أدنى الأرض
عادل الصعدي
الثلاثاء 22 يناير 2013

أدنى الأرض

مقدمة:

لقد أيد الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأنواع من المعجزات؛ وكل ذلك لإقامة الحجة والبرهان على الناس، وأقوى تلك المعجزات هي القرآن الكريم، فقد اشتمل على أنواعٍ من البينات والبراهين، ومن ذلك إخباره عن بعض الحقائق العلمية في هذا الكون، فتارة يخبر عن أمر في أعماق البحار وتارة في باطن الأرض وتارة في أعالي السماء.

ولقد كان للأرض التي نعيش عليها نصيب من هذه الإخبارات العلمية، فقد أطلعنا القرآن الكريم على حقيقة علمية في سورة الروم عند قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّوم * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3].

وهي أن المنطقة التي التقى فيها الروم مع أعدائهم وهُزموا فيها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي أخفض منطقة على سطح الأرض.

وفي هذا البحث سنعرض هذه الحقيقة العلمية، ووجه الإعجاز فيها.

سبب نزول هذه الآيات:

إن سبب نزول هذه الآيات هو وقوع معركة بين مملكتي فارس والروم في منطقة قرب البحر الميت حيث انتصر فيها الفرس، وكان ذلك سنة 619م.

ولقد أصاب المسلمين الحزن نتيجة لانهزام الروم لأنهم أهل كتاب وديانة سماوية بينما الفرس مجوس وعبّاد للنار، فوعد الله تعالى المسلمين بأن الفرس ستُغلب في المعركة الثانية بعد بضع سنين وأن نصر الروم سيتزامن مع نصر المسلمين على المشركين.

والبضع هو ما بين الثلاثة إلى التسعة(1)، أو ما دون العشرة(2).

وقد تحقق ما وعد به القرآن الكريم بعد سبع سنوات أي ضمن المدة التي حددها من قبل، حيث وقعت معركة أخرى بين الفرس والروم سنة 626م وانتصر فيها الروم وتزامن ذلك مع انتصار المسلمين على مشركي قريش في غزوة بدر الكبرى(3).

مكان المعركة:

يقول المفسرون أن مكان المعركة هو بين أذرعات وبصرى(4)، ونُقِلَ عن ابن عباس والسدي ومقاتل أن مكان المعركة هو بين الأردن وفلسطين(5)، وعلى القول الثاني يكون غور الأردن هو مكان المعركة.

معاني (أدنى الأرض):

عند تصفح كتب التفسير نجد أنها تذكر معنى واحداً من معاني (أدنى)، وهو (أقرب)، فقالوا معنى الآية ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أقرب بلاد الشام للعرب أو أقرب بلاد الروم للعرب(6).

لكن هناك معانٍ أخرى لكلمة (أدنى)، فهي تأتي بمعنى (أقل) كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]، فقوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ بمعنى: ولا أقل من ذلك، لأن أقل تقابل أكثر(7).

وتأتي كلمة (أدنى) بمعنى (أخفض أو أسفل)، وجاء في معجم مقاييس اللغة: " الدال والنون أصلٌ واحد يدلّ على تطامُنٍ وانخفاض، فالأدَنُّ: الرجل المنحنِي الظَّهر، يقال منه قد دَنِنْتَ دَنَناً، ويقال بيتٌ أدنّ، أي متطامِنٌ، وفرسٌ أدَنّ، أي قصير اليدين، وإذا كان كذلك كان منْسجُهُ منْخفضاً ومن ذلك الدَّنْدَنَة، وهو أنْ تُسمَع من الرَّجل نَغْيَةٌ لا تُفْهَم؛ وذلك لأنّه يخفِض صوتَه بما يقوله ويُخفيه.

ومنه الحديث: «فأمَّا دَنْدَنَتُكَ ودندنةُ مُعاذٍ فلا نُحْسِنُهُمَا»(8)،(9).

ومن ذلك ما جاء في لسان العرب:

والأدنى: السَّفِلَ(10)، وجاء أيضاً في التهذيب: قال ابن السكيت: ويقال: لقد دنأت تدنأ، مهموز. أي سفلت في فعلك ومَجُنْتُ(11).

ومما يدعم هذا المعنى في هذا الموطن قراءة شاذة، فقد قرأ أُبيُّ بن كعب، والضحاك، وأبو رجاء، وابن السميفع: (في أَداني الأرض)(12)، وأداني الشيء هي أخافضه، والقراءة الشاذة يعتبرها بعض العلماء مفسرة للقرآن الكريم.

وقد استعمل الشعراء كلمة (أدنى) بمعنى أخفض في أشعارهم، ومن ذلك قول ابن قيم الجوزية في نونيته المشهورة:

لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن تفعل رجعت بذلة وهوان

لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحـ ـرم ذا وذا يا ذلة الحرمانِ

فالأدنى هنا بمعنى الأخفض؛ لأنها تقابل الأعلى.

وأتت كلمة (أدنى) بمعنى الوادي، ففي القاموس المحيط: الأدنيان وهما واديان(13).

ومن خلال هذا الاستعراض نجد أن المعنى الذي يناسب قوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم:3] هو: في أخفض الأرض.

وأما الاعتراض على هذا المعنى بأن المفسرين لم يشيروا إليه، فهو اعتراض غير صحيح؛ لأنه معنى تحتمله اللغة، واللغة هي المرجع الذي يرجع إليه المفسرون في تفسيرهم بعد التفسير بالمأثور، وقد درج الصحابة رضوان الله عليهم على تتبع لهجات العرب من خلال الاستماع إلى أشعارهم وكلامهم والاستفادة منها في تفسير القرآن الكريم والسنة النبوية، وسار على هذا النهج من جاء بعدهم من العلماء.

وأما الاعتراض بأن معاجم اللغة العربية لم تذكر هذا المعنى فهو اعتراض غير صحيح؛ لأن المعاجم لم تشمل كل اللغة بل اشتملت على معظمها، بدليل الاختلاف بين هذه المعاجم من حيث المادة الموجودة والحجم، فكيف إذا كان هذا المعنى منصوصاً عليه في المعاجم، فقد ذكرت المعاجم أن من معاني (الأدنى) السَّفِلَ، وكذلك الوادي كما جاء في القاموس المحيط، وكل هذا يدل على ورود هذا المعنى في المعاجم اللغوية.

وأضف إلى هذا استعمال الشعراء لهذا المعنى بدون غضاضة في أشعارهم كما رأينا سابقاً.

وكل هذا يؤكد أن تفسير كلمة (الأدنى) بالأخفض أو الأسفل يعتبر تفسيراً صحيحاً ولا مانع منه، بل هو التفسير الذي يناسب هذا السياق المشتمل على الإعجاز الغيبي، فناسب إرداف هذا الإعجاز بإعجاز من نوع آخر، والله أعلم.

(أدنى الأرض) في العلوم الحديثة:

ثبت علمياً بقياسات عديدة أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضاً هو غور البحر الميت، ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضاً، حيث يصل مستوى منسوب سطحه إلى حوالي أربعمائة متر تحت مستوى سطح البحر، ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلى قرابة الثمانمائة متر تحت مستوى سطح البحر، وهو بحيرة داخلية بمعنى أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءاً من اليابسة، وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلى بحيرة طبريا، فالحدود الجنوبية لتركيا، مروراً بالبحر الأحمر، وخليج العقبة، ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي، وبحر العرب وخليج عدن، ويبلغ طول أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ بالأردن حوالي الستمائة كيلومتر، ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلى بحيرة طبريا في الشمال، ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترا.

ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضاً حيث يصل منسوب سطح الماء في البحر الميت إلي402 متراً تحت المستوى المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين: الأحمر والأبيض المتوسط، وهو أخفض منسوب أرضي على سطح اليابسة(14).

وجه الإعجاز:

اشتملت سورة الروم على إعجاز غيبي يتمثل في الإخبار عن أن الروم الذين هُزموا على أيدي الفرس سوف تكون لهم الغلبة والكرّة وأن هذا الانتصار سيكون في مدة لا تتعدى التسع السنوات، وفعلاً لم تمضِ هذه المدة حتى علت راية الروم على الفرس وغلبوهم واستردوا أراضيهم التي استولى عليها الفرس، فكان هذا سبباً في إسلام كثير من الناس الذين كانوا يترقبون تحقق هذه النبوءة القرآنية.

ومع هذا الإعجاز الغيبي، فقد جاء الإخبار عن حقيقة علمية هامة، وهذه الحقيقة هي أن الأرض التي التقى فيها الروم مع الفرس وهُزم فيها الروم هي أخفض منطقة على سطح الأرض. ومن خلال أقوال المفسرين والمصادر التاريخية فقد كان هذا اللقاء بين الأردن وفلسطين، وهو ما يسمى غور الأردن.

وهذا هو ما أثبته العلم في هذا العصر، فغور الأردن هو أخفض منطقة على سطح الأرض، ولم يتوصل العلم لهذه الحقيقة إلا في هذا العصر، ولم يكن هذا الاكتشاف مقدوراً عليه إلى وقت قريب فضلاً عن أن يعرفه أحد أو يخبر به قبل ألف وأربعمائة عام.

فكان الإخبار عن هذه الحقيقة سبقاً علمياً للقرآن الكريم، مما يدل على أن هذا القرآن هو كلام الخالق سبحانه الذي خلق كل شيء وأحاط علمه بكل شيء، وأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم الذي تلقى هذا الوحي هو رسول الله الخاتم الذي كان موصولاً بالوحي الإلهي.

إعداد: عادل الصعدي

مراجعة: علي عمر بلعجم

________________________

(1) لسان العرب 9/ 342.

(2) تفسير الطبري 7/ 219.

(3) تفسير الطبري 10/ 162، تفسير ابن كثير3/ 560.

(4) تفسير الطبري 10/ 162، تفسير ابن كثير 3/ 560، تفسير البغوي 1/ 259.

(5) الكشاف للزمخشري 1/ 959، روح المعاني للآلوسي 21/ 17.

(6) تفسير الطبري 10/ 162، تفسير ابن كثير 3/ 560، تفسير البغوي 1/ 259.

(7) تفسير الطبري 23/ 237.

(8) سنن أبي داود2/ 446، برقم: 672، وسنن ابن ماجه3/ 158، وصححه الألباني في صحيح الكلم الطيب1/ 108، برقم: 104.

(9) معجم مقاييس اللغة2/ 261.

(10) لسان العرب 14/ 271، تهذيب اللغة 4/ 482.

(11) تهذيب اللغة 4/ 481.

(12) الكشاف للزمخشري 5/ 233، زاد المسير 5/ 89، تفسير أبي السعود 5/ 270، روح المعاني للآلوسي 21/ 17، المحرر الوجيز 5/ 240، هيمان الزاد 10/ 353.

(13) القاموس المحيط 3/ 420.

(14) أدنى الأرض للدكتور زغلول النجار.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: