مركز البحوث
   
الفقه
   
أخرى
   
حكم لباس الجنبية المُحلَّاة بالذهب
حكم لباس الجنبية المُحلَّاة بالذهب
علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس
الأربعاء 16 يناير 2013

حكم لباس الجنبية المُحلَّاة بالذهب

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوَّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد كلفني الأخ الشيخ: صفوان أحمد مرشد.. بالبحث عن حكم لبس الجنبية، التي حُلِّيت بالذهب، فاستجبت لهذا الطلب، وعزمت على بحث هذه المسألة مستعيناً بالله تعالى، لاسيما والناس في أمس الحاجة إلى حكمها الشرعي لانتشارها في بلادنا اليمن، وخاصة في صنعاء وما جاورها من المناطق، وهذه المسألة تندرج تحت مسألة تحلية السيف بالذهب، التي تكلم عنها العلماء؛ لأن الجنبية آلة حادة كالسكين، يلبسها كثير من أهل اليمن، تشبه الخنجر، وهي سلاح يستخدمها الإنسان في الدفاع عن نفسه، وهي من الآلات التي تقتل، وكم من حالات قتلٍ، كانت الآلة التي تم بها القتل هي الجنبية.

وعليه فالجنبية سلاح، وهي كالسيف في حكمها؛ ولذا فإن الحديث عن حكم لبس الجنبية المحلاة بالذهب، سيبدأ من الحديث عن حكم تحلية السلاح (السيف) بالذهب، فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونِعم الوكيل:

حكم لبس السلاح الذي فيه ذهب عند الفقهاء:

وقع خلاف بين الفقهاء في حكم تحلية السلاح -كالسيف- بالذهب، كالآتي:

1. تحلية قبيعة السلاح بالذهب جائز. قال ابن قدامة: "ولا يباح شيء من ذلك، إذا كان ذهباً، إلا أنه قد روي أنه تباح قبيعة السيف"(1). وقال في الروض المربع: "ويباح للذكر من الذهب قبيعة السيف"(2). وقبيعة السيف، هي كما قال ابن الأثير:"التي تكون على رأس قائم السيف. وقيل: هي ما تحت شاربي السيف"(3).

وهذا القول هو ما يفتي به شيخنا العلامة القاضي: محمد بن إسماعيل العمراني، حفظه الله تعالى.

2. تحلية السلاح بالذهب محرم. روي ذلك عن أحمد في رواية أخرى عنه. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يخاف عليه أن يسقط، يجعل فيه مسماراً من ذهب. قال: إنما رخص في الأسنان، وذلك إنما هو على الضرورة.(4)

3. تحلية السلاح بالذهب جائز في القليل، دون الكثير. قال ابن قدامة: "وحكي عن أبي بكر من أصحابنا أنه أباح يسير الذهب"(5).

الأدلة:

أما أدلة العلماء على أقوالهم، فكالآتي:

أولاً: أدلة القول الأول:

استدل من قال بجواز تحلية السلاح بالذهب، بأدلة منها:

1. حديث طالب بن حجير عن هود بن عبد الله بن سعد عن جده مزيدة قال: «دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضة. قال طالب: فسألته عن الفضة؟ فقال: كانت قبيعة السيف فضة»(6).

2. وعن عثمان بن حكيم قال: رأيت في قائم سيف سهل بن حنيف مسمار ذهب(7). وقائم السيف: موضع إمساك اليد به.(8)

3. وعن نافع أنه كان في سيف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي شهد به بدراً سبيكة أو سبيكتان من ذهب(9). وفي رواية: "فيه سبائك من ذهب"(10).

ثانياً: أدلة القول الثاني:

واستدل من قال بحرمة تحلية السلاح بالذهب، بحديث أبي أُمامة الباهلي صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لقد افتتح الفتوح أقوام ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة، إنما كانت حليتها العلابي والآنك والحديد.(11)

قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الفضة، والذهب أولى"(12).

وأجيب عن ذلك بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة، إنما شرع لإرهاب العدو، وكان لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك غنية؛ لشدتهم في أنفسهم، وقوتهم في إيمانهم.(13)

ثالثاً: أدلة القول الثالث:

واستدل من أجاز تحلية السلاح بالقليل من الذهب، دون الكثير، بالآتي:

1. بما تقدم من الأخبار الدالة على الجواز.

2. وبقياس الذهب على الفضة.

3. ولأنه أحد الثلاثة المحرمة على الذكور دون الإناث، فلم يحرم يسيره كسائرها.(14)

وهذا القول قد ذهب إليه من قال العلماء بجواز أن يلبس الذكر القليل من الذهب المقطع. وذلك ما ورد في حديث معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عن ركوب النمار، وعن لبس الذهب، إلا مقطعا»(15). وفي رواية أنه قال لجمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أتعلمون أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لبس الذهب، إلا مقطعاً؟ قالوا: اللهم نعم»(16). وهذا الحديث قد دل على جواز لبس الذهب المقطع للذكر.

معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إلا مُقطّعاً»:

قال السندي: "إلا مُقطّعاً، أي مكسراً مقطوعاً، والمراد الشيء اليسير، مثل السن والأنف"(17).

وقال محمد شمس الحق العظيم آبادي: "قوله: «وعن لبس الذهب، إلا مُقطّعاً» بفتح الطاء المهملة المشددة، أي: مكسراً"(18).

وقال ابن الأثير في النهاية: "أراد الشيء اليسير منه كالحلقة والشنف ونحو ذلك، وكره الكثير الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والكبر، واليسير: هو ما لا تجب فيه الزكاة، ويشبه أن يكون إنما كره استعمال الكثير منه؛ لأن صاحبه ربما بخل بإخراج زكاته، فيأثم بذلك عند من أوجب فيه الزكاة"(19).

قال الشوكاني في النيل: "لا بد فيه من تقييد القطع بالقدر المعفو عنه، لا بما فوقه؛ جمعاً بين الأحاديث. قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: والمراد بالنهي الذهب الكثير، لا المقطع قطعاً يسيرة منه، تجعل حلقة أو قرطاً أو خاتماً للنساء، أو في سيف الرجل، وكره الكثير منه، الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والتكبير"(20).

وبمثل هذا قال الخطابي، إلا أنه جعل استثناء المقطع من الذهب للنساء وليس للرجال. قال الشوكاني: "وقد ذكر مثل هذا الكلام الخطابي في المعالم، وجعل هذا الاستثناء خاصاً بالنساء. قال: لأن جنس الذهب ليس بمحرم عليهن، كما حرم على الرجال قليله وكثيره"(21).

الخلاصة والترجيح:

يتبين مما سبق يتبين أن العلماء قد اختلفوا في حكم لبس السلاح الذي فيه ذهب، على أقوال كالآتي:

1. تحلية قبيعة السلاح بالذهب جائز.

2. تحلية السلاح بالذهب محرم.

3. تحلية السلاح بالذهب جائز في القليل، دون الكثير.

والقول الأقرب إلى الصواب -والله أعلم- هو القول بإباحة الذهب اليسير في السيف، ومثل هذا يقال في سائر أنواع السلاح، والجنبية منها؛ لأن الذهب الموجود فيها، واقع في قبيعتها -وهي موضع إمساك اليد بها- وهو ذهبٌ مُقطَّع قليل.

والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.

الثلاثاء - 13 رمضان 1428هـ، 25/ 9/ 2007م.

راجعه: يونس عبد الرب الطلول.

______________________

(1) المغني 10/ 340.

(2) الروض المربع 1/ 207.

(3) النهاية في غريب الأثر 4/ 11.

(4) انظر: المغني 2/ 606.

(5) الصدر السابق.

(6) سنن الترمذي 6/ 271، برقم: 1613 وقال: حديث حسن غريب. المعجم الكبير للطبراني 15/ 278، برقم: 17201. والحديث ضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي 4/ 190، برقم: 1690، وقال عنه في إرواء الغليل 3/ 306: "ورجاله ثقات غير هود؛ فإنه مجهول، كما قال ابن القطان". انظر: النهاية في غريب الأثر 4/ 11.

(7) مصنف ابن أبي شيبة 6/ 69.

(8) المصدر السابق.

(9) الجامع لابن وهب 2/ 99، برقم: 586.

(10) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 1/ 315، برقم: 305. قال الألباني: "حديث "إن عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب"، وحديث عثمان بن حنيف: "كان في سيفه مسمار من ذهب". ذكرهما أحمد، ولم أقف على إسنادهما". انظر: إرواء الغليل 3/ 307، برقم: 823.

(11) صحيح البخاري 10/ 44، برقم: 2693. قال ابن حجر: "العلابي جمع علْباء، وقد فسره الأوزاعي في رواية أبي نعيم في المستخرج، فقال: العلابي: الجلود الخام التي ليست بمدبوغة، وقال غيره: العلابي العصب، تؤخذ رطبة، فيشد بها جفون السيوف وتلوى عليها فتجف، وكذلك تلوى رطبة على ما يصدع من الرماح، وقال الخطابي: هي عصب العنق، وهي أمتن ما يكون من عصب البعير. والآنك هو: الرصاص، وهو واحد لا جمع له، وقيل: هو الرصاص الخالص، وزعم الداودي أن الآنك: القصدير، وقال ابن الجوزي: الآنك الرصاص القلعي -وهو بفتح اللام- منسوب إلى القلعة، موضع بالبادية ينسب ذلك إليه". انظر: فتح الباري لابن حجر 9/ 65 بتصرف.

(12) فتح الباري لابن حجر 9/ 65.

(13) المصدر السابق.

(14) المغني 2/ 606.

(15) سنن أبي داود 11/ 311، برقم: 3701. والحديث صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود 9/ 239، برقم: 4239، والنمار: جمع نمر، أي جلود النمار، وهي السباع المعروفة. انظر: عون المعبود 11/ 203.

(16) سنن النسائي 15/ 399، برقم: 5060، السنن الكبرى للبيهقي 5/ 20.

(17) حاشية السندي على النسائي 8/ 161.

(18) عون المعبود 11/ 203.

(19) النهاية في غريب الأثر 4/ 132، وانظر: شرح السيوطي لسنن النسائي 8/ 160.

(20) نيل الأوطار 2/ 80.

(21) المصدر السابق.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: