البصمات
قسطاس إبراهيم النعيمي
الثلاثاء 22 يناير 2013

البصمات

على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس جميعاً مشتركين في وحدة الخلق ووحدة البنية والتركيب ووحدة وظائف كيمياء الخلية فالناس جميعاً من لحم ودم وعظم... أصلهم جميعاً من تراب، ومع هذا التطابق والتشابه في الخلق والصوت وشكل العظم والرائحة فقد انفرد كل منا في تفاعله الكيماوي مع نفسه، لينفرد ببصماته التي يحملها وحده دون سائر البشر.

وتعرف "البصمة" بصفة عامة بأنها ذلك الخاتم الإلهي الذي ميز الله تعالى به كل إنسان عن غيره بحيث أصبح لكل إنسان خاتمه (بصمته) المميزة له في الصوت والرائحة والعينين والأذن... الخ.

أما "بصمة الإبهام" فهي الخطوط البارزة التي تحيط بها خطوط مختفية تأخذ أشكالاً مختلفة على جلد أطراف الأصابع والكفين من الداخل، وهذه الخطوط تترك أثرها على كل جسم تلمسه، وعلى الأسطح الملساء بشكل خاص.

والمثير للتأمل حقاً هو كيف تتنوع وكيف تتشكل البصمات، بل كيف تتنوع وتتشكل الوجوه والأجسام وكيف تتباين الألوان والصفات، فكلها آيات لله في خلقه، إن الإنسان كله بصمات، فبصماته توجد في اليد والقدم والشفتين والأذنين والدم واللعاب والشعر والعيون وغيرها... لقد كانت البصمة ولا تزال سراً من أسرار عظمة الله عز وجل في خلقه ليثبت قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 88] فما أعظمها من آية تؤكد قدرة الخالـق(1)! وتتكون بصمة الإبهام لدى الجنين في الأسبوع الثالث عشر (الشهر الرابع) وتبقى إلى أن يموت الإنسان، وإذا حفظت الجثة بالتحنيط أو في الأماكن الثلجية تبقى البصمة كما هي لآلاف السنين دون تغيير في شكلها....وحتى إذا ما أزيلت جلدة الأصابع لسبب ما، فإن الصفات نفسها تظهر في الجلد الجديد، كما أن بصمة الرجل تختلف عن بصمة المرأة ففي الرجل يكون قطر الخطوط أكبر منه عند المرأة بينما تتميز بصمة المرأة بالدقة وعدم وجود تشوهات تقاطعية.

ومن الذين اهتموا بدراسة البصمات الباحث الألماني (ج. س. أ. مايو) الذي أعلن بعد ذلك في عام 1856م أن الخطوط البارزة في بنان الإنسان تبقى ثابتة لا تتغير ولا تتبدل منذ ولادته وحتى وفاته.

ودلل على قوله هذا بتجربة عملية إذ أخذ طبعة بنانه اليمنى ثم عاد بعد مضي أربعين عاماً وأخذ طبعة نفس البنان ثانية فوجد أنه لا يزال كما هو لم يطرأ عليه شيء من التعديل أو التغيير. وكذلك فعل الحاكم الإنجليزي (هرتشل) في مقاطعة البنغال عندما قارن بين بصمتين له واحدة وعمره 27 سنة والأخرى وعمره82 سنة فلم يلحظ أي تغيير يذكر(2).

البصمة وتسوية البنان:

يقول الله تعالى في سورة القيامة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3- 4]. قال القرطبي: نبه بالبنان على بقية الأعضاء وأيضاً فإنها أصغر العظام فخصها بالذكر لذلك قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى تستوي ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر، وقال ابن عباس وعامة المفسرين: المعنى: ﴿عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخف البعير أو كحافر الحمار وكظلف الخنزير ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذا بها ما شاء.

وكان الحسن يقول: جعل لك أصابع فأنت تبسطهن وتقبضهن ولو شاء لجمعهن فلم تتق الأرض إلا بكفيك، وقيل: أي نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته التي كان عليها كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ*عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: 60- 61](3).

والبنان: هو نهاية الإصبع. والسؤال الآن: لماذا اختار الله في الرد عليهم التدليل على قدرته الفائقة بتسوية البنان، ولم يستدل على قدرته سبحانه مثلاً بخلق العظام أو إعادة المخ.... الخ، وهل البنان أشد تعقيداً من خلق أي عضو آخر؟ قد يكون السر في هذا هو أن الله تعالى أراد أن يوقفك على حقيقة مادية علمية ثابتة في جسمك لم يكتشفها العلم إلا في العصر الحديث.

لقد أثارت الإشارة في الآيات الكريمة من سورة القيامة انتباه المفسرين ودهشتهم حيث أقسم الله تعالى باليوم الآخر وبالنفس الباقية على فطرتها التي تلوم صاحبها على كل معصية أو تقصير، لقد أقسم الله تعالى بهما على شيء عظيم يعدّ ركناً من أركان العقيدة الإسلامية ألا وهو الإيمان ببعث الإنسان بعد موته وجمع عظامه استعداداً للحساب والجزاء، ثم بعد أن أقسم الله تعالى على ذلك بين أن ذلك ليس مستحيلاً عليه لأن من كان قادراً على تسوية بنان الإنسان هو قادر أيضاً على جمع عظامه وإعادة الحياة إليها.

ولكن الشيء المستغرب لأول نظرة تأمل في هذا القسم هو القدرة على تسوية البنان، والبنان جزء صغير من تكوين الإنسان، لا يدل بالضرورة على القدرة على إحياء العظام وهي رميم، لأن القدرة على خلق الجزء لا تستلزم بالضرورة القدرة على خلق الكل. وبالرغم من محاولات المفسرين إلقاء الضوء على البنان وإبراز جوانب الحكمة والإبداع في تكوين رؤوس الأصابع من عظام دقيقة وتركيب الأظافر فيها ووجود الأعصاب الحساسة وغير ذلك، إلا أن الإشارة الدقيقة لم تُدرك إلا في القرن التاسع عشر الميلادي عند اكتشاف حقيقة اختلاف البصمة من شخص لآخر.

البصمة والحقائق العلمية

في عام 1823م اكتشف عالم التشريح التشيكي (بركنجي Purkinje) حقيقة البصمات ووجد أن الخطوط الدقيقة الموجودة في رؤوس الأصابع (البنان) تختلف من شخص لآخر، ووجد أن هناك أنواعاً من هذه الخطوط: أقواس أو دوائر أو عقد أو على شكل رابع يدعى المركبات، لتركيبها من أشكال متعددة.

وفي عام 1858 م أي بعد 35 عاماً، أشار العالم الإنكليزي (وليم هرشلWilliam (Hersch إلى اختلاف البصمات باختلاف أصحابها، مما جعلها دليلاً مميزاً لكل شخص. وفي عام 1877م اخترع الدكتور "هنري فولدز" (Henry Faulds) طريقة وضع البصمة على الورق باستخدام حبر المطابع. وفي عام 1892م أثبت الدكتور "فرانسيس غالتون (Francis Galton) إن صورة البصمة لأي أصبع تعيش مع صاحبها طوال حياته فلا تتغير رغم كل الطوارئ التي قد تصيبه، وقد وجد العلماء إن إحدى المومياء المصرية المحنّطة احتفظت ببصماتها واضحة جلية.

وأثبت جالتون أنه لا يوجد شخصان في العالم كله لهما نفس التعرجات الدقيقة وقد أكد أن هذه التعرّجات تظهر على أصابع الجنين وهو في بطن أمه عندما يكون عمره بين 100 و120 يوماً. وفي عام 1893م أسس مفوّض اسكتلند يارد، (إدوارد هنري (Edward Henry نظاماً سهلاً لتصنيف وتجميع البصمات، لقد اعتبر أن بصمة أي إصبع يمكن تصنيفها إلى واحدة من ثمانية أنواع رئيسية، واعتبر أن أصابع اليدين العشرة هي وحدة كاملة في تصنيف هوية الشخص. وأدخلت في نفس العام البصمات كدليل قوي في دوائر الشرطة في اسكتلند يارد.

ثم أخذ العلماء منذ اكتشاف البصمات بإجراء دراسات على أعداد كبيرة من الناس من مختلف الأجناس فلم يعثر على مجموعتين متطابقتين أبداً(4).

إن البصمات تخدم في إظهار هوية الشخص الحقيقية بالرغم من الإنكار الشخصي أو افتراض الأسماء، أو حتى تغير الهيئة الشخصية من خلال تقدم العمر أو المرض أو العمليات الجراحية أو الحوادث.

بصمة الإبهام وتفردها في عالم الأحياء:

لا يستثنى الإبهام عن غيره من الأصابع في تفرده ببصمته الخاصة التي لا تشبه غيرها من البصمات كما سيأتي بيان ذلك، أي إن كل أصبع له بصمته الفريدة التي وهبها له الخالق سبحانه غير أنه لما كان لكل إنسان عشرة أصابع في كلتا يديه في الغالب رأى العلماء أن اتخاذ أصبع واحد في أبحاثهم أجدى في الوصول للنتائج المرجوة، وإذا أمعنا النظر في سطح الجلد الذي يكسو أصابع اليدين والقدمين وكذلك الكعبين وباطن القدمين نلاحظ إنه يتألف من خطوط بارزة تسمى بالخطوط الحليمية Papillary Ridges وأن هذه الخطوط تتوالى وتتمادى وتأخذ لنفسها أشكالاً مختلفة وتبدو منفصلة عن بعضها بخطوط أخرى منخفضة يطلق عليها اسم "الخطوط الأخدودية" Furrows ويمكن تشبيهها بالأخاديد التي تتركها سكة المحراث على الأرض. وإذا تأملنا الخطوط الحليمية ملياً بواسطة عدسة مجسمة نجد أن قممها تحتوي على صفوف من فتحات بالغة الصغر تظهر وكأنها فوهات براكين وتدعى المسام.

ومزية البصمة الأساسية الثبات والفردية بشكل مطلق، وتبقى الخطوط الحليمية كما هي إلا في بعض الأمراض مثل الجذام في آخر مراحله والإفرنجي، ولذلك فإن البصمات لا تتكرر حتى في حالة التوأم ولومن بييضة واحدة.

وقد حاول عدد من المجرمين في الولايات المتحدة الأمريكية وفى مدينة شيكاغو بصورة خاصة محو هذا الخاتم الإلهي!! بمحو أو تغيير أو تحريف لأشكال الخطوط الحليمية في رؤوس أصابعهم مستخدمين طرقاً مختلفة ولكن محاولاتهم باءت جميعها بالفشل. وقد حصر غالتون أمر التعرف على بصمة الأصابع في نظام معين يقضي على أن لكل بصمة 12 ميزة خاصة، ومن الطريف أن من بين المليون الأول من البصمات التي حصلت عليها شرطة لندن لم يعثر على بصمتين متشابهتين في أكثر من سبع مميزات من بين المميزات (الأثني عشر).

ولابد أن توجد في كل بصمة أنواع من المميزات بأعداد متفاوتة وقد يتجاوز عددها في بصمة الإصبع الواحدة الخمسين. وقد يصل إلى المائة وربما وجدنا في مساحة صغيرة من الجزء الوسطي للإصبع أكثر من عشر منها(5).

نظرية الاحتمال:

طور هذه النظرية البروفيسور سايمون نيوكومب "Simon New Comb" وهى تعتمد على أساس متين كجدول الضرب أو أي قاعدة حسابية ولها صلة بمبدأ الريبة Principles of Uncertainty الذي صوره لنا العالم الألماني هايزنبرج "Heisenberg".

ويقول بول كيرك "Baul Kirk" أستاذ العلوم الجنائية في جامعة كاليفورينا إن نظرية الاحتمال هي المفتاح الوحيد لتفسير الأدلة الطبيعية، ولنحاول تطبيق هذه النظرية على تطابق بصمتين تطابقاً كاملاً من حيث النوع والشكل والموضع، لنفرض أن أحدنا عمد لأخذ انطباع لإبهامه الأيمن والتقط صورة فوتوغرافية لهذا الانطباع ثم كبرها عدة مرات كي يستطيع تحديد الميزات الخطية في بصمته، ولنفرض أنه بعد أن قام بهذا العمل وجد فيها خمساً وأربعين ميزة، ترى ما هي فرصة العثور على بصمة أخرى سواء في بقية أصابعه العشرة أو أصابع يدي أي إنسان يعيش حالياً على وجه البسيطة تحتوي على نفس الميزات بالضبط من حيث العدد والأشكال والمواضع النسبية؟ أو بتعبير آخر فرصة وجود نسخة طبق الأصل من بصمته تلك؟ أو بمعنى ثالث هل يمكن أن تتكرر نفس البصمة مرتين وفى وقت واحد مع ما فيها من تفاصيل ذاتية فريدة بالغة الدقة؟

إن كل ذي خبرة في الموضوع يستطيع الإجابة على هذه التساؤلات قائلاً بثقة تامة وبكل بساطة - إن فرصة تكرر بصمتين في آن واحد هي نفس فرصة العثور على حبة معينة من الرمال تقبع بمكان ما في الصحراء الكبرى أو الربع الخالي. صحيح من الطبيعي إنه بمقدورنا أن نجد بصمة أخرى من نفس النوع أو الزمرة وقد نجد فيها نقطة زاوية أو مراكز مشابهة أو مماثلة أو أننا قد نجد كذلك النقطتين معاً وربما صادفنا ليس نفس العدد من الخطوط بين النقطتين آنفتي الذكر فحسب بل ونفس العدد من المميزات أيضاً أي خمس وأربعون ميزة، ولكن الشيء الذي يستحيل أن نصادفه وبالتأكيد هو نفس الميزات الحليمية من حيث المواضع النسبية، وعندما يستبعد الخبراء احتمال وجود بصمتين متطابقتين في آن واحد لهذه الدرجة من التطرف إنما يستندون إلى قوانين ونظريات ومن بينها نظرية الاحتمال المشار إليها أعلاه.

وقد قدر غالتون أن هناك أقل من فرصة واحدة من 64 مليار لوجود بصمة واحدة مطابقة للأخرى، وهذا الرقم بالطبع أضعاف عدد سكان الكرة الأرضية في هذا اليوم، وقد بنى تقديره هذا على أساس الميزات الرئيسية الأربعة التي سبق التحدث عنها فإذا أخذنا الميزة الأولى من بصمة ما نجد أن احتمال وجود ميزة أخرى مطابقة لها في نفس الموضع هو = (1/16).

وإذا تابعنا تقدير الاحتمالات يتضح لنا أن وجود بصمتين متطابقتين هي بعيدة جداً إن لم نقل مستحيلة.

ولعل من أطرف الشروح المبسطة المتعلقة بتطبيق نظرية الاحتمال على البصمات وربما من أقربها للأذهان هو ذلك الشرح الذي كان نشره (بيرت وينوورث) في الثلاثينيات وسأحاول فيما يلي تقديم القسم الأكبر منه مع قليل من التصرف.

يقول البروفسور وينوورث: إذا قبلنا تقدير بلتازار بأن تكرار المميزة هو مرة واحدة في كل أربع مرات فإننا سنجد عندما نرفع الرقم (4) إلى القوة 45 بأن لدينا الرقم التالي وهو أكثر من سيبتليون: 1.208.925.818.995.600.694.706.176 ولكي أبين ما يعني Septillion فإني أقدم الإيضاح التالي: لنفترض أن شخصاً حاول أن يعد السيبتليون بوضع جرات قلم على الورق بمعدل ثلاث جرات في الثانية فإنه في ظرف سنة واحدة سيتمكن من وضع (94.674.444) جرة فقط، وبما أن هذه المهمة شاقة جداً، لذا سيجد من الضرورة الاستعانة بجهد كل شخص على وجه الكرة الأرضية دون استثناء أحد إطلاقاً وحتى الأطفال والمرضى سيضطر لإجبارهم على وضع جرات أقلامهم على الورق بمعدل ثلاث جرات في الثانية وذلك بدون توقف للنوم والراحة، ومع أن عدد سكان العالم يبلغ 1.5 مليار أو أكثر، وعلى الرغم من استخدام ذلك العدد الهائل من الصفوف البشرية فإن جهودهم المجتمعة لن تنهي المهمة إلا بعد ثمانية ملايين من السنين وبالتحديد بعد (8.512.862 سنة)، وطبعاً يحاول بلتازار أن يظهر لنا بشكل نظري إنه يمكن العثور على بصمتين متطابقتين عند شخصين مختلفين ولكن فقط مرة في فترة أطول من تلك التي يقدرها الفلكيون لازمة لبرود الشمس، وبالتالي فإن العثور على مميزات متطابقة في انطباعين صادرين عن شخصين مختلفين كل منهما بنفس الموضع هي استحالة مطلقة، وإني ألفت النظر قبل أن أتابع بحثي إلى أن هناك عدداً من النقاط المميزة في البصمة التي أتحدث عنها ولم أتمكن من الإشارة إليها بالأرقام كالعادة؛ لأن كمية الحبر كانت محدودة ولأن الضغط كان خفيفاً!! ولذا لم أستطع الدلالة إلا على خمس وأربعين ميزة فقط، وهي كافية على كل حال...

لقد قدر غالتون أن ثمة أقل من فرصة من أربع وستين ملياراً لتكرار بصمة واحدة مرتين في وقت واحد، ترى إذا قبلنا هذا التقدير، فماذا ستكون فرصتنا للعثور على مثيل مطابق لجميع بصمات الأصابع العشرة؟

لقد تبين لي من الحساب أنه ستكون هناك فرصة واحدة من:

(1.152.291.904.606.846.976× 9010).

وهذا الرقم يفوق جميع الإدراك البشري، ولقد اعتمد بلتازار في تقديره على الحقيقة المعروفة وهي أن المعدل الوسطي من التفاصيل الدقيقة في بصمة الإصبع الواحدة هو 100 ميزة، ومع وجود هذه الميزات المائة فإن فرصة تكرار إصبع واحدة تحمل مائة ميزة هي واحدة من رقم يتألف من 61 عدداً، وقد حسبت ذلك بصورة مفصلة فتبين لي أننا نستطيع أن نعبر عن فرصة التكرار بكسر يتألف من عدد واحد كصورة ومن الرقم التالي كمخرج:

1.606.974.174.171.729.761.809.705.564.167.

968.221.676.069.604.401.795.301.376

وإذا بلغ الفضول بأحدنا لمعرفة احتمالية تكرر جميع البصمات العشرية كمجموعة فما عليه ألا أن يضرب هذا الرقم بنفسه تسع مرات(6).

وهذا الكلام يناقض نظرية الاحتمال والصدفة، والحقيقية أنه ليست هناك صدفة ولكن هناك خلق وتصوير وتسوية بنان، ليست هناك صدفة ولكن هناك مشيئة الخالق الواحد الذي يعلم ولا نعلم من علمه إلا ما يشاء. لقد جاء في الموسوعة البريطانية ما ترجمته: "قام المشرحون الأوائل بشرح ظاهرة الأثلام في الأصابع، ولكن لم يكن تعريف البصمات معتبراً حتى عام 1880م عندما قامت المجلة العلمية البريطانية (الطبيعة: Nature) بنشر مقالات للإنكليزيين "هنري فولدز" و"وليم جايمس هرشل" يشرحان فيها وحدانية وثبوت البصمات، ثم أثبتت ملاحظتهم على يد العالم الإنكليزي "فرانسيس غالتون" الذي قدم بدوره النظام البدائي الأول لتصنيف البصمات معتمداً فيه على تبويب النماذج إلى أقواس، أو دوائر، أو عقد.

لقد قام نظام "غالتون" خدمة لمن جاء بعده، إذ كان الأساس الذي بنى عليه نظام تصنيف البصمات الذي طوره "إدوارد هنري" والذي أصبح "هنري" فيما بعد المفوض الحكومي الرئيسي في رئاسة الشرطة في لندن".

وذكرت الموسوعة البريطانية أيضاً: "أن البصمات تحمل معنى العصمة -عن الخطأ- في تحديد هوية الشخص؛ لأن ترتيب الأثلام أو الحزوز في كل إصبع عند كل إنسان وحيداً ليس له مثيل ولا يتغير مع النمو وتقدم السن.

وجه الإعجاز:

القرآن لم يذكر لا بصمات ولا جلد ولا أي شيء آخر غير العظام التي تتكون منها أطراف الأصابع والأصابع نفسها: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3، 4]. ومن هنا كان لابد من معرفة البشرية بأن هذا الرجل الأمي جاء في زمن لم تكن فيه هذه التقنيات والوسائل الحديثة فمن أين له كل هذه المعرفة بهذه الأمور الدقيقة؟ فلو أردت أن أتحدى شخصاً ينكر عليّ القدرة على تصميم شكل بعينه لقلت له: بل أنا قادر على ذلك بل أنا قادر على أن لا أترك فيه أي خلل ومن هنا كان كلامي عاماً ولم أتحداه بشيء خارج عن فهمه أما أن أذكر بنانه من دون سابق مناسبة كأن يكون المتحدي إنسان جاهل لا يعي ما البنان فهنا تكمن المعجزة حيث ذكرت لفظة ليس لي بها علم ولا للمتحدي كذلك، فإذا فهمت هذا كان ما بعده أيسر، فاختيار لفظة البنان في معرض الحديث عن قدرة الخالق في إحياء الموتى هي التي تعجز مدارك السامعين، ولو رجعنا لأقوال المفسرين لما وجدنا قولاً يطابق مدلول الآية ولا ما كشف عنه العلم الحديث وهذا يؤكد إن الذي نطق بها إنما نطق بوحي يوحى، وإن الذي نطق بها لا ينطق عن الهوى. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24]، وأعتقد أن شهود الأيدي والأرجل على الإنسان يوم القيامة هو آثار بصمات أصابع الأيدي والأرجل في الأماكن التي عصوا الله فيها.بعد أن أنكر كفار قريش البعث يوم القيامة وأنه كيف لله أن يجمع عظام الميت، رد عليهم رب العزة بأنه ليس قادر على جمع عظامه فقط بل حتى على خلق وتسوية بنانه، هذا الجزء الدقيق الذي يعرّف عن صاحبه والذي يميز كل إنسان عن الآخر مهما حصل له من الحوادث.

ويلاحظ أيضاً التوافق والتناغم التام بين القرآن والعلم الحديث في تبيان حقيقة البنان، ولهذا فلا غرابة أن يكون البنان إحدى آيات الله تعالى التي وضع فيها أسرار خلقه، والتي تشهد على الشخص بدون التباس فتصبح أصدق دليل وشاهد في الدنيا والآخرة، كما تبرز معها عظمة الخالق جل ثناؤه في تشكيل هذه الخطوط على مسافة ضيقة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات مربعة، وهذا ما دلت عليه الكشوف والتجارب العلمية منذ أواخر القرن التاسع عشر ترى أليس هذا إعجازاً علمياً رائعاً، تتجلى فيه قدرة الخالق سبحانه، القائل في كتابه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي

مراجعة/ عبد الحميد أحمد مرشد

_________________

(1) الدكتــور محمد السقا عيد.

(2) البصمة بين الإعجاز والتحدي، أخذا من موقع:

http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det&id=349

(3) تفسير القرطبي (85/ 19).

(4) البصمات وشخصية الإنسان، أخذا من موقع:

http://www.islampedia.com/ijaz/Html/Albasma.htm

(5) المرجع السابق

(6) علم البصمات للعقيد إبراهيم غازي بتصرف.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: