مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
حقيقة الدنيا في الشريعة والدراسات العلمية الحديثة
حقيقة الدنيا في الشريعة والدراسات العلمية الحديثة
عبد الكريم علي الفهدي
الأحد 8 ديسمبر 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

حقيقة الدنيا في الشريعة والدراسات العلمية الحديثة

الحمد لله رب العالمين القائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾[فاطر:5]، والقائل: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[الأنعام:32]، وأشهد أن لا إله إلا الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد, كل شيء يسير في هذا الكون وفق أمره وتدبيره وعلمه، وأشهد أن حبيبنا وقائدنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرةٍ ثم راح وتركها"([1]).

وبعد:

ما حقيقة هذه الدنيا في الشريعة والدراسات العلمية الحديثة، ما حقيقة هذه الدنيا التي من أجلها عصي الخالق وقامت العداوات والحروب، وضيعت الواجبات والفروض  عند كثير من الخلق.

أولاً: تعريف الدنيا: فُعلى من الدنو أي القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى، وقيل سميت دنيا لدنوها إلى الزوال([2]).

حقيقة الدنيا: «اختلف في حقيقتها فقيل ما على الأرض من الهواء والجو، وقيل كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، والأول أولى، لكن يزاد فيه مما قبل قيام الساعة ويطلق على كل جزء منها مجازاً»([3]).

الدنيا في القرآن الكريم والسنة النبوية:

أخبرنا الله عز وجل عن حقيقة الدنيا (منزلتها) في عدد من الآيات منها قوله تعالى: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[آل عمران:185] متاع الغرور، أي: متاع زائل غار ببهرجه وجمال منظره، ثم لا يلبث أن يذهب ويزول([4])

  وقال تعالى:﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾[الأنعام:32] اللعب: العمل الذي لا يجلب درهماً للمعاش، ولا حسنة للمعاد، واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه مما يكسبه خيراً أو يدفع عنه ضيراً.([5])

وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾[التوبة: 38] ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾[الرعد: 26]  مَتَاعٌ: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذَاهِبٌ زَائِلٌ([6]) .

فمن هذه الآيات عرفنا بعض صفات الحياة الدنيا أنها متاع الغرور, ولعب, ولهو, وهي بالنسبة للآخرة قليل.

وقد ضرب الله عز وجل مثل الحياة الدنيا بقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[الحديد:20] والمعنى اعلموا أيها الناس أنما الحياة الدنيا لعب ولهو، تلعب بها الأبدان وتلهو بها القلوب، وزينة تتزينون بها، وتفاخر بينكم بمتاعها، وتكاثر بالعدد في الأموال والأولاد، مثلها كمثل مطر أعجب الزُّرَّاع نباته، ثم يهيج هذا النبات فييبس، فتراه مصفرًا بعد خضرته، ثم يكون فُتاتًا يابسًا متهشمًا([7])

 وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾[الكهف:45] ﴿وَاضْرِبْ لَهُم﴾ أي لأولئك المغرورين بالمال والسلطان﴿مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي صفتها الحقيقية التي لا تختلف عنها بحال ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ فَزَهَا وازدهر واخضرّ وأنظر، فأعجب أصحابه، وأفرحهم وسرهم ما يأملون منه. وفجأة أتاه أمر الله برياح لاحِفَة، محرقة، ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ أي يابساً متهشماً متكسراً ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ هنا وهناك ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ أي قادراً كامل القدرة، فأصبح أهل الدنيا مبلسين آيسين من كل خير([8])

وأخبرنا الله عز وجل عن المال والبنون بقوله ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[الكهف:46]

بعد أن ضرب الله المثل للحياة الدنيا التي غرت أبناءها فأوردتهم موارد الهلاك أخبر بحقيقة أخرى، يعلم فيها عباده لينتفعوا بها، وهي أن ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ أو الأولاد ﴿زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾لا غير أي يتجمل بهما ساعة ثم يبيدان ويذهبان، فلا يجوز الاغترار بهما، بحيث يصبحان همَّ الإنسان في هذه الحياة فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإيمان وصالح الأعمال([9])

وأخبرنا الله عز وجل عن السحرة لما آمنوا وتوعدهم فرعون بما توعدهم قالوا عند ذلك

﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾[طه:72] ومعنى الآية ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ فنتبعك ونكذب من أجلك موسى﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعني من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ خلقنا وقوله ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ يقول: فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يقول: إنما تقدر أن تعذّبنا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى([10]) فأشاروا لفرعون بالحصر والقصر إنما تقضي هذه الحياة الدنيا استقلالاً لشأنها.

وقال الله عز وجل عن مؤمن آل فرعون وهو ينصح قومه ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾[غافر:39].

 أي متعةٌ تنتفعون بها مرة ثم تنقطع: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي لا تزول([11]).

وجاءت الأحاديث النبوية تخبرنا عن حقيقة الحياة الدنيا(منزلتها) ومن هذه الأحاديث:

قال صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"([12]) فمن هذا الحديث يتضح لنا أن الدنيا هذه لا تعدل عند الله جناح بعوضة.

ويقول الرسول صلى الله عليه و سلم: "ألا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم"([13]).

وضرب لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أمثلة ليتبين لنا حقيقة هذه الدنيا

المثال الأول: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "ما الدنيا إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع" ([14]) والمعنى: «أن نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة في المقدار كذلك أو ما الدنيا في قصر مدتها وفناء لذتها بالنسبة للآخرة في دوام نعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالأصابع إلى باقي البحر»([15]).

 

 المثال الثاني: عن عبد الله قال : "نام رسول الله صلى الله عليه و سلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال ما لي وما للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"([16])

 المثال الثالث: عن سهل بن سعد قال عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْي أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ  أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ. فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ. قَالُوا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ: فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ  "([17])

معاني الحديث:

كنفته: جانبيه، أسك: صغير الأذنين([18]).

والمعنى العام للحديث: أن الدنيا عند الله أحقر وأقل شأناً من التيس الأسك الميت  الذي لا قيمة له عند الناس.

وقيل لبعض الحكماء أي شيء أشبه بالدنيا؟ قال: أحلام النائم .

حقيقة الحياة الدنيا( منزلتها)

فعند المسلم تستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي: أن الحياة الدنيا ما هي إلا لهو ولعب، ومتاع قليل، ولا تساوي جناح بعوضة, وهي أهون من تيس أسك ميت.

وهي دار الصراع بين الحق والباطل وابتلاء الأخيار بالأشرار والمؤمنين بالفجار وهي دار الفناء وأما الحياة الأخرى فهي دار البقاء والخلود، وعند أهل الأديان عموماً أن هذه الحياة الدنيا هي فترة مؤقتة وسوف تنتهي لتبدأ بعد ذلك حياة أخرى.

أما حقيقة الحياة الدنيا(منزلتها) عند غير المسلمين كالعلمانيين وغيرهم فتقوم على إنكار الآخرة وعدم العمل لها, واليقين بأن الحياة الدنيا هي المجال الوحيد للمتع والملذات, وهي عندهم كل شيء([19])

أما المكان للدنيا أو أبعادها

حكي عن قوم أنهم يقولون الدنيا العالم بأسره وجميع أجزائه في السماء والأرض وما فيهما، ومن قوم أنهم يقولون الدنيا تعاقب الفصول الأربعة وبقاء النماء والتناسل فإذا بطل هذا بطلت الدنيا، وعن قوم أنهم قالوا: إن الدنيا ضوء النهار وظلمة الليل، وعن قوم أنهم قالوا: إن الدنيا هذا الخلق لا غير فإذا فني فنيت الدنيا، وعن قوم أنهم يقولون: إن الدنيا سلطان ومال وجاه ودعة، وعن قوم: الدنيا هي ما بين السماء والأرض, وقال قوم: الدنيا هي الزمان, فمن قال إن الدنيا هي هذا الجنس من الخلق قال ابتداؤها عند ظهور النشوء، ومن قال هو هذا العالم بأسره عد ما وجد قبل آدم من الدنيا وكذلك من حدها بحد فابتدأ من حيث حد، قال الله تعالى: ﴿ َلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾[فاطر: 5] وقال تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾[الفجر: 24] فأخبر أن الدنيا حياة والآخرة حياة ثم أضاف الفانية إلى الدنيا لفنائها وأضاف الباقية إلى الأخرى لبقائها وإنما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق والآخرة آخرة لتأخرها إلى أن تفنى الدنيا، فكل ما هو فانٍ أو سيفنى يوماً من الخلق والأمر كائناً ما كان فهو دنيا وكل ما هو غير فان فهو من الآخرة ألا ترى أنه يقال لمن شاب وانصرم شبابه ذهبت دنياه ولمن ذهب ماله وسقط جاهه ذهبت دنياه ولمن مات هلك دنياه فلا تسمى دنيا إلا كل ما هو فانٍ ذاهب ومثال دنيا فعلى من الدنو كالصغرى والكبرى قال:

هب الدنيا تساق عليك عفواً ...    أليس مصير ذاك إلى الزوال

وما دنياك إلا مثل فيء         ...   أظلك ثم آذن بالزوال

ومن ها هنا قيل أن الدنيا دنية كاسمها، وأن الدنيا دنى كثيرة فكل إنسان له دنيا في نفسه على حدته فماله دنيا له، وجاهه دنيا له ومكانه دنيا له، وكل ما يناله ويسر به مما لا يبقى دنيا له وأنشدني بعضهم:

أنت دنيا كيف ذمك لدنيا ... ألتي أنت هي ومنتهاكا

ويدل خبر علي بن أبي طالب أن الأرض من الدنيا حيث قال للذي يسمعه يذم الدنيا مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه، ويدل أن السماء من الدنيا قوله تعالى:﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾[الأنبياء: 104] فلو كانت من الآخرة لم تطو لأن الآخرة غير فانية.([20])

حجم الدنيا وأبعادها في الدراسات العلمية الحديثة

عظمة هذا الكون: يحتوي هذا الكون على عدد كبير من المجرات والمجرة عبارة عن تجمع لعدد هائل من النجوم وتوابعها ومن الغبار والغازات المنتشرة بين أرجاء النجوم وتضم كل مجرة آلاف ملايين النجوم التي يمكن اعتبارها من حيث الحجم على غرار الشمس بصفة عامة، و بعض تلك النجوم لها مجموعات من الكواكب تتبعها على غرار المجموعة الشمسية ([21]).

وهنالك أنواع متعددة من المجرات تسبح في الكون وتشكل لبنات بناء في هذا الكون الواسع، وتوجد في الكون المرئي من هذه المجرات أو "اللبنات" مئات البلايين!! وبالرغم من ذلك لا تشكل إلا أقل من 5 بالمائة من البناء الكوني، أما الـ 95 بالمائة الباقية فهي مادة مظلمة لا تُرى، إن كل مجرة من هذه المجرات تحوي أكثر من مئة ألف مليون نجم! فسبحان مبدع هذا البناء العظيم.

إن الضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 ألف كيلو متراً تقريباً، وهو يقطع في سنة كاملة 9.5 تريليون كيلو متراً تقريباً، والمجرَّة التي تبعد عنا بليون سنة ضوئية، يحتاج ضوئها للوصول إلينا إلى بليون سنة! خلال هذا الزمن يقطع ضوء هذه المجرة مسافة قدرها 9.5 ألف مليون مليون مليون كيلو متر!!([22])

فإذا ما تأملنا لهذا الكون العظيم فكم سيكون حجم الإنسان بالنسبة للأرض وكم سيكون حجم الأرض بالنسبة للمجموعة الشمسية وكم سيكون حجم المجموعة الشمسية بالنسبة للمجرة وكم سيكون حجم المجرة بالنسبة للمجرات الباقية سنقول واثقين مطمئنين لقول الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[غافر: 57]

ولو قلنا فرضاً إن هذه المجرات الهائلة هي السماء الدنيا - السماء الأولى- أو فرضاً السموات السبع ونحن كما مر معنا لم يكتشف من هذا الكون الهائل المليء بالمجرات إلا أقل من 5 بالمائة من البناء الكوني، فكم تساوي هذه المجرات مع الأشياء التي لم تعرف إلى الآن بالنسبة للكرسي.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن ذلك بمثال تقريبي يبين فيه عظمة هذا الكرسي فقد صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة "([23])

والكرسي هو الذي بين يدي العرش فالكرسي قد وسع السماوات والأرض مع عظم السماوات ومع عظم الأرض، قال تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾[البقرة: 255]

وورد في بعض الآثار أن السماوات والأرض في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس، والترس: هو المجن الذي يلبس على الرأس وما عسى أن تغطي الدراهم السبعة، فالدرهم قطعة من الفضة صغيرة بقدر الظفر أو نحوه، فماذا تغطي من ذلك الترس؟ فالسماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي هذا مقدارها منه، والكرسي صغير أيضاً بالنسبة إلى العرش، كما ورد أن الكرسي نسبته إلى العرش كحلقه ملقاة بأرض فلاة، والحلقة: القطعة من الحديد ملتقية الطرفين.

فإذا ألقيت حلقة في فلاة فماذا تشغل من تلك الفلاة؟ فالكرسي صغير بالنسبة إلى العرش، فهو كحلقة ملقاة بأرض فلاة، فهذا دليل على عظم هذا الكرسي ثم عظم هذا العرش([24]).

فمن هذه الأرقام نعرف عظمة هذا الكون وهذه الدنيا التي نعيش فيها ومهما تصورنا عظمتها واتساعها فهي لا تساوي جناح بعوضة كما نطق بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"([25])

 

ملحق الصور

 

يبين حجم الكرة الأرضية بالنسبة لغيرها من الكواكب التي هي أصغر حجماً منها

وبالنسبة للتي هي أكبر منها حجماً

وصورة للمجموعة الشمسية بالنسبة للمجرة

([26])

صورة للمجموعة الشمسية بالنسبة للمجموعات الأخرى في مجرتنا

 

هذه الصورة لجزء صغير من مجرتنا درب التبانة لمنطقة تسمى M13   وهي عبارة عن تجمع للنجوم يحوي أكثر من 100000 نجم، ويبعد عنا 25000 سنة ضوئية، وهذا التجمع هو واحد من 150 تجمعاً في مجرتنا. إن كل نجم من هذه النجوم هو شمس كشمسنا أو أكبر منها.([27])

وكما سبق أن الكون  يحوي مئات البلايين!! وبالرغم من ذلك لا تشكل إلا أقل من 5 بالمائة من البناء الكوني، أما الـ 95 بالمائة الباقية فهي مادة مظلمة لا تُرى.

قال تعالى:﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[غافر: 57] وقد ننذهل عندما نرى هذه الصور وهذه الأرقام التقريبية لشكل السماء فهذه الأرقام والصور لا تساوي شيئا ويوم القيامة تطوى وتذهب قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]

وقيمتها في الحياة الدنيا أنها لا تعدل جناح بعوضة نسأل الله العظيم أن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا وأن يثبتنا على ديننا وصلى اللهم على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً

إعداد الباحث: عبد الكريم علي الفهدي

23 /10/2009م

مراجعة

الشيخ: مرفق ناجي ياسين

***

 


[1]-  أخرجه الترمذي في سننه، 4/588، برقم: 2377، وقال فيه حديث حسن صحيح وصححه الألباني.

[2]-  إتحاف القاري، 2/11.

[3]-  إتحاف القاري، 2/11.

[4]-  أيسر التفاسير للجزائري، 1/421.

[5]-  أيسر التفاسير للجزائري، 2/50.

[6]-  أيسر التفاسير للجزائري، 1/1734.

[7]-  التفسير الميسر، 10/44.

[8]-  أيسر التفاسير للجزائري، 3/261.

[9]-  أيسر التفاسير للجزائري، 3/261

[10]-  تفسير الطبري،18/ 341.

[11]-  اللباب في علوم الكتاب، 17/57.

[12]-  أخرجه الترمذي في سننه، 4/560، برقم: 2320. وصححه الألباني

[13]-  أخرجه الترمذي في سننه، 4/561، برقم: 2322 وقال حديث حسن غريب وحسنه الألباني.

[14]-  أخرجه الترمذي في سننه، 4/561، برقم: 2323وقال فيه حديث حسن صحيح وصححه الألباني.

[15]-  مصابيح التنوير على صحيح الجامع الصغير للألباني، 1/499.

[16]-  أخرجه الترمذي في سننه، 4/588، برقم: 2377 وقال فيه حديث حسن صحيح وصححه الألباني.

[17]-  أخرجه مسلم في صحيحه، 8/ 210 برقم: 7607.

[18]-  الديباج على مسلم،6/273.

[19]-  الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة،131.

[20]-  البدء والتاريخ لابن المطهر، 1/81.

[21]-  الكون والرؤية العلمية فى القرآن والأديان السماوية، 1/18.

[22]-  أسرار الكون بين العلم والقرآن، 1/8.

[23]-  أخرجه ابن حبان في صحيحه،2/76 برقم361، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة، 1/108 ،برقم:109.

[24]-  شرح العقيدة الطحاوية لابن جبرين، 11/ 3,

[25]-  أخرجه الترمذي في سننه، 4/560، برقم: 2320. وصححه الألباني

[26]-  منتديات الشامل لعلوم الفلك على هذا الرابط

http://www.alchamel.org/vb/showthread.php?t=1087

 

[27]-  موقع عبد الدائم الكحيل على هذا الرابط

http://www.kaheel7.com/modules.php?name=News&file=article&sid=1069.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: