اليخضور
الثلاثاء 22 يناير 2013

اليخضور

مقدمة:

كنت وأنا طالب في المرحلة المتوسطة أقرأ في مادة العلوم عن نمو النباتات وما في أوراقها من مادة الكلوروفيل (اليخضور) والتي يعود لها السبب في تلون الأوراق باللون الأخضر ومنه سميت تلك المادة علمياً باليخضور وهي نفسها تسمى الكلوروفيل، وفائدة تلك المادة هو امتصاص أشعة الشمس، وبوجود أوكسجين الهواء المذاب في الماء والممتص من جذورها يحصل ما يسمى بعملية التركيب الضوئي، وهي عملية معقدة وهبها الخالق للنبات ليقوم بدوره بإنتاج الطاقة اللازمة للنمو الخضري والثمري على السواء، هذا ما أستحضره من تلك المعلومات التي مر عليها في ذاكرتي أكثر من ثلاث عقود من الزمان، واليوم وبعد أن مرت تلك السنوات، وأنا أقرأ في القرآن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99] لفت انتباهي قوله ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ فتذكرت حينها تلك المعلومات القديمة وأحسست بدهشة واستغربت لأول وهلة من التوافق الغريب في استخدام لفظ (خضراً) في القرآن وفي كتاب العلوم الحديثة الذي كنا نقرأه فهل يا ترى أن القرآن استخدم ذلك التعبير العلمي؟

وأجبت لا إنه قديم جداً وقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، أم أن العلماء استخدموا هذا اللفظ لأنه مناسب جداً لتسمية تلك المادة التي اكتشفوها من حيث اللون والتركيب والوظيفة؟ وقلت لا بد إذن من البحث في هذا الموضوع ولا بد من الخروج بفائدة بل إنه لابد أن تكون هناك علاقة بين تلك اللفظة في القرآن وبين تلك المعلومات الأولية التي استقيناها كمبادئ في علم الحياة.

وسأتناول في هذا البحث تفسير الآية المتقدمة ثم أقوال العلماء المعاصرين في نسبة تلك التسمية وأسبابها ومن ثم أذكر نتائج البحث ووجه الإعجاز إن وجد والله حسبي.

الخضر لغة:

الخُضْرَةُ لون الأخضر واخْضَرَّ الشيء اخْضِرَاراً و اخْضَوْضَرَ وخَضَّرَهُ غيره تَخْضِيراً وربما سموا الأسود أخْضَرَ وقوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:64] قالوا خضراوان لأنهما يضربان إلى السواد من شدة الري وسميت قرى العراق سوادا لكثرة شجرها والخُضْرةُ في ألوان الإبل والخيل وغيره تخالطهما دهمة يقال فرس أخضر والخضرة في ألوان الناس السمرة والخَضْراءُ السماء، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾ قال الأخفش يريد به الأخضر(1).

تفسير الآية:

الآية التي نحن في صدد تناولها من حيث التفسير هي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99].

وفيما يلي بعض أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ فمنهم من فهم من الآية أنه الثمر في بداية خروجه فإنه يكون في الغالب أخضر اللون فقال الطبري: "يعني من الماء الذي أنزلناه من السماء (خضراً) رطباً من الزرع"(2).

وفسر ابن كثير (الخضر) الشجر عموماً ولعله أخذ هذا من لون الشجر لأن أغلب أوراق الأشجار لونها أخضر، فقال ابن كثير: "أي زرعاً وشجراً أخضر ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر ولهذا قال تعالى: ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾"(3).

وفيه بأنه ما خرج من أصل النبات الخارج من البذرة فقال: "أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئاً غضاً أخضر، يقال شيء أخضر وخضر كأعور وعور وأكثر ما يستعمل الخضر فيما تكون خضرته خلقية وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة"(4)، ومثلهما نقل القرطبي عن الأخفش فقال: "أي أخضر كما تقول العرب: أرينها نمرة أركها مطرة، والخضر رطب البقول"(5).

وتناول الآلوسي الكلمة أولاً من ناحية المعنى اللغوي فقال: "والخضر بمعنى الأخضر كأعور وعور وأكثر ما يستعمل الخضر فيما تكون خضرته خلقية وأصل الخضرة لون بين البياض والسواد وهو إلى السواد أقرب؛ ولذا يسمى الأخضر أسود وبالعكس، والمعنى فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئاً غضاً أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات"(6).

وأما في السنة فلم يرد حديث فيما اطلعت عليه حول تفسير هذه الآية، فيكون تفسير أولئك المفسرين بمحض اجتهادهم البشري، وعلى العموم فإن جميع الأقوال المتقدمة لا تتعدى المعنى اللغوي لكلمة خضر وفسروا الخضر بالأخضر واشتقوا معنى الآية من معنى الكلمة ولم يزيدوا على ذلك، وكما وضح ذلك الإمام الطبري في تفسيره(7).

لذلك نرى أن أغلب المفسرين إما أن يتوقف عندها بدون تعليق فلم نذكر أقوالهم، وإما أن يتناولها من الجانب اللغوي، ولم نر أحداً منهم تناولها من الجانب العلمي المتبادر إلى الذهن لأول وهلة كما هو اليوم، والسبب في هذا بسيط وهو أنهم كانوا متأدبين مع نصوص الوحي إلى الحد الذي لا يمكن معه أن يتجاوزوا به حدود أفهامهم ولا أن يخوضوا فيما لم يؤتهم الله من وسائل المشاهدة والاستنتاج التي يسرها الله لعباده اليوم.

ولعل هذا أيضاً من باب حفظ الله تعالى لكتابه العزيز حيث نجد أنه وفي كل عصر يمر يهيئ الله عز وجل من أسباب الحفظ ما به تقوم الحجة وتعلو به كلمة الحق المبين، ومن ذلك ما يكتشفه العلم الحديث وبوسائلهم وأجهزتهم الحديثة والتي من خلالها توصلوا بها إلى أمور ومشاهدات وحقائق رسخت لدى المنصفين أن هذا القرآن إنما هو من عند خالق عليم حكيم.

اليخضور من منظور علمي:

تصطبغ حجيرات أوراق النباتات باللون الأخضر، تبعاً لتفاعلات كيماوية وحيوية، يكون لأشعة الشمس أكبر الأثر في حدوثها وتكونها، إضافة لليخضور المتواجد في تلك الحجيرات.

هو سبب حياة الحيوان والإنسان، كما إنه باعث الحياة في النباتات نفسها، ومن خصائص هذه المادة إنها تطهر الهواء وتنقيه من شوائبه السامة فتجعله أثيراً محبباً يبعث الحياة في كل من يستنشقه من البشر والحيوانات، فهو يمتص غاز الفحم المنتشر على سطح الأرض لينشره بعد تفاعلات كيماوية وحيوية، أوكسجيناً نقياً يدخل الرئات التنفسية فيهبها الحياة والعافية. ولهذا ينصح الأطباء لمرضاهم عادة بانتجاع الريف والمناطق التي يكثر فيها الاخضرار، لأن الهواء يكون فيها أكثر نقاء من غيرها(8).

واليخضور الكلوروفيل: عبارة عن خلايا خضراء تحول الطاقة الشمسية وثاني أكسيد الكربون والماء إلى طعام للإنسان وللحيوان، وبالعملية الكيميائية المعقدة التي تنتهي بالسكر ثم النشا.

يعمل هذا اليخضور بأخذ الأكسجين من جزئيات الماء والصعود به إلى أعلى حيث مصانع الغذاء بأعداد متناهية، وبعملية كيميائية فريدة من نوعها تتكون السكريات وبعد ذلك تتكون المواد النشوية وتنتهي المعادلات التي تجري في النبات بثاني أكسيد الكربون وطاقة وأوكسجين وتنتهي بأوكسجين وماء وجلوكوز وسكر الجلوكوز هذا يتحول إلى نشأ ويختزن ويتحول إلى دهون وتضاف إليه ذرة نيتروجين فتتكون البروتينات، فالأساس في هذه العملية كما رأينا هو هذا المصنع الأخضر الذي تتكون منه سائر الحبوب والفواكه وهكذا تخرج هذه الحبوب المتراكبة من هذا المصنع الذي يوجد في داخل كل ورقة(9).

وجه الإعجاز:

الخضر واليخضور اسمان لشيء واحد وإن زادت الياء في التسمية العلمية العربية على المسمى القرآني الذي جاءنا من عند الله يخبرنا وهو غض طري نزل للتو على النبي الأمي بهذه المعجزة العظيمة وبهذا المصنع الرباني العجيب، فهذا المصنع من هذا الزرع فمن أنبت الزرع؟ ومن أطلق أجهزته؟ إنه الله سبحانه وتعالى..قال في محكم كتابة العزيز: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾ كل شيء أخضر ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ جنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه.. كله يخرج أيضاً من هذا اليخضور فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم الأمي أن يخصص ويبين هذا الشيء الأخضر يخرج منه النبات؟ هناك نبات ومن هذا النبات شيء أخضر منه تخرج حبوب وتخرج الثمار وتخرج الفواكه وسائر أجزاء النبات من يبين له ذلك؟ من يحدد هذه الوظيفة لهذه المادة الخضراء؟ إلا من هو على علم بما فيها وعلى معرفة بما فيها هذا علم لا يكون إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

ولهذا يجب على العقلاء من البشر أن يتفكروا ويتأملوا في نسبة هذا القرآن وإلى عظمة ما فيه وإلى التدبر بآياته لأن من تدبرها علم، ومن علم زاد إيماناً، ومن زاد إيمانه زادت خشيته لله وقربه منه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28].

جمع وترتيب: قسطاس إبراهيم النعيمي.

مراجعة: علي عمر بلعجم.

30/ 4/ 2007م.

_____________________

(1) مختار الصحاح 1/ 196.

(2) تفسير الطبري 5/ 287.

(3) تفسير ابن كثير 2/ 214.

(4) تفسير أبي السعود 3/ 166.

(5) تفسير القرطبي 7/ 44.

(6) روح المعاني 7/ 238.

(7) ينظر كلامه في أول الصفحة

(8) ألوان الطيف في النبات الأخضر يناير 06، 2002 عبد الجليل شبيب أخذا من:

http://saihat.net/vb/showthread.php?mode=hybrid&t=4768

(9) من محاضرة للشيخ عبد المجيد الزنداني في جامعة الإيمان.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: