مركز البحوث
   
الفقه
   
مناسبات
   
يوم عاشوراء
يوم عاشوراء
عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي
السبت 19 يناير 2013

يوم عاشوراء

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

الأيام تمر والسنين تتابع ولا يبقى للإنسان إلا ما قدم من العمل الصالح والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفطن من ألزم نفسه طريق الخير وخطمها بخطام الشرع، يقول ابن كثير: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم"(1).

والإنسان في حياته لا يخلو من حالين، إما أن يكون محسناً، أو أن يكون مقصرا، فإن كان محسنا عمل على الازدياد إحساناً وإن كان مقصراً ندم وتاب ورجع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18].

ومن فضل الله ونعيمه على عباده أنه يوالي مواسم الخيرات عليهم على مدار الأيام والشهور حتى يكونون في يقظة تامة لما عند الله تعالى حتى يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، قال العز بن عبد السلام: "وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان: أحدهما: دنيويٌّ... والضرب الثاني: تفضيل ديني، راجع إلى أنَّ الله يجود على عباده فيها بتفضيل أجر العاملين، كتفضيل صوم رمضان على صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء.. ففضلها راجع إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها"(2).

وما أجمل أن نحول أول العام إلى وقفة نحاسب بها أنفسنا، بما أسلفنا وبما نعمله فنبدأ صفحة جديدة من سجل أعمالنا، متخلصين من المألوف الذي اعتاده طوال العام ونتزود فيه من كل ما يقرب من الله وبالأخص يوم عاشوراء هذا اليوم الفاضل، الذي فصل الله فيه بين الحق والباطل في عهد نبي الله موسى -عليه السلام- وبين الإيمان والكفر فنصر الله فيها المؤمنين نصرا مبينا مؤزرا وأهلك الكفر وحزبه، وهذا يذكرنا برباط العقيدة الواحدة "التوحيد" مهما كانت فواصل الزمن، ويلفتنا إلى أنه كما تجاوز المؤمنون من قوم موسى -عليه السلام- المحنة، كذلك ينبغي أن يتجاوزها المسلمون في كل عصر، هذا اليوم يرتبط بدعوة موسى -عليه السلام- في الصبر والدعوة إلى الله وإلى عبادته، قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35].

وإن مما يؤسف له أن نعيش هذه الأيام محن ومصائب وافتراق وضعف وأهواء وشهوات، حلت بنا كمسلمين، وتخلف النصر عنا ولا نجد لذلك سببا، إلا ابتعاد كثير من المسلمين عن منهج الله تعالى الله القويم، قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج40]، فوآسفاه هل من متعظ! ووآسفاه هل من معتبر! ووآسفاه هل من مخرج.

وإن مما يدلي به هذا اليوم المبارك، أنه يحثنا أن نبادر بالإعمال الصالحات شكرا لله فكما صام موسى -عليه السلام- يوم عاشوراء من شهر الله المحرم شكراً لله على نصره وتأيده للمؤمنين، نصومه، ونذكر عظيم من الله علينا حينما نكون متبعين لما جاء به مجتنبين ما نهى عنه، وما اصطفاء الله، لبعض الأزمان والمناسـبات الإسلامية وتخصيصها بالعبادات والوظائف إلا ليتحرك الشعور الإسلامي لتقرب من الله والفوز بما عند الله، فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: «قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمر بصيامه»(3)، ولقد اهتم الصحابة والتابعين والسلف الصالح بصيام هذا اليوم حتى أن بعضهم كان يصومون يوم عاشوراء في السفر، ومن هذا أن الإمام أحمد نص على: "أنه يصام عاشوراء في السفر"(4)، وكانوا يصومونه ويصوّمون صبيانهم، تقول الربييع بنت معوذ: "فكنا نصومه بعد ونصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار"(5).

فضل يوم عاشوراء:

يوم عاشوراء من الأيام التي خصها الله بمزيد فضل على سائر الأيام، وسبب التفضيل أنه يوم مشهود نجا فيه موسى -عليه السلام- من كيد فرعون وحزبه وأغرق فرعون وجنده، فانتصر الحق بقوة الله العظيم القادر على كل شيء، وهزم الله فرعون وجنده، حتى أن الموحدين ومنذ ذلك اليوم يعدونه عيدا؛ لانتصار الحق، وهزيمة الباطل، ولقد حفظ الله نبيه من كيدهم، ووقاه من شرَّهم، من هذا يتضح أن يوم عاشوراء يوم عظيم فضله الله تعالى على كثير من الأيام بمزيد فضل ويمكن أن نبينها على النحو التالي:

1- صيام يوم عاشوراء يكفر السنة التي قبله: الصيام عبادة من العبادات التي لها اثر عظيم في تزكية النفس وتعميق الجانب الروحي في النفوس، وكلما كانت نفسية المؤمن على اتصال بمولاه من خلال هذا الباب العظيم، تطلعت نفسه للإكثار من النوافل التي تقرب إلى الله فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن»(6)، وإن مما يتقرب به من الله على وجه الخصوص صيام يوم عاشوراء، طمعاً في القرب من الله، والفوز بمحبته ورضاه فعن أبي قتادة: «أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم: فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما رأى عمر -رضي الله عنه- غضبه، قال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر -رضي الله عنه- يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر، أو قال: لم يصم ولم يفطر، قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يوما؟ قال: ويطيق ذلك أحد، قال: كيف من يصوم يوما ويفطر يوما؟ قال: ذاك صوم داود -عليه السلام- قال: كيف من يصوم يوما ويفطر يومين، قال: وددت أني طوقت ذلك، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»(7).

 

2- يوم حرص النبي صلى الله على التقرب فيه: من الفضل الذي إمتاز به هذا اليوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أهل المدينة بصيامه ولقد أرسل الصحابة ينادون بذلك ولقد صامه صغار الصحابة وصبيانهم من شدة مبالغة اهتمام الرسول -صلى الله عليه وسلم-به، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «ما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحرى(8) صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان»(9)، وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: «أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صبيحة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، قالت: وكنا نصومه بعد ذلك ونصوم صبياننا الصغار ونجعل لهم اللعبة من العهن ونذهب بهم إلي المسجد فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك، حتى يكون عند الإفطار»(10).

3- يوم نجَّى الله فيه نبيه موسى -عليه السلام- والمؤمنين من الغرق: آيات الله في الكون كثيرة خاضعة لأمره تتنزل متى شاء سبحانه، ولما كان الطاغية فرعون قد تجبر في الأرض، وأظهر فيها الفساد جاء أمر الله، فنجا المؤمنين الصادقين وأهلك فرعون وحزبه، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قدم المدينة، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فنحن أحق وأوْلى بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه».

وان مما نستفيده مما قص علينا من أنباء الأمم السابقة أن أمر الله يأتي بعد الابتلاء والتمحيص والضيق والشدة بعد الرجوع إليه وأدل مثال على ذلك قصة موسى عليه السلام وفرعون، عندما خرجوا من مصر تابعين أمر الله ورسوله، حتى أتى نصر الله بجند من جنوده جل وعلى، فما أحوجنا في هذه الأيام أن نعود إلى الله ونخلص أنفسنا له جل وعلا.

4- يوم يزداد فيه ثقة المؤمن بنصر الله: المصائب حلت في هذا الزمان على أمة الإسلام وتوالت الهزائم حتى أصبحنا في ذيل القافية، ولو عاد أمة الإسلام إلى منهج الله لوجدت أن من مناسباته ما بعث الروح والأمل بما عند الله، وهذا اليوم العظيم التي نصر الله فيه الحق وحزبه وهزم الباطل وحزبه أكبر شاهد على ذلك، ويبعث فينا هذا اليوم أيضا وان ما أصبنا به إنما هو بسبب تقصيرنا وابتعادنا عن منهج الله فهو درس في الرجوع إلى الله.

5- يعود المؤمن على الاعتزاز بالدين: تتعدد فضائل هذا اليوم المبارك ومن فضائله أنه يعود المؤمن الاعتزاز بما هو عليه من الدين الحق ولهذا شرعت مخالفة الكفار وعدم التشبه يحقق الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين وقد شدد الشارع على المتشبهين بهم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم»(11).

6- يوم فرحة وعيد: المؤمن عندما يتذكر فضل الله عليه يعد هذا التذكر شكرا لله، والشكر لله من العبادة، وفي هذا ليوم نصر الله الحق على الباطل، وفرح الناس به فرحا شديدا، فاكتنف هذا اليوم فرحة وعبادة وهذا شأن الأعياد، ومنذ ذلك اليوم، يعده المؤمنين عيداً، ومما يدل على ذلك، ما بقي من أعمال الأمم السابقة فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم(12)»(13).

حكم صيام يوم عاشوراء:

للعلماء الأفاضل في صيام يوم عاشوراء أقوال فمنهم الموجب للصيام فيه، ومنهم من يقول بسنية صيامه، أصحهما أنه كان واجباً، ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحباباً، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- العامة بصيامه، بل كان يقول: «هذا يوم عاشوراء يكفر سنة...»، ولما كان آخر عمره، وبلغه أنّ اليهود يتخذونه عيداً، قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع»؛ ليخالف اليهود ولا يشابههم في اتخاذه عيدا.(14)

والذي أراه راجحا، أن صيامه سنة مؤكدة، لحديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده»(15). وحديث حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- يقول: «يوم عاشوراء عام حج على المنبر يقول يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر»(16).

وعن عبادة رضي اللَّه عنه قال: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان، لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله»(17).

أحوال الصائمين في عاشوراء:

تتعد أحوال المتقربين بالصوم إلى الله في الوقت الذي يوفق يوم عاشوراء، وذلك لسبب، أن من منهج المؤمن مخالفة اليهود في الصيام، فعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»(18)، وفي رواية قال: «حين صام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول اللَّه إنه يوم تعظّمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: فإذا كان العام القابل -إن شاء اللَّه- صمنا اليوم التاسع) قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم»(19)، وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما بلفظ: «صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود»(20)، ولقد قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر"، قال صاحب المغني: "إذا ثبت هذا فإنه يستحب صوم التاسع والعاشر لذلك -يعني عدم التشبه باليهود-"، نص عليه أحمد، وهو قول إسحاق(21)، قال ابن القيم -رحمه الله- "مراتب الصوم ثلاثة: أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم"(22)، وأحوال الناس في الصيام على ثلاثة حالات:

1- صوم التاسع والعاشر والحادي عشر.

2- صوم التاسع والعاشر.

3- صوم العاشر وحده.

الحكمة من استحباب صيام اليوم التاسع:

الحكمة الواضحة في سبب صيام التاسع مع العاشر، أو العاشر مع الحادي عشر، أو صومهم جميعا من شهر محرم، مخالفة اليهود وهذا قال به جمع من العلماء يقول شيخ الإسلام: "وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في الفتاوى(23)" وبغية إصابة اليوم لاختلف بدايات الشهر"، وقال ابن حجر رحمه الله: "ما همَّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أن لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إما احتياطاً له، وإمَّا مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح"(24).

المخالفات والبدع التي تقع في يوم عاشوراء:

المسلم عبد لله ويعبد الله بما شرع والأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله لابد أن تكون بما شرع، وأي فعل يعمله العبد لم يثبت عن الرسول -صلى الله وسلم- يعد مخالفة يجب الابتعاد عنها، ولقد ظهرت في هذا اليوم مخالفات عديدة، سببها جهل الناس بالشريعة، وابتداعهم بعض الأعمال المخالفة لمنهج الله في الأرض، وشملت هذه البدع بلدان كثيرة، واتخذ الابتداع طريقين متضادين، طريق إظهار الحزن في هذا اليوم؛ ومرد ذلك موافقة هذا اليوم، لقتل الحسين -رضي الله عنهما- ويقول ابن تيمية -رحمه الله-: "وقوم يستحبون الاكتحال والاغتسال، والتوسعة على العيال، واتخاذ أطعمة غير معتادة، وأصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين -رضي الله عنه-، وكل بدعة ضلالة، ولم يستحب ذلك أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا عند من استحب ذلك حجة شرعية. بل المستحب يوم عاشوراء الصيام عند جمهور أهل العلم"(25)، ويقول أيضا: "وصار الشيطان بسبب قتل الحسين -رضي الله عنهما- يُحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ، والبكاء، والعطش، وإنشاد المراثي، وما يُفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب... وكان قصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-"(26).

ويقول ابن رجب -رحمه الله-: "أما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين -رضي الله عنه-، فهو من عمل من ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ولم يأمر الله ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم- باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم"(27).

ومما ساعد أيضا في انتشار البدع أن اتخاذ بعض المسلمين طريق المبالغة في محبته، فابتدعوا ما لم يثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا لعمري من البلايا التي اجتمعت على أمة الإسلام في زماننا؛ ومرده إلى ابتعاد الناس عن منهج الله وحدوث الضعف والتخلف فيهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مصورا هذا الطريق: "وقد قابل قوم فعل الرافضة بفعل مضاد له، وهو جعل هذا اليوم يوم فرح وسرور وطبخ للأطعمة والتوسيع على العيال، فقابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار مقابل ما وضعها الرافضة(28)، ولقد اكتنف هذا اليوم مخالفات وبدع بين طرفين نبينها كالتالي:

الأحاديث الموضوعة في يوم عاشوراء:

لقد عمد الوضاعون على وضع أحاديث بحسبهم تظاهي حديث المصفي -صلى الله عليه وسلم-، وخابوا وخسروا في زعمهم، فقيظ الله جهابذة العلم من الأئمة الأخيار فبينوا زيفها وخللها وكذبيها، فأضحى باطلها واضح للعيان، و لم تسلم يوم عاشوراء فأخذت قسطها في ابتداع المبتدعين، ومن الأمور التي تدعوا للتعجب من كذب الضالين، أن يكتنف هذا اليوم صورتين للابتداع، الكارهين، والمحبين، بخبث ودهاء وسوء طوية، أضف إلى ذلك قلة علم الناس بالحديث النبوي الشريف في زماننا وقلة اطلاعهم على دواوين السنة فشاعت هذه الأحاديث بين الناس وغاب عنهم الصحيح الثابت، ولقد نبه العلماء على تلك الأحاديث الموضوعة،كابن الجوزي في الموضوعات، والسخاوي في المقاصد الحسنة، والملا علي قاري في الأسرار المرفوعة، وغيرهم، نسوقها بدون تخريج إهمالا لها ولمن عارض سنة الحبيب لنعرف مغبة البدع التي أكتنف هذا اليوم واليك بيانها:

"من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته"،"من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً "، "من أفطر عنده يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم"، "إن الصرد -وهو طائر- أول طائر صام يوم عاشوراء"، "إن الله افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة، وهو يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من المحرم فصوموه ووسعوا على أهليكم فإنه اليوم الذي تاب الله على آدم وهو اليوم الذي رفع الله فيه إدريس مكاناً علياً"، "من صام يوم عاشوراء أعطى ثواب عشرة آلاف ملك"، "من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنه بصيامها وقيامها ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب ألف حاج ومعتمر..".

ويمكن بيان مجمل لهذه المخالفات والبدع في يوم عاشوراء على النحو التالي:

1- التوسعة على العيال و الأهل في يوم عاشوراء.

2- الاكتحال يوم عاشوراء.

3- طبخ الحبوب و الأطعمة يوم عاشوراء.

4- اتخاذ عاشوراء مأتما وموسم حزن وبكاء ونحو ذلك.

5-اختراع أذكار وادعيه مبتدعة في يوم عاشوراء.

6-إحداث صلوات خاصة في عاشوراء.

7- تخصيص هذا اليوم بدعاء معين،وكذلك ما يعرف عند أهل البدع برقية عاشوراء.

مسائل وأحكام:

مسألة: جمع بين صيام يوم والعاشر معي يوم قبله أو بعده:

إن مخالفة اليهود من الأمور التي حث عليها دينا الحنيف،لحديث ابن عمر:«من تشبه بقوم فهو منهم»(29)، وفي هذا اليوم دلالة واضحة في مخالفة اليهود، واستحباب مخالفتهم، في التعبد لله بالصيام، إمعاننا بعدم الاقتداء بغير دين الإسلام؛ لأنه دين نسخ ما قبله، وحتى يظهر بطلان ما بقي من الديانات المحرفة، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما-قال: «حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم».

مسألة: صيام قريش:

من العوائد التي اعتاده عليها قريش قبل ظهور النبي -صلى الله عليه وسلم -، اتخاذها يوم عاشوراء يوما للصوم، وهذا يلفت إلى أن الإنسان مهما ابتعد عن منهج الله فانه، يجد نفسه في نهاية المطاف يحكم بالفطرة التي أساسها التعبد وهذا من الذي بقى عند قريش وغرهم، من الأعمال التي جاءت بها الديانات السابقة، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه»(30).

قال ابن حجر: "وعلى كل فلم يصمه النبي اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يجب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه"(31).

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يوفقنا لصيام يوم عاشوراء، وان يجعلنا من المقبولين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كتبه الفقير إلى ربه: عبد الوهاب الشرعبي

راجعه: محمد بن عبد الوهاب الديلمي

_______________________

(1) تفسير بن كثير - ج4/ 438.

(2) قواعد الأحكام - ج1/ 38.

(3) أخرجه مسلم - ج2/ 795، برقم: 1130.

(4) لطائف المعارف - لابن رجبج1/ 53، وأخرجه ابن أبي شيبة - ج2/ 313، برقم: 9388.

(5) أخرجه البخاري - ج2/ 672، برقم: 1859.

(6) أخرجه البخاري - ج5/ 2384، برقم: 6137.

(7) أخرجه مسلم - ج2818، برقم: 1162.

(8)أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.

(9) أخرجه البخاري - ج2/ 705، برقم: 1902.

(10) أخرجه مسلم - ج2/ 792، برقم: 1136.

(11) أخرجه أبو داوود - ج2/ 441، برقم 4031، وصححه الألباني في الإرواء -ج1/ 248، برقم: 1269.

(12) أي: يلبسونهن لباسهم الجميل الحسن في النهاية الشورة بالضم الهيئة الحسنة.

(13) أخرجه مسلم - ج2/ 796، برقم 1131.

(14) مجموع الفتاوى - ج25/ 311.

(15) أخرجه مسلم - ج2/ 794، برقم 1128.

(16) أخرجه البخاري - ج2/ 704، برقم 1899.

(17) أخرجه النسائي في السنن الكبرى- ج 2/ 158،برقم: 2841.

(18) أخرجه مسلم، ج2/ 797، برقم: 1134.

(19) أخرجه مسلم، ج2/ 797، برقم: 1134.

(20) أخرجه الترمذي، ج3/ 128،برقم: 755، وصححه الألباني.

(21) المغن ي- ج4/ 441.

(22) زاد المعاد - ج2/ 76.

(23) الفتاوى الكبرى - ج2/ 259.

(24) فتح الباري - ج4/ 245.

(25) منهج السنة - ج4/ 555.

(26) منهاج السنة - ج4/ 544.

(27) لطائف المعارف - ج1/ 60.

(28) الفتاوى - ج25/ 310.

(29) أخرجه أبو داوود - ج2/ 441، 4031، وصححه الألباني في الإرواء - ج1/ 248،برقم: 1269.

(30) أخرج البخاري - ج2/ 704، برقم: 1898.

(31) فتح الباري - ج 4/ 291،288.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: