مركز البحوث
   
الفقه
   
أخرى
   
دراسة في نقد البدعة
دراسة في نقد البدعة
الأربعاء 16 يناير 2013

دراسة في نقد البدعة

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- إمام المرسلين وخاتم النبيين.. وبعد:

إن من ألد الأعداء التي تواجه المسلم الشيطان وخطواته البغيضة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208]. فالشيطان أخذ على نفسه عهد بالوقوف لعباد الله بالمرصاد، فتارة يبغِّضُ للناس الطاعات والعبادات، وتارة يزين لهم المعصية ويحبِّبُ إليهم البدع والمحدثات، ويعمل على إفساد المسلم في كل شيء، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة»(1).

فالداء العضال الذي أصاب أمة الإسلام تزيين الشيطان، والخروج عن نظام الشرع الإسلامي المنزل واستبداله بأمنيات وإغراءات لا تتفق مع الشريعة بصلة، أضلت الناس عن الصراط المستقيم، وأبعدتهم عن الهدي القويم، فكانت النتيجة التباس الأمر والخروج بمظاهات الشارع في المعتقد والقول والفعل، ونتج عن هذا التخلف في فهم الشريعة، وسار الناس وفق أهوائهم وشهواتهم، حتى ابتعدوا عن حكم الله وتفرقوا على الباطل سبلا وأحزابا، ولقد حذر الله من سلوك سبل الشيطان، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]. وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلَّ. وفي رواية: من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة»(2).

ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أضحى الناس فرحين بما انقلبوا من البدع والأهواء، وحل البلاء فتفرقت بهم السبل، وتشتت بهم المحدثات، يقول الإمام الطبري: "وقوله كل حزب بما لديهم فرحون يقول كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم الحق فأحدثوا البدع التي أحدثوا بما لديهم فرحون بما هم به... فرحون مسرورون يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم"(3).

هذا هو حال الناس عند الابتعاد عن منهج الله القويم، يقول الإمام الشاطبي: "فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة، والسُبُل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع"(4) ولقد جاء بيان حالهم في صريح قوله -صلى الله عليه وسلم-: «قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر»(5).

وهذا والله لعمري إنه لهو التفرق والبعد عن الله، والخير كل الخير بالتزام أمره وإتباع نهجه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. فعلامة المحبة الصادقة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- هي إتباعه في ما أمر وعدم مخالفته فيما نهى والذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر إذ لو كان محباً له لأطاعه وسلم نفسه كاملة لله دون انتقاص، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]، ومن خلال هذه المادة سنبين كيف أن البدعة تخالف ما جاء عن الله، وتسبب في ضياع المبتدعين عن الدين وسنتعرف على ضوابط البدعة والمبتدعين، والقواعد التي من خلالها نعرف بها المبتدعين، وكذا بعض المجالات التي يسيرون فيها، وآثار المبتدعين على الفرد والمجتمع، ووسائل الدعوة فيهم وأردت من خلال هذه المادة تحقيق الآتي:

الأهداف العامة:

- تحقيق الدعوة إلى الله بالإقتداء والاهتداء وفق الكتاب والسنة.

- توسيع دائرة الدعوة لتشمل كل إنسان.

- إنهاء وإزالة كل أشكال الابتداع في المجتمع.

- اتخاذ الوسائل والأساليب المثلى في محاربة البدعة.

- أن يعمل كل المسلمين على إزالة الابتداع، من خلال توجيه الناس إلى الكتاب والسنة.

الأهداف الخاصة:

- أن يتعرف الطالب والداعية على أشكال الابتداع في المجتمع.

- أن يتعرف الطالب والداعية على الصفات التي تميز المبتدعين عن غيرهم.

- أن يتخلص الدعاة من الصفات المبتدعة التي نهى عنها الشارع الحكيم.

خطة البحث: قسمت البحث إلى مقدمة وأربعة عشر مبحثا.

المقدمة:

المبحث الأول: البدعة النشأة والابتداء.

المبحث الثاني: التمسك بالسنة طريق المؤمنين.

المبحث الثالث: التعريف بالبدعة.

البحث الربع: العلاقة بين البدعة والمعصية.

المبحث الخامس: من علامات المبتدعين.

المبحث السادس: ضوابط لمعرفة البدعة.

المبحث السابع: أسباب انتشار البدعة.

المبحث الثامن: أقسام البدعة.

المبحث التاسع: الأدلة في ذم البدعة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.

المبحث العاشر: حكم البدعة في الدين.

المبحث الحادي عشر: القواعد العامة في نقد البدعة والمبتدعين.

المبحث الثاني عشر: بعض البدع المنتشرة في واقعنا.

المبحث الثالث عشر: آثار البدعة السيئة.

المبحث الرابع عشر: وسائل دعوة المبتدعين.

المبحث الأول: البدعة النشأة والابتداء:

بعث الله نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بالشريعة السمحة بيضاء نقية، فدعا الناس إلى الدين القويم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]. وفي الحديث عن العرباض بن سارية: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»(6)، ولقد بدأ بوادر البدعة بمخالفة أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، في حياته، في الحديث عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: «جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»(7)، هذا الفهم وجد عند بعض المسلمين نتيجة القصور في فهم العبادة على حقيقتها، بل لقد عزم بعضهم على ترك ما احل الله، وما أن علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بحالهم إلا وجاء بالبيان الكافي والشافي لهم، ومن ذلك أيضا ما جاء من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس لنا شيء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا» قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87](8).

غير أن ثلة من الناس دخلوا في الإسلام واضمر طعنه من الداخل بغرض إطفاء نور الله وأبدوا عملهم المقيت بالطعن بعدل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: «بَعث عليٌ -رضي الله عنه- وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقسمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بنى كلاب وزيد الخير الطائي ثم أحد بنى نبهان، قال فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتىء الجبين محلوق الرأس فقال: اتق الله يا محمد. قال فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟! قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجلٌ من القوم في قتله -يرون أنه خالد بن الوليد- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن من ضئضئ هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»(9).

ولقد بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- للصحابة، ما سيحدث في الأمة من ابتداع وخروج عن نهج الله، فعن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يخرج في هذه الأمة -ولم يقل منها- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء»(10). فالفهم السطحي للمعاني دون النظر في مقاصد الأمور ومآلاتها، يجعل من الفرد عرضة الشيطان ولمكائده وتلبيساته الخبيثة، وفي الصحيح عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»(11)، ففي هذا الحديث دلالة واضحة للمسلمين في تقلب الزمان وإتيان الناس بالغرائب التي تخالف الوحي بالفهم القاصر، والطغيان الضال، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فليُذادنَّ رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلمَّ، ألا هلمَّ، ألا هلمَّ. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: فسحقًا فسحقًا فسحقًا»(12).

وما إن مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وبدأت البدع تموج موج البحر واتخذت أشكالاً عديدة تمثلت بالظهور والمجابهة بالجهل والمعاداة بالقول والعمل فتارك للزكاة، وتارك للجهاد، وتارك لبعض ما شرع الله، من الواجبات والسنن، وتحكيم للهوى والشهوة، فأصابت من قل علمه وضعف إيمانه، وأصبح لها جيشا عرمرما، غير أن الصحابة كانوا لكل مبتدع بالمرصاد، فما أن تظهر بدعة إلا وقمعوها، بسيف الإيمان والعلم والمعرفة، إعذارا للجاهل، ومجابهة للمعاند المتكبر المتعال، إلى أن مرت فترة من الزمن وعادت البدعة لتغزو المجتمع الإسلامي بأفكارها الضالة، وبدأت تأخذ صورا في الفهم المنحرف، والضال، فعن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف. قال: «فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر»(13).

وجيش الشيطان حزبه حتى صارت مدارس في الفكر والمعتقدات والعبادات الضالة، بداية بالتشيع والخوارج، ومرورا بالمعتزلة والقدرية والجهمية وانتهاء بالأشاعرة وهلم جرا.(14)

المبحث الثاني: التمسك بالسنة طريق المؤمنين:

السبيل الذي يسلكه المسلم وهو سائر إلى الله سبحانه التزام كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- السنة المطهرة، يقول الإمام الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم"(15)، فمن لا يكفيه القرآن دستورا، والسنة منهجا، وأقوال السلف الصالح واعظا وتذكيرا، فليس ثم حاجة في قوله وعمله، ويقول سفيان: "لا يستقيم قول وعمل إلا بموافقة السنة"، وهناك بعض الخصائص التي يعرف بها أهل السنة نبينها بالآتي:

أولا: التسليم المطلق لنصوص الكتاب والسنة، وفهمها على مقتضى منهج السلف، من الصحابة والتابعين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

ثانيا: الإتباع قولا واعتقادا وعملا، وترك الابتداع، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

ثالثا: يدعون إلى دين الإسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويسلكون في ذلك شتى الطرق المشروعة والمباحة؛ حتى يعرف الناس ربهم، ويعبدوه حق عبادته، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

رابعا: الحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 102].

خامسا: عدم الاختلاف في أصول الدين والمعتقد، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء: 175].

الفرق بين البدعة والسنة:

السنة في اللغة: الطريقة والسيرة(16)، وفي الاصطلاح: هي الوحي الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ربنا جل وعلا من المعتقدات والأقوال والأفعال، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه؛ بأنه طاعة لله ورسوله سواء فعله رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أو فُعِل في زمانه"(17)، وبالنظر إلى المعنى اللغوي، تأتي السنة في اللغة بمعنى البدعة في اللغة؛ إذ السنة لغةً بمعنى الطريقة؛ حسنة كانت أو سيئة، فكل من ابتدأ أمرًا عمل به قومٌ من بعده قيل هو سنة(18)، وعلى هذا فالسنة والبدعة -في المعنى اللغوي- لفظان مترادفان، وبالنظر إلى المعنى الشرعي تأتي السنة مقابل البدعة؛ إذ السنة شرعًا: هي طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، والبدعة: هي ما كان مخالفًا لطريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».

المبحث الثالث: التعريف بالبدعة:

أولا: في اللغة:

هي اسم هيئة من الابْتِدَاعِ(19) مِنْ ابْتَدَعَ الْأَمْرَ إذَا ابْتَدَأَهُ وَأَحْدَثَهُ(20)، قال ابن فارس: بدع، الباء والدال والعين أصلان: أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال، فالأول: قولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا، إذا ابتدأته، والعرب تقول: ابتدع فلان الركي، إذا استنبطه، وقال الجوهري: أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والله تعالى بديع السماوات والأرض(21)، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]، ويقول الراغب الأصفهاني: البدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة (22). وهي كل محدث جديد على غير مثال سابق(23)، ومنه الابتداع في الدين وهي الحدث في الدين بعد الإكمال(24)، في الحديث عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة».

ثانيا: في الاصطلاح: تعددت تعاريف العلماء للبدعة ونبينها بالآتي:

يعرفها شيخ الإسلام بن تيمية بقوله: "البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب"(25) ويعرفها الحافظ ابن حجر بقوله: "ما أحدث وليس له أصل في الشرع"(26) ويعرفها الإمام الشاطبي: "البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية"(27)، ويعرفها ابن رجب الحنبلي: "ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه"(28) ويعرفها الشيخ ابن عثيمين: "ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، من عقيدة أو عمل"(29).

ثالثا: المعنى اللغوي والشرعي للبدعة (الاتفاق والاختلاف):

أولا: إن المعنى اللغوي للبدعة أعم من المعنى الشرعي، فإن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ إذ كل بدعة في الشرع داخلة تحت مسمى البدعة في اللغة، ولا عكس.(30)

ثانيا: أن البدعة بالإطلاق الشرعي هي البدعة التي تخالف الشرع ومنها حديث «كل بدعة ضلالة» بخلاف البدعة اللغوية، فإنها غير مقصودة بالضلالة.

المبحث الرابع: العلاقة بين البدعة والمعصية:

يختلف الخروج عن أحكام الشرع ونظامه فتارة يكون بالبدعة وتارة أخرى يكون بالمعصية وكلاهما من المذموم شرعا، غير أن البدعة أشد خطرا، يقول سفيان الثوري: "البدعة أحب على إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها"(31).وهناك علاقة مترابطة بين البدعة والمعصية يمكن بيانها بالاتي:

أولا: وجوه اجتماع البدعة مع المعصية:

1- أن كلاً منهما منهي عنه، مذموم شرعًا، وأن الإثم يلحق فاعله، ومن هذا الوجه فإن البدع تدخل تحت جملة المعاصي.(32)

2- أن كلاً منهما متفاوت، ليس على درجة واحدة؛ إذ المعاصي تنقسم إلى ما يكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر(33)، وكذلك البدع؛ فإنها تنقسم إلى ما يُكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر.

3- يؤديان إلى ذهاب السنة؛ فكلما كثرت المعاصي والبدع وانتشرت كلما ضعفت السنن، وكلما قويت السنن وانتشرت كلما ضعفت المعاصي والبدع.

4- أن كلاً منهما مناقض لمقاصد الشريعة، عائد على الدين بالهدم والبطلان.

ثانيا: وجوه الافتراق بين البدعة والمعصية:

1- تنفرد المعصية بأن مستند النهي عنها -غالبًا- الأدلة الخاصة، من نصوص الوحي أو الإجماع أو القياس، بخلاف البدعة؛ فإن مستند النهي عنها -غالبًا- الأدلة العامة.

2- تنفرد البدعة بكونها مضاهية للشرع؛ إذ هي تضاف إلى الدين، وتلحق به، بخلاف المعصية فإنها مخالفة للشرع، إذ هي خارجة عن الدين، غير منسوبة إليه.

3- تنفرد البدعة كونها مجاوزة حدود الله بالتشريع؛ إذ حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة، ورمي للشرع بالنقص والاستدراك.

4- تنفرد المعصية بكونها جرمًا عظيمًا بالنسبة إلى مجاوزة حدود الله بالانتهاك؛ إذ حاصلها عدم توقير الله في النفوس بترك الانقياد لشرعه ودينه.

5 - تنفرد المعصية بأن صاحبها قد يُحدِّث نفسه بالتوبة والرجوع، وتنفرد البدعة بان صاحبها لا يزداد إلا إصرارًا على بدعته لكونه يرى عمله قربة، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8].

المبحث الخامس: من علامات المبتدعين:

الذي يخرج عن أحكام الشريعة من السهولة بمكان معرفته، بسبب أن المسلم يسير وفق هدى الشارع بأحكام مبينة وموضحة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]، وعلى هذا هناك بعض العلامات التي يعرف بها المبتدعون، ومنها:

- مخالفة الشرع: لا يسيرون وفق شرع الله ويتركون هدى الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 50]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: 29].

- أصحاب قلوب مريضة: مريضي القلوب يجحدون آيات الله على علم، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23].

- يدعون إلى الأهواء: متبعون للهوى، سائرين وفقه، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان: 43].

- التلاعب بالدين: التلاعب بالدين من الأمور التي نهى عنها الشارع، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]، يقول الشوكاني: "يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع وهم شر من الزنادقة لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام وتحاماهم أهله وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل"(34).

- الإستحسان بدون دليل: من صفات المبتدعين أنهم تقودهم أنفسهم إلى استحسان ما يبتدعونه، ونصره وتأيده، يقول ابن الماجشون: "سمعت مالكًا يقول: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا".

- إتباع الباطل: متبعون للباطل، مستسلمين له، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 21].

- يدعون إلى الفرقة: أهل البدع يرسخون أفكارهم الضالة بالدعوة إلى الفرقة والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14]، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]. يقول قتادة: "أهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم"، ويقول الإمام السيوطي: "أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله"(35).

- نفوسهم مطبوعة على الغفلة: حالهم أنهم مصابون بغفلة، أبعدت قلوبهم عن إتباع الحق، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف: 28].

- إتباع ما تشابه من النصوص: يتبعون المتشابه، من النصوص بغرض تسويق بدعهم الضالة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].

- الغلو والتنطع في الدين: الطابع الذي يحكمهم في التدين الغلو والتنطع، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾ [النساء: 171]، عن قتادة قال: "لا تغلوا في دينكم، يقول لا تبتدعوا".

المبحث السادس: ضوابط لمعرفة البدعة:

حتى نعرف البدعة على حقيقتها لابد من معرفة القواعد والضوابط التي نسير عليها والمستنبطة من الكتاب والسنة، فنستطيع السير وفق هدى الله ويمكن بيانها على النحو التالي:

أولا: الدين مبني على الإتباع، لا على الهوى والابتداع وهو مبني على أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

ثانيا: الأصل في العبادات الوقوف على الدليل، أي أن باب العبادات ليس مفتوحا لكل أحد يثبت منه ما يشاء على ما تهواه نفسه ويستحسنه عقله، بل التشريع كله لله قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 21].

ثالثا: الأحكام الشرعية تقوم على الأدلة الصحيحة الصريحة وذلك؛ لأنه لا يحق لأحد أن يحكم على شيء من الأقوال أو الأفعال بشيء من الأحكام الشرعية إلا وعنده على ذلك الحكم دليل من الشريعة ومن شرط قبوله أن يكون صريحا صحيحا.

رابعا: الشريعة كاملة بأحكامها وفرائضها فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: 3].

خامسا: الإحداث والإتيان بالأمر الجديد المخترع بدعة؛ لأنه مبني على إتباع الهوى والدليل على هذا القيد في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وكل محدثة بدعة».

سادسا: لا يشترط في البدعة أن تُفعل على وجه المداومة والتكرار، بل إن الشيء قد يُفعل مرة واحدة دون تكرار ويكون بدعة.

سابعا: لا يشترط في البدعة أن تُفعل مع قصد القربة والتعبد، بل إن الشيء ربما كان بدعة دون هذا القصد.

ثامنا: لا يشترط في البدعة أن يتصف فاعلها بسوء المقصد وفساد النية بل قد يكون المبتدع مريدًا للخير، ومع ذلك فعمله يوصف بأنه بدعة وضلالة، كما ورد ذلك في أثر ابن مسعود -رضي الله عنه-حيث قال: "وكم من مريد للخير لن يصيبه"(36).

تاسعا: لا يشترط في البدعة أن تخلو عن دلالة الأدلة العامة عليها، بل قد تدل الأدلة العامة المطلقة على شرعها من جهة العموم، ولا يكون ذلك دليلاً على مشروعيتها.

ويبين الإمام الشاطبي بعض الضوابط التي يعلم بها البدعة من وجوه(37):

أحدها: أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها.

الثاني: أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

الثالث: أن المبتدع معاند للشرع، ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها... إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثم طرقًا أُخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع؛ فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين.

الرابع: أن المبتدع قد نزّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع، وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق؛ لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام.

الخامس: أنه إتباع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع؛ لم يبق له إلا الهوى والشهوة.(38)

المبحث السادس: أسباب انتشار البدع:

تكاثرت الأسباب في مجتمعنا التي سببت في الابتعاد عن دين الله والابتداع فيه، ويرجع ذلك إلى الجحود والجهل، والشهوة والهوى، يقول ابن القيم: "الفتنة تنشأ تارةًّ من فهم فاسد وتارة من نقل كاذب وتارةًّ من حقٍّ ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به وتارةً من غرضٍ فاسد وهوى متَّبع، فهي من عمى في البصيرةِ وفسادٍ في الإرادةِ"(39) وهناك عدة أسباب لظهور البدعة وانتشارها، بيانها على النحو الآتي:

- الجهل بالدين: إن الجهل وعدم معرفة حكم الله تعالى سبب في البدع الظاهرة في المجتمع، وبما في ذلك إتباع الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فمن جهل شيئاً عاداه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: 64]، يذكر ابن القيم أسبابا ثلاثة في الابتداع: "الجهل بمصادر الأحكام الشرعية، وبوسائل فهمها من مصادرها، ومتابعة الهوى في الأحكام: فبعضهم يدفعه غرضه، إلى تقرير الحكم الذي يحقق غرضه، ثم يأخذ يلتمس الدليل الذي يعتمد عليه ويجادل به، ويحسن الظن بالعقل في الشرعيات"وفي هذا تقديم نظرة العقل على ما جاء به النقل من نصوص.

- إتباع العادات التقاليد: نظراً لمضي مدة على انتشار البدع وتناقل الناس لها جيلاً بعد جيل صار مغروساً في أذهان العامة أن هذه البدع من الدين وصار اعتبار البدع من الدين قضية مسلمة فأصبح من الصعوبة بمكان وقف انتشارها إلا بجهود كبيرة وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]. يقول ابن القيم: "فيربَّى الرجل على المقالة، وينشأ عليها صغيرًا، فيتربى قلبه ونفسه عليها، كما يتربى لحمه وعظمه على الغذاء المعتاد، ولا يعقل نفسه إلا عليها، ثم يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه، وأن يسكن موضعها فيعسر عليه الانتقال، ويصعب عليه الزوال"(40).

- ضعف الوازع الديني: واختلاف المفاهيم وتغير الموازين، قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: 50]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء»(41).

- تبديل أمر الله ونسيان ذكر الله: قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [لأعراف: 165].

- إتباع الأهواء والشهوات: وترك هدى الله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 50]، يقول ابن القيم: "فأمراض القلب كلها من متابعة الهوى ولو فتشت على أمراض البدن لرأيت غالبها من إيثار الهوى على ما ينبغي تركه"(42). يقول أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان هواه تبعا لعمله فيومه يوم صالح"(43) قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: "لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم"(44).

- الحرص على المكانة والمنزلة بين الناس: وعدم الوقوف على الحق، وفي الحديث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»(45).

- إتباع المتشابه من الآيات والأحاديث: وعدم ردها إلى الله وقلة الفقه في الدين ففي الحديث، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية»: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى اللهُ فاحذروهم»(46)، يقول ابن تيمية لتلميذه ابن القيم ناصحاً: "لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشْربتَ قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقراً للشبهات"(47)، وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى أوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»(48).

- الغلو والتنطع في الدين والدعوة الى التطرف: قال ابن قيم الجوزية: "قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر"(49)، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27]. وعن ابن عباس -رضي الله غنه- قال: «بينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب إذا هو برجلٍ قائم، فسأل عنه، فقالوا أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: مُره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه»(50)، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق".

- الانهزامية التي تعيشها الأمة: على كل المستويات، عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها: فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء(51)كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»(52).

- الجهل في دين الله: والقول على الله بغير علم، عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا»(53).

- تقليد الكفار والتشبه بهم: والتأثر بالأفكار المعادية في المجتمعات الإسلامية من اليهود والنصارى، في الحديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن»، قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].

- التفرق والتشرذم: والخروج عن الجماعة، قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: 65]، قال الإمام الطبري بسنده عن مجاهد: "أو يلبسكم شيعاً: الأهواء المفترقة"(54).

- إحسان الظن بأهل البدع: وخاصة علماء البدعة، فإن العامة يحسنون الظن بهم ويقبلون فتاواهم فيما خالف الحق والسنة ومبدأ ذلك إحسان الظن بهم.

- الفساد في المجتمع الخلقي والأخلاقي: وانتشار المظاهر المخالفة للشريعة، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال أقبل علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا منء غيرهم فأخذوا بعض ما في بأيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم»(55)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»(56).

- تبني الحكام والجهلة للبدع: وتشجيعها لموافقتها لأهوائهم وخدمتها لأغراضهم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين. وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال الرجل التافه في أمر العامة»(57).

- تقصير العلماء في القيام بدورهم: وسكوتهم عن البدع في توعية المسلمين وتبصيرهم بأمر دينهم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116].

المبحث السابع: أقسام البدع:

للبدع أقسام متعددة يمكن بيانها على النحو الآتي:

القسم الأول: البدعة الحقيقية والإضافية

1- البدعة الحقيقية: وهي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة ولا في التفصيل؛ ولذلك سميت بدعة؛ لأنها شيء مخترع في الدين على غير مثال سابق(58)، ومن أمثلة ذلك: التقرب إلى الله عز وجل بالرهبانية: أي اعتزال الخلق في الجبال ونبذ الدنيا ولذاتها تعبداً لله -عز وجل- ومن أمثلة ذلك: تحريم ما أحل الله من الطيبات تعبداً لله عز وجل.(59)

2- البدعة الإضافية:

هي الأمر المبتدع مضافًا إلى ما هو مشروع بزيادة أو نقص، يقول الإمام الشاطبي في البدعة الإضافية: "أن الأمر يكون مشروعاً في الأصل وقامت الأدلة على مشروعيته ولكن الكيفية أو الهيئة التي يؤدى بها ليست مشروعة فمن هنا سميت هذه البدعة إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين المخالفة الصريحة أو الموافقة الصريحة"(60). ومن أمثلة ذلك: الذكر أدبار الصلوات، أو في أي وقت على هيئة الاجتماع بصوت واحد، أو يدعو الإمام والناس يؤمنون أدبار الصلوات، فالذكر مشروع، ولكن أداؤه على هذه الكيفية غير مشروع وبدعة مخالفة للسنة(61) ومن ذلك تخصيص يوم النصف من شعبان بصيامه وقيام ليلته، وكذا صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب.

القسم الثاني: البدعة التَّركية والفعلية:

قبل الكلام عن البدعة التركية والفعلية، لابد من تبين هل الترك يعد فعل من الأفعال الاختيارية ويكون بذلك طاعة من الطاعات أو معصية من المعاصي، والذي يظهر لي من أقوال العلماء أنه فعل من أفعال التعبد ويدل عليه، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]. فان الترك لما أمر الله يعد بدعة من البدع.

1- البدعة التَّركية: قد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك، أو غير تحريم؛ فإن الفعل -مثلاً- قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه تدينا، سواء كان المتروك مباحاً أو مأموراً به، وسواء كان في العبادات، أو المعاملات، أو العادات: بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد، إذا قصد بتركه التعبد لله كان مبتدعاً بتركه(62). ومن الأمثلة على ذلك: ترك الزكاة، ترك السنن...

2- البدعة الفعلية: إختراع أفعال في الدين والتعبد بها، ومنها اختراع الأحاديث الموضوعة، فإنها تدخل في تعريف البدعة: فهي طريقة في الدين مخترعة، تشبه الطريقة الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه(63)، ومن أمثلة ذلك: الزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يدخل في الدين ما ليس منه، أو يفعل العبادة على كيفية يخالف فيها هدي النبي -صلّى الله عليه وسلّم-(64)، أو يخصص وقتاً للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع: كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام.(65) ومن الأمثلة على ذلك: زيادة وقت الصيام.

القسم الثالث: البدعة الإعتقادية والقولية والعملية:

1- البدعة الاعتقادية: وهي اعتقاد الشيء على خلاف ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كبدعة الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالة، ويدخل في ذلك الفرق التي ظهرت كالقاديانية، والبهائية.

2- البدعة القولية: تغيير قول جاءت به الشريعة، أو ابتداع قول لم تأت به الشريعة، كالقول بخلق القرآن...

3- البدعة العملية، العمل الذي يخالف أمر الله وهي أنواع:

النوع الأول: بدعة في أصل العبادة، فيحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع كأن يحدث صلاة غير مشروعة، أو صياماً غير مشروع، أو أعياداً غير مشروعة، كأعياد الموالد وغيرها.

النوع الثاني: ما يكون من الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلاً.

النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة، بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وكذلك أداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتعبد بالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن السنة، ومن أمثلته: «قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها، فكأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له؛ لكني: أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(66).

النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع: كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج على دليل.(67)

التقسيم الرابع: البدعة العادية والتعبدية:

البدعة العادية: فالمقصود بالعادية الأمر الذي يعاوده صاحبه أي يرجع إليه مرة بعد مرة حتى يصبح له عادة ومن أمثلته أمور الصناعة والزراعة.

التعبدية: كل بدعة قائمة على الخضوع والتذلل، أي أنَّ قصد صاحبها التعبد، ومن أمثلتها الذكر في الصلاة على خلاف ما أمر به الشارع.

التقسيم الخامس: الكلية والجزئية:

الكلية: ما يتعدى أثرها إلى الآخرين.

الجزئية: إذا كان أثرها قاصر على الفرد نفسه.

المبحث الثامن: الأدلة في ذم البدعة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة:

جاء في ذم البدعة نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وحذر منها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يلي:

أولاً: من القرآن:

1- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: 9].عن التستري: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ طريق السنة، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يعني: إلى النار، وذلك الملل والبدع، يقول الشاطبي: "فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق: أي عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات"(68).

2- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159]. وهؤلاء هم أصحاب الأهواء، والضلالات، والبدع من هذه الأمة(69). قال ابن عطية: "وهذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد"(70).

3- قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31] قُرئ: فارقوا دينهم. وفُسِّر عن أبي هريرة أنهم الخوارج، ورواه أبو أمامة مرفوعًا. وقيل: هم أصحاب الأهواء والبدع.

3- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152].

يقول ابن كثير: "من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد متصلة من قلبه على كتفيه كما، قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين... فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل"(71).

4- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]، وقال مالك في الخروج من أرض البدعة: "لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف"(72).

5- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [ل عمران: 7]، وقد ذكر الشاطبي آثاراً تدل على أن هذه الآية في الذين يجادلون في القرآن، وفي الخوارج ومن وافقهم(73). وقد جاء في الحديث تفسيرها: فصح من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قوله»: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ «قال: فإذا رأيتيهم فاعرفيهم.وصح عنها أنها قالت: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية»: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذي سمى الله؛ فاحذروهم»(74).

6- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط وهم أهل البدع(75)، فهذه الآية تشمل النهي عن جميع طرق أهل البدع(76). ويدل على هذا ما روى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «خط لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا خطًا طويلًا، وخط عن يمينه وعن يساره، فقال: هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطًا عن يمينه ويساره، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه.. ثم تلا هذه الآية»: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153] يعني: الخطوط ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].قال بكر بن العلاء: "أحسبه أراد شيطانًا من الإنس، وهي البدع، والله أعلم".

7- وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وفي هذه الآية تحذير من مخالفة أمر الله والابتداع بما لم يأمر به الله.

ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

ما في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»(77).وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»(78)، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام... فكل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء"(79).

وفي الحديث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس؛ يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة»(80). وفي رواية للنسائي: «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»(81).

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»(82).

وفي الصحيح عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم؛ وفيه دخن.قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر.فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: نعم؛ هم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.قلت: فإن لم تكن لهم إمام ولا جماعة؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»(83).

وفي حديث الصحيفة: «المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدِثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا»(84)، يقول الامام الشاطبي: "وهذا الحديث في سياق العموم، فيشمل كل حدث أحدث فيها مما ينافي الشرع، والبدع من أقبح الحدث، وهو وإن كان مختصًا بالمدينة؛ فغيرها أيضًا يدخل في المعنى"(85).

وفي الموطأ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى المقبرة، فقال: «فليُذادنَّ رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلمَّ، ألا هلمَّ، ألا هلمَّ. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: فسحقًا فسحقًا فسحقًا»(86).

وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن لكل عابد شِرَّةً، ولكل شرِّةٍ فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كان فترته إلى غير ذلك فقد هلك»(87).

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «خطَّ لنا رسول الله يوماً خطاً ثم قال: هذا سبيل الله ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ»: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (88).

وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»(89).

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم»(90).

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذي يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم»(91).

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»(92).

حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية»: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7] «قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله؛ فاحذرهم»(93).

في الحديث: «ألا يوشك رجل شبعان يتكئ على أريكته يُحدَّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينهم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حللا حلّلناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه»(94).

ما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن»(95).

حديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا آله كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون"لتتبعن سنن من كان قبلكم»(96).

ما صح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أنه خطب الناس فقال: أيها الناس! قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالاً. وصفق بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجمنا"(97).

وفي الصحيح عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: "يا معشر القراء! استقيموا، فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا"(98).

عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين»(99).

عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله»(100).

أقوال الصحابة والسلف الصالح:

وإليك ما ورد في شأن البدعة من كلام بعض صحابة رسول الله: -صلى الله عليه وسلم- وهي على النحو الآتي:

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعمل به إلا عملت به؛ إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ"(101).

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ذات يوم حدث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس-رضي الله عنه- فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وكتابها واحد وقبلتها؟ فقال ابن عباس: "يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. فزبره عمر وانتهره فانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعد فعرف الذي قال، ثم قال: إيه أعد علي"(102). ويقول: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا"(103).

عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة".

عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"(104)، وعنه -رضي الله عنه- يقول: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". وعنه أيضاً يقول: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم". ويقول: "تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق". ويقول: "اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة". ويقول: "إنا تقتدي ونتبع، ولا نبتدع ولن نضل ما تمسكنا بالأثر". ويقول: "أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول".

ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والبدع".ويقول: "ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن"(105).

حذيفة -رضي الله عنه- يقول: "أخوف ما أخاف على الناس اثنتان، أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون"(106)، وذكر الإمام الشاطبي عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر فقال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ما نرى بينهما من النور إلا قليلاً. قال: "والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا تُرك منها شيء قالوا: تركت السنة"(107) ويقول حذيفة -رضي الله عنه- وكان مر بحلقة في المسجد: "اتقوا الله معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم، فو الله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه شمالاً ويميناً ضللتم ضلالاً بعيداً أو قال مبينا"ً(108).

عمر بن عبد العزيز كان يكتب في كتبه: "إني أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة ومن كلامه قال: سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتدٍ، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. وقال يوصي رجلاً: "أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره وإتباع سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته... فعليك بلزوم سنته فإنها لك بإذن الله عصمة".

وقد قال إمام دار الهجرة مالك: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3]، عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك، فدخل رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فأطرق مالك، فأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: "الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرِجوه"(109).

الإمام أحمد يقول: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله والاقتداء بهم وترك البدعة وكل بدعة ضلالة.وعنه أيضًا: أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون"(110).

الفضيل بن عياض يقول: "أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وينهون عن أصحاب البدع"(111) وقال: "من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام واحذروا الدخول على صاحب البدع فإنهم يصدون عن الحق"(112)، وقال: "إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر فانظروا من يكون مجلسك لا يكون مع صاحب بدعة فإن الله لا ينظر إليهم وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة"(113)، وقال أيضاً: "الأرواح جنوده مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالىء صاحب بدعة إلا من النفاق"، ويقول: "اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين"(114) ويقول: "لا تجلس مع صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه"(115)، ويقول: "صاحب البدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك ولا تجلس إليه فمن جلس إلى صاحب بدعة ورثه الله العمى"(116).

عبد الله بن المبارك يقول: "صاحب البدعة على وجهه الظلمة وإن ادهن كل يوم ثلاثين مرة"، وكان يقول: "اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً فيحبه قلبي".

الحسن يقول: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادًا -صيامًا وصلاة- إلا ازداد من الله بعدًا"(117). ويقول: "لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك"(118).

وعن عمرو بن قيس: "لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك"(119).

إدريس الخولاني يقول: "لأن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها"(120).

عمرو بن قيس يقول: "لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك"(121).

إبراهيم بن ميسرة يقول: "ومن وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام"(122).

أيوب السختياني يقول: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا زاد من الله عز وجل بعداً"(123).

مصعب بن سعد يقول: "لا تجالس مفتوناً فإنه لن يخطئك منه إحدى خصلتين إما أن يفتنك فتتابعه أو يؤذيك قبل أن تفارقه"(124).

عن أبي قلابة قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون"(125).

ويقول الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم".

المبحث التاسع: حكم البدعة في الدين:

البدعة منها ما هو كفر ومنها ما هو من المعاصي التي حرم الله، لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»(126)، فدل الحديثان على أن كل محدث في الدين بدعة وكل بدعة ضلالة مردودة، ويتفاوت التحريم بحسبه، يقول الإمام الشاطبي: إن إثم المبتدع ليس على رتبة واحدة، بل هو على مراتب مختلفة واختلافها يقع من جهات، على النحو الآتي:

1- من جهة كون صاحب البدعة مُدَّعياً للاجتهاد أو مقلداً.

2- من جهة وقوعها في الضروريات: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال أو غيرها.

3- من جهة كون صاحبها مستتراً بها أو معلناً.

4- من جهة كونه داعياً إليها أو غير داعٍ لها.

5- من جهة كونه خارجاً على أهل السنة أو غير خارج.

6- من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية.

7- من جهة كون البدعة بيِّنة أو مشكلة.

8- من جهة كون البدعة كفراً أو غير كفر.

9- من جهة الإصرار على البدعة أو عدمه.

وبيّن أن هذه المراتب تختلف في الإثم على حسب النظر إلى دركاتها(127)، وأوضح أن هذه المراتب منها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه، وأن وصف الضلال ملازم لها وشامل لأنواعها(128)، ولا شك أن البدع تنقسم في حكمها على حسب مراتبها في الإثم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: كفر بواح.(129)

القسم الثاني: كبيرة من كبائر الذنوب.(130)

القسم الثالث: صغيرة من صغائر الذنوب.(131)

وهناك أمور تنقل البدعة الصغيرة من الصغائر إلى الكبائر وهي:

1- لا يداوم عليها، فإن المداومة تنقلها إلى كبيرة في حقه.

2- لا يدعو إليها؛ فإن ذلك يعظم الذنب لكثرة العمل بها.

3- لا يفعلها في مجتمعات الناس، ولا في المواضع التي تقام فيها السنن.

4- لا يستصغرها ولا يستحقرها، فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب.(132)

المبحث العاشر: القواعد العامة في نقد البدعة والمبتدعين: (133)

تجمع البدع أصول عامة وجامعة في الضلال والزيغ والدافع لها الخروج على نظام الدين واستبداله بالهوى والشهوة، وعدم التقيد بأحكام الشريعة، وقد يكون الدافع لها الجهل والتقرب إلى الله بما لم يشرعه، وإقحام للنفس بما لم تقدر عليه، وربما كان الدافع الذريعة في ظرف وزمن معين المفضية إلى البدعة عند انتفاء الواقع، وكلها مذمومة بنصوص الكتاب والسنة وسأذكر مجموعة قواعد ذكرها من له قدم وساق في معرفة دقيق المسائل في هذا الباب وبيانها كما يلي:

القاعدة الأولى: (كل ما استند إلى حديث مكذوب على رسول الله فهو بدعة من البدع):(134)

توضيح القاعدة:

هذه القاعدة مبنية على أصل عظيم من أصول هذا الدين وهو أن الأصل في العبادات التوقيف، ومعنى ذلك أن الأحكام الشرعية والتعبدات لا تثبت إلا بالأدلة الصحيحة المعتبرة من الكتاب والسنة أما الأحاديث المكذوبة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنها ليست من سنته -صلى الله عليه وسلم- فالعمل بها يكون بدعة؛ إذ هو تشريع بما لم يأذن به الله، وكذب على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ومن الأمثلة على ذلك: الأحاديث الموضوعة في فضل سور القرآن الكريم سورة سورة.(135)

القاعدة الثانية: (العبادة التي تستند إلى الرأي المجرد أو الهوى، من البدع المحدثات):(136)

توضيح القاعدة:

وهو أنه ما من مبتدع إلا ويستدل على بدعته بدليل من الشرع، صحيحًا كان أو ضعيفًا، وذلك أن كل مبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع؛ إذ هو مدَّعٍ أنه داخل تحت مقتضى الأدلة(137)، يقول الإمام الشاطبي: "كل خارج عن السنة ممن يدعي الدخول فيها والكون من أهلها لا بد له من تكلف في الاستدلال بأدلتها"(138). ويقول: "وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يَكِلْ شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد"(139).

ومن الأمثلة على ذلك:

ابتداع الصوفية في إثبات الكشف والمعاينة وخرق العادة، فقد ذكر الإمام الشاطبي في ذمهم: "أنه حُكي عن بعضهم أنه كان إذا تناول طعامًا فيه شبهة ينبض له عرق في أصبعه فيمتنع منه"(140).

القاعدة الثالثة: (القيام بعبادة لم ينقل عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- فعلها وترك فعلها مع كون موجبها وسببها المقتضي لها قائمًا ثابتًا والمانع منها منتفيًا):(141)

توضيح القاعدة:

الطريق يعرف بها البدعة ما نقل إلينا بالطريق الصحيح الصريح، يذكر بن القيم الطريق في معرفة ما تركه -صلى الله عليه وسلم-(142): "أحدهما: تصريح الصحابي بأن الرسول ترك كذا وكذا ولم يفعله؛ كقوله: «صلى العيد بلا أذان ولا إقامة»(143). والثاني: عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله -صلى الله عليه وسلم- لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله. فهذه القاعدة تختص بما عرف أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تركه، وهي أن يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل أمر من الأمور.(144) ويأتي المبتدع مخترعا تعبدا لم يشرعه الله ورسوله وتركه فعله.

ومن الأمثلة على ذلك: التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة. والأذان لغير الصلوات الخمس. والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة.(145)

القاعدة الرابعة: (كل عبادة من العبادات ينقل عن السلف الصالح فعلها من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائمًا والمانع منه منتفيًا):(146)

توضيح القاعدة:

ظهرت بدع في العبادات أوهمت الناس أنها مما شرع، مع أنه لم ينقل النقل الصحيح الصريح التعبد بها، وعليه فكل عبادة لم ينقل عن السلف الصالح التعبد بها فهي بدعة من البدع، قال حذيفة -رضي الله عنه-: كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم(147). وقال مالك بن أنس: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"(148).

ومن الأمثلة على ذلك:

صلاة الرغائب المبتدعة، يقول العز بن عبد السلام: "ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دوَّن الكتب في الشريعة -مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن- لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دوَّنها في كتابة، ولا تعرَّض لها في مجالسه، والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام "(149)، ومنها: "الاحتفال بأيام الإسلام ووقائعه المشهودة، واتخاذها أعيادًا شريعة"(150). ومنها الاحتفال بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم ينقل عن أحد من السلف ذكره فضلاً عن فعله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف -رضي الله عنه- أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص"(151).

القاعدة الخامسة: (كل عبادة مخالفة لقواعد هذه الشريعة ومقاصدها بدعة):(152)

توضيح القاعدة:

هذه القاعدة خاصة بما لم يصح ثبوته من العبادات؛ إذ كل ما خالف هذه الشريعة وخرج عن قواعدها فلا يمكن ثبوته بطريق صحيح. وبذلك يُعلم أن كل عبادة وردت بطريق شرعي صحيح فهي موافقة لقواعد الشريعة.(153)

ومن الأمثلة على ذلك:

الأذان للعيدين؛ فإن الأذان لا يشرع للنوافل، إذ الدعاء إلى الصلاة إنما يختص بالفرائض.

القاعدة السادسة: (كل تقرب إلى الله بفعل شيء من العادات أو المعاملات من وجه لم يعتبره الشارع فهو بدعة):(154)

توضيح القاعدة:

ومنها اتخاذ العادة أو المعاملة بذاتها عبادة وقربة إلى الله تعالى؛ إذ التقرب إلى الله لا يكون إلا بفعل الطاعات من الواجبات والمستحبات. يقول ابن تيمية: "ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة، وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين؛ فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب"(155). ويقول ابن رجب: "فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه"(156).

ومن الأمثلة على ذلك:

اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقة إلى الله(157). وكذلك التقرب إلى الله بالصمت الدائم، أو بالامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء أو بالقيام في الشمس وترك الاستظلال.(158)

القاعدة السابعة: (كل تقرب إلى الله بفعل ما نهى عنه سبحانه فهو بدعة):(159)

توضيح القاعدة:

التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرع، وإذا نهى عن شيء لابد من الانتهاء عنه، قال الإمام الشاطبي: "كل عبادة نهي عنها فليست بعبادة؛ إذ لو كانت عبادة لم ينه عنها، فالعامل بها عامل بغير مشروع، فإذا اعتقد فيها التعبد مع هذا النهي كان مبتدعًا"(160). وبيان ذلك أن الابتداع يحصل بما نهى الله عنه، من وجوه: الوجه الأول: تقرب إلى الله بما لم يشرعه، وهذا أصل من أصول الابتداع. والوجه الثاني: خروج على نظام الدين، وهذا أصل من أصول الابتداع. والوجه الثالث: من حيث إنها ذريعة إلى اعتقاد أنها من الدين، وهذا أصل من أصول الابتداع.

ومن الأمثلة على ذلك:

التقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص(161)، والتقرب إلى الله بمشابهة الكافرين.

القاعدة الثامنة: (كل عبادة وردت في الشرع على صفة مقَّيدة، فتغيير هذه الصفة يعد بدعة):(162)

توضح القاعدة:

العبادة قد تكون مقيَّدة أو مطلقة، فمن أطلق ما قيَّده الشارع فقد ابتدع، ومثله من قيَّد ما أطلقه الشارع، فقد يكون العمل في موطن قربة وفي غيرها لا يكون، وقد يكون بشيء وبغيره لا يكون ويدخل تحت هذه القاعدة الصور التالية(163):

1- المخالفة في الزمان كالتضحية في أول أيام ذي الحجة.

2- المخالفة في المكان كالاعتكاف في غير المساجد.

3- المخالفة في الجنس كالتضحية بفرس.

4- المخالفة في العدد كزيادة صلاة سادسة.

5 - المخالفة في ترتيب أعضاء الوضوء كبدء الوضوء بغسل الرجلين ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الوجه.

القاعدة التاسعة: (كل عبادة مطلقة ثبتت في الشرع بدليل عام؛ فإن تقييد إطلاق هذه العبادة بزمان أو مكان معين أو نحوهما بحيث يوهم هذا التقييد أنه مقصود شرعًا من غير أن يدلّ الدليل العام على هذا التقييد فهو بدعة):(164)

توضيح القاعدة:

إذا أطلق الشارع الأمر بعبادة من العبادات فينبغي أن يفهم من هذا الإطلاق، معنى التوسعة التي وسع الله على عباده وتقيد المطلق لا يكون من الشارع، إلا إذا ثبت التخصيص بدليل شرعي.

مثال ذلك: أن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشرع بوقت دون وقت، ولا حدَّ فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء، فإذا خص المكلَّف يومًا بعينه من الأسبوع كيوم الأربعاء، أو أيامًا من الشهر بأعيانها كالسابع والثامن، فهذا التخصيص رأي محض بغير دليل، ضاهى بهذا التخصيص الشارع، فصار التخصيص من المكلف بدعة؛ إذ هي تشريع بغير مستند(165). ومن ذلك: تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم يشرع لها تخصيصًا، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك.(166)

القاعدة العاشرة: (الغلو في العبادة بالزيادة فيها على القدر المشروع والتشدد والتنطع في الإتيان بها بدعة):(167)

توضيح القاعدة:

الأصل في هذه القاعدة عدم التنطع والتشديد في التعبد لله تعالى، وإنزال كل أمر من أمر الشارع منزلته دون المجاوزة على ما حده الشارع، ومما يدل على مجاوزة الحد، قصة الرهط الثلاثة، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأُصلِّي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(168).

فقد دل هذا الحديث على أن الغلو في الدين يقع في بابين: في باب العبادات، ويكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب، كصيام الدهر، وفي الطيبات، ويكون باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه، كترك النكاح.(169)

ومن الأمثلة على ذلك: التقرب إلى الله بقيام الليل كله وترك النوم، وبصوم الدهر كله، وباعتزال النساء وترك الزواج. ومنه رمي الجمار بالحجارة الكبار بناءً على أنه أبلغ من الحصى الصغار(170)، ومن هذا الوسوسة في الوضوء والغسل وتنظيف الثياب بالزيادة والإسراف، وصب الماء على المحل غير المشروع، والتنطع في ذلك والتعمق والتشديد.(171)

القاعدة الحادية عشرة: (إذا فُعل ما هو مطلوب شرعًا على وجه يُوهم خلاف ما هو عليه في الحقيقة فهو ملحق بالبدعة):

توضيح القاعدة والأمثلة عليها:

هذه القاعدة خاصة بالمطلوبات الشرعية من الواجبات والمندوبات:

1- أن يُوهم فعل النافلة المطلقة أنها سنة راتبة، وذلك مثل إقامة النافلة جماعة في المساجد.(172)

2- أن يلتصق بالعمل المشروع عمل زائد حتى يصير وصفًا لهذا العمل أو كالوصف له بحيث يوهم انضمامه إليه.

القاعدة الثانية عشرة: (كل ما كان من الاعتقادات والآراء والعلوم معارضًا لنصوص الكتاب والسنة، أو مخالفًا لإجماع سلف الأمة فهو بدعة):(173)

توضيح القاعدة:

هذه القاعدة خاصة بالاعتقادات والآراء والعلوم التي أُحدثت في دين الإسلام من جهة أهله الذين ينتسبون إليه وهو مبني على وجوب التسليم التام للوحي وعدم الاعتراض عليه، يقول الإمام الشافعي: "والبدعة: ما خالف كتابًا أو سنة أو أثرًا عن بعض أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-"(174). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين"(175). ويقول الإمام الشاطبي: "والرأي إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة"(176).

ومن الأمثلة على ذلك: الاقتصار على كتاب الله وإنكار العمل بالسنة مطلقًا(177)، القول بترك العمل بخبر الواحد.(178)

القاعدة الثالثة عشرة: (الخروج على الأوضاع الدينية الثابتة وتغيير الحدود الشرعية المقدَّرة بدعة):(179)

توضيح القاعدة:

هذه القاعدة خاصة بأحكام الدين القطعية في الحدود: الزنا، وشرب الخمر، والجنايات، وأنصبة المواريث، ومقادير الكفارات والعدة، ونحو ذلك، يقول ابن رجب: وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما؛ فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية، كجعل حد الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله.

ومن الأمثلة على ذلك: الحيل الباطلة التي يحصل بها تحليل المحرمات أو إسقاط الواجبات، وذلك كاستحلال الربا، ورد المطلقة ثلاثًا لمن طلقها بنكاح التحليل.

القاعدة الثالثة عشرة: (الإتيان بشيء من أعمال الجاهلية، التي لم تشرع في الإسلام بدعة):

توضيح القواعد:

والمراد بالجاهلية -كما يقول ابن تيمية- ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها.(180)

ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة»(181).

القاعدة الرابعة عشرة: (مشابهة الكافرين فيما كان من خصائصهم من عبادة أو عادة أو كليهما بدعة):(182)

توضيح القاعدة:

مشابهة الكافرين في أحوالهم وأعمالهم وأعيادهم، من البدع المحدثات، قال الأمام الذهبي: "أما مشابهة الذمة في الميلاد والخميس والنيروز فبدعة"(183).

ومن الأمثلة على ذلك: موافقة الكافرين في أعيادهم ومواسمهم وغير ذلك.

المبحث الحادي عشر: بعض البدع المنتشرة في واقعنا:

لقد تعددت البدع في المجتمعات الإسلامية المعاصرة في الجوانب المختلفة فترى البدع في الاعتقادات، وكذا العبادات والقربات، والعادات والمعاملات، ولم يقتصر الحال على هذا حتى وصل بنا الحد إلى التشبه بالكافرين في معتقداتهم وأخلاقهم وأعمالهم وسأذكر بعض المبتدعات العظيمة في عصرنا على سبيل المثال لا الحصر وهي على النحو الأتي:

أولا: بدعة التحاكم إلى القوانين الوضعية:

إنَّ الأحكام التي شرعها الله لعباده في بالقرآن أو السنة، لا زاما على كل من انتسب إلى الإسلام التحاكم إليها، وتطبيقها في حياته كلها، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى من المحدثات العظيمة التي صادمت الشريعة، في أحكامها وخالفت ما أنزل الله في كتابه وسنته وهذه من البدع العظيمة التي تصادم الشرعية، وتخرج المسلم إلى دائرة الكفر -أجارنا الله وإياكم من الضلال-، قال تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57]. وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: 62]. وقال تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40]. فالحكم كله لله تعالى، فهو المشرع للناس، وما على المسلم إلا إتباع نهجه والسير وفق أمره، وإذا نزلت به نازلة فعليه أن يرد أمره إليه جل وعلا، ويدع كل ما سواه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59]. وقد يزين الشيطان للإنسان بهواه مخالفة أمر الله، وقد حذر الله منه اشد تحذير، وخوف منه أشد تخويف، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء: 60]. وأمر الله رسوله بالحكم بما انزله فقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]. ولقد بين الله حكما في حق من خالف، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].

بعض صور الحكم بغير ما أنزل الله:

العلمانية وإخضاع الحياة على غير الدين، وفصل الدين عن الحياة، وتحكيم القوانين الوضعية، ومن ذلك الزنا برضا الطرفين واللواط للبالغين وإباحة الخمر والخنزير، وإباحة الربا ومنع التعدد.

ثانيا: بدعة التشبه بالكافرين:

إن بدعة التشبه بالكافرين من البدع التي أخرجت الناس عن الالتزام بحدود الشريعة، وجعلتهم يخالفون منهج الله، ويتبعون المشركين والضالين من اليهود والنصارى، ولقد حذر الله من هذا الزيغ، فقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]. ولقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان»(184)، وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن»(185).

وظهرت على إثرها بدع كثيرة يمكن بيانها بالآتي:

1- الشك في عقائد الدين وعدم الاطمئنان إلى ما أخبر به القرآن الكريم، فلا تكاد تجد متشبهاً بالكفار يؤمن بالقرآن إيماناً صحيحاً كما يؤمن به المؤمنون ويعتقدونه، ولقد سمعنا ورأينا من يطعن في القرآن بدعوى البحث العلمي ومن ينكر البعث والنشور، ومن ينكر نبوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن ينكر أشراط الساعة والملائكة.

2- المجاهرة بالطعن في الدين وانتقاص عقائده والاعتراض على شرائعه في المجالس والمدارس والمجلات ووسائل الإعلام من صحف وإذاعة وتلفزة والمجاهرة بالمعاصي من ربا وخمر وزنا وتبرج واختلاط وسب الدين والملة.

3- حرية الأديان والأخلاق فأصبح بعض الناس يرى أنه حر في نفسه يفعل ما يشاء ويعتقد ما يشاء ويتدين بالدين الذي يشاء، وظهر فساد الأخلاق.

4- تضييع الفرائض واستحلال المحرمات، فالأمة الإسلامية أصبحت تشابه الدول الأوربية في جوانب عديدة.

5- التركيز على إفساد المرأة وإخراجها من بيتها ومشاركة الرجل في أعماله الخارجية، حتى لو كان هذا العمل لا يتلاءم مع أنوثتها ويعترضون على الأحكام المتعلقة بالمرأة من ميراث وطلاق وزواج.

ثالثا: الغلو في الدين:

دعا الإسلام إلى الوسطية وهي من أبرز خصائص الإسلام. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: 143]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»(186) أي غلبه الدين وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه. قال ابن حجر: "والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، وترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب" (187) والغلو لغةً: هو مجاوزة الحد، يقال غلا فلان في الدين غلوًّا، تشدد وتصلب حتى جاوز الحد(188). وكل من تجاوز حد الاعتدال وغلا، يصح لغوياً تسميته بالمتطرف. جاء في المعجم الوسيط في معنى تطرف: تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط(189)، قال تعالى في ذم النصارى الذين غلوا في عيسى -عليه السلام-، قال تعلى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]. فالغلو شرعاً: هو مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق(190)، وفي فتح الباري: إن الغلو هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد.(191)

والغلو على أنواع:

يتنوع الغلو باختلاف متعلقه من أفعال العباد على نوعين:

غلو اعتقادي: كغلو النصارى في عيسى عليه السلام، أو غلو الرافضة في الإمام علي والأئمة الإثني عشر، أو غلو الخوارج في تكفير أهل الإسلام بالمعاصي والذنوب،كبيرها وصغيرها.

وغلو عملي: وهو المتعلق بالأمور التفصيلية من قول اللسان، أو عمل الجوارح مما لا يكون فرعاً عن عقيدة فاسدة. مثال: رمي الجمار بالحصى الكبار ومثله المبالغة في العبادة كوصال الصوم، وقيام الليل كله، ولا شك أن الغلو الاعتقادي هو الأشد خطراً.(192)

رابعا: بدعة الإرجاء:

فالإرجاء في الاصطلاح مأخوذ من معناه اللغوي؛ أي بمعنى التأخير والإمهال -وهو إرجاء العمل عن درجة الإيمان-، وذهب آخرون إلى أن الأرجاء يراد به تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه في الدنيا حكم ما، وجاء في فتوى اللجنة الدائمة(193) عن تعريف الإرجاء بأنه الإيمان الذي يعني التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط، وأما الأعمال فإنها عند المرجئة شرط كمال فقط، وليست منه، فمن صدق بقلبه ونطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم ولو فعل ما فعل من ترك الواجبات وفعل المحرمات، ويستحق دخول الجنة ولو لم يعمل خيراً قط، ولزم على ذلك الضلال وهو حصر الكفر بكفر التكذيب والاستحلال القلبي. وهذا يفتح الشر والفساد للانحلال من الدين وعدم التقيد بالأوامر والنواهي والخوف والخشية من الله سبحانه، ويعطل جانب الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسوي بين الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، والمستقيم على دين الله والفاسق المتحلل من أوامر الدين ونواهيه، مادام أن أعمالهم هذه لا تخل بالإيمان كما يقولون.

المبحث الثاني عشر: آثار البدعة السيئة:

البدع لها آثار خطيرة، وعواقب وخيمة، وأضرار مهلكة، أبينها على النحو الآتي:

- تورد المسلم إلى الكفر: تورد صاحبها إلى الكفر فالبدع بريد الكفر، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لتتبعُنَّ سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم"قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن» (194).

- تجرؤ الإنسان القول على الله بغير علم: فالبدعة تقود صاحبها إلى الكذب على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وتوعد من فعل ذلك بالعذاب الشديد، فقال -صلّى الله عليه وسلّم-: «من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار»(195).

- حبوط عمل المبتدع وردا لعمله: فكل عمل يعمله المبتدع خالي من التعبد لله مردود عليه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية للمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»(196).

- الوقوع في الفتن: من أسباب الوقوع في الفتنة البدعة، وقد حذر الله عز وجل من الفتن فقال: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25]، وقال عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، فهل هناك فتنة أخطر من مخالفة سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعصيان أمره؟.وقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن فقال: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم. يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا»(197).

- إلتباس الحق بالباطل: المبتدع يلتبس عليه الحق بالباطل؛ لأن العلم نور يهدي الله به من يشاء من عباده، والمبتدع حُرِمَ التقوى التي يُوفَّقُ صاحبها لإصابة الحق، قال الله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].

- يتحلون آثام من تبعهم: المبتدع يحمل إثمه وإثم من تبعه، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25].وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا على ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»(198).

- البدعة تُدخِل صاحبها في اللعنة: فمن اكبر الإفساد في الأرض الابتداع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25]، وفي الحديث الذي رواه أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال فيمن أحدث في المدينة: «من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً»(199)، قال الإمام الشاطبي: وهذا الحديث في سياق العموم فيشمل كل حدث أحدث فيها مما ينافي الشرع، والبدع من أقبح الحدث.(200)

- المبتدع معرض عن ذكر الله: لأن الله عز وجل شرع لنا أذكاراً ودعوات في كتابه وعلى لسان رسوله محمد -صلّى الله عليه وسلّم- فمنها ما هو مقيد: كأذكار أدبار الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ منه، ومنها ما هو مطلق لم يحدد بزمان ولا مكان، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب: 41-42]، فالمبتدعة معرضون عن هذه الأذكار: إما بانشغالهم ببدعهم وافتتانهم بها، وإما باستبدال الأذكار المشروعة بأذكار بدعية، استغنوا بها عما شرع الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فأعرضوا بها عن ذكر الله تعالى.

- المبتدعة يكتمون الحق ويخفونه على أتباعهم: وقد توعد الله هؤلاء وأمثالهم باللعنة، قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].

- عمل المبتدع يُنَفِّر عن الإسلام: فإذا عمل بخرافات بدعته سَبَّبَ ذلك سخرية أعداء الإسلام بالدين الإسلامي، وهو من هذه البدع بريء.(201)

- المبتدع يفرق الأمة: فإنه ببدعته يفرق هو وأتباعه المسلمين، فيوجد بسبب ذلك أحزاباً وشيعاً متفرقة، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159].

- يمنعه الهوى والاعتقاد الباطل عن التوبة: بسبب اعتقاده أنه على الحق، ومما يؤيد هذا ما ذكره الغزالي في كتابه الإحياء بأن المخالف يرى نفسه على الحق، ويرى المنازع له على الباطل، قال: "إذ المبتدع محق عند نفسه، والمحق مبتدع عند المبتدع، وكل يدعي أنه محق وينكر كونه مبتدعًا"(202) ويقول سفيان الثوري: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها والبدع لا يتاب منها".

- مرض القلب وزيغه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5].

- إيذان من الله بإنزال العقوبة: قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].

- الجدل والمراء: وروى الخطيب البغدادي عن معروف بن فيروز الكرخي أنه قال: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شراً، فتح له باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل.

المبحث الثالث عشر: وسائل دعوة المبتدعين:

أولا: دعوتهم إلى الاعتصام بالكتاب والسنة:

أمر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بالاعتصام بكتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقد حذر من الفرقة وإتباع الأهواء، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران: 103]، قال الإمام الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال في قوله واعتصموا بحبل الله جميعاً قال: (الجماعة)(203)، وتأمل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان»(204)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنتي».

ثانيا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

البدعة إذا وجدت في المجتمع من ينهى عنها تحجمت وضعفت وقل تابعوها،ولقد عاب الله على بني إسرائيل سكوتهم عن إنكار المنكر، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذالِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78]، ولقد امتدح الله الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، وقال تعالى: ﴿فلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 116]، وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(205).

ثالثا: الدعوة إلى الله بالعلم والحكمة:

من أهم الأعمال التي ترد المبتدعين عن غيهم الدعوة بالعلم والحكمة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

العلم:

قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]، أن يدعو إلى الله على بصيرة وعلم لا على جهل وعدم معرفة،يقول: "فجدير بمن انتصب في منصب الفتيا أو ترقى إلى مرتبة التدريس وتهيأ للرد على الجاهلين، والدعاء إلى سبيل رب العالمين، أن يكون مقتفيًا لرسوله -صلى الله عليه وسلم- عاملًا بما قال الله من الدعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة"(206)، ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: 6], "وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ، والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك فهو خارج عن قدرته".

الحكمة:

لا بد من الدعوة إلى الله بالحكمة، ثم بالموعظة الحسنة،قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]، ومما يؤيد هذا ما ذكره الشاطبي نقلا عن أبي حامد الغزالي، حيث يؤكد أن العنف في الرد على المخالفين وأصحاب المقالات الباطلة يؤدي إلى معاندتهم وتمسكهم بباطلهم، قال: "أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جهلة أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدِّي، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها"(207).

رابعا: الحوار والمناظرة والجدال:

الحوار والمناظرة من الطرق المثلى في كشف البدع والمبتدعين، قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]. وهناك أساليب شرعية في الحوار والمناقشة والعرض يجب الالتزام بها حتى يكون الحوار والجدال ممدوحًا، ويمكن بيان هذا بما يلي:

1- أن يكون قصدنا وغايتنا هداية المخالف، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم، إن لم يقصد منه بيان الحق وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحًا، وإذا غلظ في ذم بدعة أو معصية، كان قصده بيان ما فيها من الفساد، ليحذر العباد كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا، والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام"(208).

2- استعمال القول اللين، والعبارات الحسنة، تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]، فالله يأمر موسى وهارون -عليهما السلام- أن يستخدما اللين في القول مع فرعون؛ لأن ذلك أدعى إلى تذكرته وخشيته، وأقرب إلى انتفاعه وهدايته. وهذه هي طبيعة النفس البشرية تنجذب إلى القول اللين، ويسهل قيادها إلى الحق بذلك، أما مع الجفاء والغلظة والشدة في العبارات فلا يجنى إلا النفرة والفتور وإيغار الصدور وانغلاق القلب عن سماع الحق والهدى.(209)

وقد أشار ابن الوزير إلى ذلك فقال: "الكلام في المحاضرات والمراسلات والمناظرات والمحاورات وإن تفاوتت مراتبه، وطالت مساحبه، وتباينت تراكيبه، وتنوعت أساليبه،... إن التأليف والترغيب، هو الدعاء إلى الحق بالملاطفة وضرب الأمثال وحسن الخلق ولين القول وحسن التصرف في جذب القلوب وتمييل النفوس.."(210).

ومن أهم هذه الوسائل ما يلي:

1- البدء بنقاط الاتفاق(211): كل إنسان ولو كان كافرًا أو مخالفًا لا يعدم نقطة خير في قلبه، يبدأ بها المسلم فيدخل منها، ثم ينميها، لذا فليُبتدأ الحوار بالأمور المسلمة بين المتحاورين والمتفق عليها، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]. ولا شك أن هناك عدة نقاط بيننا وبين أصحاب البدع المفسقة غير المكفرة، بل هناك نقاط التقاء مع أصحاب البدع المكفرة، فليبدأ من هذه الأرضية المشتركة.

2- محاولة إثارة العاطفة، وإظهار الخوف عليهم، ومحض النصيحة لهم(212):

ليس المقصود من الحوار تبكيت الخصم وإلجامه وإحراجه، وإظهار الأستاذية والتفوق، وتسفيه رأيه أمام الآخرين، وإنما المقصود هدايته إلى الحق وجذبه إليه، ولهذا كان الرسل والأنبياء يظهرون شفقتهم على قومهم والحرص على ما فيه خير لهم، وهذا ما يظهر في دعوتهم لقومهم. قال تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 59]. وقال تعالى عن شعيب عليه السلام: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 88]. وما أجمل محاورة إبراهيم عليه السلام لأبيه، قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 43].وتأمل كلام مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39].

3- التذكير بنعمة الله، والتنبيه إلى آيات الله في الأنفس والآفاق(213):

قد يغفل المحاور عن استشعار نعم الله وفضل الله عليه، فيغتر بعقله وفهمه ورأيه، وعند ذلك يكون تذكيره بالله وبفضل الله وآلاء الله موقظًا له من تلك الغفلة، وفي ذلك تهيئة له لقبول الحق والإذعان للصواب.

وقد أوضح القرآن هذه القاعدة من خلال دعوة الرسل لأقوامهم، قال تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 69]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84]. وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 59].

4- الدعوة إلى إعمال النظر والفكر:

إن صاحب الفكر المنحرف يظل حبيسًا في دائرة الفكرة التي آمن بها ونشأ عليها، مُبتعدًا عن إعمال عقله وفكره فيما يعتقده أو يؤمن به، ولو أعمل عقله وفكره لاكتشف ما عليه من الباطل، وحينئذٍ يسهل قياده إلى الحق. وهذا أسلوب القرآن مع الخصوم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46].

5- عرض منهج أهل السنة والجماعة مؤيدًا بالأدلة الشرعية، والبراهين العقلية، والأنوار الروحانية، ودعوته إليه قبل التعرض إلى بيان ما عليه من الباطل والبدعة، من غير إثارة أو استفزاز له، والبعد قدر الإمكان عن الأسماء والمصطلحات المثيرة، والتركيز على الحقائق.

6- تلمس مواطن الخير ومنابع النور بين ظلمات الجهل والبعد عن الحق عند المخالف، مع عدم التعجل، فمن أكثر الطرق يوشك أن يفتح له.(214)

خامسا: إعطاء المبتدعين حقهم:

لقد شرع الإسلام حقوقًا للمسلمين، تُعطى لكل مسلم، وإن كان فاسقًا أو مبتدعًا بدعة غير مكفرة، ومن وسائل دعوة المخالفين الإقرار لهم بهذه الحقوق وإعطاؤهم إياها؛ فإن هذا مما يجذبهم ويقربهم، ومما يؤيد ذلك ما قام به الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عندما بعث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- إلى الخوارج لدعوتهم وإقامة الحجة عليهم، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: فدخلت على قوم لم أر قومًا أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل(215)، ووجوههم معلنة من آثار السجود، فدخلت فقالوا: مرحبًا بك يا بن عباس، لا تحدثوه.وقال بعضهم: لنحدثنه.قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وختنه وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معه؟قالوا: ننقم عليه ثلاثًا. فقلت: ما هن؟ قالوا: حكَّم الرجال في دين الله، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]!قال: قلت: هذه واحدة، وماذا أيضًا؟ قالوا: فإنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حلّ قتالهم، ولئن كانوا كافرين لقد حلّ قتالهم وسبيهم! قال: قلت: وماذا أيضًا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فلئن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين! قال: قلت: أرأيتكم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟! قال: أمَّا حكَّم الرجال في أمر الله؛ فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95]، وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35]، وصيَّر الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل أو حكم أرنب ثمنه ربع درهم، وفي بضع امرأة؟ قالوا: على هذا أفضل.قال: أخرجت من هذه؟قالوا: نعم. قال: فأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، أَتَسْبُون أمكم عائشة؟ فإن قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم تترددون بين ضلالتين. أخرجت من هذه؟ قالوا: بلى.قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله». فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: وما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال: «اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي، واكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو.ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل من علي. أخرجت من هذه؟قالوا: اللهم نعم»(216).

وبعد هذه المحاورة المقنعة التي استعمل فيها عبد الله بن عباس الأدلة المقنعة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعبارات بعيدة عن الغلظة والشدة، مع حرصه على هدايتهم، كانت النتيجة أن رجع منهم ألفان، وقيل: أربعة آلاف، وقيل: عشرون ألفًا.ومن ذلك أيضًا ما قام به الإمام أحمد من دعوة للمخالفين وإرشاد لهم.

سادسا: قبول كلام المخالف إن كان حقًا وموافقًا للشرع:

فإن أهل السنة والجماعة يقبلون الحق من كل من جاء به، وفي ذلك يقول معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: "تلقَّ الحق إذا سمعته؛ فإن على الحق نورًا"(217). قال ابن تيمية: "والله أمرنا أن لا نقول إلا الحق، وأن لا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني -فضلًا عن الرافضي- قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق"(218). قال ابن القيم: "اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضًا، ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبًا"(219). وقال أيضًا: "..فإن كل طائفة معها حق وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق، ورد ما قالوه من الباطل، ومن فتح الله له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والدين كل باب، ويسر عليه من الأسباب"(220).

الخاتمة:

اسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا إلى كل خير ويصرف عنا كل شر، وأساله سبحانه أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا، وأن يلهمنا السداد في القول والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه آمين اللهم آمين.

_______________________

(1) أخرجه مسلم 3/ 1606، برقم: 2033.

(2) أخرجه مسلم 4/ 1873، برقم: 2408.

(3) تفسير الطبري 21/ 34.

(4) الاعتصام ص 41.

(5) صحيح مسلم 3/ 1475، برقم: 1847.

(6) سنن أبي داود 2/ 610، برقم: 4607، وصححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب 1/ 10، برقم: 37.

(7) صحيح البخاري 5/ 1949، برقم: 4776.

(8) صحيح البخاري 5/ 1953، برقم: 4787.

(9) صحيح مسلم 2/ 741، برقم: 1064.

(10) المصدر السابق.

(11) صحيح مسلم 3/ 1475، برقم: 1847.

(12) صحيح مسلم 1/ 218، برقم 249.

(13) صحيح مسلم 1/ 36، برقم: 8.

(14) من أمثلة الفرق المنحرفة والمرتدة عن الإسلام: النصيرية، قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: "هم أكفر من كثير من المشركين، وفيهم من جنس دين البراهمة، والوثنيين، والملحدين، ومنها: الماسونية، وتعني في الظاهر "البناء الحر"وهي حركة عالمية تهدف لهدم الأديان والحضارات وتعمل على التحرر من كل القيود الدينية والأخلاقية والإنسانية"، قال مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي عنها: "يقرر المجمع الفقهي اعتبار الماسونية من أخطر المنظمات الهدامة على الإسلام والمسلمين، وأن من ينتسب إليها على علم بحقيقتها وأهدافها فهو كافر بالإسلام ومجانب لأهله". ومنها الشيوعية، قال عنها مجمع الفقه الإسلامي بالرابطة:"..من المُسَلَّم به يقيناً أن الشيوعية منافية للإسلام، وأن اعتناقها كفر بالدين الذي ارتضاه الله لعباده، وهي هدم للمثل الإنسانية، والقيم الأخلاقية، وانحلال للمجتعات البشرية، والشريعة الإسلامية المحمدية التي هي خاتمة الأديان السماوية.. كذا فإن المجلس يوصي الدول والشعوب الإسلامية أن تنتبه إلى وجوب مكافحة هذا الخطر الداهم بالوسائل المختلفة". والبهائية والبابية، جاء في قرار المجمع الفقهي بمكة المكرمة عن البهائية والبابية:"أن البهائية دين جديد مخترع قام على أساس البابية التي هي أيضاً دين جديد مخترع، ويقرر المجمع الفقهي بالإجماع خروج البهائية والبابية عن شريعة الإسلام، واعتبارها حرباً عليه، وكفر أتباعها كفراً بواحاً سافراً لا تأويل فيه، وإن المجمع ليحذر المسلمين في جميع بقاع الأرض من هذه الفئة المجرمة الكافرة، ويهيب بهم أن يقاوموها، ويأخذوا حذرهم منها، لا سيما أنه قد ثبت مساندة الدول الاستعمارية لها لتمزيق الإسلام والمسلمين، والله الموفق". والقاديانية –الأحمدية-، جاء في قرار المجمع الفقهي بمكة المكرمة عن القاديانية -الأحمدية-: قرر المجلس بالإجماع اعتبار العقيدة القاديانية -المسماة أيضاً بالأحمدية- عقيدة خارجة عن الإسلام خروجاً كاملاً، وأن معتنقيها كفار مرتدون عن الإسلام، وإن تظاهر أهلها بالإسلام، وإنما هو للتضليل والخداع، ويعلن المجلس الفقهي أنه يجب على المسلمين حكومات وعلماء وكتاباً ومفكرين ودعاة وغيرهم مكافحة هذه النحلة الضالة وأهلها في كل مكان من العالم، وبالله التوفيق، والأخوان الجمهوريون، وهم أتباع الزنديق الصوفي الباطني السوداني المرتد المقتول محمود"مذموم"محمد طه، الذي ادعى الرسالة ثم الألوهية، وزعم أن الصلاة رفعت عنه، والذي حكم العلماء في السودان بكفره وردته، وقتل في عهد الرئيس نميري، جزاه الله خيراً على ذلك.

(15) رواه اللالكائي في شرح السنة.

(16) لسان العرب 13/ 225.

(17) مجموع فتاوى ابن تيمية 21/ 317.

(18) انظر: المصباح المنير ص 292.

(19) المصباح المنير 1/ 38.

(20) المغرب 1/ 112.

(21) الصحاح 3/ 1183 مادة بدع.

(22) معجم مقاييس اللغة 1/ 209 مادة بدع.

(23) معجم لغة الفقهاء 1/ 104.

(24) مختار الصحاح 1/ 73.

(25) مجموع الفتاوى 4/ 108.

(26) فتح الباري 13/ 266267.

(27) الاعتصام 1/ 26.

(28) جامع العلوم والحكم 1/ 266.

(29) شرح لمعة الاعتقاد ص: 24.

(30) انظر اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 590.

(31) شرح السنة، للبغوي 1/ 216.

(32) انظر الاعتصام 2/ 60.

(33) انظر الجواب الكافي 145/ 150.

(34) فتح القدير 2/ 218.

(35) الدر المنثور السيوطي 2/ 289.

(36) الدارمي في سننه 1/ 68.

(37) الاعتصام 1/ 61 بتصرف.

(38) قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 50].

(39) إغاثة اللهفان 2/ 166.

(40) مفتاح دار السعادة 1/ 98.

(41) صحيح مسلم 1/ 130، برقم: 145.

(42) روضة المحبين 1/ 482.

(43) المصدر السابق 1/ 478.

(44) أنظر: مفيد المستفيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 6.

(45) سنن الترمذي 4/ 588، برقم: 2376، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/ 1056، برقم: 10557.

(46) صحيح البخاري 4/ 1655، برقم: 4273.

(47) مفتاح دار السعادة 1/ 140.

(48) صحيح البخاري 1/ 28، برقم: 52.

(49) إغاثة اللهفان ص 114.

(50) صحيح البخاري 6/ 2465، برقم: 6326.

(51) ما يحمله السيل من وسخ.

(52) سنن أبي داود 2/ 514، برقم: 4297، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2/ 647، برقم: 958.

(53) صحيح البخاري 1/ 43، برقم: 80.

(54) تفسير الطبري 7/ 221.

(55) سنن ابن ماجه 2/ 1332، برقم: 4019.

(56) صحيح مسلم 3/ 1680، برقم: 2128.

(57) سنن ابن ماجة 2/ 1339، برقم: 4036.

(58) انظر: الاعتصام للشاطبي 1/ 367.

(59) المصدر السابق 1/ 417.

(60) البدعة ص: 324.

(61) المصدر السابق 1/ 452.

(62) انظر: الاعتصام، للشاطبي 1/ 58.

(63) المصدر السابق 1/ 50 56.

(64) انظر: الاعتصام للشاطبي 1/ 367، وحقيقة البدعة وأحكامها، لسعيد الغامدي 2/ 37.

(65) انظر: كتاب التوحيد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص82.

(66) البخاري 6/ 142، برقم: 5063.

(67) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 18/ 346، 35 414.

(68) انظر: الاعتصام للشاطبي 1/ 78.

(69) المصدر السابق 1/ 179.

(70) فتح القدير 2/ 260.

(71) تفسير ابن كثير 2/ 331.

(72) تفسير القرطبي 5/ 330.

(73) انظر: الاعتصام للشاطبي 1/ 70 76.

(74) صحيح البخاري 4/ 1655، برقم: 4273.

(75) انظر: الاعتصام للشاطبي1/ 76.

(76) المصدر السابق 1/ 78.

(77) البخاري 2/ 959، برقم: 2550.

(78) مسلم 3/ 1343، برقم: 1718.

(79) جامع العلوم والحكم 7/ 1.

(80) صحيح مسلم 2/ 592، برقم 867.

(81) النسائي في سننه 3/ 188، برقم: 189.

(82) صحيح مسلم 4/ 2060، برقم: 2674.

(83) صحيح مسلم 3/ 1475، برقم: 1847.

(84) البخاري 6/ 2482، برقم: 6374.

(85) الاعتصام للشاطبي 1/ 96.

(86) صحيح مسلم 1/ 218، برقم: 249.

(87) مسند أحمد 2/ 158، برقم: 6477، وذكره الألباني في صفة الصلاة 1/ 119.

(88) سنن الدارمي 1/ 78، برقم: 202، وصحيح ابن حبان 1/ 180، برقم: 6، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح 1/ 36، برقم: 166.

(89) سنن أبي داود 2/ 608، برقم: 4596، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/ 402، برقم: 203.

(90) مسند أحمد بن حنبل1/ 435، برقم: 4142، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح 1/ 36، برقم: 166.

(91) مسند أحمد بن حنبل 2/ 86، برقم 5584، وحسنه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/ 930، برقم: 9294.

(92) صحيح مسلم 1/ 69، برقم: 50.

(93) البخاري 4/ 1655، برقم: 4273.

(94) سنن أبي داود 2/ 610، برقم: 3988، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/ 441، برقم: 4408.

(95) صحيح البخاري 6/ 2669، برقم: 6889.

(96) مسند أحمد بن حنبل 5/ 218، برقم: 21950، علق عليه شعيب الأرنؤوط: بأن إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح 3/ 174، برقم: 5408 برواية الترمذي.

(97) الموطأ 2/ 824، برقم: 1506، وذكره صاحب كنز العمال 5/ 645.

(98) البخاري 6/ 2656، برقم: 6853.

(99) سنن البيهقي الكبرى 10/ 209، برقم: 20700، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح 1/ 53، برقم: 248.

(100) صحيح مسلم 4/ 2193، برقم: 2857.

(101) البخاري 3/ 1126، برقم 2926.

(102) سنن سعيد بن منصور1/ 176.

(103) سنن الدارقطني 4/ 146.

(104) سنن الدارمي 1/ 80، السنة للمروزي 1/ 28، وانظر: مجمع الزوائد 1/ 434.

(105) اعتقاد أهل السنة اللالكائي 1/ 92.

(106) حلية الأولياء 1/ 278، الزهد لهناد 2/ 465. انظر: الاعتصام 1/ 60.

(107) الاعتصام الشاطبي 1/ 61.

(108) السنة المروزي 1/ 30.

(109) فتح الباري 13/ 407.

(110) حلية الأولياء 1/ 278. انظر: الاعتصام 1/ 60.

(111) اعتقاد أهل السنة اللالكائي 1/ 138.

(112) المصدر السابق 1/ 137.

(113) اعتقاد أهل السنة 1/ 138.

(114) الأذكار للنووي 1/ 363.

(115) اعتقاد أهل السنة 1/ 138.

(116) المصدر السابق 1/ 136.

(117) البدع والنهي عنها ص: 62.

(118) الاعتصام 1/ 65.

(119) حلية الأولياء 5/ 103.

(120) السنة للمروزي 1/ 32.

(121) حلية الأولياء 5/ 103.

(122) اعتقاد أهل السنة اللالكائي 1/ 139.

(123) صفة الصفوة 3/ 295.

(124) شعب الإيمان 7/ 61.

(125) سنن الدارمي 1/ 120، شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/ 134.

(126) البخاري، 3/ 222، برقم: 2697.

(127) انظر: الاعتصام للشاطبي 1/ 216.

(128) المصدر السابق 2/ 530.

(129) المصدر السابق 2/ 516.

(130) المصدر السابق 2/ 517.

(131) المصدر السابق.

(132) انظر: الاعتصام للشاطبي 2/ 551.

(133) انظر: القواعد لمعرفة البدع، لمحمد حسين الجيزاني.

(134) انظر الباعث الحثيث ص55، والاعتصام 1/ 224.

(135) انظر المنار المنيف ص 113.

(136) انظر الاعتصام 1/ 212.

(137) المصدر السابق 1/ 286.

(138) المصدر السابق1/ 220.

(139) المصدر السابق 2/ 135.

(140) انظر: الاعتصام 1/ 212، 2/ 182، 182.

(141) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 591 - 597 ومجموع الفتاوى 6/ 172 والاعتصام 1/ 361.

(142) إعلام الموقعين 2/ 389.

(143) أخرجه أبو داود في سننه 1/ 298، برقم: 1147.

(144) شرح الكوكب المنير 2/ 165.

(145) انظر: الاعتصام 1/ 364.

(146) انظر الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة 9، والباعث 47.

(147) انظر الأمر بالإتباع 62، وأخرج البخاري نحوه 13/ 250 برقم: 7282.

(148) اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 718.

(149) الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة 9، وانظر الباعث 47.

(150) انظر اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 614.

(151) المصدر السابق 1/ 280.

(152) انظر الاعتصام 2/ 19، 20.

(153) انظر مجموع الفتاوى 20/ 504.

(154) انظر الاعتصام 2/ 79.

(155) مجموع الفتاوى 1/ 160.

(156) جامع العلوم والحكم 1/ 178.

(157) انظر مجموع الفتاوى 11/ 555.

(158) المصدر السابق 11/ 200.

(159) انظر جامع العلوم والحكم 1/ 178 وأحكام الجنائز 242.

(160) الاعتصام 2/ 34.

(161) انظر مجموع الفتاوى. 3/ 427، وجامع العلوم والحكم 1/ 178.

(162) انظر الباعث 28، والاعتصام 2/ 26، والأمر بالإتباع 153.

(163) انظر: الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع 20.

(164) انظر: الباعث 47، والاعتصام 1/ 229، وأحكام الجنائز 242.

(165) انظر: الاعتصام 2/ 12.

(166) الاعتصام 2/ 12.

(167) انظر مجموع الفتاوى 10/ 392، والاعتصام 2/ 135، وأحكام الجنائز 242.

(168) أخرجه البخاري 9/ 104، برقم: 5063، وقد تقدم.

(169) ا انظر اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 283، وانظر مجموع الفتاوى 3/ 360.

(170) المصدر السابق 1/ 288، 289.

(171) انظر الأمر بالإتباع 291.

(172) انظر الحوادث والبدع 66، والاعتصام 1/ 345، 346.

(173) انظر وإعلام الموقعين 1/ 67، والاعتصام 1/ 101 - 106.

(174) إعلام الموقعين 1/ 80.

(175) مجموع الفتاوى 20/ 163.

(176) الاعتصام 2/ 335.

(177) انظر الاعتصام 1/ 109 - 110.

(178) انظر الإبداع للشيخ علي محفوظ 62، 63.

(179) انظر تلبيس إبليس 16، 17، والاعتصام 2/ 86.

(180) اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 398، وانظر منه 1/ 226، 227.

(181) أخرجه مسلم 6/ 235.

(182) انظر أحكام الجنائز 242.

(183) التمسك بالسنن 130.

(184) سنن أبي داود 2/ 499، برقم: 4252، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/ 266، برقم: 2654.

(185) سبق تخريجه.

(186) رواه البخاري: 1/ 16، برقم: 39.

(187) فتح الباري: ص94، وعون الباري: 1/ 180.

(188) انظر: الصحاح: للجوهري، مادة غلا.

(189) المعجم الوسيط: مادة طرف.

(190) اقتضاء الصراط المستقيم: لابن تيمية 1/ 289.

(191) فتح الباري: لابن حجر: 13/ 278.

(192) انظر: الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص70 71.

(193) بتصريف من فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى رقم (21436) وتاريخ 8/ 4/ 1421هـ.

(194) البخاري 8/ 191، برقم: 7320.

(195) البخاري1/ 41، برقم: 108.

(196) البخاري، 1/ 9، برقم: 1.

(197) مسلم 1/ 110، برقم: 118.

(198) مسلم، 4/ 2060، برقم: 2674.

(199) البخاري 8/ 187، برقم: 7306.

(200) الاعتصام، 1/ 96.

(201) انظر: تنبيه أولي الأبصار، لدكتور صالح السحيمي، ص195.

(202) إحياء علوم الدين 2/ 327.

(203) تفسير الطبري 4/ 30.

(204) صحيح مسلم 3/ 1479، برقم: 1852.

(205) صحيح مسلم 1/ 69، برقم: 49.

(206) العواصم والقواصم1/ 262.

(207) الاعتصام 2/ 230.

(208) منهاج السنة النبوية 5/ 239.

(209) إنصاف أهل السنة ص: 258.

(210) العواصم والقواصم 1/ 229.

(211) آداب الحوار والمناظرة، ص 81، بتصريف.

(212) آداب الحوار والمناظرة، ص81.

(213) آداب الحوار والمناظرة، ص79.

(214) كيف تدعو ص: 4 بتصرف.

(215) الثفنة من البعير والناقة أي الركبة، انظر لسان العرب 13/ 78، مادة: ثفن.

(216) أحمد في مسنده، 2/ 656، 657، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.

(217) أبو داود في السنن 2/ 612.

(218) منهاج السنة النبوية 2/ 342.

(219) مدارج السالكين3/ 522.

(220) طريق الهجرتين وباب السعادتين، ص: 378.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: