تكرير مياه الصرف الصحي (المياه العادِمة)
السبت 15 سبتمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تكرير مياه الصرف الصحي (المياه العادِمة)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين-  أما بعد:-

فإن النجاسة نوعان: منها ما هو نجاسة عينية، ومنها ما هو نجاسة حكمية أو معنوية؛ فالنجاسة العينية: كل عين تدرك حساً إما بلون أو طعم أو ريح. وهي على نوعين؛ فمنها ما يكون نجساً في ذاته، ومنها ما يكون متنجساً بغيره؛ فأما النجاسة الذاتية فهي في الجملة لا تطهر بحال(1)، كالبول والغائط ودم الحيض. وأما المتنجسات فلا بد في تطهيرها من إزالة عين النجاسة عنها(2)، ولا بد من إزالة أوصافها الثلاثة؛ من اللون أو الطعم أو الريح أو ما وُجد منها؛ إن أمكن(3).

وأما النجاسات الحكمية فمنها ما هو حدث - سواء كان حدثاً أصغر أو أكبر -، ومنها ما هو نجاسة عينية يُتيقن وجودها ويُجهل مكانها كالبول إذا جف على المحل ولا يوجد له رائحة ولا أثر؛ فهذه تطهر بتجاوز محل سببها كما في غسل الأعضاء من الحدث؛ فإن محل الحدث الفرج مثلاً - حيث خرج منه خارج - وقد وجب غسل غيره من الأعضاء(4)؛ وهذه يكفي فيها جري الماء على المحل مرة واحدة من غير اشتراط أمر زائد(5)؛ هذا في الأحداث، وأما في غيرها فقد ذكر الكاساني خلافاً في تطهير النجاسة غير المرئية؛ هل تطهر بالغسل ثلاثاً أو تطهر بالغسل مرة واحدة(6).

ومسألتنا هذه التي نتحدث عنها هي من قبيل المتنجسات - ولا شك - والتي تطهر بإزالة عين النجاسة عنها؛ كما تقدم.

والناظر في المطهرات الشرعية لهذا النوع من النجاسات يرى أنها متفاوتة متعددة؛ فمنها المائع،  ومنها الجامد، ومنها ما يطهر بدون مائع ولا جامد. ومحصل التطهير في ذلك أن يقال:

أما التطهير بالمائع فقط لإزالة النجاسة العينية فهو الماء؛ ويستخدم في التطهر من البول والغائط، والدم،  ودم الحيض، والمني – عند من قال بنجاسته – وفي التطهر من المذي والودي.. وغيرها؛ كما يكون التطهير بالمائع في النجاسات الحكمية بالتكثير.

وأما التطهير بالجامد فقط لإزالة النجاسة العينية؛ فهي الحجارة التي تستخدم في إزالة النجاسة بالاستجمار.

وأما التطهير بالمائع والجامد معاً لإزالة النجاسة العينية؛ فذلك بالماء والتراب من البول والغائط والمني كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه عن ميمونة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك الحائط ثم غسلها ثم توضأ.. " الحديث(7)، ويكون التطهير بالماء والتراب أيضاً من لعاب الكلب؛ كما يكون التطهير بالمائع والجامد أيضاً بالماء والقرظ في تطهير الجلد.

وأما التطهير من دون مائع ولا جامد لإزالة النجاسة العينية؛ فيقع في إزالة النجس وما حوله في تطهير السمن من الفأرة، ويقع أيضاً في النـزح؛ كما يكون في النجاسات الحكمية بالاستحالة.

ومن خلال ما سبق يمكن القول: أن تطهير مياه الصرف الصحي لا يمكن أن يكون باستخدام الحجارة، ولا بالماء والتراب، ولا بالماء والقرظ، ولا بإزالة النجس وما حوله. وإنما يمكن أن يكون بالتكثير أو بالنـزح أو بالاستحالة. وإليك بيان ذلك بالتفصيل:

أولاً: التطهير بالتكثير:

الأصل في هذا النوع من التطهير هو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي - - صلى الله عليه وسلم - -:"دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين "(8). قال الإمام الخطابي: (وفي هذا دليل على أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها) أهـ(9).

والمكاثرة تعني: أن تكاثر النجاسة بالماء حتى تستهلك فيه(10)، و قيل: صب الماء على النجاسة حتى يغمرها بحيث يذهب لونها وريحها(11).

واختلفوا بعد ذلك في ورود الماء المكاثَر به على النجاسة وورودها عليه، وكذا في قدر الماء المكاثَر به؛ فأما الورود؛ فقال الشافعية: إنه لابد من ورود الماء المكاثَر به على النجاسة(12)، وذهب الزيدية إلى أنه لا فرق بين وروده عليها أو ورودها عليه(13)، ولا يعتبر في المكاثرة صب الماء دفعةً واحدةً(14)، والمعتبر فيها الضم والجمع دون الخلط حتى لو كان أحد البعضين صافياً والآخر كدراً وانضما إلى بعضٍ زالت النجاسة(15).

 وأما قدر الماء المكاثر به؛ فقيل: يشترط أن يكون الماء المصبوب سبعة أمثال البول - إن تنجس بالبول -، وقيل: يشترط في بول كل رجل ذنوبٌ من ماء(16)؛ والقولان عند الشافعية، وقيل: أربعة أضعاف النجاسة؛ وبه قال الزيدية(17). وليس على هذه التقديرات دليل وإنما هو مجرد رأي بحت(18)، وإنما العبرة بزوال التغيير بأي مقدار كان.

ومياه الصرف الصحي هذه مياه كثيرة متنجسة تغير لونها وطعمها وريحها؛ فتطهيرها حاصل بمكاثرتها بماء آخر حتى يذهب عنها تغيرها(19)؛ وذهاب تغيرها يُطهرها؛ لأن علةَ نجاستها هي التغيرُ وقد زال(20) قياساً على ما تغير بطول مكثه فإنه يطهر بهذا التغيير.

وعلى الجملة فلا بد في التطهير بالمكاثرة من زوال التغيير عن الماء وإلا لم يصدق عليه أنه مكاثرة؛ ولم أجد خلافاً في ذلك، ولكن لابد أن يكون المُكاثَر به مُطهِراً؛ على الخلاف الواقع بين الفقهاء في أنواع المياه التي يتطهر بها.

ولكن هنا أمراً لا بد من التنبّه له؛ وهو أن التطهير بالمكاثرة في مسألتنا هذه - لا سيّما وأن مياه الصرف الصحي هذه مياه كثيرة - فتطهيرها بالمكاثرة بعيد من الناحية العملية إلا إن قلنا أنها تطهر بمكاثرتها بماء البحر حتى يزول تغيرها هذا بالنجاسة؛ وعليه فلو خلطت هذه المياه المتنجسة (أعني مياه الصرف الصحي) بماء البحر حتى زال أثر النجاسة فإنها تطهر بذلك.

والخلاصة: أن التكثير مُطهر لمياه الصرف الصحي؛ بشرط زوال التغيير عن المياه؛ من لون النجاسة أو طعمها أو ريحها.

ثانياً: التطهير بالنـزح:

النـزح مأخوذ من قولهم: نَزَح الشيء كمَنَعَ؛ وضَرَب. ينزَح وينزِح نزحاً ونُزوحاً؛ إذا بَعُد كانتَزَح انتِزاحاً، ونَزَح البئر ينـزَحها نزحاً: استقى ماءها حتى ينفد أو يقل (21).

حكم التطهير بالنـزح:

إذا وقعت نجاسة في ماء كثير فنجسته وتغيرت أوصافه الثلاثة أو أحدها؛ فإنه يطهر بالنـزح - في الجملة - عند المذاهب الأربعة؛ على تفاصيل عندهم في ذلك (22)، وبحسب الخلاف بينهم في حد الماء الكثير والماء القليل؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن كان الماء قد تغير بالنجاسة فإنه ينزح منه حتى يطيب، وإن لم يتغير الماء لم ينزح منه شيء) أهـ(23)؛ وتعليل ذلك: أن الماء قد نجُس بالتغير فإن زال تغيره ارتفعت نجاسته؛ والحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً.

فأما الحنابلة فالنـزح عندهم بشرط: أن يبقى الماء بعده كثيراً وأن يكون تنجسه بغير البول والغائط؛ فإن كان بهما فلهم تفصيل مردُّه إلى إمكانية النـزح وعدمها؛ فيطهر بنـزحٍ يبقى بعده الماء قليلاً بحيث لا يمكن نزحه (24)؛ وعليه فلا يمكن أن تطهر مياه الصرف الصحي عندهم بالنـزح؛ لأن تغيرها - في الغالب - يكون بالبول والغائط.  

وأما الشافعية - وهم أضيق المذاهب في التطهير بالنـزح – فالأمر دائرٌ عندهم على يقين زوال النجاسة - إن أمكن - أو غلبة الظن على زوالها؛ ولذا لا تطهر البئر عندهم بالنـزح لأنها وإن نُزِحت فقعرها يبقى نجساً وقد تنجس جدرانها أيضاً بالنـزح، وإنما تطهر البئر عندهم بالمكاثرة (25)؛ وعليه فلا يمكن عندهم أيضاً أن تطهر مياه الصرف الصحي بالنـزح لأنها وإن نُزِحت فمستقرها الذي كانت فيه يبقى نجساً.

وأما الحنفية فعندهم فروع وتفصيلات كثيرة؛ في هذه المسألة، وروايات في القدر الواجب من النـزح من عشرة دلاء إلى ستين دلواً إلى نزح الجميع؛ مرَدُّ هذه الخلافات بينهم  إلى تعيين ما هو نجس مما ليس بنجس، وإلى غُلظ النجاسة وحجمها وانتشارها، وإلى بعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة والتابعين في هذه المقادير (26).

وأما المالكية فوجوب النـزح عندهم دائر على زوال التغيير فيما له مادة، وأما ما لا مادة له فبنـزح الجميع وغسل النجاسة حتى يزول أثرها (27)؛ ومسألتنا هذه (أعني مياه الصرف الصحي) تغيرها حاصل بسبب المادة النجسة الواقعة في الماء؛ وعليه فيمكن تطهير هذه المياه عندهم بالنـزح؛ بشرط زوال التغيير؛ ولكن هذا الكلام واقع من جانب نظري وأما من الجانب العملي - في مسألتنا هذه – فلا يمكن تطهير هذه المياه بالنـزح لأن النجاسة الواقعة فيها نجاسة متجددة؛ فكلما نزحت نجاسة عاد بدلها أخرى؛ وإنما يمكن أن يُطهر بالنـزح فيما إذا كانت النجاسة طارئة غير متجددة؛ بحيث أنها وإن زالت لم يعقبها أخرى.

والحاصل: أن لا يمكن تطهير مياه الصرف الصحي بالنـزح من الناحية العملية.

ثالثاً: التطهير بالاستحالة:

الكلام في هذا النوع من التطهير عن تحول النجاسة من صورة إلى أخرى؛ هل يعتبر هذا التحول تطهيراً شرعياً؛ أم لا؟

وقبل الخوض في إمكانية استعمال هذا النوع من التطهير في تطهير مياه الصرف الصحي؛ لا بد من ذكر آراء العلماء في حكم التطهير بالاستحالة؛ فأقول وبالله التوفيق:

اختلف العلماء في ذلك: فذهب الشافعية وأكثر أصحاب أحمد وهو أحد قولي المالكية؛ إلى أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة بل تبقى على نجاستها؛ إلا الخمرة المتخللة بنفسها، والجلد المدبوغ(28) فإنهما يطهران بالاستحالة؛ واستدلوا - على عدم التطهير بالاستحالة - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم- " نهى عن لحوم الجلاّلة وألبانها "(29)؛ وما ذاك إلا لأكلها النجاسة ولو كانت تطهر بالاستحالة لم ينه عنها(30)، لأن النجاسة التي أكلتها قد تحوّلت من صورة إلى أخرى؛ ولكنها مع ذلك لم تطهر؛ والجلاّلة: هي الدابة التي تأكل العذرة؛ من الجَّلة وهي البعرة(31). قالوا: وتخالف الخمرة سائر النجاسات بأن نجاستها لمعنى معقول؛ وهو شدتها المسكرة؛ وقد زال ذلك المعنى بالاستحالة فوجب أن تطهر(32)؛ بخلاف باقي النجاسات؛ فإن نجاستها لعينها(33)، والخمرة أيضاً قد نجست بالاستحالة فتطهيرها بها بخلاف غيرها(34). قالوا: ومثل الخمرِ الجلدُ فإنه يطهر بالاستحالة؛ للنص على أن تطهيره بالدباغ. والذي يظهر لي أن الدباغ ليس إحالة؛ وإنما هو إزالة للنجاسة العالقة بالجلد؛ لأن عين الجلد باقية بعد الدباغ لم تتغير من صورة إلى أخرى.   

وذهب أكثر الفقهاء إلى أن النجاسات كلها تطهر بالاستحالة؛ وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد قولي المالكية وأحد قولي الحنابلة (35)؛ لأن الخمرة - التي هي أم الخبائث - إذا انقلبت بنفسها حلّت باتفاق المسلمين؛ فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب(36)، ولأن هذه الأعيان المستحيلة لم يتناولها نص التحريم لا لفظاً ولا معنى وليست في معنى المنصوص؛ بل هي أعيان طيبة فيتناولها نص التحليل، وهي أولى بذلك من الخمر المنقلبة بنفسها.

واستدلوا أيضاً - على التطهير - بالقياس على جلود الميتة إذا دبغت(37) فإنها تطهر بعد الدباغ. والذي يظهر لي أن هذا القياس غير صحيح لأنه قياس مع الفارق لما تقدم.

وقد رَدّ أصحاب هذا القول - القائلين بأن الاستحالة تطهير- على ما ذكره أهل القول الأول؛ من الفرق بين الخمر وسائر النجاسات، ومن كون الخمر نجست بالاستحالة؛ فقالوا: إن جميع النجاسات إنما نجست بالاستحالة؛ كالدم فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر(38)، وكذلك البول والعذرة وحتى الحيوان النجس فإنها كلها مستحيلة عن الماء والتراب ونحوهما من الطاهرات. ولا ينبغي أن يُعبّر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة فإن نفس النجس لم يطهر لكنه استحال، وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس حتى وإن كان مستحيلاً منه؛ وحتى لو كانت مادتهما واحدة؛ فإن الماء ليس هو الزرع والهواء والحب، وتراب المقبرة ليس هو الميت، والإنسان ليس هو المني. وأما كونه هو باعتبار الأصل والمادة فهذا لا يضر فإن التحريم يتبع الاسم والمعنى - الذي هو الخبث - وكلاهما منتف(39).

(وأقول) ومن خلال ما سبق فإن الظاهر أن الاستحالة مطهرة؛ لأن المعنى الذي من أجله حُكِم بنجاسة هذه المادة أو تلك غير موجود في هذه المادة المتحولة؛ والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. وأما النهي عن الجلاّلة فهو محمول على ما إذا كانت جلاّلة؛ أما إذا زال عنها ما يستدعي تسميتها بذلك؛ بأن امتنعت عن النجاسات، وطاب أكلها ولحمها؛ فإنها - والحال هذه - لا تسمى جلاّلة، ولا تدخل في أحاديث النهي عن الجلاّلة.

وخُرِّج على هذه المسألة (التطهير بالاستحالة) عمل زيتٍ نجسٍ صابوناً، وترابِ جبلٍ بروث حمار(40)، ومثله استحالة النجاسة كالرماد النجس والزبـل النجس يستحيلان تراباً(41)، وما سُقي أو سُمّد بالماء النجس من الزروع والثمار؛ فإنه يحرم على القول بعدم التطهير بالاستحالة، لأنه يتغذى على النجاسة وتتربى أجزاؤه فيها(42) فهي كالجلالة، وكذا ما تصاعد من بخار الماء النجس إلى الجسم الصقيل ثم عاد فتقطر؛ فإنه نجس - على القول بعدم التطهير بالاستحالة - لأنه نفس الرطوبة المتصاعدة؛ وإنما يتصاعد في الهواء كما يتصاعد بخار الحمامات(43). ونحوها من الصور التي نص عليها الفقهاء.

والحاصل: أن هذا النوع من التطهير يمكن أن يستخدم في تطهير مياه الصرف الصحي؛ سواء استخدمت هذه المياه في الشرب أو في الزراعة أو في سائر الاستعمالات؛ لاسيما مع وجود الحاجة إليه، وأما مع عدم الحاجة فالأمر على الجواز أيضاً؛ ولكن الأولى تركه خروجاً من خلاف من حرمه ولم يطهر به؛ ولكن ذلك كله مشروط بثبوت ألا ضرر في إعادة استخدامها أما إن ثبت ضررها فإنها محرمة؛ والله أعلم.

وأما علماء العصر فقد اختلفوا في تكرير مياه المجاري وإعادة استخدامها من جديد، وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي أن هذه المياه المكررة عن طريق الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم والتعقيم بالكلور؛ أنها طاهرة مطهرة؛ إذا لم يبق للنجاسة أثر من لون أو طعم أو رائحة (44). إلا أن الشيخ د/ بكر أبو زيد؛ له رأي مخالف؛ فهو يرى عدم طهارة هذا الماء وأنه نجس؛ لأن تحريمه؛ كما أنه لوقوع النجاسة فيه إلا أنه حرم أيضاً لأنه يسبب الأمراض؛ فهذه المياه وإن كانت طهُرت في الظاهر إلا أن الجراثيم باقية ولم تَزُل؛ وقد عُلِم أن من مقاصد التشريع الحفاظ على النفس(45).

 

خلاصة البحث:

مما يبق بيانه يتبين لي الآتي:

1.                أن التكثير مُطهر لمياه الصرف الصحي؛ بشرط زوال التغيير عن المياه؛ من لون النجاسة أو طعمها أو ريحها.

2.       أن الاستحالة يمكن أن تستخدم في تطهير مياه الصرف الصحي؛ بشرط زوال الوصف المستقذر عنها وتحولها من صورة خبيثة إلى صورة طيبة.

3.       جواز إعادة استخدام مياه الصرف الصحي من جديد؛ سواء استخدمت هذه المياه في الشرب أو في الزراعة أو في سائر الاستعمالات وذلك مشروط بثبوت ألا ضرر في إعادة استخدامها؛ أما إن ثبت ضررها فإنها محرمة.

4.                لا يمكن تطهير مياه الصرف الصحي بالنـزح.

 

والله الهادي إلى سواء السبيل

وهو حسبنا ونعم الوكيل

وسبحان الله وبحمده؛ سبحان الله العظيم

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي:

علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الثلاثاء – 21 صفر 1427هـ، 21 مارس 2006م

 مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) - انظر: الاستغناء في الفرق والاستثناء 1/203.

(2) - انظر: مواهب الجليل (1/159).

(3) - انظر: مواهب الجليل (1/159)، و بمثله في الاستغناء في الفرق والاستثناء 1/207.

(4) - انظر: حاشية  البجيرمي (1/17)

(5) - انظر: شرح الزبد ص51، وبمثله في مواهب الجليل (1/159)

(6) - انظر: بدائع الصنائع 1/87.

(7)    البخاري 1/434, برقم: 252, كتاب الغسل؛ باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى، ابن ماجه 1/ 209, برقم: 566 باب ما جاء في الغسل من الجنابة.

(8)    البخاري 1/ 369, برقم: 213 كتاب الوضوء؛ باب ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، وبمعناه في مسلم 1/ 131, برقم: 427 كتاب الطهارة؛ باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء حاجة إلى حفرها. وأهريقوا وأريقوا بمعنى؛ وهو صب الماء بكثرة. والسَجل مثل الذنوب؛ والذنوب: الدلو العظيم وهو دون الغرب الذي يكون للسانيه (الزاهر ص101).

(9)    عون المعبود 1/29.

(10)    انظر: المهذب 1/49، المجموع 2/544.

(11) - انظر: المبدع 1/239.

(12) - انظر: روضة الطالبين للنووي 1/22.

(13) - انظر: الأزهار في فقه الأئمة الأطهار ص 17، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 1/52  .

(14) - انظر: المغني لابن قدامة 1/37.

(15) - انظر: حواشي الشرواني 1/89، الروضة 1/22 .

(16) - انظر: المجموع 2/544.

(17) - انظر: الأزهار ص 17.

(18) - انظر: السيل الجرار 1/53  .

(19) - انظر: المبدع 1/57.

(20) - انظر: المغني 1/38.

(21) - تاج العروس 4/228.

(22) - انظر: الإنصاف للمرداوي 1/64، منار السبيل 1/19، المغني 1/37، روضة الطالبين 1/25، المجموع 1/204، المبسوط للسرخسي 1/58، البحر الرائق 1/122، حاشية الدسوقي 1/45، الشرح الكبير 1/45.

(23) - الفتاوى لابن تيمية 21/39.

(24) - انظر: الإنصاف 1/64 وما بعدها، وانظر المبدع 1/56 وما بعدها.

(25) - انظر: مغني المحتاج 1/23 وما بعدها، روضة الطالبين 1/25 وما بعدها، المجموع 1/204 وما بعدها.

(26) - انظر: البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 1/122، المبسوط للسرخسي 1/58 وما بعدها.

(27) - الشرح الكبير 1/46، حاشية الدسوقي 1/45.

(28) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/610، المهذب 1/48، المجموع 2/529.

(29) - النسائي 13/ 457, برقم: 4371 كتاب الضحايا؛ باب النهي عن أكل لحوم الجلالة، الترمذي 6/ 498, برقم: 1747 كتاب الأطعمة؛ باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها، أبو داود10/ 244, برقم: 3291 كتاب الأطعمة؛ باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، ابن ماجه 9/369, برقم: 3180 كتاب الذبائح؛ باب النهي عن لحوم الجلالة. قال ابن حجر: إسناده قوي تلخيص الحبير 4/156.

(30) - انظر: المبدع 1/240، 9/203، عون المعبود 10/185، نيل الأوطار للشوكاني 8/293.

(31) - انظر: عون المعبود 10/185، نيل الأوطار 8/293، وانظر لسان العرب 12/119)

(32) - انظر: المهذب 1/48.

(33) - انظر: المبدع 1/242.

(34) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/517 المغني 1/419.

(35) - انظر: المبدع 9/204، الإنصاف للمرداوي 1/318، الفتاوى لابن تيمية 21/610، عون المعبود 10/185.

(36) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/517.

(37) - انظر: المبدع 1/241.

(38) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/610 وما بعدها، وبنحوه في نيل الأوطار 8/293.

(39) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/610 وما بعدها.

(40) - انظر: المبدع 1/241، الإنصاف للمرداوي 1/318.

(41) - انظر: الفتاوى لابن تيمية 21/479، المهذب 1/48.

(42) - انظر: المغني 9/330، المبدع 9/204.

(43) - انظر: الإنصاف للمرداوي 1/319، المغني 1/56.

(44) - انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص91،92 لدوراته الحادية عشر، والثانية عشر، والثالثة عشر 1408-1411هـ

(45) - انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص92،93 لدوراته الحادية عشر، والثانية عشر، والثالثة عشر 1408-1411هـ.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفور والتراخي في الحج
الأحد 30 سبتمبر 2012

 المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الله تعالى فرض الحج على المستطيع بقوله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97] .

وجعله النبي- عليه الصلاة والسلام- ركناً من أركان الإسلام، فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان"(1).

وركن الحج مفروض في العمرة مرة واحدة، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال:" يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت. حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتم"(2).

ولما كان الحج مفروضاً في العمر مرة واحدة، فهل يجب أداؤه على الفور ويكون في أول سنة للمكلف إن وجدت الاستطاعة، بمعنى: إن أخره عن أول وقت بعد الإمكان يأثم؟

أو أنَّ وجوبه على التراخي فله تأخيره عن أول أوقات الإمكان فيؤديه إن كان مستطيعاً في أول العمر أو في وسطه أو في آخره، بمعنى: أن يؤديه في العمر متى أراد ذلك؟

وهذا ما سأذكره في هذا البحث في هذه المسألة وهي: (الفور والتراخي في الحج).

سائلاً المولى عز وجل التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

أولاً: تعريف معنى الفور والتراخي:

الفور: (هو استعمال الشيء بلا مهلة، ولكن على أثر ورود الأمر به، والتراخي: تأخير إنفاذ الواجب)(3).

وقيل: (الفور: الشروع في الامتثال عقب الأمر من غير فصل، والتراخي: تأخير الامتثال عن الأمر زمناً يمكن إيقاع الفعل فيه صاعداً)(4).

فالفور إذن: هو التعجل في إيقاع الفعل، والتراخي التأخير في إيقاعه، وعدم تحديد وقت بعينه.

ثانياً: أقوال الفقهاء في هذه المسألة:

اختلف الفقهاء على قولين:

القول الأول: إنه يجب أداء الحج على الفور، وإلى هذا القول ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة(5), ومالك(6), وأحمد(7), وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية(8), وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم(9).

القول الثاني: إنه يجب على التراخي، وإلى هذا القول ذهب الإمام الشافعي(10), والأوزاعي(11) ومحمد بن الحنفية(12) وغيرهم(13).

ثالثاً: أدلة أقوال الفقهاء:

1 ـ أدلة القول الأول: استدل القائلون بالفور بأدلة من الكتاب ومن السنة ومن أقوال الصحابة، وهذه الأدلة هي: -

- من الكتاب، قول الله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران:97] وقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [البقرة:197] .

ـ من السنة ،حديث علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً"(14).

وعن ابن عباس- رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعارض له"(15).

"من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً"(16).

وإنما شبهه باليهودي والنصراني، وشبّه تارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون(17).

ـ من أقوال الصحابة قول عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كل له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين"(18)، وقوله: "من مات وهو موسر لم يحج فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً"(19).

ـ وأجابوا عن فعله عليه الصلاة والسلام وهو التراخي في الحج بأنه كان لعذر.

وجه الدلالة من أدلة أصحاب القول الأول:

في الآية الأولى: ورد الأمر من الشارع بالحج، والأمر بالحج في وقت مطلق يحتمل الفور ويحتمل التراخي والحمل على الفور أولى خوفاً من الإثم بسبب التأخير.

وفي الآية الثانية: بيان أن للحج وقت معين، ووقته أشهر الحجر من السنة، ويفوت وقته بفوات السنة، فالأمر بأدائه ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج.

وأما وجه الدلالة من الأحاديث:

في الحديث الأول: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ألحق الوعيد لمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان لأن الشرط ملك الزاد والراحلة، وذلك في قوله: "من ملك زاداً وراحلة" فمن توفر فيه الشرط فلم يحج لحقه الوعيد، والفاء في قوله: "فلم يحج" للتعقيب بلا فصل ـ أي :لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة.

وفي الحديث الثاني: لفظ: "تعجلوا "، والتعجيل يقتضي المبادرة وعدم التأخير، والسبب في التعجيل:احتمال الفوات، وعدم معرفة ما يعارض له.

وفي الحديث الثالث: الموانع والعوائق التي ورد الترخيص بها عن أداء الحج على الفور، فإن انعدمت هذه الأمور الأربعة، وهي:[ المرض، والحاجة الظاهرة، والمشقة الظاهرة، والسلطان الجائر ] ولم يحج، لزمه ما ورد في الحديث.

مناقشة أدلة القول الأول:

استدل أصحاب القول الأول بالآية الكريمة ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97] فهذه الآية تبين أن الله فرض الحج في وقت مطلقاً، ولما كان مطلقاً عن الوقت فلا يقيد إلا بدليل.

وأما دليلهم بقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات [البقرة: 197] بأن للحج وقت معين من السنة يفوت بفوات السنة، فالجواب: بأن وقت الحج أشهر معلومات فيؤدي في أشهر الحج مطلقاً من العمر.

وأما الأحاديث التي استدلوا بها فإن فيها مقالاً عند المحدثين.

ولقد عدها ابن الجودي من الأحاديث الموضوعة.

وقال العقيلي والدار قطني: لا يصح في الباب شيء(20).

ومع التسليم بقبولها، فلقد ورد في بعض الروايات من حديث ابن عباس أو الفضل بن العباس أو أحدهما عن صاحبه-رضي الله عنهما- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يحج فليتعجل فإنه قد تضل الضالة ويمرض المريض وتكون الحاجة"(21).

وعند النظر إلى مجمل أدلة القول الأول من الآيات والأحاديث.

أجد أن في الآيات احتمالاً لما استدلوا به، وذلك لأن الأمر المطلق عن الوقت يكون على التراخي ويكون على الفور، والأمر بالحج هو مؤقت بأشهر الحج يفوت الحج بفوات السنة، فعند التأخير إلى السنة الثانية قد يعش وقد لا يعش، فتأخيره من السنة الأولى تفويت له، وفي إدراكه السنة الثانية شك،فلا يرتفع الفوات الثابت للحال بالشك(22).

وأما الأحاديث التي استدلوا بها، فلقد وردت روايات متعددة وكثيرة فيها الأمر بالتعجل وبيان الوعيد لمن أخرها بدون سبب، (وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً وبذلك يتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذه الأحاديث من الموضوعات فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسن لغيره وهو محتج به عند الجمهور...قال الحافظ: وإذ انضم هذا الموقوف إلى المرسل لابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلاً ومحمله على من استحل الترك ويتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع(23).

وكذلك في حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل"(24)، ولو كان على التراخي لم يعين العام القابل.

وأما قول بعض الصحابة بالفور فيستأنس بأقوالهم، إن صحت الروايات عنهم.

ـ و أما إجابتهم(25) عن تراخي النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحج وتأخيره الحج إلى العام العاشر: بأن في تأخيره عليه الصلاة والسلام عذر، وإذا علم أن التعجيل أفضل فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يترك الأفضل إلا لعذر وهذا العذر هوما يلي:

أن المانع من التأخير هو احتمال الفوات، ولم يكن في تأخيره ذلك فوات، لعلمه من طريق الوحي أن يحج قبل موته ،قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: 27] .

2ـ وتراخيه صلى الله عليه وسلم إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك، لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة ففي تأخيره العذر .

3ـ ولخوفه على نفسه وعلى المدينة، ولهذا كان يحترس حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[المائدة:67]

4ـ ولاشتغاله بتمهيد قواعد الدين وتعليم العبادات والجهاد.

5ـ ولظهور المشركين على مكة، فلما نادى: لا يحج البيت بعد العام مشرك حَجَّ.

2 ـ أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني: بالكتاب، والسنة الفعلية للرسول صلى الله عليه وسلم.

- من الكتاب قول الله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97] .

وقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات [البقرة: 197] .

- من السنة: تأخيره عليه الصلاة والسلام الحج إلى سنة العشر، مع أن الحج فرض بعد الهجرة، وفتح مكة كان لسنة ثمان من الهجرة، ولو كان وجوبه على الفور لما احتمل التأخير منه(26).

وجه الدلالة من أدلة أصحاب القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني القائلون بالتراخي: بالآيتين الكريمتين التي استدل بها أصحاب القول الأول،

 ففي الآية الأولى: بيان أن الله تعالى فرض الحج في وقت مطلقاً للمستطيع لذلك، ثم بين في الآية الثانية: أن وقته في أشهر معلومات، فيؤدى الحج في أشهر معلومات مطلقاً من العمر، فوقته هو العمر مطلقاً(27).

وأما استدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام: فهو دال على التراخي، والأصل في تأخيره عليه الصلاة والسلام عدم العذر، ولو كان لعذر لبينه.

قال الشافعي: (أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على الحج، وتخلف في المدينة بعد منصرفه من تبوك لا محارباً ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، وأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، ولو كان كمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفرض ولا ترك المتخلفون عنه،فوقت الحج ما بين أن يجب عليه إلى أن يموت)(28).

 فمتى ما أدى الإنسان الحج سواء في السنة الأولى أو الثانية فهو أداء، فالمعتبر: هو الأداء في العمر.

مناقشة أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني: بالآيتين الكريمتين المقتضيتان الأداء في العمر طالما أن الأمر بأداء الحج مطلق، والأمر المطلق عن الوقت يقتضي التراخي لكن بشرط الأداء.

ـ والمأمور به من الشارع نوعان:

1- مطلق عن الوقت.

2- مقيد به.

ـ وحكم المطلق :أن يكون الأداء واجبا على التراخي بشرط أن لا يفوته في العمر، فلو نذر أن يعتكف ليلة فله أن يعتكف أي ليلة شاء.

ـ والمقيد نوعان:

أ ـ ما يكون الوقت ظرفاً للفعل: فوجوب الفعل فيه لا ينافي وجوب فعل آخر فيه من جنسه، وذلك كالصلاة: كأن ينذر أن يصلي في وقت الظهر عشر ركعات فيلزمه، فوجوب صلاة الظهر لا ينافي وجوب صلاة النذر فيصلي الجميع، وهنا تعتبر النية المعينة، وذلك لاعتبار المزاحم.

ب ـ ما يكون الوقت معياراً له: بمعنى: تعيين الوقت المخصص له، وذلك مثل شهر الصوم، فإذا عين الشارع له وقتاً لا يجب غيره في ذلك الوقت(29).

وأنبه إلى الفرق بين من يقول: يجوز التراخي، ومن يقول: يقتضي التراخي، ففي الأولى: يجوز الفور أو التراخي، وفي الثانية: لا يجوز الفور.

فإذا كان الأمر بأداء الحج يجوز فيه التراخي بشرط الأداء وعدم الفوات، فمن يضمن الأداء وعدم الفوات، فقد يعش وقد لا يعش، والموت خلال سنة غير نادر بل هو كثير.

ولهذا فمن مات قبل أداء الحج مع القدرة عليه قبل الموت: إما أن يكون مات عن وصية أو عن غير وصية، فإن مات من غير وصية يأثم، فعلى القول بالوجوب على الفور فلا إشكال فيه، لأنه سيؤديه عاجلاً.

وعلى القول بالتراخي: فلأن الوجوب يضيق عليه في آخر عمره في وقت ليس له التأخير فيه، فيجب عليه أن يفعله بنفسه إن كان قادراً على الفعل، وإن كان عاجزاً عن الفعل فيمكنه الأداء بما له بإنابة غيره منابه، ووجب عليه أن يوصي به، فإن لم يوص به حتى مات أثم بتفويته الفرض عن وقته مع إمكان الأداء(30).

وهذا الإثم الذي لحقه إنما هو بسبب التراخي حتى أدركه الموت قبل أدائه،ودون وصية به.

قال ابن حزم: (وحكم أوامر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم -كلها على الفور إلا أن يأتي نص بإباحة التراخي في شيء ما فيوقف عنده)(31).

 والقائلون بالتراخي: لم يقولوا به مطلقا بل قيدوه بشروط: أن لا يخشى المرض، وأن لا يفوته في العمر.

لكن الأجل عرض، وما يحصل للإنسان في مستقبل عمره غيب(32).

وأما استدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام فقد تقدم الجواب عنه.

سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة:

بعد أن ذكرت أقوال الفقهاء، وأدلتهم، ووجه الدلالة، ومناقشة الأدلة، أستطيع أن أحصر سبب الخلاف بين الفقهاء إلى أمرين اثنين:

1 ـ قول الرسول -صلى الله عليه وسلم - وفعله، حيث ورد القول بالتعجل،والفعل دل على التراخي.

2 ـ الأمر المطلق عن الوقت، هل يحمل على الفور أم يحمل على التراخي(33)، وذلك أن الأمر بأداء الحج مطلق على الوقت وذلك في قوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات [البقرة: 197] . فالذين قالوا بالفور، قالوا: لما كان مختصاً بوقت وهو العام بعد التمكن كان الأصل تأثيم تاركه حتى يذهب الوقت، والذين قالوا بالتراخي، قالوا: إنها أشهر معلومات من العمر، فهي على التوسعة.

واعتبر الإمام السرخسي : أن الأمر بأداء الحج ليس بمطلق بل هو مؤقت بأشهر الحج، فتكون أشهر الحج من السنة الأولى بعد الإمكان متعينة ولا مزاحم له، ولا يدري هل يبقى أم لا ؟وهذا محتمل ولا يعارض المتحقق، فإذا ثبت انتفاء المزاحمة كانت هذه الأشهر متعينة للأداء، فالتأخير عنها تفويتاً كتأخير الصلاة عن الوقت، والصوم عن الشهر(34).

ـ وقياساً على وقت الصلاة حيث أن للصلاة وقت أول وآخر، فمن شبهه بآخر الوقت قال:على الفور، ومن شبهه بأول الوقت قال:على التراخي.

وتشبيه الحج بآخر الوقت:

أ – لأن الحج يأتي بعده وقت لا يجوز فيه فعله،كما أن وقت الصلاة إذا انقضى يدخل بعده وقت لا يكون المصلي فيه مؤدياً.

ب ـ وبما يغلب على الظن من وقوع الموت في خلال فترة العام بخلاف تأخير الصلاة من أول الوقت إلى آخره فالغالب أن الموت في مقدار هذا الوقت نادر لأنه وقت قصير.

ج ـ ولأن التأخير في الصلاة مع مصاحبة الوقت، والتأخير في الحج مع دخول وقت لا تصح فيه العبادة، إلا على القول بأن وقته أشهر معلومات من العمر مطلقاً.

د ـ ولأن التراخي معناه:الأداء في الوقت، وليس معناه:دخول وقت لا يصح فيه وقوع المأمور،كما يؤدي التراخي في الحج إذا دخل وقته فأخره المكلف(35).

الترجيح وسببه:

الذي يبدو لي-والله أعلم-هو القول الأول، وهو:أن الأمر بأداء الحج يحمل على الفور.

السبب: أن الأمر بالحج في وقته مطلق يحمل على الفور ويحمل على التراخي،والحمل على الفور أحوط لأن معنى الحمل عليه:الإتيان بالفعل عاجلاً خوفاً من الإثم بالتأخير،ويكون قد أدى ما أمر به،فحصل الأمن من الضرر، حتى وإن أريد به التراخي وأداه على الفور لا يضره الفعل بل ينفعه لمسارعته إلى الخير.

والحمل على التراخي:قد يحصل بذلك التأخير فتلحقه المضرة،فكان الحمل على الفور حملاً على أحوط الوجهين فكان أولى(36).

ولأن التراخي معناه: التأخير، ويكون إما إلى وقت محدد فهذا يصير من المقيد، أو إلى وقت مطلق، والشرط:ظن لمأمور الأداء وعدم الفوات وهذا قد لا يقع لكثرة هجوم الأجل(37).

ثمرة الخلاف:

وتكمن ثمرة الخلاف: في أنّ القائلين بالفور وعدم التأخير: إنما هو لخوف الفوات ولحوق الإثم إن لم يفعل, والقائلين بالتراخي قيدوه بشروط: أن لا يفوته في العمر، وأن لا يخش المرض، وأن يعزم العزم الصادق على الفعل فيما بعد(38).

فالواجب على التراخي يصير واجباً على الفور:إذا ضاق وقته، وإذا شرع في الفعل(39).

جمع وترتيب/ يونس عبد الرب فاضل الطلول

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) أخرجه البخاري 1/12, برقم: (8)، ومسلم 1/45, برقم: (21). 

(2) أخرجه  مسلم 2/975, برقم: (1337).

(3) الإحكام لابن حزم (1/50) .

(4) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران (1/227).

(5) بدائع الصنائع للكاساني (2/291)، فقه العبادات حنفي (1/176) .

(6) أشرف المسالك (1/93)، بداية المجتهد لابن رشد (1/449) .

(7) المغني لابن قدامة (3/203)، الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل (1/463) .

(8) فقه العبادات حنفي (1/176) .

(9) الروضة الندية (1/238) .

(10) مختصر المزني (1/71)، المهذب للشيرازي (1/358)، مغني المحتاج للشربيني (3/139) ، فقه العبادات شافعي (1/673).

(11) الروضة الندية (1/238).

(12) بدائع الصنائع (2/291) .

(13) نيل الأوطار للشوكاني (5/6).

(14) أخرجه الترمذي (3/176) قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا تعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال، قال الألباني ضعيف،انظر: ضعيف الجامع الصغير(1/1264), برقم: (5860).

(15) أخرجه أحمد في مسنده (1/313) قال الأرناؤوط: حسن، قال الألباني :حسن، انظر:الجامع الصغير وزيادته (1/1095), برقم:  (10947)، وانظر :صحيح أبي داود (1325), برقم: (1524).

(16) أخرجه الدارمي (2/45) قال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/305) .

وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/430)، قال: وهذا إن صح فإنما أراد إذا لم يحج وأخرج كذلك في السنن الكبرى (4/334).

(17) الروضة الندية (1/238).

(18) الروضة الندية (1/238) .

(19) مصنف بن أبي شيبة (3/306), برقم: (14455) .

(20) نيل الأوطار (5/6) .

(21) أخرجه أحمد في مسنده (1/214) تعليق الأرناؤوط : حسن وهذا إسناد ضعيف، وحسنه الألباني، انظر:الجامع الصغير وزيادته (1/1095), برقم: (10947)، وانظر :صحيح أبي داود (1325), برقم: (1524).

(22) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (2/291) .

(23) نيل الأوطار (5/6) .

(24) أبو داود (1/575) ، الترمذي (3/277) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، النسائي (5/198)، ابن ماجه (2/1028) وغيرهم، قال الألباني صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته (1/1147) برقم  (11467)

(25) انظر هذه الأجوبة في : (بدائع الصنائع) (2/291) ، (نيل الأوطار) للشوكاني (5/6) ، (إيثار الإنصاف) سبط ابن الجوزي (1/100).

(26) مختصر المزني (1/71)، بداية المجتهد لابن رشد (1/449) .

(27) مغني المحتاج للشربيني (3/139)، كفاية الأخيار (1/300) فقه العبادات شافعي (1/673) .

(28)  مختصر المزني (1/71) .

(29) انظر: أصول الشاشي (1/131، 135) .

(30) بدائع الصنائع (2/469) .

(31) الإحكام لابن حزم (1/50) .

(32) فقه العبادات شافعي (1/673)، الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري (1/997) .

(33) أصول السرخسي (1/26)، أصول الشاسي (1/131)، الإحكام للآمدي (2/184) .

(34) الأصول (1/29) .

(35) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (1/449) .

(36) بدائع الصنائع (2/291) .

(37) إجابة السائل شرح بغية الأمل (1/281) .

(38) فقه العبادات شافعي (1/673) ، الفقه على المذاهب الأربعة (1/997) .

(39) المنثور في القواعد للزركشي (3/321)، المغني لابن قدامة (3/383)، وقد تقدم قوله -عليه الصلاة والسلام- (وعليه الحج من قابل)،

وهذا لمن أحصر.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الأحاديث الواردة في العسل، وبيان الحكم على أحاديث الزكاة في العسل عند المحدثين
الأحد 30 سبتمبر 2012

جمع الأحاديث الواردة في العسل:

عن عائشة - رضي الله عنها-  قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الحلواء والعسل"(1).

التداوي بالعسل:

عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما  -قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن كان في شيء من أدويتكم - أو يكون في شيء من أدويتكم - خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي "(2).    

الشفاء في العسل لمن يشتكي بطنه:

عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أخي يشتكي بطنه؟فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الثانية فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الثالثة،فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا، فسقاه فبرأ ".(3)         

وفي رواية عند البخاري:" أن رجلا جاء  إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: اسقه عسلا. فسقاه، فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك "(4).    

ومعنى استطلق بطنه، أي كثر خروج ما فيه، وأصابه الإسهال، لفساد هضمه واعتلال معدته.

وعند مسلم: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي عرب بطنه، فقال له:"اسقه عسلا..."(5) الحديث.

 

الأحاديث الواردة في الاستشفاء بالعسل، وبيان الحكم عليها عند المحدثين:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء "(6).

   لعق الشيء:لحسه، وتناوله بلسانه أو إصبعه.(7)

2- وعن أبي الأحوص عن عبد الله -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " عليكم بالشفاء ين: العسل والقرآن ".(8)

الشفاء في العسل من كل داء إلا الموت:

3- وحدثنا إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت أبا أبي ابن أم حزام وكان قد صلى مع رسول الله - صلى الله عليه و سلم- الصلاتين يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول:"عليكم بالسنا والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام. قيل: يا رسول الله وما السام ؟ قال: الموت".(9)

قال إبراهيم بن أبي عبلة: والسنوت: الشبت، قال عمرو بن بكر وغيره: السنوت: هو العسل الذي يكون في الزق وهو قول الشاعر:

           هم السمن بالسنوت لا خير فيهما               وهم يمنعون الجار أن يتجردا                       

 فالسنا: بالقصر: نبات معروف من الأدوية له حمل إذا يبس وحركته الريح سمعت له زجلا الواحدة سناة، وبعضهم يرويه بالمد(10)،  و السنوت: العسل(11).

4- عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها-  قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -:" إن الخاصرة عرق الكلية، إذا تحرك آذى صاحبها، فداووها بالماء المحرق والعسل"(12).

5- عن السائب بن يزيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالحجامة وقال:" ما نزع الناس نزعة خير منه، أو شربة من عسل"(13).

6- وأخرج ابن أبي شيبة: أن ملاعب الأسنة عامر بن مالك بعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله الدواء والشفاء من داء نزل به،" فبعث إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسل أو عكة من عسل".(14)

7- وجاءت امرأة إلى الليث بن سعد تسأله عسلا و معها قدح وقالت: زوجي مريض فقال: أعطوها رواية عسل فقالوا: يا أبا الحارث سألت قدحا قال: سألت على قدرها ونعطيها على قدرنا(15).

8- عن الربيع بن خثيم قال: ما للنفساء عندي إلا التمر، ولا للمريض إلا العسل.(16)

9- عن محمد بن شرحبيل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" لا تردوا الطيب ولا شربة عسل على من جاءكم به"(17).

10- وعن عائشة - رضي الله عنها- قالت:" كان أحب الشراب إليه العسل"(18). تعني النبي - صلى الله عليه وسلم -.

11- وعنها - رضي الله عنها - قالت:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" ما طلب الدواء بشيء أفضل من شربة عسل"(19). 

12- عن أنس - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"  درهم حلال يشترى به عسلا، ويشرب بماء المطر شفاء من كل داء"(20).               

13- " أول رحمة ترفع عن الأرض الطاعون، وأول نعمة ترفع عن الأرض العسل "(21).

14- " عليكم بالعسل، فو الذي نفسي بيده ما من بيت فيه عسل، إلا ويستغفر له ملائكة ذلك البيت، فإن شربه رجل دخل جوفه ألف دواء، ويخرج منه ألف داء، فإن مات وهو في جوفه لم تمس النار جلده ".(22)

إذا سقطت الفأرة في العسل:

عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن فأرة ماتت في عسل؟ قال: العسل كهيئة الجامد يغرف ما حولها ويؤكل ما بقي(23).

 

الزكاة في العسل

وردت أحاديث كثيرة بطرق متعددة في الزكاة في العسل: إلا أن هذه الروايات انتقدها العلماء المحدثون،  بل وصرح بعضهم أنه لا يصح في هذا الباب شيء.

فهل معنى هذا الانتقاد: عدم قبول هذه الروايات وردها إذ لم يصح منها شيء في أخذ الزكاة من العسل، وذلك عند تقسيم الحديث: إلى مقبول وهو ما صح ولم ينتقد، وإلى مردود وهو: ما انتقد.

أو المعنى: قبول هذه الروايات حيث لا يلزم من قبولها بلوغها درجة الصحيح وعدم انتقادها، وذلك عند تقسيم الحديث: إلى صحيح لذاته ولغيره، وإلى حسن لذاته ولغيره، وإلى ضعيف.

وأيضا: فإن الانتقاد يختلف من رواية إلى رواية أخرى، فقد يكون الانتقاد في الراوي: أنه سيء الحفظ، أو أنه يلَقَّن، أو كونه صدوق، وقد يكون الانتقاد في الراوي: أنه يكذب.

وعليه ففي هذه الروايات الواردة في أخذ الزكاة من العسل وردت الانتقادات؛ ولأن الروايات في أخذ الزكاة من العسل كثيرة، ووردت بطرق متعددة، فيختلف الانتقاد باختلاف الطرق. 

وفي هذا البحث سأذكر هذه الروايات مع بيان مصادرها، وحكم العلماء المحدثين عليها.

  وقد وردت آثار فيها عدم أخذ الزكاة من العسل، وسأبدأ بذكر هذه الآثار، ثم بيان الروايات التي أثبتت أخذ الزكاة من العسل، مستمدا من الله العون والسداد.  

 

أولاً: الآثار التي نفت أخذ الزكاة من العسل:

1- عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه قال: جاء كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنى، أن لا يأخذ من العسل، ولا من الخيل صدقة(24).

2- وعن نافع: قال سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل؟ قال قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه، ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه قال ليس في العسل صدقة فقال عمر: عدل مرضي فكتب إلى الناس أن توضع يعني عنهم(25). قال الألباني: والمغيرة بن حكيم: تابعي ثقة، وما ذكره من النفي لم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مقطوع، ولو رفعه لكان مرسل(26).

3- وعن طاووس عن معاذ بن جبل قال: سألوه عما دون ثلاثين من البقر وعن العسل قال: لم أومر فيها بشيء (27).

4- وعن سفيان قال: ليس في العنبر ولا في العسل ولا في الأوقاص زكاة(28).

5- وعن علي - رضي الله عنه-  قال: ليس في العسل زكاة(29). قال يحيى: وسئل الحسن بن صالح عن العسل؟ فلم ير فيه شيئا.(30). وذكر عن معاذ: أنه لم يأخذ من العسل شيئا(31).

 

ثانيا: الروايات التي أثبتت أخذ الزكاة من العسل:

1- رواية أبي داود:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي  له  واديا يقال له سلبة "فحمى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الوادي"فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه،كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك، فكتب عمر  رضي الله عنه:  " إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء "(32). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن بني شبابة ـ بطن من فهم ـ كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عسل لهم العشر من كل عشر قرب قربة وكان يحمي لهم واديين فلما كان عمر ابن الخطاب استعمل عليهم سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يؤدوا إليه شيئا، وقالوا: إنما ذاك شيء كنا نؤديه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب سفيان إلى عمر بذلك، فكتب إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما النحل ذباب غيث يسوقه الله رزقا إلى من يشاء،فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحم لهم وادييهم، وإلا فخل بين الناس وبينهما فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وحمى لهم وادييهم(33).   

قال أبو بكر: (هذا الخبر إن ثبت ففيه ما دل على أن بني شبابة إنما كانوا يؤدون من العسل العشر لعلة، لا لأن العشر واجب عليهم في العسل بل متطوعين بالدفع لحماهم الواديين، ألا تسمع احتجاجهم على سفيان بن عبد الله و كتاب عمر بن الخطاب إلى سفيان لأنهم إن أدوا ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحمى لهم وادييهم و إلا خلى بين الناس وبين الواديين ومن المحال أن يمتنع صاحب المال من أداء الصدقة الواجب عليه في ماله إن لم يحمى له ما يرعى فيه ماشيته من الكلأ و غير جائز أن يحمى الإمام لبعض أهل المواشي أرضا ذات الكلأ ليؤدي صدقة ماله إن لم يحم لهم تلك الأرض... و لو كان عند الفاروق - رحمه الله- أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر من غلهم على معنى الإيجاب كوجوب صدقة المال الذي يجب فيه الزكاة لم يرض بامتناعهم من أداء الزكاة و لعله كان يحاربهم لو امتنعوا من أداء ما يجب عليهم من الصدقة إذ قد تابع الصديق -رحمه الله - مع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على قتال من امتنع من أداء الصدقة مع حلف الصديق أنه مقاتل من امتنع من أداء عقال كان يؤديه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - و الفاروق -رحمه الله - قد واطأه على قتالهم فلو كان أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر من نحل بني شبابة عند عمر بن الخطاب على معنى الوجوب لكان الحكم عنده فيهم كالحكم فيمن امتنع عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أداء الصدقة إلى الصديق) (34).

قال ابن حجر: ( قال الدار قطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مسندا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب عن عمر مرسلا، قلت: فهذه علته وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الإتقان لكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند بن ماجة وغيره)(35).

والحديث قد حسَّنه ابن عبد البر في الاستذكار، ونقل عن الزهري: أن صدقة العسل العشر. وممن أوجب الزكاة في العسل الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وربيعة وابن شهاب ويحيى بن سعيد، وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: بلغني أن في العسل العشر، وسمع يحيى من ادرك يقول:مضت السنة بان في العسل العشر، وهو قول ابن وهب(36).

قال الشيخ الألباني:

الحديث صحيح...وهذا سند رجاله ثقات غير أن ابن لهيعة سيء الحفظ لكنه لم يتفرد به كما يأتي فالحديث صحيح، فقد أخرجه ابن ماجه، من طريق نعيم بن حمال، لكن نعيم ضعيف، وأخرجه أبو داود، والنسائي، من طريق عمر وبن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب، وهذا سند صحيح، فإن عمرو بن الحارث المصري ثقة فقيه حافظ(37).

وقال: فهذه طرق إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده متصلا وبعضها صحيح بذلك إليه كما تقدم، وعليه: فلا يضره ما رواه ابن أبي شيبة، قال: وزعم عمرو بن شعيب أنهم كانوا يعطون من كل عشر قرب قربة، فهذا مرسل، ولكن لا تعارض بينه وبين من وصله، لجواز أن عمرا كان يرسله تارة ويوصله تارة، فروى كل ما سمع، والكل صحيح (38).

وللألباني تحت عنوان: زكاة العسل(39): ( قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح)، ولكن ليس هذا على إطلاقه، فقد روي فيه أحاديث أحسنها حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وأصح طرقه إليه طريق عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب.. بلفظ: " جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي له واديا..."الحديث.

فهذا إسناد جيد، وهو مخرج في  الإرواء، كما تقدم، وقواه الحافظ ابن حجر، حيث قال عقب هذا الحديث: ( وإسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى، كما يدل عليه كتاب عمر ابن الخطاب ) (40)، وسبقه إلى هذا الحمل ابن زنجويه(41)، ثم الخطابي (42)، وهو الظاهر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الخلاصة في رواية أبي داود:

حديث هلال: جاء من رواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده،وأخذه عن عمرو: عبد الرحمن ابن الحارث،وابن لهيعة، وفيهما مقال عند المحدثين، لكن تابعهما عمرو ابن الحارث المصري وهو ثقة، وبهذا يصح الحديث، إلا أنه مقيد بالحمى، وهذا الحديث قد قواه الحافظ في الفتح، وحسنه ابن عبد البر، وصححه الألباني كما تقدم عنهم.

2- رواية الترمذي:

عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" في العسل في كل عشرة أزق زق"(43).

قال الزيلعي: رواه الترمذي، وقال: في إسناده مقال ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب كثير شيء، ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بصدقة هذا، وضعفه عن أحمد والنسائي وابن معين، ورواه البيهقي وقال: تفرد به صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، ورواه ابن حبان في  كتاب الضعفاء، وقال في صدقة: يروى الموضوعات عن الثقات، ورواه الطبراني في معجمه الوسيط،  ولفظه: وقال: في العسل العشر في كل عشر قرب قربة، وليس فيما دون ذلك شيء، قال الطبراني: لا يروى هذا عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد انتهى(44).

وقال أحمد بن حنبل: صدقة ليس يساوي حديثه شيئا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: صدقة ليس بشيء وهذا حديث منكر، قال الراوي: وعمرو لا يحتج به، وقد رواه إسماعيل بن محمد عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن موسى بن يسار، قال ابن حبان: إسماعيل يقلب الأسانيد ويسرق الحديث لا يجوز الاحتجاج به. وقال يحيى بن معين: عمرو بن أبي سلمة وزهير، ضعيفان(45).

ولدقة المسألة حديثيا وفقهيا اختلف فيها رأي الشوكاني، فذهب في  نيل الأوطار: إلى عدم وجوب الزكاة على العسل وأعل الأحاديث كلها(46)، وفي الدرر البهية: صرح بوجوب الزكاة في العسل، وأيده في السيل الجرار(47)، وتبعه شارحه صديق خان  في الروضة الندية(48).

الخلاصة:

حديث ابن عمر: جاء من طريق صدقة ابن عبد الله السمين، وقد انتقده المحدثون، وضعفوا حديثه،وممن ضعفه الامام أحمد،لكن هل تضعيف الإمام أحمد يقتضي رد هذا الحديث؟ وقد وثق الراوي أبو حاتم (49)، وصحح الحديث الألباني، كما تقدم عنه.

3- رواية ابن ماجه:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -  "أنه أخذ من العسل العشر"(50).                                    

وعن أبي سيارة المتعي، قال: " قلت يا رسول الله؛ إن لي نحلا. قال: أد العشر.  قلت: يا رسول الله، احمها لي، فحماها لي"(51). معنى: أد العشر: أي من عسله. ومعنى: احمها: أي احفظها حتى لا يطمع فيها أحد(52).

قال الزيلعي: وأما حديث أبي سيارة: فأخرجه ابن ماجه، ورواه أحمد في  مسنده، والبيهقي في  سننه،  وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: حديث مرسل، وسليمان بن موسى، لم يدرك أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في زكاة العسل شيء يصح(53).

وقال ابن حجر: هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي، من رواية سليمان بن موسى عن أبي سيارة وهو منقطع، قال البخاري: لم يدرك سليمان أحدا من الصحابة، وليس في زكاة العسل شيء يصح، وقال أبو عمر: لا تقوم بهذا حجة، قال وعن أبي هريرة، قد رواه البيهقي، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك، وقال الزعفراني عن الشافعي: الحديث في أن العسل العشر ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه، وقال البخاري: لا يصح فيه شيء، وقال بن المنذر: ليس فيه شيء ثابت(54).

الخلاصة:

حديث عمرو ابن شعيب، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أخذ من العسل العشر: حديث حسن صحيح، وأما حديث أبي سيارة، فانتقد بأنه منقطع، وبأنه مرسل، وقد حسَّنه الألباني(55).

4- رواية البيهقي:

عن منبر ابن عبد الله  عن أبيه عن جده سعد بن أبي ذباب، قال: " قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت ثم قلت: يا رسول الله، اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  واستعملني عليهم"، ثم استعملني أبو بكر(56)، ثم عمر، قال وكان سعد من أهل السراة، قال:فكلمت قومي في العسل فقلت لهم: زكوه فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى. فقالوا:كم. قال فقلت: العشر. فأخذت منهم العشر، فأتيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فأخبرته بما كان قال: فقبضه عمر، فباعه، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين(57).         

قال البخاري: وعبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب لم يصح حديثه. وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث، وسئل أبو حاتم عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب يصح حديثه ؟ قال: نعم(58).

الخلاصة:

حديث سعد ابن أبي ذباب: في إسناده منبر ابن عبد الله، وقد ضعفه البخاري والأزدي. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكي ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره فيه بشيء وأنه شيء رآه هو فتطوع له به قومه(59).

5- رواية المعجم الأوسط:

عن ابن عمر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: " في العسل العشر، في كل ثنتي عشر قربة، وليس فيما دون ذلك شيء"(60).

6- مصنف عبد الرزاق:

عن عبد الرزاق قال:أخبرني صالح بن دينار أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه أن يأخذ من العسل صدقة، إلا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها، فجمع عثمان أهل العسل، فشهدوا أن هلال بن سعد، جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  بعسل، فقال:" ما هذه؟ فقال: هدية، فأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء مرة أخرى، فقال: ما هذه؟ قال: صدقة فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر برفعه، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك عشورا فيها ولا نصف عشور إلا أخذها"، فكتب بذلك عثمان إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب فأنتم أعلم، فكنا نأخذ ما أعطونا من شيء، ولا نسأل عشورا ولا شيئا، ما أعطونا أخذنا (61).                                     

وعن أبي هريرة  -رضي الله عنه - قال:" كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن: أن يؤخذ من أهل العسل العشور" (62). وقال الزهري: في كل عشرة أفراق فرق (63).

قال الزيلعي: حديث:"أن النبي عليه الصلاة السلام كتب إلى أهل اليمن: أن يؤخذ من أهل العسل العشر"، رواه بهذا اللفظ البيهقي من طريق عبد الرزاق، والحديث معلول بعبد الله بن محرز، قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: كان من خيار عباد الله، إلا أنه كان يكذب ولا يعلم ويقلب الأخبار ولا يفهم. وبمعنى هذا الحديث، قد روي من حديث ابن عمر،ومن حديث سعد بن أبي ذباب، ومن حديث أبي سيارة المتعي(64).

6- رواية مصنف ابن أبي شيبة:

عن عطاء الخرساني، عن عمر- رضي الله عنه- قال: في العسل عشر(65).

7- رواية كنز العمال:

عن الأحوص ابن حكيم، عن أبيه مرسلا قال: في كل عشرة أرطال من العسل، رطل(66).

 

والله تعالى أعلم

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه / يونس عبد الرب فاضل الطلول

راجعه:عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي


(1) صحيح البخاري 5/2125 ، برقم 5277.

(2) صحيح البخاري 5/2152 ، برقم 5359.

(3) صحيح البخاري 5/2152 ، برقم 5360.

(4) صحيح البخاري 5/2161 ، برقم 5386.

(5) صحيح مسلم 4/1736 ، برقم 2217.

(6) سنن ابن ماجه 2/1142 ، برقم 3450. قال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف، انظر: مسند أبي يعلى 11/299. وقال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر: السلسلة الضعيفة 2/183 ، برقم 762.

(7) انظر: مختار الصحاح 1/612.

(8) سنن ابن ماجه 2/1142 ، برقم 3452، المستدرك 4/222 ، برقم 7435 وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أوقفه وكيع بن الجراح، عن سفيان، سنن البيهقي الكبرى 9/344 ، برقم 19349، وقال: رفعه غير معروف، والصحيح انه موقوف، وقد رواه وكيع عن سفيان موقوفا، قال الشيخ الألباني: ضعيف، ضعيف ابن ماجة 1/280 ، برقم 756. وفي رواية: أن رجلا أتى عبد الله فقال: إن أخي مريض اشتكى بطنه وإنه نعت له الخمر أفاسقيه ؟ قال عبد الله: سبحان الله ما جعل الله شفاء في رجس إنما الشفاء في شيئين العسل شفاء للناس والقرآن شفاء لما في الصدور. المعجم الكبير 9/184 ، برقم 8910، قال الشيخ الألباني: إسناده صحيح، السلسلة الصحيحة 4/174 ، برقم 1633.

(9) المستدرك 4/224 ، برقم 7442، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الألباني: صحيح بشواهده، السلسلة الصحيحة 4/407 ، برقم 1798.

(10) النهاية 2/415.

(11) النهاية 2/407.

(12) المستدرك 4/449 ، برقم 8237، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، قال الشيخ الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة 3/368 ، برقم 1223.

(13) المعجم الأوسط للطبراني 8/53 ، برقم 7944، وقال: لا يروى هذا الحديث عن السائب بن يزيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسحاق. وقال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف. ولم أجد له تخريجا.

(14) مصنف ابن أبي شيبة 6/412 ، برقم 32492 ولم أجد له تخريجا.

(15) شعب الإيمان للبيهقي 7/449 ، برقم 10949.

(16) مصنف ابن أبي شيبة 5/59 ، برقم 23688.

(17) الآحاد والمثاني 5/312 ، برقم 2848. ولم أجد له تخريجا.

(18) كنز العمال 7/200 ، برقم 18225، قال الشيخ الألباني: ضعيف، الجامع الصغير وزيادته 1/980 ، برقم 9794.

(19) كنز العمال 10/38 ، برقم 28168، قال الشيخ الألباني: ضعيف،الجامع الصغير وزيادته 1/1188 ، برقم 11879.

(20) كنز العمال 10/40 ، برقم 28176، قال الشيخ الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة 8/98 ، برقم 3596.

(21) تذكرة الموضوعات 1/1132. 

(22) تذكرة الموضوعات 1/1133.

(23) مصنف عبد الرزاق 1/86 ، برقم 288.

(24) الموطأ رواية يحيى الليثي 1/277 ، برقم 613، قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز واختياري: أنه لا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه وليست فيه ثابتة، فكأنه عفو، سنن البيهقي الكبرى 4/127.

(25) سنن الترمذي 3/25 ، برقم 630.

(26) إرواء الغليل 3/287.

(27) مصنف عبد الرزاق 4/60 ، برقم 6964.

(28) مصنف ابن أبي شيبة 2/374 ، برقم 10066.

(29) سنن البيهقي الكبرى 4/127 ، برقم 7258، وفي إسناده حسين بن يزيد، وهو ضعيف، انظر: تلخيص الحبير 2/172.

(30) المرجع السابق.

(31) سنن البيهقي الكبرى 4/128 ، برقم 7259.

(32) سنن أبي داود 1/503 ، برقم 1600، قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح أبي داود 1/301 ، برقم 1415.

(33) سنن أبي داود 1/503 ، برقم 1601، قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح أبي داود 1/302 ، برقم 1417.

(34) صحيح ابن خزيمة 4/45 ، برقم 2325.

(35) تلخيص الحبير 2/168.

(36) الجوهر النقي 4/127.

(37) انظر:مختصر إرواء الغليل للألباني 3/284.

(38) إرواء الغليل 3/285.

(39) تمام المنة 1/374 375.

(40) الفتح 3/348.

(41) الأموال 1095 - 1096.

(42) معالم السنن 1/208.

(43) سنن الترمذي 3/24 ، برقم 629، وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة و أبي سيّارة المتعي وعبد الله بن عمرو، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد و إسحق، وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شيء، و صدقة بن عبد الله ليس بحافظ وقد خولف صدقة بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن نافع، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر في إسناده مقال، وقال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال:هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/771 ، برقم 7701.

(44) نصب الراية للزيلعي 2/281.

(45)انظر التحقيق في أحاديث الخلاف 2/41 ،وانظر العلل المتناهية 2/497.

(46) نيل الأوطار 4/125.

(47) السيل الجرار 2/46 48.

(48) الروضة الندية 1/200.

(49) مجمع الزوائد 3/224.

(50) سنن ابن ماجه 1/584 ، برقم 1824، قال الألباني: حسن صحيح، صحيح ابن ماجة 1/306 ، برقم 1477.

(51) سنن ابن ماجه 1/584 ، برقم 1823، قال البيهقي: ( وهذا أصح ما روي في وجوب العشر فيه، وهو منقطع)، سنن البيهقي الكبرى 4/126. قال الألباني: حسن، صحيح ابن ماجة 1/305 ، برقم 1476.

(52) سنن ابن ماجه 1/584.

(53) نصب الراية 2/280، بتصرف.

(54) تلخيص الحبير 2/168.

(55) انظر: شرح سنن ابن ماجه 1/584.

(56) حديث أن أبا بكر كان يأخذ الزكاة في العسل لم أجد له أصلا، انظر: تلخيص الحبير 2/173 .

(57) سنن البيهقي الكبرى 4/127 ، برقم 7253، ولم أجد له تخريجا.

(58) نصب الراية 2/280.

(59) تلخيص الحبير 2/168.

(60) المعجم الأوسط 4/340 ، برقم 4375، وقال: لا يروى هذا الحديث عن بن عمر إلا بهذا الإسناد، قال الألباني: سنده ضعيف. إرواء الغليل 3/287 ، برقم 803.

(61) مصنف عبد الرزاق 4/61 ، برقم 6967. ولم أجد له تخريجا.

(62) مصنف عبد الرزاق 4/63 ، برقم 6972. ولم أجد له تخريجا.

(63) مصنف عبد الرزاق 4/63.

(64) نصب الراية 2/280.

(65) مصنف ابن أبي شيبة 2/373 ، برقم 10052.

(66) كنز العمال 6/491 ، برقم 15889.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
مشروعية الزكاة في العسل المتخذ للقنية أو التجارة
الأحد 30 سبتمبر 2012

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين -، أما بعد..

فهذا بيان زكاة العسل سواء اتُخِذ للقنية أو التجارة .

 

مشروعية الزكاة في العسل غير المتخذ للتجارة :

·           المذهب الحنبلي :

أوجب الحنابلة الزكاة في العسل ؛ قال ابن قدامة : سئل أبو عبد الله أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة ؟ قال : نعم أذهب إلى أن في العسل زكاة ؛ العشر ؛ قد أخذ عمر منهم الزكاة . قلت : ذلك على أنهم تطوعوا به . قال : لا بل أخذه منهم . ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي وإسحاق(1).

واستدلوا بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- " كان يؤخذ في زمانه من قِرب العسل من كل عشر قِرب قِربة من أوسطها "رواه أبو عبيد(2). وعن عمر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في العسل " في كل عشر قِرب قِربة " رواه أبو داود والترمذي ؛ وقال الترمذي في إسناده مقال ولا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم- كبير شيء(3).

واستدلوا أيضاً بحديث سليمان بن موسى أن أبا سيارة المتعي قال : قلت : يا رسول الله إن لي نحلا ؟ قال " أدِّ عشرها " . قلت : فاحمِ إذاً جبلها ؛ فحماه له " رواه ابن ماجة(4).

 

·           المذهب الحنفي :

والحنفية أوجبوا الزكاة في العسل كذلك؛ ولكن بشرط : إذا كان في أرض عشرية . قال أبو الحسين

 

المرغياني : وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر(5) ، ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج(6). ونسب النووي هذا القول إلى الأوزاعي(7).

واستدلوا لوجوب الزكاة في الأرض العشرية بحديث أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن أن " في العسل العشر "(8) ، ولأن النحل يتناول من الأنوار والثمار وفيهما العشر فكذا فيما يتولد منهما(9).

واستدلوا لعدم وجوب الزكاة في الأرض الخراجية بعدم وجوب العشر فيها وإنما يجب فيها الخراج ؛ والعشر والخراج لا يجتمعان(10).

 

·           المذهب الشافعي :

واختلف قول الشافعي في زكاة العسل ؛ فقال في القديم : يحتمل أن يجب فيه ، وقال في الجديد: لا تجب(11). قال النووي : وهو المذهب(12).

وجه الأول ما روي أن بني شبابة بطناً من فهم " كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نحل كان عندهم العشر من عشر قِرب قِربة "(13)

ووجه الثاني أنه ليس بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض(14) ؛ وذكر لهم المرغياني استدلالاً على عدم الوجوب بأن العسل متولد من الحيوان فأشبه الإبريسم(15).

 

·           المذهب المالكي :

أما المالكية فلا يقولون بالزكاة في العسل . قال أبو عبد الله المغربي: ولا زكاة في الحلبة ، ولا وفي شيء من الفواكه كلها رطبها ويابسها، ولا في البقول، ولا في القطن، ولا في القصب، ولا الخشب .. وما أشبه ذلك ، ولا في العسل، وقصب السكر والتين والرمان والجوز واللوز وما أشبه ذلك(16) ونسبه في المغني إلى الشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر(17).

واستدلوا على ذلك بضعف الأحاديث الآمرة بالزكاة . قال ابن المنذر : ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه(18) . واستدلوا بحديث سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى اليمن فأردت أن آخذ من العسل الصدقة ؛ فقال المغيرة بن حكيم الصنعاني : ليس فيه شيء . فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز . فقال: المغيرة عدل رضي ؛ لا تأخذ من العسل  شيئا(19).

 

نصاب زكاة العسل عند القائلين بها :

·           المذهب الحنبلي :

اختلف الحنابلة في تقدير النصاب أولاً ؛ هل هو بالقِرب أم بالأفراق ؟ قال ابن قدامة : نصابه عشر قِرب والقربة مائة رطل(20) ( وعليه فالنصاب ألف رطل )، وقال : قال أصحابنا : نصابه عشرة أفراق لأن الزهري قال في عشرة أفراق فرق ؛ ووجهه ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أن أناسا سألوه ؛ فقالوا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع لنا واديا ظاهرا فيه خلايا من نحل ، وإنا نجد ناسا يسرقونها . فقال عمر رضي الله عنه : إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم " رواه الجوزجاني ؛ وهذا تقدير من عمر - رضي الله عنه - فيتعين المصير إليه(21) ؛ ثم اختلفوا ؛ فقال ابن حامد والقاضي في المجرد : الفرق ستون رطلاً ( وعليه فالنصاب ستمائة رطل )(22) ، وقيل : الفرق ستة عشر رطلاً بالعراقي فيكون نصابه مائة وستون رطلاً؛ قال أحمد في رواية أبي داود ؛ قال الزهري : في عشرة أفراق فرق والفرق ستة عشر رطلا(23) ؛ وقيل: هو مائة وعشرون رطلا(24) ( وعليه فالنصاب ألف ومائتا رطل ) ؛ وقيل : أن الفرق ثلاثة آصع . قال أبو عبيد : لا خلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة " أطعم ستة مساكين فرقاً من طعام "(25) فقد بين أنه ثلاثة آصع ، وقالت عائشة - رضي الله عنها - : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -  من إناء هو الفرق . وهذا هو المشهور فينصرف الإطلاق إليه .

 

·           المذهب الحنفي :

اختلف مقدار النصاب عند الحنفية ؛ فعن أبي حنيفة - رحمه الله- أنه يجب في العسل قلّ أو كثُر لأن النصاب لا يعتبر ( وهذا على أصله في عدم اشتراط النصاب في زكاة الزروع والحبوب ) ، وعن أبي يوسف -رحمه الله - : أنه يعتبر فيه قيمة خمسة أوسق ( كما هو أصله في زكاة الزروع والحبوب ) ، وعنه : أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب ، وعن محمد -رحمه الله- : خمسة أفراق كل فرق ستة وثلاثون رطلا لأنه أقصى ما يقدر به  (26)( وعليه فالنصاب مائة وثمانون رطلا )

 

·           المذهب الشافعي :

يصنف الشافعية العسل من الثمار ويدرجونه في كلامهم عن زكاة الزروع والثمار(27) ، ولكنهم مع ذلك قد اختلفوا في نصاب العسل ؛ قال النووي : فإن أوجبناه – أي الزكاة فيه - ففي اعتبار النصاب خلاف ، المذهب اعتباره ، وقال ابن القطان قولان كما سبق في الزيتون(28) وقال في سياق حديثه عن الزيتون : ويشترط بلوغه نصاباً هذا هو المذهب وبه قطع الأصحاب في جميع الطرق إلاّ ما حكاه الرافعي عن ابن القطان أنه خرج اعتبار النصاب فيه ، وفي سائر ما اختص القديم (ومنها العسل) بإيجاب الزكاة فيه على قولين(29).

ولذا فإن نصابه عندهم على القول بالزكاة فيه هو نصاب زكاة الزروع والثمار وهي خمسة أوسق؛ قال النووي في المنهاج: وفي القديم تجب في الزيتون والزعفران والورس والقرطم (وهو حب العصفر) والعسل . ونصابه خمسة أوسق وهي ألف وستمائة رطل بغدادية(30), وهذا أحد قولي ابن القطان، ولعل القول الثاني هو : عدم اعتبار النصاب فيه كأبي حنيفة . وإليه أشار النووي في المجموع (31) ولم أجد التصريح بهذا إلا بعد البحث الشديد في بعض حواشي الشرح الكبير للرافعي ما نصه ( وقال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص : اعتبار النصاب فيه وجهان ذكرهما ابن القطان قياساً على المعادن ؛ أحدهما : يخرج من القليل والكثير ، والثاني : إذا بلغ خمسة أوسق .أهـ(32).

 

مقدار الزكاة :

·           المذهب الحنبلي :

مقدار الزكاة عند الحنابلة - إن بلغ النصاب – العشر ؛ قال ابن قدامة : وفي العسل العشر لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .. وذكر الحديث ؛ وقد تقدم(33)

وقد سئل أبو عبد الله أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة ؟ قال : نعم أذهب إلى أن في العسل زكاة ؛ العشر (34)

 

·           المذهب الحنفي :

قال المرغياني : وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر(35), وهو رأي أبي حنيفة(36).

وقال السرخسي : ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج وإن كان في أرض العشر أو في الجبال ففيه العشر(37).

 

·           المذهب الشافعي :

قال الشاشي القفال : وقال في القديم : يجب في العسل العشر(38) ؛ وقد عدّوه من المعشرات(39)؛ لما روى ابن ماجة عن عمرو بن شعيب أنه - صلى الله عليه وسلم - " أخذ منه العشر "(40).

  

·       الترجيح :

والذي ظهر لي بعد دراسة أقوال الأئمة أن الأحاديث القاضية بزكاة العسل تتقوى بمجموع طرقها، وعليه ففي العسل المتّخذ في غير التجارة زكاة وهو العشر والله أعلم .

 

وهذا الكلام في ما إذا لم يتخذ العسل للتجارة ؛ فأما إن اتخذ للتجارة فالكلام عنه كالتالي:

زكاة العسل للتجارة :

العسل له ثَمن ؛ وهو من الأموال ؛ والمال يجب فيه الزكاة إن كان لغرض التجارة ؛ قال ابن قدامة : (العروض جمع عَرَض : الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر المال )(41). فعموم كلامه يدل على وجوب الزكاة في العسل إن كان للتجارة . وقال ابن نجيم الحنفي : ( وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير )(42) ، ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية (43) ، ولأنها معدّة للاستنماء بإعداد العبد فأشبه المعدّ بإعداد الشرع(44) ؛ وهذا المعنى حاصل في العسل الذي يقصد للتجارة . ولذا يضم بعض أموال التجارة إلى البعض في تكميل النصاب(45) .

والزكاة في قيمة عروض التجارة واجبة في قول أكثر أهل العلم؛ وقد روي ذلك عن عمر و ابنه و ابن عباس - رضي الله عنهم - وبه قال الفقهاء السبعة والحسن و جابر بن زيد و ميمون بن مهران و طاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي ومالك وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي - رحمهم الله - لما روى أبو داود بإسناده عن سمرة بن جندب قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع "(46). وخالف في ذلك داود فلم يوجب الزكاة في عروض التجارة (47) .

وقد نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة ؛ الزكاة إذا حال عليها الحول(48) قال ابن قدامة : ( ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول ؛ وقد دل عليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  في حديث ابن عمر " من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول "(49)) كما أنه لا بد من بلوغه نصاب العروض لإيجاب الزكاة فيه ؛ قال ابن نجيم الحنفي : ( وفي عروض تجارة بلغت نصابٌ)(50) ؛ وتقدير النصاب من أموال التجارة بقيمتها من الذهب والفضة ؛ وهو أن تبـلغ قيمتها مقدار نصاب من الذهب والفضة(51) .

ولكن العروض لا تكون للتجارة إلا بشروط ؛ قال ابن قدامة : ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين؛ أحدهما : أن يملكه بفعله(52) كالبيع والنكاح والخلع وقبول الهبة والوصية والغنيمة واكتساب المباحات؛ لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالصوم . قال الباجي : والعمل المؤثر في ذلك: الابتياع(53)، والثاني: أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة(54) ؛ فإن لم ينوِ عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة؛ حتى وإن نواه بعد ذلك(55) لأن الأصل القنية ؛ والتجارة عارض فلم يصر إليها بمجرد النية ؛ كما لو نوى الحاضر السفر لم يثبت له حكم السفر بدون الفعل(56) .

وعن أحمد رواية أخرى أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية ( وهو قول الكرابيسي من الشافعية ) لقول سمرة : " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع " فعلى هذا لا يعتبر أن يملكه بفعله، ولا يكون في مقابلة عوض بل متى نوى به التجارة صار للتجارة(57) ، وقال المرغياني : وتشترط نية التجارة(58) ، وقال الباجي بعد تقسيمه للأموال على قسمين : مال أصله التجارة كالذهب والفضة .. ومال أصله القنية كالعروض والثياب وسائر الحيوان والأطعمة(59) .

فإن قيل كيف يجتمع حقان في مال واحد ؟

قلت : وما الذي يمنع من هذا ؛ ألا ترى أن المال يجب فيه حق للزوجة والولد .. من النفقة وغيرها كما أن فيه أيضاً حقاً للفقير إن بلغ نصاباً ودار عليه الحول ؛ وليس هذان الحقان حق واحد لاختلاف موجِبهما ؛ وهنا كذلك ؛ اختلف الموجِب للزكاة من زكاة عسل إلى زكاة تجارة ؛ فالعسل في حد ذاته إن كان للقنية له نصاب مختلف عن نصابه في التجارة ، وكذا الحول فلا حول له إن كان للقنية وله حول إن كان للتجارة ؛ ثم إن النية مؤثرة في العمل ؛ ولا شك أنه لا يستوي من نوى بالعسل القنية ومن نوى به التجارة " وإنما لكل امرئ ما نوى "(60) لا سيّما وقد عُلِم أن المال – ومنه العسل – لا يتحول من القنية إلى التجارة إلا بالنية المصدَّقة بالعمل.

وهذا لا يفتح باب الحيلة بل يغلقه فإن من نوى بالعسل القنية وجب عليه فيه العشر زكاة حالّة ؛ فإن نوى بعد ذلك التجارة - بقصد الحيلة أو بدون قصدها - وجب عليه فيه ربع العشر بانتهاء الحول بشروطه المتقدمة، والله أعلم .

 

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي

علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الخميس 16 صفر 1427هـ

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) - المغني ج: 2 ص: 305 ، وانظر الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308

(2) - بنحوه في سنن أبي داود 1/504, برقم: 1601، قال الألباني : صحيح. إرواء الغليل 3/284, برقم: 810 .

(3) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308 ، وانظر المغني ج: 2 ص: 306 ، والحديث في سنن الترمذي 3/24, برقم: 629 وقد صححه الألباني بشواهده. إرواء الغليل 3/284, برقم: 810.

(4) - المغني ج: 2 ص: 306 والحديث في سنن ابن ماجه 1/584, برقم: 1823 في الزوائد : في إسناده قال : ابن أبي حاتم عن أبيه لم يلق سليمان بن موسى أبا سيارة . والحديث مرسل . وحكى الترمذي في العلل عن البخاري عقب هذا الحديث أنه مرسل . ثم قال لم يدرك سليمان أحدا من الصحابة أهـ ، قال الشيخ الألباني : حسن. انظر: صحيح ابن ماجة 1/305, برقم: 1476.

(5) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255 ، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 3 ص: 15 وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62.

(6) - المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216 .

(7) - المجموع للنووي ج: 5 ص:417.

(8) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62 والحديث ذكره في سنن البيهقي الكبرى 4/126. قال البخاري: وعبد الله بن محرر متروك الحديث، يعني بذلك تضعيف روايته عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً في العسل . وقد ضعفه الألباني بهذا اللفظ وصححه بمجموع طرقه. انظر:  إرواء الغليل 3/284, برقم: 810.

(9) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62

(10) - المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216 بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62

(11) - المهذب ج: 1 ص: 154 ، وانظر روضة الطالبين ج: 2 ص: 232 ، وانظر المجموع ج: 5 ص:415

(12) - المجموع ج: 5 ص: 415

(13) - المهذب ج: 1 ص: 154 انظر سنن أبي داود 1/503, برقم: 1601, وقد تقدم.

(14) - المهذب ج: 1 ص: 154

(15) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110

(16) - مواهب الجليل ج: 2 ص: 280 ، وانظر التمهيد لابن عبد البر ج: 16 ص: 272

(17) - المغني ج: 2 ص: 305

(18) - المغني ج: 2 ص: 305

(19) - التمهيد لابن عبد البر ج: 16 ص: 272 ، والحديث في سنن الترمذي 3/25 برقم 629 وقد تقدم.

(20) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308

(21) - المغني ج: 2 ص: 306

(22) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308 ، المغني ج: 2 ص: 306

(23) - المغني ج: 2 ص: 306

(24) - المغني ج: 2 ص: 306

(25) - صحيح البخاري  2/644 ، صحيح مسلم 2/859.   

(26) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255 ، وانظر المبسوط للسرخسي ج: 3 ص: 15 ، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62 ، وانظر المغني لابن قدامة ج: 2 ص: 306

(27) - انظر المهذب ج: 1 ص: 154 ، وانظر المجموع ج: 5 ص: 416 ، وانظر منهاج الطالبين ج: 1 ص: 31

(28) - المجموع ج: 5 ص: 416

(29) - المجموع ج: 5 ص: 414

(30) - منهاج الطالبين ج: 1 ص: 31 ، وانظر: حلية العلماء ج: 3 ص: 62

(31) - المجموع ج: 5 ص: 415.

(32) - حاشية الشرح الكبير للرافعي ج: 3 ص: 53 .

(33) - الكافي في فقه ابن حنبل ج: 1 ص: 308.

(34) - المغني ج: 2 ص: 305 .

(35) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 .

(36) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 110 ، وانظر البحر الرائق ج: 2 ص: 255.

(37) - المبسوط للسرخسي ج: 2 ص: 216 ، وانظر بدائع الصنائع ج: 2 ص: 62.

(38) - حلية العلماء ج: 3 ص: 63.

(39) - روضة الطالبين ج: 2 ص: 231.

(40) - مغني المحتاج ج: 1 ص: 382.

(41) - المغني ج: 2 ص: 335 ، وانظر  بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21

(42) - البحر الرائق ج: 2 ص: 246

(43) - المهذب ج: 1 ص: 159، وانظر الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(44) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(45) - بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21 ، وانظر الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(46) - الحديث في سنن أبي داود [ جزء 1 -  صفحة 488] قال الألباني : ضعيف. انظر: مختصر إرواء الغليل 1/159 برقم 827، وانظر سنن البيهقي الكبرى  4/146.

[47) - المغني ج: 2 ص: 335 ، وانظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(48) - المغني ج: 2 ص: 335

(49) - المغني ج: 2 ص: 335 ، والحديث في سنن الترمذي 3/25, برقم: 629 وقد تقدم.

(50) - البحر الرائق ج: 2 ص: 245

(51) - بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21

(52) - المغني ج: 2 ص: 336 ، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159 ، وانظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(53) - انظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(54) - بدائع الصنائع ج: 2 ص: 21، وانظر  المغني ج: 2 ص: 336، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159

(55) - المغني ج: 2 ص: 336

(56) - المغني ج: 2 ص: 336 ، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159

(57) - المغني ج: 2 ص: 336 ، وانظر المهذب ج: 1 ص: 159 ، وانظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(58) - الهداية شرح البداية ج: 1 ص: 105

(59) - انظر المنتقى للباجي على الموطأ ج:3 ص: 125

(60) - صحيح البخاري 1/1، صحيح مسلم 3/1515.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
المسائل الفقهية في قيام الليل
الأحد 30 سبتمبر 2012

 المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

      أما بعد: فإن الله خص بعض عباده بخير عظيم وعمل كبير، وفتح لهم من أبواب الخير والطاعة ما زكت به قلوبهم، وعزّت نفوسهم، واستنارت صدورهم، وطابت حياتهم وأنسهم ونعيمهم. وبصّرهم بطريق الحق، ويسّر لهم أسباب السعادة، ومنّ عليهم بلذة العبادة ومناجاة الله في أسحارهم وخلواتهم:

قومٌ إذا جنّ الظلام  عليهم                         باتوا هنالك سجّداً وقياما
خمصُ البطونِ من التعفف ضمراً              لا يعرفون سوى الحلال طعاما

ويقول آخر :

بكى الباكون للرحمن ليلا                               وباتوا دمعهم لا يسأمونا

بقاع الأرض من شوق إليهم                             تحن متى إليّ يسجدون

 

ويقول ابن المبارك:

إذا ما الليل أظلم كابدوه           فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا        وأهل الأمن في الدنيا هجوع(1).

 

وفي هذا البحث المتواضع سأبدأ بذكر الآيات والأحاديث الواردة في التحريض في قيام الليل، وأذكر بعض أقوال السلف وأفعالهم في قيا م الليل، وهذا من أجل أن ننتفع بأفعالهم وأقوالهم، وأن نتأسى بهم في ذلك .

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم         إن التشبه بالرجال فلاح

ثم بعد ذلك أذكر المسائل الفقهية في أحكام قيام الليل، سائلا المولى - عز وجل- التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل.

       

أولا: التحريض في قيام الليل:

من القران: قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ [الإسراء:79]، وقال تعالى: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾[المزمل:2]، والخطاب من الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم – هو خطاب لأمته إلا إن ورد دليل بالخصوصية، فيختص به دون غيره.

ووصف الله عباد الرحمن، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾[الفرقان:64]، وقال

تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[المزمل:20].

 

قال الإمام النووي – رحمه الله – : نستفيد من هذه الآية أن  وجوب صلاة الليل منسوخ في حق هذه الأمة، وهذا مجمع عليه(2).

ومن السنة: عن أبي هريرة – رضي الله عنه -  قال:  قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"(3).

 وعن أبي إدريس الخولاني عَنْ بِلَالٍ – رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:" عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَد"ِ(4).

  

وجاء هذا الحديث من رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي أمامة – رضي الله عنه - (5).

عن أبي الدرداء - رضي الله عنه-  يبلغ به النبي - صلى الله عليه و سلم- :" من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه" (6).

عن سالم عن أبيه - رضي الله عنه- قال: كان الرجل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا رأى رؤيا فأقصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. وكنت غلاما شابا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية(7) كطي البئر وإذا لها قرنان(8) ،وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار قال: فلقينا ملك آخر قال لي: لم ترع(9) . فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ". فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا (10).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما-  قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :" يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل "(11).

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- : عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " استعينوا بطعام السحر على صيام النهار . وبالقيلولة على قيام الليل "(12).

 ( السحر ): آخر الليل . ( والقيلولة ): الاستراحة نصف النهار .

وقيام الليل سنة. عن عمرة عن عائشة – رضي الله عنها -  قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص النبي - صلى الله عليه وسلم- فقام أناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك فقام ليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثا حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج فلما أصبح ذكر ذلك الناس فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل"(13).

قال ابن عبد البر – رحمه الله - :(كان في أول الإسلام فريضة حولا كاملا فلما فرضت الصلاة الخمس صار قيام الليل فضيلة بعد فريضة)(14).

ثانياً: ذكر القائمين حتى تورمت أقدامهم :

   عن زياد قال سمعت المغيرة - رضي الله عنه -  يقول: "إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم-  ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه . فيقال له؟ فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا"(15). 

وعن امرأة مسروق قالت: كان (أي مسروق ) يصلي حتى ترم قدماه فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه(16)، وقيل: حج مسروق فما بات ليلة إلا ساجدا(17).

وعن مجاهد قال: لما قيل لمريم ، قال تعالى: ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ (آل عمران:43]، قامت حتى ورمت قدَماها (18).

ثالثاً: أفعال السلف وأقوالهم في القيام :

عن عبيد الله قال : كان عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- : إذا هدأت العيون قام فسمعت له دويا كدوي النحل (19).

وكان انس – رضي الله عنه - يصلي حتى تتفطر قدماه مما يطيل القيام – رضي الله عنه-(20).

قال الذهبي:" بلغنا أن معاذة العدوية كانت تحيي الليل عبادة وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور "(21) .

     وصدق الشاعر حيث قال:

صلاتك نور والعباد رقود                   ونومك ضد للصلاة عنيد

وعمرك غنم إن عقلت ومهلة                يسير ويفنى دائما ويبيد

وقال الربيع: بت في منزل الشافعي- رحمه الله- ليالي كثيرة فلم يكن ينام من الليل إلا يسيرا. وقال أبو الجويرية: لقد صحبت أبا حنيفة - رحمه الله- ستة أشهر فما فيها ليلة وضع جنبه على الأرض، وكان أبو حنيفة يحيي نصف الليل فمر بقوم فقالوا: إن هذا يحيى الليل كله، فقال: إني أستحي أن أوصف بما لا أفعل فكان بعد ذلك يحيى الليل كله(22).

 قال على بن الحسن بن شفيق: لم أر أحداً من الناس أقرأ من ابن المبارك، ولا أحسن قراءة ولا أكثر صلاة منه، وكان يصلي الليل كله في السفر وغيره. وقال محمد بن أعين ـ وكان صاحب ابن المبارك في الأسفار، وكان كريماً عليه. قال: ذهب عبد الله ذات ليلة ونحن في غزاة للروم ليضع رأسه ليريني أنه ينام، فوضعت رأسي على الرمح كأني أنام، فظن أني قد نمت، فقام فأخذ في صلاته، فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر وأنا أرمقه، فلما طلع الفجر أيقظني وهو يظن أني نائم وقال: يا محمد، فقلت: إني لم أنم، قال: فلما سمعها منى ما رأيته بعد ذلك يكلمني ولا ينبسط إليَّ في شيء من غزاته كلها، كأنه لم يعجبه ذلك مني لما فطنت له من العمل.

وقال إبراهيم الخوَّاص: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين(23). وبات مالك بن دينار- رحمه الله-  يردد هذه الآية ليلة حتى أصبح: ﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية : 21]. وقال المغيرة بن حبيب: رمقت مالك بن دينار فتوضأ بعد العشاء ثم قام إلى مصلاه فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول: حرم شيبة مالك على النار إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك وأي الدارين دار مالك؟ فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر. وقال مالك بن دينار: شهوت ليلة عن وردي ونمت فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون وفي يدها رقعة فقالت لي: أتحسن تقرأ؟ فقلت: نعم. فدفعت إلى الرقعة فإذا فيها :

أألهتك اللذائذ والأماني          عن البيض الأوانس في الجنان

تعيش مخلدا لا موت فيها       وتلهو في الجنان مع الحسان

تنبه من منامك إن خيرا          من النوم التهجد بالقرآن(24).

وقال الأوزاعي: ( من أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة )(25) .

    وما أجمل قول الشاعر:

وطول قيام الليل أيسر مؤنة                 وأهون من نار تفور وتلتهب

قال ثابت البناني - رحمه الله- : (ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل)،وقال: كابدت الصلاة عشرين سنة ، وتنعمت بها عشرين سنة (26) . وقال سفيان -رحمه الله- : ( إذا جاء الليل فرحت وإذا جاء النهار حزنت)(27)، وقال أبو سليمان الداراني - رحمه الله- :  (لأهل الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا)(28) . وقال حمد بن عنان - رحمه الله-: ثبوت الأقدام على الصراط يكون بحسب طول الوقوف بين يدي الله - عز وجل- في قيام الليل، ومزلة الأقدام تكون بحسب تركه القيام في بعض الليالي(29).

وقال الحسن: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل(30) .وقال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك. وقال رجل لبعض الحكماء إني لأضعف عن قيام الليل فقال له يا أخي لا تعص الله تعالى ولا تقم بالليل. وكان صلة بن أشيم - رحمه الله- يصلي الليل كله فإذا كان في السحر قال إلهي ليس مثلي يطلب الجنة ولكن أجرني برحمتك من النار(31).

فسبحان من تفضل على عباده بهذا النعيم قبل لقائه فحباهم من الخير والفضل ما فضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، فحازوا أسباب السعادة، واستمسكوا بطريق النجاة،واستعدوا للقاء الله ،وقدموا لأنفسهم، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . قال بعضهم ( مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ؟ قيل: وما أطيب ما فيها قال محبة الله تعالى ومعرفته وذكره)(32).

وقال آخر: ( إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب) وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ( إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة )(33).

والحديث عن هذه المقاصد العظيمة والمطالب العالية المتعلقة بفضل قيام الليل وشأنه في حياة القلوب وعز النفوس وانشراح الصدور ونعيم الأرواح ومجاهدة النفس والهوى ودفع الأعداء أمرٌ يطول ذكره .

وليس القصد من هذا البحث الحديث عن أقوال السلف وأفعالهم، وإنما هي إشارات يسيرة، بها تنشرح الصدور،وتزكوا القلوب.  

فالقصد هو تقييد بعض المسائل في أحكام قيام الليل وذكر أدلتها وبيان صحيحها من سقيمها. ولا يعظم العلم ويثمر إلا بالفقه الصحيح والعودة إلى الدليل وفهم مقاصد الشريعة وأسرارها وتسخير الجهود في ربط الوسائل بالمقاصد والغايات.

 

المسألة الأولى: افتتاح قيام الليل :

كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين لينشط لما بعدهما من الركعات. 

 عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: " لأرمقن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الليلة فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة"(34).

قال النووي: ولهذا يستحب أن تفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين(35).

وقال صاحب عون المعبود: هذا الحديث يدل على مشروعية افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين لينشط بهما لما بعدهما(36).

ومن الأذكار التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يقولها عند قيامه لليل، ما ورد عن طاوس أنه سمع ابن عباس - رضي الله عنهما-  قال:" كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد قال : اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد - صلى الله عليه وسلم- حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك"(37).

وعن عاصم بن حميد قال: - سألت عائشة ماذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يفتتح به قيام الليل ؟ قالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك . كان يكبر عشرا . ويحمد عشرا . ويسبح عشرا . ويستغفر عشرا . ويقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة" (38).  

 
المسألة الثانية: أفضل ساعات الليل للتهجد:

الأفضل في صلاة الليل الثلث الأخير من الليل لأنه وقت نزول  الرب - جل وعلا-  ، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة  -رضي الله عنه- : " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له"(39) .  

وجاء في صحيح  الإمام مسلم من طريق حفص وأبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : " من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر بالليل مشهودة وذلك أفضل"(40),  وقال أبو معاوية: محضورة ، أي : تحضرها ملائكة الرحمة .

فمن قام في أول الليل أوفي أوسطه، ففعله صحيح إذ قد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ذلك. فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت :" من كل الليل قد أوتر رسول الله من أول الليل وأوسطه وآخره..."(41), إلا أن آخر الليل أفضل لأنه الأمر الذي استقر عليه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم- فقد جاء في الصحيحين عن مسروق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت :" من كل الليل قد أوتر رسول الله فانتهى وتره إلى السحر"(42) .

وفي رواية لمسلم من طريق يحي بن وثّاب عن مسروق عن عائشة قالت : " من كل الليل قد أوتر رسول الله من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر "(43).

وقد ذهب أكثر أهل العلم: إلى أن الوتر من بعد صلاة العشاء، سواء جمعت جمع تقديم مع المغرب، أو أخرت إلى منتصف الليل، وأما قبل صلاة العشاء فلا يصح على الراجح(44).

وقد جاء من طريق ابن هبيرة عن أبي  تميم الجيشاني - رضي الله عنه-  أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه- : خطب الناس يوم جمعة فقال : إن أبا بصرة حدثني أن النبي - صلى الله عليه وسلم-   قال : " إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة

الفجر ....."(45) .وفي مسألة الوتر ثلاثة فروع:

             الفرع الأول : من نام عن وتره أو نسيه قبل صلاة الفجر:  ، فله صلاته بعد طلوع الفجر ، قبل صلاة الصبح . فقد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه-   قال : قال رسول الله - صلى  الله عليه وسلم- : " من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره "(46) .

وورد الإجمال في رواية مسلم"... من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها..." (47).

      وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول الإمام مالك، وقول للشافعي وأحمد(48) - رحمهم الله تعالى- .

الفرع الثاني:  من فاته الوتر حتى طلعت عليه الشمس، فاختف فيه أهل العلم على قولين:

القول الأول: يقضيه شفعاً . واستدلوا بحديث سعد بن هشام بن عامر ...قال: قلت لعائشة –رضي الله عنها-  أنبئيني عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقالت: ألست تقرأ: ﴿ يا أيها المزمل﴾ ؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله - عز وجل-  افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حولا وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. قال قلت يا أم المؤمنين: أنبئيني عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني فلما سن نبي الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعيه الأول فتلك تسع يا بني وكان نبي الله - صلى الله عليه وسلم-  إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ولا أعلم نبي الله - صلى الله عليه وسلم-  قرأ القرآن كله في ليلة ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان قال فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال صدقت لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني - به قال قلت لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها "(49).

الشاهد من الحديث :" وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة".

القول الثاني: أنه يقضيه وتراً. قاله طاووس ومجاهد والشعبي وغيرهم ، وحجتهم في ذلك حديث أبي سعيد ، وقد سبق ذكره ، ولفظه "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره "(50) فهذا الحديث يدل على مشروعية قضاء الوتر بعد طلوع الشمس لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا ذكره ". وقد قال الأوزاعي : ( يقضيه نهاراً وبالليل مالم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة ، ولا يقضيه بعد ذلك لئلا يجتمع وتران في ليلة)(51).

وردوا عن حديث عائشة – رضي الله عنها _ فقالوا: حديث عائشة ليس فيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يوتر، فلعله أوتر أول الليل مقتصراً على أقل العدد لغلبة النوم أو الوجع، فلما أصبح صلى قيام الليل. وفي هذا التوجيه نظر . ويبعد حمل حديث عائشة على أنه أوتر أول الليل فإن هذا الأمر لو حدث لبينت ذلك عائشة فإن هذا الحكم من الأهمية بمكان .

والظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم – عندما صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة لم يكن قد أوتر.. ويؤيده حديث جندب – رضي الله عنه-  قال: "اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين"(52).

 وقول عائشة - رضي الله عنها-  :" صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة " يدل على ذلك فإنه لو أوتر أول الليل لصلى من النهار عشر ركعات. فقد قالت عائشة - رضي الله عنها- :" ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"(53).

وعن حميد بن عبد الرحمن قال: من فاته ورده من الليل فليقرأه في صلاة قبل الظهر فإنها تعدل صلاة الليل(54).

وتفسير هذه الرواية: بأن يصلى من النهار من فاته ورده من الليل ثنتي عشرة ركعة، فيكون قد قضى الوتر شفعا .   

ويجاب عن حديث أبي سعيد: بأنه لم يقل بعمومه أحد من الصحابة والمنقول عن بعضهم  قضاء الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح، فيحمل الحديث على قضاء الوتر في هذا الوقت(بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح)  ولا تعارض بين قوله - صلى الله عليه وسلم-  وفعله – ،وهذا هو الصحيح _ والله أعلم-.

            الفرع الثالث: من ترك الوتر متعمداً حتى طلع الفجر ، فالحق أنه قد فاته ، وليس له حق القضاء . ففي حديث أبي سعيد وقد تقدم تقييدُ الأمر بالقضاء فيمن نام عن وتره أو نسيه، فيخرج منه العامد.  وفي صحيح ابن خزيمة  عن  أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال :" من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له "(55) ، وأصل الحديث في صحيح مسلم أن أبا سعيد أخبرهم أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الوتر ؟ فقال:" أوتروا قبل الصبح"(56) . فدل الحديث على أن وقت الوتر قبل الصبح، واستثني من نام عن وتره أو نسيه فله أن يصليه إذا ذكره ،- والله أعلم-.

المسألة الثالثة : في عدد ركعات قيام الليل  .

ثبتت في السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- من طرق متعددة أنه كان لا يزيد في قيام الليل على إحدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره .

فقد جاء في الصحيحين من طريق مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة - رضي الله عنها-  كيف كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؟ فقالت : " مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ(57) ثمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ: إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"(58). قال الإمام النووي – رحمه الله- :  هذا (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) من خصائص الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم-.

وروى مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر...)(59).

قال ابن عبد البر - رحمه الله-: ( وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة )(60).

وقال الترمذي: وأكثر ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم-  في صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقل ما وصف من صلاته بالليل تسع ركعات(61).

       قال الإمام النووي – رحمه الله- : ورد في البخاري عن عائشة – رضي الله عنها - : أن صلاته - صلى الله عليه وسلم- بالليل سبع وتسع، وعند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن صلاته - صلى الله عليه وسلم- من الليل ثلاث عشرة ركعة وركعتين بعد الفجر سنة الصبح، وفي حديث زيد بن خالد أنه - صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين خفيفتين ثم طويلتين ...فتلك ثلاث عشرة، قال القاضي: قال العلماء: في هذه الأحاديث إخبار كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهد، وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها فيحتمل أن أخبارها بأحد عشرة هو الأغلب وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر وأقله سبع وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة كما جاء في حديث حذيفة وبن مسعود أو لنوم أو عذر مرض أو غيره أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما قالت فلما أسن صلى سبع ركعات أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل كما رواه زيد بن خالد وروتها عائشة بعدها هذا في مسلم، وتعد ركعتي الفجر تارة وتحذفهما تارة(62).

 

وما جاء أن الناس كانوا يقومون في زمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. فقد رواه مالك (63) وغيره لكن بسند منقطع .

وجاء عند عبد الرزاق عن داود ابن قيس وغيره عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أن عمر- رضي الله عنه-  جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة يقرؤون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر ...) (64).

لكنه ورد عند مالك عن محمد بن يوسف:( أن عمر- رضي الله عنه- جمع الناس في رمضان ... بإحدى عشرة ركعة )، وهذا أصح من رواية داود ابن قيس ، وأهل العلم بالحديث يقدمون الأحفظ على من دونه بالحفظ، فرواية ممالك مقدمة، فتقرر بهذا أن السنة عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة، لأن هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم- ، الذي داوم عليه ولم يذكر عنه خلافه، وعليه جرى العمل في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- ووافقه عليه الصحابة ولم يأت عن أحد منهم شيء صحيح يخالف هذا، وغاية ما يحتج به القائلون بسنية ثلاث وعشرين ركعة اجتماع الناس في عهد عمر على ذلك، وعمومات صحّ تقييدها، والمحفوظ أنّه جمعهم على إحدى عشرة ركعة، كما تقدم.

 وأنبه على أن ترجيح هذا القول لا يجعل القول الآخر بدعة ،فالمسألة اجتهادية والخلاف فيها وارد .

وقد قال كثير من أهل العلم بالزيادة، ورأوا أن من صلى عشرين ركعة أو ثلاثاً وعشرين أو أكثر أنه مصيب ومأجور.

وذكر الإمام ابن عبد البر - رحمه الله- إجماع العلماء على هذا فقال: ( وقد أجمع العلماء على أن لا حدّ ولاشيء مقدر في صلاة الليل وأنها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود )(65) .

غير أن البحث  عن الراجح والعمل بالأفضل مطلب من مطالب الشريعة ، وقد بينت السنة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي داوم عليه حتى فارق الحياة وجرى عليه عمل أصحابه من بعده أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره، وهو الصحيح .

تنبيه: لم يصح عن أحد من الصحابة الكرام التفريق في رمضان بين أول الشهر وآخره على عادة الناس اليوم بل كانوا يقومون بهذا العدد طِوال حياتهم، ويجتهدون في العشر الأواخر في الكيفية دون الكمية، فيطيلون القيام والركوع والسجود متلذذين بتدبر القرآن، متنعمين بالوقوف بين يدي رب العالمين، ولم تكن همة أحدهم مصروفة إلى هَذّ القراءة أو تكثير عدد الركعات والإخلال بالطمأنينة .

 

المسألة الرابعة: في كيفية صلاة الليل:

ذهب الإمام مالك(66) والشافعي(67) وأحمد(68)وأبو يوسف ومحمد وغيرهم إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى  إلاّ ركعة الوتر، على خلاف بينهم هل هذا على الوجوب أم على الاستحباب. وحجتهم في هذا ما جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى"(69). وقوله : " مثنى مثنى " معدول عن اثنين اثنين .

وعندما سئل ابن عمر –رضي الله عنهما – عن معنى: مثنى مثنى ؟ قال: أن تسلم في كل ركعتين(70). إذًا فالمراد أن تسلم في كل ركعتين، قيل: وجوباً. وقيل: استحباباً.

قال في المبدع(71): فإن زاد على ذلك فاختار ابن شهاب والمؤلف أنه لا يصح ، وللإمام أحمد فيمن قام في التراويح إلى ثالثة ثلاثة أقوال:

1- يرجع وإن قرأ، لأن عليه تسليماً، ولابد للحديث السابق.

2- يصح مع الكراهة . ذكره جماعة، وهو المشهور، سواء علم العدد أو نسيه ).

         3- لا يكره(72)، وهو مذهب أبي حنيفة حيث قال - رحمه الله-  في صلاة الليل: ( إن شئت ركعتين وإن شئت أربعاً وإن شئت ستاً وثمانياً لا تسلم إلا في آخرهن )(73). والأفضل في مذهب أبي حنيفة: صلاة أربع بسلام واحد(74) لخبر عائشة في الصحيحين حين سألها أبو سلمة بن عبد الرحمن عن كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم- في الليل؟ قالت:" يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي  أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً... "(75).

وهذا الحديث مجمل ليس فيه التصريح بصلاة أربع بسلام واحد، والاحتمال فيه وارد، فعلى الأخذ بالظاهر فيكون صلى الأربع بسلام واحد، وحديث " صلاة الليل مثنى مثنى " يدل على التسليم في كل ركعتين، فللاحتمال السابق يحمل حديث ابن عمر على الاستحباب، وأنه الأكثر استعمالاً.

قال الإمام النووي – رحمه الله- : يجوز جمع ركعات بتسليمة واحدة، وهذا لبيان الجواز وإلا فالأفضل التسليم من كل ركعتين، وهو المشهور من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- (76).

والعبادات الواردة على وجوه متنوعة يعمل بها كلها، وهذا أفضل من المداومة على نوع واحد وهجر غيره  فإن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل الأمرين، وكان يصنع ذلك مثل دعاء الاستفتاح بالصلاة وغيره، وهذا أمر عام في كل العبادات الواردة على هذا الوجه والقول الجامع فيها مراعاة المصالح، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والبلاد والأشخاص - والله أعلم-  .

وعلى أنه يصلي أربعا هل يتشهد في الركعتين أم يصلي الأربع بتشهد واحد؟ لم يرد في ذلك دليل، أما التسليم فلا يسلم إلاّ في آخرهن.

فائدة : قال ابن عبد البر:قوله - صلى الله عليه وسلم-:" صلاة الليل مثنى مثنى..."وقوله -عليه الصلاة والسلام-:" لا وتران في ليلة "(77), ومعلوم أن المغرب إن أعادها كانت إحدى صلاتيه تطوعا وسنة التطوع أن تصلي ركعتين وغير جائز أن يكون وتران في ليلة لأن ذلك لو كان صار شفعا وبطل معنى الوتر فلما كان في إعادة المغرب مخالفة لهذين الحديثين منع مالك من إعادتها(78).  

وأما الوتر:

1-  فله أن يوتر بركعة. لحديث ابن عمر السابق: " فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ...". وعند مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن أبي مجلز قال : سمعت ابن عمر يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : " الوتر ركعة من آخر الليل " وإن صلى قبلها شفعاً فهذا أفضل للرواية الواردة:"... فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت "(79).

قال صاحب عون المعبود:قوله – عليه الصلاة والسلام-: "فإذا خشي أحدكم الصبح" استدل به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر، واستدل به على مشروعية الإيتار بركعة واحدة عند مخافة هجوم الصبح، ويدل أكثر الأحاديث الصحيحة الصريحة على مشروعية الإيتار بركعة واحدة من غير تقييد(80).

وعن عروة عن عائشة – رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين "(81).

وقد يطلق على الركعة سجدة. فعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن ابن عمر حدثهم أن رجلا نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد فقال: يا رسول الله كيف أوتر صلاة الليل ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :" من صلى فليصل مثنى مثنى فإن أحس أن يصبح سجد سجدة فأوترت له ما صلى"(82).

قال الأمام النووي – رحمه الله - : ونستفيد مما سبق أن الوتر ركعة وإن الركعة صلاة صحيحة" (83).

2- وله أن يوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع إلاّ أنه إذا أوتر بثلاث لا يتشهد تشهدين، بل يقتصر على التشهد في آخر الصلاة. عن عائشة – رضي الله عنها -  قالت:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها"(84).

 والسنة أيضاً لمن صلى تسع ركعات أن لا يجلس فيها إلاّ في الثامنة فيجلس ويذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض بدون سلام، ثم يصلى التاسعة ثم يسلم لحديث سعد بن هشام بن عامر قال: قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟ فَقَالَتْ :"كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنْ اللَّيْلِ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا..."(85) . وجاء في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين بعدما سلم وهو قاعد .

فالتنويع في هذه الصيغ أفضل محافظة على السنة واتباعاً للنصوص الواردة في هذا الباب، وعملا بالروايات الصحيحة كلها، والكل سنة بما في ذلك قيام الليل .

قال أبو عمر: القيام في رمضان تطوع، وكذلك قيام الليل كله تطوع، وقد خشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يفرض على أمته، فمن فرضه أوقع ما خشيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وخافه وكرهه على أمته، وإذا صح أنه تطوع فقد علمنا أن التطوع في البيوت أفضل إلا أن قيام رمضان لا بد أن يقام اتباعا لعمر ابن الخطاب، واستدلالا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فإذا قامت الصلاة في المساجد: فالأفضل عندي حينئذ حيث تصلح للمصلى نيته وخشوعه وإخباته وتدبر ما يتلوه في صلاته فحيث كان ذلك مع قيام سنة عمر فهو أفضل إن شاء الله(86).

         المسألة الرابعة: حكم الوتر:

  اختلف الفقهاء في حكم الوتر إلى قولين :

1- أنه سنة مؤكدة ، كما هو قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين . وهو قول مالك والشافعي وأحمد (87)، والأخبار في هذا كثيرة .

2- أنه واجب، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله-(88).وقال غيره : واجب على أهل القرآن.

من أدلة الجمهور:

1- ما ورد في الصحيحين من حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ- رضي الله عنه -  قال:"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصِيَامُ رَمَضَانَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"(89).

الشاهد من الحديث قوله:" لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" فما زاد على الخمس المفروضات فهو تطوع .

2- ما رواه أبو داود في سننه من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصُنابِحِيّ قال : زعم أبو محمد أن الوتر واجب . فقال عبادة بن الصامت : كذب أبو محمد . أشهد أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يقول: " خمس صلوات افترضهن الله - عز وجل- من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه "(90) .

ورواه أبو داود أيضاً من طريق مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمَخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. قَالَ الْمَخْدَجِيُّ فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَقُولُ:" خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ"(91).

ومن أدلة الموجبين :

1- حديث أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ – رضي الله عنه -  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- :" الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ "(92). وهذا الحديث لا يصح  إلاّ موقوفاً . قاله أئمة الحديث(93).

2- وحديث - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:" الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا"(94). وهذا الحديث فيه مقال شديد عند المحدثين، فلا يصح هذا الحديث(95).

3- وحديث علي – رضي الله عنه -   مرفوعاً :" يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر "(96) . وهو دليل لمن أوجب الوتر على أهل القرآن ، وهذا الحديث في صحته نظر، لان الحديث عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ، وأخذ الحديث عن أبي إسحاق جمع ، لكن أحفظ وأضبط من رواه عن أبي إسحق هو سفيان الثوري ، وفي روايته :" الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "(97). 

فترجح من هذا قول الجمهور أن الوتر سنة وليس بواجب وعلى افتراض أن في أحاديث الموجبين شيء من الصحة فتحمل على تأكد السنية إذ قد دلت أحاديث أخرى على عدم الوجوب -والله أعلم-  .

المسألة الخامسة : فيما يقرأ في الوتر:

السنة لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى:1], وفي الثانية: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ [الكافرون:1], وفي الثالثة: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص:1]. لحديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب- رضي الله عنه -  قال :" كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد "(98) .

وأما قراءة المعوذتين بعد الإخلاص :

فقد استحب الإمامان مالك والشافعي - رحمهما الله- قراءة المعوذتين بعد الإخلاص. وذلك لما ورد:

1- من طريق خصيف عن عبد العزيز بن جريج عن عائشة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- " كان يقرأ في الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين"(99) .

2- من طريق يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة به(100).

وقد أنكر الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم زيادة المعوذتين بعد الإخلاص في الوتر.

أقوال المحدثين في الحديث السابق ( حديث عائشة ) الذي ورد من طريق خصيف، ويحي ابن أيوب:

*من طريق خصيف: الحديث فيه انقطاع، قاله الإمام أحمد وابن حبان وجماعة، فإن ابن جريج لم يسمع من عائشة(101).  وقال البخاري: عبد العزيز بن جريج عن عائشة لا يتابع في الحديث(102) . والراوي عن عبد العزيز بن جريج خصيف بن عبد الرحمن وهو سيء الحفظ، وقد ضعفه أحمد وابن خزيمة، وقال يحيى بن سعيد  القطان: (كنا تلك الأيام نجتنب حديث خصيف )(103).

*من طريق يحي ابن أيوب: هذا الحديث صححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي بشيء، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار(104).

وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يُسأل عن يحيى بن أيوب المصري؟ فقال: كان يحدث من حفظه ، وكان لا بأس به ، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى عن عمرة عن عائشة :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ..."الحديث. فقال : ها ، من يحتمل هذا ، وقال مرة : كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا ، وأنكر حديث يحيى خاصة )(105) .

 وقال العقيلي: ( أما المعوذتين فلا يصح ) ففي هذا  الخبر ضعف، فيقرأ المصلي بالوارد من صحيح الأخبار ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1] في الأولى، وفي الثانية ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾  [الكافرون: 1] ، وفي الثالثة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]وكما تقدم فإن الإمام الألباني صحح الحديث .

وبعض أهل العلم لا يرى استحباب تقصد قراءة هذه السور الثلاث(106). وفي هذا الكلام نظر، وحديث أبي بن كعب وارد بذلك.

وقال بعض أهل العلم: لا يداوم على قراءة هذه السور في الوتر لأنه يفضي إلى اعتقاد أنها واجبة(107). لكن هذا التعليل ففيه نظر، وقد تقدم أن الوتر سنة، وقراءة هذه السور مسنون أيضا(108). 

ويستحب إذا سلم من وتره أن يقول: سبحان الملك القدوس ثلاثاً لحديث أبي بن كعب- رضي الله عنه-  قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية ب قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة ب قل هو الله أحد ولا يسلم إلا في آخرهن ويقول يعني بعد التسليم سبحان الملك القدوس ثلاثا"(109).

 وفي حديث عبد الرحمن ابن أبزى وهو صحابي صغير :" ويرفع بسبحان الملك القدوس صوته بالثالثة "(110) . وزاد الدار قطني(111) من حديث أبي ابن كعب:" رب الملائكة والروح " ولا تصح هذه الزيادة، والمحفوظ ما تقدم .

المسألة السادسة: في القنوت:

 أقوال الفقهاء في القنوت في الوتر:      

قال الإمام أحمد: لا يصح فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء....)(112) .

وقال الإمام ابن خزيمة - رحمه الله- : ( ولست أحفظ خبراً ثابتاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم-  في القنوت في الوتر ...)(113) . غير أنه ثبت عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم- كما قال عطاء حين سئل عن القنوت ؟ قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- يفعلونه(114).  وجاء عن بعض الصحابة أنه لا يقنت إلاّ في النصف من رمضان(115).

      وقال الإمام الزهري - رحمه الله- : ( لا قنوت في السنة كلها إلاّ في النصف الآخر من رمضان)(116) . وقال الإمام أبو داود: قلت لأحمد : القنوت في الوتر السنة كلها ؟ قال : إن شئت ، قلت : فما تختار ؟ قال : أما أنا فلا أقنت إلاّ في النصف الباقي، إلاّ أن أصلي خلف الإمام فيقنت فأقنت معه (117) .

     وذكر ابن وهب عن مالك في القنوت في رمضان أنه قال إنما  يكون في النصف الآخر من الشهر(118)  . وهذا مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله-(119). وفي وجه عنده يستحب القنوت في الوتر بالسنة كلها وهذه آخر الروايات عن الإمام أحمد - رحمه الله- (120) .  قال النووي - رحمه الله-: وهذا الوجه قوي في الدليل لحديث الحسن بن علي - رضي الله عنهما-(121) .

      وعمدة القائلين باستحباب القنوت في السنة كلها(122)  هو حديث الحسن بن علي - رضي الله عنهما- قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  كلمات أقولهن في قنوت الوتر " اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت "(123) والحديث من طريق أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن به . ورواه أحمد من طريق يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء بمثله(124) . و إسناده جيد، إلاّ زيادة  ( قنوت الوتر ) . فقد رواه أحمد في مسنده(125) عن يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني بريد بن أبي مريم بلفظ :" كان يعلمنا هذا الدعاء ، اللهم اهدني فيمن هديت ..." وشعبة أوثق من كل من رواه عن بريد فتقدم روايته على غيره، وزيادة الثقة تقبل بضوابط(126) .

                   قال ابن خزيمة - رحمه الله-: ( وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر . قال: وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد أو دلسه عنه. اللهم  إلاّ أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه . ولو ثبت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم-  أنه أمر بالقنوت في الوتر  أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي - صلى الله عليه وسلم-  ولست أعلمه ثابتاً )(127).

       وقد تقدم قول الإمام أحمد ( لا يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ) ولكن ثبت القنوت عن الصحابة(128) - رضي الله عنهم-  على خلاف بينهم ، هل يقنت في السنة كلها أم لا ، والحق فيه أنه مستحب لتعليم النبي – صلى الله عليه وسلم- الحسن ، ولفعل الصحابة الكرام –رضوان الله عليهم- ، والحديث صححه الشيخ الألباني .  

والقنوت يشرع بأي دعاء(129) ليس فيه اعتداء ولا سجع مكلف وتلحين مطرب ونحو ذلك مما اخترعه المتأخرون مما لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا جرى به عمل الأئمة. بل هي اجتهادات فردية ، أدّت إلى هذا ، وقد جرّ هذا الأمر المغلوط إلى إطالة الدعاء والمبالغة فيه بما يشق على المأمومين.

       هذا والأفضل في دعاء القنوت أن يبدأ الداعي أولاً بحمد الله تعالى والثناء عليه ويُثَنّي بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- ثم يدعو فإن هذا أقرب إلى الإجابة من دعاء مجرد من الحمد والثناء . لما روي عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه- قال :" سمع النبي - صلى الله عليه وسلم- رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم- . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- : عجل هذا ثم دعاه فقال له ولغيره : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم- ، ثم ليدع بعد بما شاء "(130) .

       قال ابن القيم - رحمه الله- : ( المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته كما في حديث فضالة بن عبيد ) (131).  وقد دل هذا الحديث على أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- من أسباب إجابة الدعاء ومن هنا كان أبيُ بن كعب يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم-  في قنوته بالصحابة(132) .

وسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي على النبي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  أيها المصلي أدع تجب وسل تعط(133).

 وقال الإمام إسماعيل القاضي: ... عن عبد الله بن الحارث أن أبا حليمة معاذاً كان يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم-  في القنوت )(134) . وهذا سند صحيح إلى أبي حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري وهو مختلف في صحبته .وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وهو ممن أقامه عمر بن الخطاب يصلى التراويح بالناس في شهر رمضان(135).

         المسألة السابعة : رفع اليدين في القنوت:

وأما رفع اليدين في القنوت فقد منعه الإمام الأوزاعي وجماعة من أهل العلم(136) . حتى قال الإمام الزهري: ( لم تكن ترفع الأيدي في الوتر في رمضان)(137).

 وذهبت طائفة من أهل العلم وهم الجمهور: إلى استحبابه لأن الأصل في الدعاء رفع اليدين. وقد قاسه جماعة من الفقهاء وأهل الحديث على قنوت النوازل . فقد سئل الإمام أحمد عن القنوت في الوتر قبل الركوع أم بعده وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر ؟ فقال : القنوت بعد الركوع . ويرفع يديه . وذلك على قياس فعل النبي - صلى الله عليه وسلم-  في القنوت في الغداة (138) .

وقال أبو داود : سمعت أحمد سئل ، يرفع يديه في القنوت ؟ قال: نعم يعجبني . قال أبو داود: فرأيت أحمد يرفع يديه في القنوت(139) . وذكر البخاري في جزء رفع اليدين(140) . من طريق أبي عثمان قال : كان عمر يرفع يديه في القنوت ، وقال البخاري:- رحمه الله-: ( وهذه الأحاديث كلها صحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-   وأصحابه لا يخالف بعضها بعضاً....) .

وذكر عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرأ في آخر ركعة من الوتر قل هو الله أحد ثم يرفع يديه فيقنت قبل الركعة(141).  

وقال البيهقي - رحمه الله- : (...إلا أن عدداً من الصحابة - رضي الله عنهم- رفعوا أيديهم في القنوت مع  ما رويناه عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم- )(142).

المسألة الثامنة: مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء:

 لم يثبت فيه حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ، ولم يصح عن الصحابة - رضي الله عنهم- لا في القنوت ولا في غيره، وقد اعتاد بعض العامة فعل ذلك ولم يرد ذلك . واعتاد آخرون رفع الأيدي عقب النوافل ومسح الوجه بها بدون دعاء .

قال الإمام أبو داود في مسائله(143) : سمعت أحمد سئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ ؟  قال: لم أسمع به . وقال مرة : لم أسمع فيه بشيء . قال : ورأيت أحمد لا يفعله .

وسئل مالك - رحمه الله- عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء ؟ فأنكر ذلك وقال : ما علمت )(144) .

قال العظيم آبادي: (ويستحب رفع اليدين فيه( أي الدعاء) ولا يمسح الوجه. وقيل: يستحب مسحه)(145).

ونقل المباركفوري قولا فقال: في الحديث دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء قيل: وكأن المناسبة أنه تعالى لما كان لا يردهما صفرا فكأن الرحمة أصابتهما فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم(146).

ونقل صاحب مغني المحتاج عن العز ابن عبد السلام فقال: (وأما مسح الوجه عقب الدعاء خارج الصلاة فقال ابن عبد السلام بعد نهيه عنه: لا يفعله إلا جاهل)(147)، وقال صاحب فقه العبادات: ولا يسن مسح الوجه أو الصدر عقب القنوت (148).

       وقال الحافظ البيهقي- رحمه الله- :( فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت وإن كان يروي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة وقد روي فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- حديث فيه ضعف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف - رضي الله عنهم- من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة)(149).

وسئل الشيخ ابن عثيمين: ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، ‏والجسم، وتقبيل العينين ؟
الجواب: الحمد لله لا يشرع مسح الوجه بعد الدعاء ، وقد تواتر في السنة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم- ربَّه ، ولم يثبت أنه كان يمسح وجهه بعد دعائه.

وقد استدل من قال بالمسح بأحاديث ، لكنها – عند التحقيق – ليست صحيحة ، ولا يقوِّي بعضها بعضاً .

والذي يظهر – والله أعلم أن الأولى تركه،وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .

 

كتبه الفقير إلى عفو ربه / يونس عبد الرب فاضل الطلول

بتاريخ 1جماد الأول 1427ه الموافق 29/5/2006م.

مراجعة: علي عمر بلعجم.


(1) إحياء علوم الدين 1/357.

(2) شرح النووي على مسلم 1/168 .

(3) صحيح مسلم 2/821، برقم: 1163، سنن النسائي 3/206 ، برقم: 1613.

(4) سنن الترمذي 5/552 ، برقم: 3549، صحيح ابن خزيمة 4/313، برقم: 1072، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ قَالَ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسماعيل يَقُولُ مُحَمَّدٌ الْقُرَشِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّامِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَبِي قَيْسٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ وَقَدْ تُرِكَ حَدِيثُهُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وقال الشيخ الألباني: حسن ، مختصر إرواء الغليل 1/91، برقم: 452، وصححه في الجامع الصغير وزيادته 1/753، برقم: 7528،وضعفه في السلسلة الضعيفة 11/350 ، برقم: 5348 ، وهذا بسبب اختلاف الطرق فحسنه من رواية أبي أمامة، انظر: صحيح الترمذي 3/178، برقم: 2814 .

(5) سنن الترمذي 5/552, برقم: 3549، قال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح الترمذي 3/178، برقم: 2814 .

(6) سنن ابن ماجه1/426, برقم: 1344، سنن النسائي 3/258، برقم: 1787، وقال الشيخ الألباني: حسن، الجامع الصغير وزيادته 1/1089، برقم: 10885 .

(7) مطوية:مبنية الجوانب .

(8) قرنان : جانبان.

(9) لم ترع : لا خوف عليك .

(10) البخاري 1/378، برقم: 1070.

(11) البخاري 1/387، برقم: 1101

(12)سنن ابن ماجه 1/540، برقم: 1693، قال في الزوائد: في إسناده زمعة بن صالح ،وهو ضعيف، وقال الشيخ الألباني: ضعيف،انظر: السلسلة الضعيفة 6/259، برقم: 2758.

(13) البخاري 1/255، برقم: 696.

(14) التمهيد 7/208 .

(15) البخاري 1/380، برقم: 1078، ومسلم 4/2171، برقم: 2819.

(16) التهجد لابن أبي الدنيا ص 285.

(17) إحياء علوم الدين 1/356 .

(18) تفسير الطبري 6/402، تفسير القرطبي 4/84 ، تفسير البغوي 2/37 كلا هما من قول الأوزاعي .

(19) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 329.

(20) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 313.

(21) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 323.

(22) إحياء علوم الدين 1/355 .

(23) الأذكار للنووي 1/249 .

(24) إحياء علوم الدين 1/356 .

(25) تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 338، ويروى هذا القول لحسان بن عطية، انظر: صفة الصفوة 4/222 .

 (26)صفة الصفوة 3/262، تحفة العلماء بترتيب سير أعلام النبلاء 334 .

(27) مقدمة الجرح والتعديل للإمام أبي حاتم 1/85 – 86 .

(28)حلية الأولياء 9/275 .

(29) العهود المحمدية 1/442 .

(30)ويروى هذا القول لبشر، انظر: ذم الهوى 1/184 .

(31) إحياء علوم الدين 1/355 .

(32)الوابل الصيب للإمام ابن القيم 58 .

(33) الوابل الصيب للإمام ابن القيم 57 .

(34) صحيح مسلم 1/531، برقم: 765.

(35) شرح النووي على مسلم 6/10 .

(36) عون المعبود 4/143 .

(37) البخاري 1/377، برقم: 1069.

(38) سنن أبي داود 1/263، برقم: 766، سنن ابن ماجه 1/431، برقم: 1356 ، سنن النسائي 3/208، برقم: 1617، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/146، برقم: 693 .

(39) البخاري 1/384، برقم: 1094، ومسلم 1/521، برقم: 758.

(40) مسلم 1/520، برقم: 755.

(41) مسلم 1/520، برقم: 755.

(42) البخاري 4/77، برقم: 941، ومسلم 4/100، برقم: 1230.

(43) مسلم 1/520، برقم: 755.

(44) نقل ابن عبد البر في الاستذكار 5/287، والقرطبي في المفهم 2/382 الاتفاق على هذا مع أن فقهاء الأحناف ذكروا أنه يؤدى في وقت العشاء ، انظر البناية 2/575 .

(45) مسند الإمام أحمد مسند أحمد بن حنبل 2/180، برقم: 6693، تعليق شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره ،وقال عنه ابن رجب في فتح الباري: إسناده جيد 9/146، قال الشيخ الألباني: صحيح ،صحيح الترغيب والترهيب 1/145، برقم: 596 .

وبلفظ:" إن الله زادكم صلاة فحافظوا عليها وهي الوتر" قال الشيخ الألباني : صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/266، برقم: 2653.

(46) سنن أبي داود 1/454، برقم: 1431. وقال: صحيح على شرط الشيخين من طريق محمد بن مطرف المدني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح أبي داود 1/268، برقم: 1268.

(47) صحيح مسلم 1/471، برقم: 680.

(48) انظر الاستذكار 5/288، وعون المعبود 4/309، وشرح مسلم للنووي 6/24، والمبدع في شرح المقنع 2/4 .

(49) صحيح مسلم 1/512، برقم: 746.

(50) تقدم تخريجه .

(51) فتح الباري لابن رجب 9/160، وانظر الأوسط لابن المنذر 5/194 .

(52) البخاري 1/378، برقم: 1072 .

(53) البخاري 1/372، برقم: 1051، ومسلم 1/509، برقم: 738.

(54) سنن النسائي 3/260، برقم: 1793، قال الشيخ الألباني : صحيح مقطوع ، صحيح وضعيف سنن النسائي 4/437، برقم: 1793.

(55) رواه ابن خزيمة في صحيحه 2/148، برقم: 1092من طريق أبي داود الطيالسي عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي نضرة، قال الشيخ الألباني: أخرجه الحاكم 1/302 وعنه البيهقي وقال : صحيح على شرط مسلم . ووافقه الذهبي . وأما البيهقي فأعله بقوله : "ورواية يحيى ابن أبي كثير كأنها أشبه يعني الحديث الأول ولا وجه لهذا الإعلال بعد صحة الإسناد وهو بمعنى الحديث الأول بل هو أصرح منه وأقرب إلى التوفيق بينه وبين حديث ابن مطرف، إرواء الغليل 2/153 - 154 .

(56) مسلم 1/519، برقم: 754 .

(57) المعنى : أنهن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيات بظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنه، شرح النووي على مسلم

 6/20 .

(58) البخاري 4/319، برقم: 1079، ومسلم 4/89 ، برقم: 1219.

(59) الموطأ رواية يحيى الليثي 1/115، برقم: 251، سنن البيهقي الكبرى 2/496، برقم: 4392، شرح معاني الآثار للطحاوي 1/293، برقم: 1610، قال الشيخ الألباني: سنده صحيح، صلاة التراويح 1/53، برقم: 52 .

(60) الاستذكار 5/236 .

(61) سنن الترمذي 2/305 .

(62) شرح النووي على مسلم 6/18- 19 بتصرف .

 (63)الموطأ رواية يحيى الليثي 1/115، برقم: 252 .، قال الشيخ الألباني: ضعيف، مختصر إرواء الغليل 1/90، برقم: 446 .

(64)المصنف 4/260, برقم: 7730، قال الشيخ الألباني : جاء من رواية السائب بن يزيد قال: " كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة قال : وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان -رضي الله عنه- من شدة القيام " قلت : هذه الطريق بلفظ العشرين هي عمدة من ذهب إلى مشروعية العشرين في صلاة التراويح، وظاهر إسناده الصحة ولهذا صححه بعضهم، ولكن له علة بل علل تمنع القول بصحته وتجعله ضعيفا منكرا وبيان ذلك : أن ابن خصيفة هذا وإن كان ثقة، فقد قال فيه الإمام أحمد في رواية عنه: " منكر الحديث ". ولهذا أورده الذهبي في " الميزان " ، صلاة التراويح 1/57، برقم: 56.

(65) الاستذكار 5/244 .

(66)الاستذكار 5/237 – 249 – 255 .

(67)المجموع 4/49 – 51 ، تحفة الأحوذي 2/416 .

(68) مسائل الإمام أحمد 2/296 رواية ابنه عبد الله ومسائل أبي داود ص 72 .

(69) صحيح البخاري 2/278، برقم: 452، صحيح مسلم – 4/112، برقم: 1239.

(70) صحيح مسلم 1/518, برقم: 749.

(71) المبدع 2/21 .

(72) الإنصاف 2/187 .

(73)البناية في شرح الهداية 2/613 ، وانظر الاستذكار 5/237 .

(74) تحفة الأحوذي 2/416 .

(75) تقدم تخريجه ص 12.

(76) شرح النووي على مسلم 6/20 .

(77)سنن أبي داود 4/227، برقم: 1227، سنن الترمذي 2/283، برقم: 432 ، من رواية قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي يُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ آخِرِهِ فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ بَعْدَهُمْ نَقْضَ الْوِتْرِ وَقَالُوا يُضِيفُ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَيُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يُوتِرُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَقُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَغَيْرِهِمْ إِذَا أَوْتَرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ وَيَدَعُ وِتْرَهُ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَحْمَدَ وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ صَلَّى بَعْدَ الْوِتْرِ، وهذه أشارة من الأمام الترمذي إلى حديث :" ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ" وسيأتي تخريجه ص17 ، سنن النسائي 6/172، برقم: 1661، قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح وضعيف سنن أبي داود 3/439، برقم: 1439.

(78) التمهيد 4/258 .

(79) البخاري 1/180، برقم: 461 .

(80) عون المعبود 4/146.

(81) صحيح مسلم 1/508، برقم: 736 .

(82) صحيح مسلم 1/518، برقم: 749 .