، وهو أن المرأة قد حكمت الرجال كما في التاريخ كملِكة سبأ، وذلك في قولـه تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23].

كما ساق لنا التاريخ أيضاّ أن بعض النساء -سواء كنّ مسلمات أو كافرات- قد تولَّين منصب الولاية العامة أو الإمارة، وكنَّ ممن عُرِفن بالذكاء والحزم، كشجرة الدر وغيرها من النساء اللواتي حكمن.

وأن منعها من الولاية منقوض، بوجود بعض النساء ممن هنَّ أكثر ذكاءً، وحزماً، ودهاءً، من بعض الرجال.

وأن الشرع قد جعل للمرأة ولاية في بعض الأحيان كما في الحضانة والرضاعة والوقف والوصاية على الصغار.

وأن الأدلة المتقدمة إنما هي في الولاية العامة، التي لم تَعُد موجودة اليوم، وخاصة بعد تمزق بلاد المسلمين إلى دول صغيرة متفرقة، وأن تولي هذه الدولة أو تلك ولاية خاصة لا ينطبق عليها أحكام الولاية العامة.

فالجواب عن ذلك كالآتي:

أما ما يتعلق بملكة سبأ: فإن هذا ليس دليلاً على جواز تولي المرأة الولاية العامة؛ لأنهم كانوا قوماً كافرين، ونحن غير مُتعبَدين بشريعة الكافرين. قال الألوسي: "وليس في الآية ما يدل على جواز أن تكون المرأة ملِكة، ولا حجة في عمل قوم كفرة على مثل هذا المطلب"(48)، وبمثله قال أبو حيان في تفسيره.(49)

وأما أن بعض النساء قد تولين هذا المنصب كما ساق لنا التاريخ. فجوابه: أن فعل هؤلاء ليس دليلاً على ذلك. إنما الدليل ما أُخِذ من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو الإجماع الصحيح الواقع بين علماء الأمة، أو القياس الصحيح السالم من المعارضة. وكيف يصح أن تُعارَض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة بأفعال البشر؟! إذ نحن متعبدون بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لا بما فعله فلانٌ أو علاَّن.

كما أن وقوع هذه الولاية للمرأة ليس دليلاً على أن المسألة خلافية؛ لأن الخلاف المعتبر هو: الذي يقع بين علماء الأمة المجتهدين إن لم يكن هناك نص في المسألة، وليس خلاف كل أحد معتبرٌ، أرأيت إن جاء نجّار وجعل يعيب على الأطباء طِبَّهم، وأن علم الطب باطل وخاطئ، وجعل يستند في قوله هذا إلى خلاف الجزار الفلاني فهل قوله هذا معتبر؟! لا يشك عاقل أن خلاف هذا النجار فيما ليس له به علم خلاف غير معتبر. وهذا مثله، إذ هؤلاء اللواتي خالفن في تولي الإمارة ممن لم يُعرفن بالعلم ولا بالاجتهاد. فكيف يمكن القول: إن خلافهن هذا معتبر؟! وحتى لو كنّ ممن عرفن بالعلم فليس خلافهن أيضاً معتبر؛ لأن الخلاف المعتبر هو الذي لم يخالف نصاً من كتاب الله، ولا من سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

كما أن الخلاف لا يُعدّ معتبراً إن كان قد سُبِق بإجماع علماء المسلمين. وقد تقدم أن سُقتُ لك النصوص الدالة على وقوع الإجماع على حرمة توليها، وهذا الجواب كله على وقوع تولي النساء المسلمات على بعض بلاد المسلمين في التاريخ.

وأما تولي بعض الكافرات على بلدانهن: فهذا احتجاج أقبح من القول بجواز توليهن. إذ كيف يُعارَض الإسلام بفعل الكفار!! ولو صح ذلك لصحَّ أن نقول: إن الشرك بالله جائز، وأنه لا إثم فيه؛ لأن الكفار قد فعلوه!!،كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] ولصحَّ أن نقول: إن سجود المرء لحجر أو صنم أو كوكب... جائز كما يفعله بعض الكافرين!! كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، ولأفضى ذلك إلى القول بأن الناس سواء لا فرق بين مسلمهم وكافرهم، وعليه فلا حاجة إلى وجود الجنة والنار، وأن الشيطان من أهل الجنة، وأنه لا حاجة إلى إرسال الرسل، ولا إلى إنزال الكتب....، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 35،36].

وأما أن امرأة أو اثنتين قد حكمن وعُرِفن بالذكاء والدهاء. فجوابه: أن منع تولي المرأة ليس معللاً بكونها ناقصة عقل فقط، بل إن هناك عِللاً أخرى قد دلت على منعها من الإمارة -كما تقدم- وهي عِللٌ لا تنفكّ عن أيِّ امرأة، حتى ولو كانت من أذكى الناس؛ لأنها قد مُنعت من الإمارة لمجرد أنها امرأة، وكذا لكونها ممنوعة من مخالطة الرجال، والخلوة بهم، ولا شك ولا ريب أن بعض أمور الولاية تحتاج إلى تكتُّم وسِرِّية وخلوة، حتى عن الأقارب أحياناً، وهذا ما مُنِعت منه المرأة مطلقاً، وحتى لو فُرِض أنه حكم معلَّل بنقص عقلها فقط، فإن وجود أحاد من النساء ممن حكمن وممن عُرِفن بالذكاء والدهاء، ليس فيه دليلٌ على الجواز؛ لأن العبرة بالغالب الشائع لا بالقليل النادر، كما هو معلوم في كتب أصول الفقه. وقد عُلِم مما لا ريب فيه ولا شك أن غالب النساء ضعيفات العقول، والحكم يُربط بالغالب، وأما القليل أو النادر فلا حكم له، بمعنى أنه يدخل تحت حكم الغالب والشائع، ولا يُفرَد بحكم مستقل؛ وعليه فوجود مثل هذه الحالات النادرة أو القليلة من النساء الذكيات والحازمات لا يخرِم القاعدة الكلية في عدم جواز تولي المرأة الولاية العامة.

كما أن منعها من الولاية حكم عام، يدخل فيه جميع النساء، ولا تخرج منه أحد إلا بدليل يخصصها، وهذا ما لا وجود له.

وأما أن للمرأة ولاية في بعض الحالات كما في الحضانة، والرضاعة، والوقف، والوصاية على الصغار (عند من قال بجواز ذلك)، فجوابه: أن الشرع لم يأت ليمنع المرأة من حقها، بل إنه أعطاها حقها، وكلفها من الأعمال ما يتناسب مع فطرتها؛ ومن هنا قُدِّم حقها على الرجل في هذه الحالات. فأما الحضانة والرضاعة والوصاية على الصغار؛ فلأنها أرفق وأشفق وأهدى إلى تربية الأطفال من الرجل لما غرس الله في قلبها من الشفقة والرقّة والحنان ما ليس في قلب الرجل، والطفل أحوج إلى من يعتني به، ويتفهَّم احتياجاته، ويقوم على رعايته وهو في هذه السن، والمرأة أقدر على ذلك من الرجل. وأما الوقف فالمرأة ليست ممنوعة من جميع التصرفات المالية، بل يصح بيعها وشراؤها وهبتها...، وإنما المقصود من نظارة الوقف حفظ أصول الأموال وتنميتها، والمرأة يمكنها أن تفعل ذلك.

ثم إن هذه الحالات حالات خاصة جزئية ليست كالولاية العامة أو الرئاسة، إذ الولاية العامة أو الرئاسة شاملة لجميع مناحي الحياة، وقد عُلِم أنه لا تعارض بين عام وخاص، فيُعمل بالخاص فيما تناوله، وبالعام في الباقي.

وأما أن هذه النصوص المتقدمة إنما جاءت في الولاية العامة التي لم تُعُد موجودة اليوم، وعليه فلا تنطبق هذه الأحكام على هذه الولايات الخاصة الموجودة اليوم، مثل: ولاية قطر من الأقطار أو بلد من البلدان. فجوابه: أن هذه الولايات الخاصة على فرض أنها تفارِق الولاية العامة في أحكامها إلا أنها مع ذلك ولاية خاصة، والخاص يدخل حكمه تحت حكم العام، إلا إن ورد الدليل على إفراده بحكم مخالِف لحكم العام، فيُفرد ذلك الجزء المستثنى من الحكم العام بحكم يخصُّه، وتبقى بقية الأجزاء تحت الحكم العام. مع أنه يمكن اعتبار هذه الولايات على دولة من الدول كالولاية على الأقاليم والأمصار التي كانت موجودة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- وفي عهد التابعين ومن وراءهم حتى سقوط الخلافة الإسلامية في مطلع هذا القرن، ولم يرد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة -رضي الله عنهم- أو من وراءهم ولَّوا امرأة إقليماً من الأقاليم أو مصراً من الأمصار؛ وعلى ذلك يمكن اعتبار ولاية قطر من الأقطار ولاية عامة من هذه الجهة. ولكنّ عموم هذه الولاية ليس كعموم الخلافة، إذ هو عموم نسبي، فهي ولاية خاصة بالنسبة للخلافة، وهي ولاية عامة بالنظر إلى تسلطها على جماعة المسلمين الساكنين في هذا القطر لتشمل هذه الولاية جميع مناحي حياتهم؛ وعلى ذلك قد تشترك هذه الولاية العامة (النسبية) مع الولاية العامة (الخلافة) في بعض الأحكام، وهذه المسألة التي نحن بصددها -أعني تولي المرأة الرئاسة- مما تتفق فيه الولاية العامة مع الولاية الخاصة في حرمة تولي المرأة، ودليل ذلك ما يأتي:

1. إن حرمة تولي المرأة الرئاسة داخل تحت عموم النصوص الشرعية المتقدمة، وذلك في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] وتقدم قول ابن كثير الذي يدل على ذلك.

ويدل على هذا العموم أيضاً حديث: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» إذ لفظ القوم يدل على الجماعة من دون أن يُحدّ لها حدٌّ. قال ابن منظور الأفريقي: "والقَوْمُ: الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، وقيل: هو للرجال خاصة دون النساء. قال ابن الأَثير: القوم في الأصل: مصدر قام، ثم غلب على الرجال دون النساء، وسُمُّوا بذلك؛ لأَنهم قوّامون على النساء بالأُمور التي ليس للنساء أَن يقُمن بها، والقوم: الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأَن قوم كل نبي رجال ونساء"(50). ثم إن في هذا الحديث أمراً آخر يدل على العموم، وهو عدم ذكر متعلق «ولّوا» الذي يدل على عموم الولاية، فيدخل فيه أي ولاية كانت، كما هو معلوم في موضعه من كتب أصول الفقه. وهناك أمر ثالث في هذا الحديث يدل على العموم أيضاً، وهو تنكير الأمر في قوله «أمرهم» وهي نكرة في سياق النفي تفيد العموم.

ومن النصوص الدالة على نهي المرأة عن الولاية على العموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم المتقدم لأبي ذر: «لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مال يتيم» وذلك بسبب ضعفه فقد حَرُم عليه أن يتولى حتى على يتيم واحد، والمرأة كذلك ضعيفة لا تقدر على القيام بأعباء الولاية على العموم.

فهذه دلائل كلها تدل على حرمة أن تتولى المرأة الولاية العامة، والرئاسة منها.

2. ومما يدل على حرمة تولي المرأة الرئاسة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعل الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- ومن وراءهم حتى سقوط الخلافة الإسلامية، ولم يرد أنهم ولَّوا امرأة إقليماً من الأقاليم أو مصراً من الأمصار، كما تقدم.

3. ومما يدل على حرمة تولي المرأة الرئاسة على قطر من الأقطار: الشواهد والأدلة التي تقدم ذكره، من حرمة توليها الأذان، والجمعة، والصلاة، والقضاء... فهذه كلها ولايات وقد مُنِعت المرأة منها، ومنصب الرئاسة ولاية ينبغي أن تُمنع منه أيضاً.

4. ومما يدل على حرمة تولي المرأة الرئاسة على إقليم من الأقاليم أيضاً: القياس، فإذا كانت المرأة ممنوعة من ولاية الأذان، والجمعة، والصلاة، والقضاء... وهي مسائل جزئية مما ينبغي للوالي أن يقوم به، فكيف يجوز لها أن تتولى ما هو أعم من ذلك؟!، وقد عُلِم أن تولي الرئاسة يعني: تولي كافة شئون الناس الدينية والدنيوية، سواء كانت شئوناً اقتصادية أو اجتماعية أو عسكرية أو تربوية...؛ وعليه فتحريم تولي المرأة للرئاسة أولى وأحرى من تحريم توليها لهذه المذكورات.

الخاتمة:

من خلال ما سبق يتبين لك أن تولي المرأة للولاية العامة (الخلافة) وكذا الرئاسة لا يصح بدلالة النصوص الواردة في الكتاب والسنة وبدلالة إجماع علماء الأمة.

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.

الثلاثاء - 23 جمادى الآخر 1427هـ، 18/ 7/ 2006م.

مراجعة: عبد الوهاب مهيوب الشرعبي.

______________________

(1) القاموس المحيط 3/ 486، وانظر: تاج العروس 1/ 8655.

(2) انظر: لسان العرب 15/ 405.

(3) مختار الصحاح 1/ 217، وبنحوه في القاموس المحيط 3/ 263.

(4) تاج العروس 1/ 7830.

(5) البحر الرائق شرح كنز الدقائق 17/ 382، وبنحوه في الدر المختار 1/ 590.

(6) رد المحتار 4/ 203.

(7) انظر: رد المحتار 4/ 204.

(8) الإقناع 2/ 205، تحفة المحتاج في شرح المنهاج 38/ 181.

(9) الأحكام السلطانية للماوردي ص17، تحفة المحتاج في شرح المنهاج 38/ 181، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 16/ 287.

(10) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 16/ 287.

(11) كشاف القناع عن متن الإقناع 21/ 61.

(12) الإقناع 2/ 205.

(13) رد المحتار 4/ 205.

(14) الإقناع 2/ 205.

(15) تحفة المحتاج في شرح المنهاج 38/ 181.

(16) الدر المختار 1/ 590.

(17) تكملة حاشية رد المحتار 1/ 16.

(18) رد المحتار 4/ 205.

(19) منح الجليل شرح مختصر خليل 17/ 285.

(20) انظر: أسنى المطالب 19/ 349.

(21) منهاج الطالبين 1/ 131.

(22) الإقناع 2/ 205.

(23) كشاف القناع عن متن الإقناع 21/ 63.

(24) المغني 10/ 92.

(25) الإنصاف 16/ 60.

(26) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار 14/ 42.

(27) نيل الأوطار 9/ 137.

(28) المحلى 1/ 45، وانظره: في المحلى أيضاً 9/ 430.

(29) انظر: ولاية المرأة في الفقه الإسلامي ص136 وما بعدها.

(30) تفسير ابن كثير 2/ 292.

(31) تفسير القرطبي 5/ 169.

(32) فتح القدير 2/ 135.

(33) تحفة المحتاج في شرح المنهاج 38/ 181.

(34) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 16/ 287.

(35) صحيح البخاري 1/ 304، برقم 853، صحيح مسلم 3/ 1459، برقم 1829 واللفظ له.

(36) سنن أبي داود 2/ 790، برقم 5272، المعجم الكبير 19/ 261، برقم 580. قال الشيخ الألباني: حسن. انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 11/ 272 برقم 5272 ومعنى تحققن الطريق أي: ليس لكن أن تسِرن وسطها.

(37) الحديث في صحيح البخاري 4/ 1610، برقم 4163، سنن النسائي 8/ 227، برقم 5388.

(38) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 16/ 287، كشاف القناع عن متن الإقناع 21/ 63، أسنى المطالب 19/ 349، حاشيتا قليوبي وعميرة 15/ 103، حاشية البجيرمي على المنهج 15/ 67.

(39) المحلى 9/ 430.

(40) نيل الأوطار 9/ 137.

(41) صحيح مسلم 3/ 1457، برقم 1826، سنن النسائي 6/ 255، برقم 3667، سنن أبي داود 2/ 127، برقم 2868.

(42) صحيح مسلم 3/ 1457، برقم 1825، مسند أحمد بن حنبل 5/ 173، برقم 21552، وفي إسناد أحمد: عبدالله بن لهيعة، وهو ضعيف لسوء حفظه.

(43) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار 14/ 42، والحديث في مصنف عبد الرزاق 3/ 149، برقم 5115، وهو في المعجم الكبير للطبراني 8/ 234، برقم 9372 عن عبد الله بن مسعود موقوفاً عليه.

(44) تفسير القرطبي 1/ 270.

(45) تفسير القرطبي 13/ 183.

(46) أضواء البيان 1/ 27.

(47) أسنى المطالب 19/ 349.

(48) تفسير الألوسي 14/ 454.

(49) البحر المحيط 8/ 461.

(50) انظر: لسان العرب 12/ 496، مختار الصحاح 1/ 560.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: