مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
أخرى
   
الإعجاز العلمي والمسلمون الجدد
الإعجاز العلمي والمسلمون الجدد
د. صالح بن عبد القوي السنباني
الأحد 27 يناير 2013

الإعجاز العلمي والمسلمون الجدد

الحديث عن الإعجاز العلمي حديث عن آلية دعوية فعالة نشأت لطبيعة الرسالة الخاتمة التي تكفل الله بحفظها، وضمنها معجزة وبينة متجددة إلى قيام الساعة، إلى جانب أن هذه المعجزة تدحض محاولة افتعال وقيعة بين الإسلام والمكتشفات العلمية التي من شأنها أن تجعل المسلمين غير قادرين على استيعاب التطور على الصعيد العلمي، وفي هذه الحالة يفقد القرآن حجيته في مواجهة عالم تتطور مكتشفاته العلمية بمتتالية متسارعة، وسنقف على دور هذه الآلية في الدعوة الإسلامية، وتقديم بعض النماذج والصور لها.

آلية الإعجاز العلمي مثلت نوعا من المواجهة للحالة التي تعلو بالنظريات العلمية النسبية على مطلق الوحي رافضة أن ترتكن إلى الوحي كمصدر من مصادر المعرفة، فضلا عن أن تؤمن به، ولهذا يمكن القول بأن اللجوء لآلية الإعجاز العلمي ضمن أساليب الدعوة لم تتجه نحو التبلور الذي نلمس نتائجه اليوم إلا في إطار استيعاب الوعي الإسلامي لمحورية دور العلم في إدارة العلاقة مع الغرب المستعمر، كما شهدت اتجاها نحو مزيد من التبلور مع نشأة اتجاهات التغريب التي أرادت زورا أن تقرن بين المذاهب اللادينية كالاشتراكية والرأسمالية وغيرها وبين العلم وتصادم الدين (المحرف) مع العلم، وفي هذا الإطار تمثلت استجابة العلماء المسلمين لتطوير آلية لاكتشاف استيعاب المنهجية الإسلامية لمكتشفات العلوم الحديثة وعدم تناقضها معها وإظهار العلو الإسلامي في الخطاب الدعوي وبيان سقوط الغرب اجتماعيا وأخلاقيا واللجوء للإعجاز العلمي لتعويض وردم الفجوة العلمية بيننا وبين الغرب.

مئات من العلماء والمفكرين والفلاسفة مست تطبيقات مفهوم الإعجاز العلمي قلوبهم، ولازالت المكتبة الدعوية تفتقر إلى مراجع وكتب لتوثيق ذلك ويوجد القليل منها اليوم مثل:

1- كتاب لماذا أسلمنا: الذي جمعه ورتبه عبد الحميد السحيباني، والذي يعرض لنا شهادات عدد كبير من العلماء الطبيعيين: الفيزيائيين والفلاسفة والأطباء الذين تحولوا للإسلام بعد أن تعرضوا لمؤثرات من دعاة مسلمين ركزت على قضايا الإعجاز العلمي والرحلات إلى بلاد المسلمين ومن بين هؤلاء المئات نأخذ مثالا الفيلسوف الفرنسي البارز رينيه جينو، والعضو في مجلس النواب بفرنسا، حيث قال عن سبب إسلامه: (لقد تتبعت كل الآيات القرآنية ذات الارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية، التي درستها من صغري، وأعلمها جيداً، فوجدت هذه الآيات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة، فأسلمت لأني تيقنت أن محمداً أتى بالحق الصراح من قبل ألف سنة، ولو أن كل صاحب فن من الفنون، أو علم من العلوم، قارن كل الآيات القرآنية المرتبطة بما تعلم مقارنة جيدة كما قارنت أنا لأسلم بلا شك، إن كان عاقلاً خالياً من الأغراض).

ورينيه جينو في ممارسته للدعوة الإسلامية أطلق على نفسه بعد إسلامه اسم الشيخ عبد الواحد يحيى، وبدأ يركز في أفكاره على المرجعية الإسلامية لحضارة الغرب وثقافته، والفضل الكبير الذي كان للمعطى الإسلامي على الغرب في مضامير الطب والهندسة والفلك والرياضة والفنون والعلوم الأخرى، ولم يكتف بذلك، بل أخذ يُظهر عظمة القرآن وإعجازه العلمي بعد أن وجد ارتباطاً بين الآيات القرآنية وما جاءت به الكثير من العلوم الطبية والطبيعية والعلمية بوجه عام.

2- كتاب: لماذا أسلم هؤلاء لإسماعيل عبد المغني، والذي جمع فيه قصص المشاهير الذين أسلموا وأشهرهم الملاكم الذي شغل العالم زمنا طويلا وتسمى بمحمد علي كلاي.

3- وهناك المئات من المسلمين الجدد من النخب العلمية في العالم، نذكر منهم المفكر السويسري روجيه دوباكييه، والمفكر الفرنسي روجيه جارودي، والمفكر النمساوي ليوبولد فايس، والأديب والفيلسوف الإنجليزي مارتن لينجز، والدكتور الفرنسي موريس بوكاي، وعالم الرياضيات الكندي جاري ميلر، وأحد أكبر علماء التشريح والأجنة في كندا كيث مور، والبروفيسور تيجاتات تيجاسون رئيس قسم علم التشريح في جامعة شيانك مي بتايلاند، وأستاذ الرياضيات الأمريكي جيفري لانج، هذا العدد الكبير من العلماء مؤشر على أهمية هذه الآلية الدعوية.

4- وهناك الكثير من القساوسة الذين تحولوا إلى الإسلام بسبب أزمة المسيحية الحقيقية مع العلم.

وأخيرا سنتعرض لآخر ما نشر عن إسلام الضابط ريتشارد فيرلي، كبير مفتشي فرقة مكافحة الإرهاب البريطانية، الذي يتذكر، اليوم الذي اعتنق فيه الإسلام، ويقول ريتشارد، أو راشد كما يطيب لبعض المسلمين العرب أن ينادوه، إن يوم 19 أغسطس (آب) من عام 1993 هو تاريخ فاصل في حياته لأنه فيه (عرف طعم الإيمان وصفاء والنفس).

يقول: "دخلت الإسلام بعد قراءة وتمعن، فأنا خريج الجيولوجيا من جامعة اكستر البريطانية...".

أما عن سبب إسلامه فيقول: (لقد دخلت إلى الدين بعد قراءة وتمعن، فأنا خريج الجيولوجيا من جامعة إكستر البريطانية، ومن زملائي في الجامعة نفسها فرانك غاردنر مراسل (بي بي سي) الذي كان يدرس اللغة العربية ودراسات الشرق الأوسط، وأنا أيضا من هواة العلوم والتعمق فيها، ولكني وجدت آيات نزلت قبل 14 قرنا تتحدث بعمق عن الانفجار العظيم وأخرى عن تمدد الكون وثالثة تصف مهمة الجبال في الحفاظ على الكرة الأرضية، وهناك 3 آيات قرآنية قلبت حياتي رأسا على عقب وفتحت قلبي إلى الهداية والنور وعمق الإيمان وهي: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47].

وآية أخرى في سورة الأنبياء تقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30].

وآية كريمة أخرى بسورة النبأ تقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7،6].

لا يمكن أن تمر هذه الآيات مرور الكرام لابد وأن وراءها قدرة إلهية بلا شك، لقد قادني اكتشاف هذه الحقائق للغوص في أعماق القرآن الكريم، وكنت أتمعن جزءا كاملا من القرآن في كل ليلة، إلى أن وصلت إلى اكتشاف جملة من الحقائق أنارت أمامي الطريق.

ويعيش الشرطي البريطاني روحانية مفعمة بالإيمان، ويؤكد أن اسكوتلنديارد في عهد مفوض شرطة العاصمة الأسبق جون ستيفنز، باتت تعتني بضباطها المسلمين وتتفهم شعائر الإسلام، ويقول: إنه منذ عام 2000 أقامت لهم غرفا للصلاة والعبادة في قلب اسكوتلنديارد.

يتكلم ريتشارد بصوت خفيض وتتهدج عباراته وهو يتحدث عن اللحظة التي وجد فيها نفسه أمام الكعبة المشرفة الشهر الماضي بعد منتصف الليل، عندما ذهب لأول مرة في حياته لأداء العمرة بعد اعتناقه الدين الحنيف، يقول: "لا أعرف ما حدث لي وأنا الضابط المتمرس المدرب جيدا، وجدت نفسي أبكي بشدة والدموع تنهمر من عيني، لا أعرف حتى الآن سر هذا البهاء الذي أحاط بالمكان وأوقف لحظات الزمان أمامي.. انتهيت من الطواف الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل في إحدى ليالي شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، وتحللت وقصصت شعري وأحسست بأنني قريب للغاية من رضاء الله عز وجل".

لم يأت قرار تحوله من المسيحية إلى الإسلام، متسرعا استغرق اتخاذ القرار عامين كان يحاول ريتشارد خلالهما أن يتحسس قلبه وعقله، تردد على المركز الإسلامي في منطقة ريجنت بارك بوسط لندن، لمدة عامين.. قبل أن ينطق بالشهادة أمام عدد من مشايخ المسجد المركزي ويوسف إسلام الداعية المسلم مطرب البوب السابق.

ريتشارد تولى رئاسة رابطة الشرطة المسلمة بل هو فعليا من أسسها في عام 2000، فعندما اعتنق الإسلام في عام 1993 لم يكن هناك الكثير من المسلمين في (شرطة ميتروبوليتان)، فقد كان هناك بعض الباكستانيين لكنهم كانوا أقل من 100 فرد، والآن وصل عدد المسلمين إلى نحو 400 فرد في شرطة ميتروبوليتان، ونحو 2000 على مستوى بريطانيا بأكملها، وقد تمكنت الرابطة من إيصال صوت الضباط المسلمين في بريطانيا لأصحاب القرار في وزارة الداخلية والحكومة البريطانية.

هذه الآلية الدعوية تحتاج لمعالجة على أعلى مستوى من الإحساس بالمسؤولية العلمية، تحملا لتبعة دعوة غير المسلمين، وحمل الأمانة مصداقا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

د. صالح بن عبد القوي السنباني

رئيس قسم الإعجاز العلمي بجامعة الإيمان

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: