أصل الماء
قسطاس إبراهيم النعيمي
الثلاثاء 22 يناير 2013

أصل الماء

مقدمة:

الماء مادة الحياة التي لا غنى لأحد عنه، خلقه الله لعباده وسخره لهم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10].

ولقد ذكر الله تعالى الماء في القرآن الكريم منكراً "ماء" 33 مرة، وذكره معرفاً "الماء" 16مرة، وما هذا التكرار لذكر الماء إلا لأهميته، ووصف الله الماء على أنه مبارك أي أنه كثير العطاء، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: 9].

وذكر الله تعالى أن إنزاله الماء من السماء وإحيائه الأرض بعد موتها هو دليل وآية على وجود الله قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ والنهار والفلك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّر ِبَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لقوم يعقلون﴾ [البقرة: 164].

وأمتن الله على الكافرين بأن جعل من الماء كل شيء حي قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].

وذكر الله الماء بأنه من نعيم الجنة وأن أهل النار يعذبون بحرمانهم منه قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 50-51].

كما ذكر الله الماء على أنه جند من جنود الله يهلك به الظالمين قال تعالى: ﴿كذبت قبلهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فدعا ربه أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كان كفر * وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كان عذابي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر﴾ [القمر: 9-17].

وذكر الله إحدى فوائد الماء وهي التطهير قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّل عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْز الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11].

وفي هذه الصفحات سنتعرف على أصل الماء الذي بين أيدينا من خلال الكتاب ومقارنة ذلك بعلوم العصر التي توصل إليها العلماء اليوم.

النصوص التي تخبر بأن الماء من الأرض:

1- قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: 31،30].

2- وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: 48].

بعض أقوال المفسرين:

القرآن يشير إلى أن أصل الماء كله من الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: 31،30]، وننقل هنا تفاسير بعض علماء المسلمين التي تنص على أن أصل الماء إنما هو من الأرض.

يقول ابن كثير: دحى بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعاً فيها من المياه فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها(1).

وقال الشوكاني: أخرج منها ماءها ومرعاها: أي فجر من الأرض الأنهار والبحار والعيون(2).

أما صاحب الظلال فقد تفتحت له رؤية إيمانية من خلال الآية، وحاول أن يذكّر العباد بأن هذا المطر إنما هو من نعم الله علينا، حيث أنشأه على تلك الصورة بعد أن تصاعد من الأرض فقال: والحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر، إما مباشرة، وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض، ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه، ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة الله الممثلة فيه إدراكاً صحيحاً كاملاً، وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه، وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب، ويستبشرون بها، ويحسون فيها رحمة الله ـ إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان(3).

أهمية الماء للحياة على الأرض:

كوكب الأرض هو أحد كواكب المجموعة الشمسية الذي تقدر كمية الماء على سطحه بنحو1،4بليون كيلومتر مكعب، ويتوزع أغلب هذا الماء (97،22%) في البحار والمحيطات، ويتجمد أغلب الباقي (في حدود2،15%) على هيئة سُمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض، وعلى قمم الجبال، وما بقي بعد ذلك ونسبته لا تكاد تتعدي (0،63%) من مجموع ماء الأرض يتوزع بين الماء المختزن تحت سطح الأرض (وتبلغ نسبته(0،613%)، والمخزون في البحيرات الداخلية، والجاري في الأنهار والجداول، والمتمثل في رطوبة كل من التربة والجو(ونسبته في حدود0.027%).

ويغطي ماء الأرض حالياً نحو (71%) من مساحة سطحها المقدرة بنحو (510 ملايين كيلومتر مربع)، بينما تشغل اليابسة حوالي (29%) من تلك المساحة فقط(4).

والماء سائل شفاف، وهو في نقائه لا لون له، ولا رائحة، ولا طعم، ويتركب جزيء الماء من ذرتين من ذرات غاز الهيدروجين، وذرة واحدة من ذرات غاز الأوكسجين، وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان فيما بينهما زاوية قدرها (105 من الدرجات).

وقد جعل ذلك لجزيء الماء قطبين كهربيين يحمل أحدهما شحنتين موجبتين، ويحمل الآخر شحنة سالبة مكافئة، وهذه الخاصية وفرت للماء -بأمر الله- من الصفات الطبيعية والكيميائية ما جعل منه أقوى مذيب معروف، وبالتالي جعله من أهم ضرورات الحياة، فأجساد الكائنات الحية يغلب على تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الإنسان بين(71%) في الإنسان البالغ و (93%) في الجنين ذي الأشهر المعدودة.

هذا بالإضافة إلى أن جميع الأنشطة الحيوية من مثل الأيض والتمثيل الضوئي لا يمكن أن تتم في غيبة الماء في أجساد كل من النبات والحيوان والإنسان. فالنبات على سبيل المثال يأخذ غذاءه من التربة عن طريق ما بها من عناصر ومركبات ذائبة في الماء، وهذه العصارة الغذائية يمتصها النبات بواسطة شعيراته الجذرية، فترتفع في الأوعية الخشبية للنبات بقدرة خاصة أعطاها الله تعالى للماء تعرف باسم الخاصية الشعرية، تعين العصارة الغذائية على الارتفاع إلى أعلى في داخل النبتة حتى تصل إلى قمتها مهما كان ارتفاعها، وخاصية ثانية تعرف باسم التوتر السطحي تعين الماء على التماسك في أسطح أفقية فلا ينهار منها بسهولة.

وبعد الاستفادة بالقدر اللازم من الماء، يطلق النبات الزائد عن حاجته إلى الجو بالبخر بعدد من العمليات الحيوية التي أهمها النتح، وبالمثل فإن كلاً من الإنسان والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام والشراب، ويطرد الزائد عن حاجته بواسطة عدد من العمليات الحيوية التي أهمها التنفس، العرق، الدموع، الإخراج، وغيرها(5).

نظريات العلماء حول أصل ماء الأرض:

ظهرت العديد من النظريات لتفسير أصل الماء على سطح الكرة الأرضية، ومن هذه النظريات:

أ. نظرية المنشأ الكوني:

تتلخص هذه النظرية بأن الماء أتى إلى الأرض من الفضاء الخارجي، وتفيد بأن هناك تيارات من الأشعة الكونية تتحرك دائماً في الفضاء الكوني مكّونة من جسيمات ذات طاقة ضخمة جداً، تحتوي على نوى ذرات الإيدروجين، أي على البروتونات، ولدى حركة كوكب الأرض أثناء دورانه حول نفسه وحول الشمس تخترق هذه البروتونات جو الأرض، وتحصل على الإلكترونات الضرورية، وتتشكل ذرة الهيدروجين، حيث تتفاعل مباشرة مع الأوكسجين مشكلة جزيئات على ارتفاعات كبيرة، وفي ظل درجات حرارة منخفضة، تتكاثف على جسيمات من الغبار الكوني مكونة سحباً فضية، حيث يعتقد العلماء أيضاً بأن الماء المتشكل بهذه الطريقة خلال التاريخ الطويل الذي مرت به الكرة الأرضية أثناء تشكلها يكفي لملء المحيطات كافة على سطح هذه الأرض(6).

ب. نظرية المنشأ الأرضي:

تتخلص هذه النظرية بأن الصخور المكونة للطبقة الواقعة بين نواة الأرض والقشرة الأرضية (طبقة السيما) كانت تنصهر في بعض المواقع تحت تأثير الحرارة الناشئة عن التفكك الإشعاعي للنظائر المشعة، حيث تنطلق منها مكونات طيارة كالأوزون والكلور ومركبات الكربون المختلفة والكبريت، وأكثرها أبخرة الماء، وكانت هذه المكونات تقذف إلى الطبقات السطحية أو على السطح بواسطة الثورات البركانية خلال تاريخ الأرض الطويل، وتكفي هذه الكمية لملء جميع المحيطات على سطح الكرة الأرضية(7).

ولقد تضاربت آراء العلماء حول أصل الماء على سطح الأرض تضارباً كبيراً، ولم يحاول أحدهم ربط ذلك بماء المطر على الرغم من وضوح ذلك. ففي الحضارة اليونانية القديمة اقترح أفلاطون (428 ـ348 ق.م.) وجود خزانات جوفية هائلة على هيئة عدد من الممرات والقنوات تحت سطح الأرض تقوم بتغذية جميع أشكال الماء على سطح الأرض من جداول وأنهار، وبحيرات وبحار ومحيطات وغيرها، وتخيل أن هذا الخزان المائي الهائل ليس له قاع إذ يتخلل الأرض كلها، وأن الماء يمور فيه بصفة مستمرة.

أما أرسطو(385 ـ322 ق.م) فقد رفض هذه الفكرة على أساس أن مثل هذا الخزان لابد أن يكون أكبر من حجم الأرض لكي يتمكن من الإبقاء على جميع الأنهار متدفقة، ونادى بأن هواءاً بارداً في داخل الأرض يتحول إلى الماء كما يتحول الهواء البارد حول الأرض، واقترح أن تضاريس الأرض العالية تعمل عمل قطع الإسفنج الهائلة حيث تتشبع بهذا الماء المتكون في داخل الأرض من تكثف الهواء الجوفي البارد، وأنها تقطر هذا الماء فتغذي به الأنهار والجداول والينابيع(8).

كذلك نادى فيزوفيوس في القرن الأول الميلادي (وهو من مفكري الحضارة الرومانية) بأن الأودية بين الجبال أكثر حظاً من الجبال في غزارة ماء المطر، وأن الثلج يبقى فوق الأرض لفترة أطول في المناطق المكسوة بالغابات الكثيفة، وأنه عند انصهاره يتحول إلى ماء فيتخلل فتحات الأرض، ويصل في النهاية إلى أسافل الجبال التي تسيل منها الجداول وتتدفق.

وظل العديد من العلماء حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي مقتنعين بفكرة الكهوف الكبيرة في داخل الأرض كمصدر رئيسي لماء الأنهار، أو أن الماء المتجمع تحت سطح الأرض يأتي من البحر.

وقد لخص هذه الآراء الخاطئة عالم أوروبي باسم أثناسيوس كيرثر (1602-1680 م) مفترضاً أن البحر مرتبط بجبال جوفاء تتدفق منها الأنهار والجداول.

ولم يستطع أحد من علماء الغرب ومفكريه تصور إمكانية أن تكون زخات المطر المتفرقة على مدار السنة كافية لإبقاء الأنهار وغيرها من مجاري الماء متدفقة به على مرور الزمن على الرغم من أن فرنسياباسم برنارد باليسي(1510 م-1590م) كان قد أعلن أن الأنهار والينابيع لا يمكن أن يكون لها مصدر غير ماء المطر، وأشار إلى أن الماء تبخره حرارة الشمس، وتحمل الرياح الجافة التي تضرب الأرض هذا البخار فتتشكل السحب التي تتحرك في كل الاتجاهات كالبشائر التي يرسلها الله، وعندما تدفع الرياح تلك الأبخرة يسقط الماء فوق أجزاء من الأرض، وعندما يشاء الله تذوب تلك السحب التي ليست سوى كتلة من الماء، وتتحول إلى مطر يسقط على الأرض، وعندما يواصل هذا الماء نزوله من خلال شقوق الأرض ويستمر في النزول حتى يجد منطقة مغلفة بالصخور الكثيفة فيستقر عندها على هيئة مخزون فوق هذا القاع الذي يتدفق منه الماء عندما يجد فتحة توصله إلى سطح الأرض على هيئة ينابيع أو جداول أو أنهار.

وواضح أن باليسي هذا قد نقل هذا الكلام عن ترجمات معاني القرآن الكريم التي كانت قد توافرت للأوروبيين في زمانه، أو عن بعض كتابات المسلمين التي قام الأوروبيون بترجمتها في بدء عصر النهضة الأوروبية إلى كل من اللاتينية واليونانية بعد نهبها من المكتبات الإسلامية في كل من الأندلس وإيطاليا وصقلية، أو خلال الحروب الصليبية، وذلك لوضوح النبرة الإسلامية في كتابته(9).

وفي الوقت الذي تضاربت فيه آراء العلماء حول أصل ماء الأرض جاء القرآن الكريم مؤكداً أن الله تعالى قد أخرج كل ماء الأرض من داخلها، ودوره بين الأرض والسماء في عملية مستمرة دائمة من أجل تطهيره وإنزاله ماء طهوراً على هيئة المطر والبَرَد ليجري على سطح الأرض في أشكال وهيئات متعددة، تلعب أدواراً مهمة في تشكيل سطح الأرض، وشق الفجاج والسبل فيه، وتفتيت صخوره، وتكوين تربته، وتركيز ثرواته، وتوفير قدر من الرطوبة في كل من التربة والأجزاء السفلى من الغلاف الغازي للأرض.

والعرب في شعرهم الجاهلي أشاروا إلى هذه الحقيقة الطبيعية، فقال شاعرهم أبو ذؤيب الهُذلي في وصف عن السحب: كالبحر يمطره السحاب وما له فضل عليه لأنه من مائه، وهذه حقيقة أصبحنا نشاهدها بأعيننا حين نركب الطائرات؛ فتعلو بنا فوق السحاب، فربما تكون الأرض ممطرة، ونحن نشاهد الشمس ساطعة مشرقة فوق السحاب، فإذا أردنا الهبوط اخترقنا السحاب لننزل إلى الأرض.

وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: 48] وأمثالها من الآيات فلها تأويلان:

أحدهما: أن معنى من السماء: من جهة السماء.

وثانيهما: أن السماء يُقصَد بها السحاب، بناء على أن السماء عند العرب: كل ما علاك، وفيه جاء قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15]، فالمراد بالسماء هنا: السقف(10).

وجه الإعجاز:

مما تقدم يتضح بجلاء أن القرآن الكريم قد وصف في عدد من آياته حقيقة إخراج كل ماء الأرض-على كثرته- من داخل الأرض، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، كما وصف دورة الماء حول الأرض بدقة علمية فائقة وأثبت أن مختلف صور الماء على سطح الأرض ناتج من هذه الدورة المائية التي يطهر بها ربنا تبارك وتعالى هذا السائل المهم والذي يعتبر ضرورة من ضرورات الحياة بطريقة مستمرة عن طريق تبخيره إلى الغلاف الغازي المحيط بالأرض ثم تكثيفه منه وإنزاله ماء طهوراً بتقدير من الله تعالى وحسب مشيئته وإرادته.

وهذه حقائق لم يصل إليها علم الإنسان إلا بعد نزول القرآن الكريم بأكثر من عشرة قرون على الأقل، ولم تثبت علمياً إلا في خلال القرون الثلاثة الماضية، وحتى وصولها في هذا التاريخ إلى علم الإنسان يعتقد أن مصدره كان القرآن الكريم، وأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم التي نقلت إلى الحضارة الغربية عبر عمليات الترجمة من التراث الإسلامي في كل من بلاد الأندلس، وصقلية، وإيطاليا، وبلاد الشام في أثناء الحروب الصليبية(11)، ولعل في هذا كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فإن هذه إشارة من الإشارات، والحر تكفيه الإشارة، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 93].

إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي

مراجعة: علي عمر بلعجم

________________________

(1) تفسير ابن كثير 1/ 102.

(2) فتح القدير 5/ 534.

(3) في ظلال القرآن 5/ 323.

(4) الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزى دلالتها العلمية بقلم الدكتور: زغـلول النجـار http://www.islamicmedicine.org/zaghlool/50.htm

(5) المرجع السابق.

(6) موقع: http://alhamriyah.com/vb/showthread.php?t=72

(7) المرجع السابق

(8) الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزى دلالتها العلمية بقلم الدكتور: زغـلول النجـار

http://www.islamicmedicine.org/zaghlool/50.htm

(9) المرجع السابق.

(10) موقع:

http://www.islamonline.net/Arabic/Karadawy/part3/2003/12/article06.shtml

(11) الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزى دلالتها العلمية بقلم الدكتور: زغـلول النجـار

http://www.islamicmedicine.org/zaghlool/50.htm

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: