مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز الفلكي
   
الشمس والقمر بحسبان
الشمس والقمر بحسبان
قسطاس إبراهيم النعيمي
الثلاثاء 22 يناير 2013

الشمس والقمر بحسبان

الشمس والقمر آيتان من آيات الله الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى الدالة على وجوده وقدرته وعظمته وملكه وحكمته، كنت في ليلة من الليالي جالساً مع مجموعة من الأصدقاء، فأخرج أحدهم ورقة ملفوفة من جيبه، وقال انظروا إلى هذه الصورة العجيبة؛ فنظرنا فإذا بها صورة جذع على هيئة إنسان راكع أو بهيئة ركوع، فاندهش الجميع، وتعجبنا لقدرة الله العظيم، كيف سخر هذا الجذع ليذكرنا بالركوع له سبحانه وتعالى إظهاراً لخضوعنا لما أنعم به علينا من النعم.

ولكن سرعان ما تداركت الأمر وقلت لهم عندي آية أعظم من هذه؛ سأريكم حجراً كبيراً جداً يطير في السماء ولا يسقط وهو مع هذا يضيء؛ فقالوا أين وكيف ومتى؟ فقلت: انظروا إلى السماء ولاحظوا هذا القمر البديع أليس من خلق الله أليس هو يطير ولا يسقط ويضيء؟ فسبحان الله أولاً وآخراً على هذه الآيات الدالة على أنه الواحد الأحد الذي لا ينازعه في صفاته ولا ملكه أحد من خلقه.

ولعل السبب في هذا الاندهاش الذي يحصل هو ما يعتري البشر من الغفلة والنسيان وإلا فإن كل ما تراه أعيننا وتسمع به آذاننا إنما هو آية دالة على الله سبحانه، كما وقد ذكرت ذلك آنفاً، وهذا مصداق لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: 3-5].

ولما كانت الشمس والقمر من مخلوقات الله كان حرياً بكل مؤمن أن يقف وقفة تأمل ودراسة وتدبر لهذه الكواكب التي سخرها لنا الخالق الرحيم، ولنتأملها مع نظرة علمية حديثة تبين لنا ما توصل إليه علماء العصر من آيات تجمع التأمل والتفكر مع روعة العلم: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: 28]، هذا العلم الذي آتاه الله عباده ومنَّ به عليهم ليكونوا شاهدين على أن هذا القرآن هو من عند الله.

الحساب في اللغة:

جاء في لسان العرب: الحِسابُ والحِسابةُ عَدُّك الشيءَ وحَسَبَ الشيءَ يَحْسُبُه بالضم حَسْباً وحِساباً وحِسابةً عَدَّه، وحَسِبْتُ الشيءَ أَحْسَبُه حِساباً وحَسَبْتُ الشيءَ أَحْسُبُه حِسْباناً وحُسْباناً وقوله تعالى: ﴿واللّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أَي حِسابُه واقِعٌ لا مَحالَة وكلُّ واقِعٍ فهو سَرِيعٌ (1).

الحساب والقرآن الكريم:

جاءت ألفاظ الحساب أو الحسبان في القرآن الكريم بألفاظ متعددة منها: لفظ مواقيت، حسبان، حساب، كما في الآيات الآتية: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189].

وقال الله تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96].

وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5].

وقال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5].

أقوال علماء الإسلام:

تقدم ذكر أربع آيات جاء فيها الحساب، فلننظر فيما قاله أهل العلم حول هذه الآيات:

1. قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96] وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5]، قال أبو جعفر: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب وعدد لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما ويدوران لمصالح الخلق التي جعلا لها(2).

وقال القرطبي: أي يجريان بحساب معلوم فأضمر الخبر، قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك أي يجريان بحساب في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها، وقال ابن زيد وابن كيسان يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئاً لو كان الدهر كله ليلاً أو نهاراً، وقال السدي (بحسبان) تقدير آجالهما أي تجري بآجال كآجال الناس فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الرعد: 2].

وقال الضحاك بقدر، وقال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى يعني قطبها يدوران في مثل القطب(3)، وفي تفسير أبي السعود: أي يجريان بحساب مقدر في بروجهما ومنازلهما بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون الحساب(4).

وقال ابن كثير: أي يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصراً كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5].

وكما قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54](5).

وقال الآلوسي: والمراد كل من الشمس والقمر في فلك، والجمهور على الأول وجريان الشمس والقمر مما لا ينبغي أن يشك فيه.

وفلاسفة العصر كانوا يزعمون أن الشمس لا تجري أصلاً، وأن القمر يجري على الأرض والأرض تجري على الشمس، وقد سمعنا أنهم عدلوا منذ أعوام عن ذلك فزعموا أن للشمس حركة على كوكب آخر، وهذا يدل على أنهم لم يكن عندهم برهان على دعواهم الأولى كما كان يقوله من كان ينتصر لهم، والظاهر أن حالهم اليوم بل وغداً مثل حالهم بالأمس ونحن مع الظواهر حتى يقوم الدليل القطعي على خلافها وحينئذ نميل إلى التأويل وبابه واسع(6).

2. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189].

قال الطبري: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم ولحجهم ومناسكهم وعدة نسائهم وحل ديونهم(7).

وقال النسفي: أي معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته(8).

وقال الآلوسي: مواقيت للناس والحج مطابقاً مبيناً للحكمة الظاهرة اللائقة بشأن التبليغ العام المذكرة لنعمة الله تعالى ومزيد رأفته سبحانه، وهي أن يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم الدنيوية ويعلمون أوقات زروعهم ومتاجرهم ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها كالصيام والإفطار وخصوصاً الحج، فإن الوقت مراعى فيه أداءاً وقضاءاً، ولو كان الهلال مدوراً كالشمس أو ملازماً حالة واحدة لم يكد يتيسر التوقيت به ولم يذكر صلى الله تعالى عليه وسلم الحكمة الباطنة لذلك مثل كون اختلاف تشكلاته سبباً عادياً أو جعلياً لاختلاف أحوال المواليد العنصرية كما بين في محله لأنه مما لم يطلع عليه كل أحد(9).

المعنى العلمي للنص الكريم:

من معاني تسخير كل من الشمس والقمر ضبط حركة كل منهما لما فيه صلاح الكون واستقامة الحياة علي الأرض.

ومن معاني أن كلاً منهما يجري إلى أجل مسمى: أن الكون ليس بأزلي ولا بأبدي، بل كانت له في الأصل بداية تحاول العلوم المكتسبة تحديدها، وكل ماله بداية لابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية؛ لها من الشواهد الحسية في كل من الشمس والقمر ما يؤكد علي حتميتها(10).

تسخير الشمس والقمر:

مما امتن الله به على خلقه أن سخر لهم جميع ما في السموات وما في الأرض وهذا ما قاله ربنا في كتابه العزيز: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13] هذا التسخير العجيب والذي يشهد به من له أدنى عقل إنما هو تكريماً لنا نحن بني آدم؛ بل هو تكريم لكل من وجد على هذه الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: 70].

ومن هذه المخلوقات المسخرة لنا الشمس والقمر، قال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2].

ولندع أهل العلم يبينوا لنا بعض المعلومات حول الشمس والقمر من منظور علمي:

الشمس هي أقرب نجوم السماء إلى الأرض التي تبعد عنها بمسافة مائة وخمسين مليون كيلو متر في المتوسط; والشمس نجم عادي، متوسط الحجم على هيئة كرة من الغاز الملتهب يبلغ قطرها1،400،000 كيلو متر، وحجمها142ألف مليون مليون كيلو متر مكعب، ومتوسط كثافتها1،4 جرام للسنتيمتر المكعب، ولذلك تقدر كتلتها بنحو ألفي تريليون تريليون طن. ويمثل ذلك حوالي99% من كتلة المجموعة الشمسية كلها(11).

والشمس عبارة عن فرن نووي كوني عملاق عمره أكثر من عشرة بلايين من السنين، يرتفع الضغط في داخله إلى ما يساوي أربعمائة مليار ضغط جوي؛ وبذلك تبدأ عملية الاندماج النووي بين نوى ذرات الإيدروجين منتجة نوى ذرات الهيليوم وتنطلق الطاقة التي ترفع درجة حرارة لب الشمس إلى أكثر من 15 مليون درجة مطلقة تتناقص بالتدريج إلى حوالي ستة آلاف درجة مطلقة عند سطحها، وإن تجاوزت المليون درجة في ألسنة اللهب المندفعة من داخلها.

ونظراً للجاذبية الرهيبة التي تحدثها كتلة الشمس الهائلة على مكوناتها فإنها تتجاذب كلها في اتجاه المركز تجاذباً تنتج عنه ضغوط هائلة ترفع درجة حرارة لب الشمس إلى المستوى الذي يسمح ببدء واستمرار عملية الاندماج النووي فيه.

ونظرا للتوازن الدقيق بين جاذبية الشمس لمكوناتها في اتجاه مركزها، ودفع تلك المكونات بعيداً عن المركز بواسطة القوى الناتجة عن تمدد الغازات المكونة لها بفعل الحرارة الفائقة في مركزها، فقد بقيت الشمس مستمرة في الوجود تحت هذا التوازن العجيب على مدى عشرة بلايين من السنين (على أقل تقدير) وإلى أن يرث الله -تعالى- الكون ومن فيه; ولولا هذا التوازن الدقيق لانفجرت الشمس كقنبلة نووية عملاقة، أو لانهارت على ذاتها تحت ضغط جاذبيتها خاصة أنها مجرد كرة ضخمة من الغازات.

وعلى ذلك فإن تقدير حجم وكتلة الشمس بهذه الدقة البالغة هو الذي مكنها من تحقيق هذا التوازن الدقيق بين قوى الدفع إلى الخارج، وقوى التجاذب إلى الداخل، ومن البقاء في حالة غازية أو شبه غازية، ملتهبة، متوهجة بذاتها، ولو تغير حجم وكتلة الشمس ولو قليلاً لتغير سلوك مادتها تماما، أو انفجرت أو انهارت على ذاتها، وذلك لأن السبب في اندلاع عملية الاندماج النووي في قلب النجم وانطلاق الطاقة منه هو تكونه من كتلة وحجم معينين يحافظان على الاتزان الدقيق بين التمدد والتجاذب، وهل هناك من التسخير صورة أبلغ من ذلك؟(12).

تسخير القمر:

والقمر هذا الذي نراه في كبد السماء هو الآخر مسخر لنا كما بينا ذلك، ولكن لننظر تسخيره لنا من وجهة نظر علماء الفلك:

يأخذ القمر نوره من أشعة الشمس، ثم يعود فيعكس على الكرة الأرضية، بحيث ترى الأرض دائماً نفس الوجه من القمر.

ويبعد القمر عن الأرض 356410كم، ويصل بعده في أدنى اقتراب من الأرض 356400كم، وسرعته على مداره 3680 كم في الساعة، وحرارته القصوى 117 مئوية، وحرارته الدنيا 162.7 تحت الصفر. وأعلى جبل فيه هو قمة ديورفيف في القطب الجنوبي للقمر، ويبلغ ارتفاعه 10.5كم بالنسبة إلى سطحه(13).

والقمر تابع صغير للأرض، وهو على هيئة شبه كرة من الصخر، يقدر قطرها بحوالي 3474 كيلو مترا، ومساحة سطحها بحوالي 38 مليون كيلو متر مربع، وحجمها بحوالي 22 مليون مليون كيلو متر مكعب، ومتوسط كثافتها بحوالي 3،34 جرام للسنتيمتر المكعب، وكتلتها بحوالي 735 مليون مليون طن، ويدور القمر حول الأرض في مدار شبه دائري يقدر طوله بحوالي 2،4 مليون كيلو متر بسرعة متوسطة تقدر بحوالي كيلو متر واحد في الثانية ليتم دورته الاقترانية حول الأرض في حوالي 29،5 يوم من أيام الأرض، هي الشهر القمري الاقتراني للأرض(14).

إن كلاً من منازل القمر، وأطواره المتتالية والتي يحددها مساحة وشكل الجزء المرئي من سطح القمر المنير وهو يتزايد سعة من الهلال الوليد حتى يصل إلى البدر الكامل، ثم يبدأ في التناقص حتى يصل إلى الهلال الأخير ومن بعده يدخل في طور المحاق لمدة يوم أو يومين إلى ميلاد الهلال الجديد يمكن تقسيم الشهر القمري إلى أسابيع متتالية وتقسيم كل أسبوع إلى أيام متتابعة بدقة فائقة.

وسطح القمر معتم تماما، وعلى الرغم من ذلك فإن الله تعالى قد أعطاه القدرة على عكس ما قيمته 7،3% من أشعة الشمس الساقطة عليه، وبذلك ينير سماء الأرض بمجرد غياب الشمس، وذلك بمراحله المتتالية من الهلال الوليد، إلى ميلاد الهلال الجديد في أول الشهر التالي، وعلى ذلك فإن القمر في دورته الشهرية حول الأرض قد سخره ربنا تبارك وتعالى مصدراً للنور في ليل الأرض.

كما أن له دوراً في عمليتي المد والجزر وهما قوتان من قوى الأرض يعملان على تفتيت صخور الشواطئ، وتكوين أنواع عديدة من الرسوبيات والصخور الرسوبية على طول تلك الشواطئ، كما تعملان على تركيز العديد من الثروات المعدنية في رمالها.

هذا قليل من كثير من صور التسخير التي أعدتها الإرادة الإلهية بحكمة بالغة لكي يكون كل من الشمس والقمر لبنات صالحة في بناء الكون وفي انتظام حركة الحياة على الأرض وآيات تذكرنا بقدرة الخالق وعظمته(15).

منازل القمر:

من الجدير بالذكر أن نبين دور القمر في تكوين ما يسمى بالمنازل، والتي بسببها نحصل على تلك الظاهرة العجيبة لو تدبرناها، ألا وهي ظاهرة تحول القمر في السماء من هلال إلى بدر وبالعكس، ولعل أقل ما يمكن أن نستنتجه أو نلاحظه من هذه الظاهرة هو ذلك التنسيق العجيب والروعة الفائقة في تشكل تلك اللوحة المبهرة في جو السماء، إضافة للدور الذي تلعبه تلك الظاهرة في علم الفلك والحساب، وربما يكتشف العلماء في يوم من الأيام دور تلك المناظر الخلابة -لمن تمعن فيها- في علاج الأمراض النفسية لكثير من المرضى بمجرد التأمل مع شيء من الخلوة والتفكير بعيداً عن صخب الحياة وضوضاء الناس.

لنعود إلى القمر ومنازله يقول الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5].

يتحرك القمر باعتباره تابعاً للأرض، حول الأرض فيتم دورته حولها في مدة تقارب 29.5 يوماً، وهو ما يسمى بالشهر القمري أو العربي، لتفريقه عن الشهر الشمسي أو الغربي، الذي مدته حوالي 30.5 يوماً، وهو مشتق من حركة الأرض حول الشمس، التي تتم في اثني عشر شهراً شمسياً، وتقدر بحوالي 365 يوماً، وهي السنة الشمسية، أما السنة القمرية التي تعادل اثني عشر شهراً قمرياً فتقدر بحوالي 354 يوماً(16).

ولو كانت الأرض لا تدور حول نفسها، لرأينا القمر يسير ببطء زائد، حتى أنه يدور دورة واحدة فقط حول الأرض في مدة 29.5يوماً، ولكن حركة الأرض حول نفسها تجعلنا لا نلحظ مقدار حركة القمر الصحيحة إلا إذا راقبناه يومياً في نفس الوقت، مثلاً عند الغروب، فبمقدار ما يكون قد علا على الأفق يكون مقدار مسيره الحقيقي. وبما أنه يتم دورته الكاملة في حوالي 30يوماً، وهي تعادل على الأرض 24ساعة، إذن يتأخر غروب القمر كل يوم عن اليوم السابق بمقدار 30/ 24من الساعة أي 5/ 4 الساعة، أي نحو 48دقيقة، أي بمعدل ثلاثة أرباع الساعة كل يوم تقريباً، وهذا الارتفاع التدريجي للقمر نحو كبد السماء باتجاه الشرق يوماً بعد يوم، يسمح له بإظهار نصفه المضيء بالتدريج، الذي يستمد نوره من الشمس بالنسبة للأرض، والأرض بينهما تقريباً، وظهر بدراً كاملاً يطلع من الشرق عند المغرب.

ثم بعد نصف الشهر ينتابه النقصان من جديد حتى يعود إلى المحاق، حيث يقع بين الشمس والأرض، ويكون وجهه المضيء تجاه الشمس، ووجهه المعتم تجاه الأرض، وهكذا تحصل للقمر هذه المنازل والتي بدورها تظهر لنا على شكل نور يتقلب بمنظر جميل يسمى الهلال، يستفيد منه الناس في الحساب والمواقيت(17).

وجه الإعجاز:

رأينا كيف أن الشمس مصدر النور والدفء لهذه الأرض، ولولا فضل الله على عباده في خلقها وتسخيرها لعاش الناس في ظلام دامس، ولتجمد كلّ شيء في هذه الأرض، ولاستحالت الحياة على سطحها، فلو ابتعدت الشمس عن الأرض لتجمد كلّ شيء عليها، ولو اقتربت منها لتبخّرت البحار، واستحال عيش الأحياء عليها ولكن الله جعلها تجري في نظام عجيب كفل به عدم حصول أي تغيير يؤدي إلى خلل في مهمتها.

كما رأينا آية القمر وعلاقته بنظام الأرض، والنور وحركة المجموعة الشمسية، ولو اقترب القمر أكثر ممّا هو عليه الآن; لاندفعت مياه البحار (المَدُّ) متأثرة بجاذبية القمر، بقوة هائلة تزيح الجبال، وتغرق الأرض. لذا يوضح القرآن أن حركة الشمس والقمر؛ وقربهما وبعدهما من الأرض، إنّما يجريان وفق حساب علمي دقيق، وبعلم الخالق العظيم، لا تستطيع الصدف ولا الطبيعة الصماء ولا مجادلات الملحدين تقديرها بهذا الشكل..

والمتأمل في نظام الشمس والقمر والأرض، لا يلبث أن تأخذه الدهشة والذهول من تلك الأجرام المتحركة في تقدير عجيب وتوافق غريب، وما ينشأ عن ذلك من ظواهر الليل والنهار، والشروق والغروب، وتطورات الهلال من محاق إلى هلال إلى بدر، ثم ظواهر الخسوف والكسوف، فمن هذا الذي خلق هذا الكون كله وقرر أنظمته وقدره تقديراً،؟! سيقولون الله، فقل أفلا تتقون؟.

فكل ما خلق الله سبحانه من شمس وقمر، وزرع وشجر، وسماء وأرض وبحر، بعيدة عن العجز والنقصان، والخلل والطغيان.

يقول سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 38-40].

وقد أنصف الأعرابي الأول ووعى الحقيقة حين قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحر بأمواج ألا يدل على اللطيف الخبير؟. ولعل الوقت قد حان لكل بعيد عن القريب أن يقف لحظة في خلوة، ويُعمِل عقله، لأن الغفلة لن تدوم، وها أنت قد علمت تسخير الكون لأجلك فكن مع السائرين، ولا تركب الهوى فتردى، وعد إلى مولاك الذي ناداك، وقل إني على عهدك ووعدك ما استطعت.

إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي

مراجعة: علي عمر بلعجم

_________________________

(1) لسان العرب 1/ 310.

(2) تفسير الطبري 5/ 277.

(3) تفسير القرطبي 17/ 134.

(4) تفسير أبي السعود 8/ 176.

(5) تفسير ابن كثير 2/ 213.

(6) روح المعاني 27/ 100.

(7) تفسير الطبري 2/ 191.

(8) تفسير النسفي 1/ 93.

(9) روح المعاني 2/ 71.

(10) وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى بقلم الدكتور: زغـلول النجـار:

http://www.islamicmedicine.org/zaghlool/67.htm

(11) المرجع السابق.

(12) وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى بقلم الدكتور: زغـلول النجـار:

http://www.islamicmedicine.org/zaghlool/67.htm

(13) والقمر قدرناه منازل بقلم لبيب بيضون ماجستير في العلوم:

http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det&id=103&select_page=12

(14) وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى بقلم الدكتور: زغـلول النجـار:

http://www.islamicmedicine.org/zaghlool/67.htm

(15) المرجع السابق.

(16) والقمر قدرناه منازل، أخذا من موقع:

http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show_det&id=103&select_page=12

(17) المرجع السابق.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: