مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
ثمار الإيمان
ثمار الإيمان
خالد حسن محمد البعداني
الجمعة 28 ديسمبر 2012

ثمار الإيمان

الحمد الله التي بنعمته تتم الصالحات، نحمده حمد الشاكرين الذاكرين حمد أهل الإيمان، أنعم علينا بنعم عظمية وجزيلة، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، نثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك، فلك الحمد على أسمائك الحسنى وصفاتك العلى، ولك الحمد على نعمك الظاهرة، والباطنة، ولك الحمد في الأولى والآخرة، ونصلى ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، النذير البشير، إمام الموحدين، والداعي إلى سبيل رب العالمين، محمد صلى الله عليه وسلم في الأولين، وصلى الله وسلم عليه في الآخرين.

فمن أعظم النعم التي أنعم بها الحق تبارك وتعالى علينا وأهمها نعمة الإيمان فهي القضية المصيرية التي ينبغي للإنسان أن يهتم بها، فهي السعادة الأبدية، إما في الجنة أو عياذاً بالله في النار، هذه النعمة التي نحمده عليها لها ثمار يانعة، وفوائد عظيمة وجليلة يشاهدها كل من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولاً، فثمار هذا الإيمان أكثر من أن تحصى، فهي متعددة ومتنوعة تنوع مواضيع الإيمان فهناك ثمار عامة في الدنيا، وهناك ثمار في حياة الفرد يجدها في نفسه، وهناك ثمار في المجتمع تشعر بها الجماعة المسلمة، وهناك ثمار في الحياة الأخرى، وهناك ثمار خاصة في كثير من قضايا الإيمان كثمار الإيمان بالله - سبحانه وتعالى-، وما يتفرع عنه من ثمار لتوحيد الرب تبارك وتعالى في ربوبيته وألوهيته، والثمار التي يجدها المسلم في توحيد الأسماء والصفات، والثمار اليانعة التي يجنيها المسلم بالإيمان بالرسل الكرام، وثمار الإيمان بالكتب، وثمار الإيمان بالملائكة، وثمار محبة الصحابة الكرام، وغيرها كثير من الثمرات التي يقطفها المسلم في الدنيا والآخرة.

فالإنسان الجدير بالحياة الذي ينعم بهذه الثمار هو الذي آمن بربه، وعرف غايته، وتبين مصيره، وأيقن بمبعثه، فعرف لكل ذي حق حقه، فلا يغمط حقا، ولا يؤذي مخلوقا، فعاش عيشة السعداء، ونال الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. هذه الحياة الطبية في الدنيا، أما في الآخرة فله المساكن الطيبة في جنات عدن قال سبحانه: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: 12].

وتسهيلاً للبحث يمكن أن نقسم الثمار إلى قسمين: ثمار عامة يجنيها المؤمن في الدنيا والآخرة، وثمار خاصة يجنيها المؤمن في كثير من قضايا الإيمان كما ذكرنا سابقاً، سواء كانت ثمار تعود على الفرد أوالمجتمع.

أولاً: الثمار العامة:

وتشمل ثمار الإيمان في الحياة الدنيا، وثمار الإيمان في الحياة الآخرة، وأول ما نبدأ به من الثمار:

ثمار الإيمان في الحياة الدنيا:

فللإيمان ثمار يانعة ونتائج طيبة يجنيها المؤمن في الحياة الدنيا، من أهم هذه الثمار:

1- الهداية للحق: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 47]. فالهداية من الله -عز وجل- أحق الناس بها هم أهل الإيمان فهم المستحقين للهداية والتوفيق من رب العالمين، وهذه الثمرة ثمرة الهداية من أعظم وأجل الثمار التي يجنيها المؤمن في هذه الحياة.

2- الحياة الطيبة: قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].

يقول ابن كثير: "هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا؛ وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله،، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت"(1).

ففي الآية شرط وجواب فشرط الحياة الطيبة لكل ذكر وأنثى الإيمان والعمل الصالح.

3- الولاية: قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: 256].

فهو النصير والمعين لأهل الإيمان يتولاهم بعونه، ولا يكلهم إلى غيره سبحانه يقول ابن جرير في معنى الآية: "نصيرهم وظهيرهم ويتولاهم بعونه وتوفيقه"(2).

ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى﴾ [محمد: 11].

فلكي تستحق الولاية لا بد من الإيمان.

4- الرزق الطيب: قال تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].

فمن الثمار التي يجينها أهل الإيمان البركات التي يجدونها في أرزاقهم، مع تيسير الخير لهم، وإن كان بعض أهل التفسير قصر البركات من السماء والأرض على المطر والنبات؛ لكن حملها على العموم هو الأقرب.

يقول الإمام الشوكاني: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي يسرنا لهم خير السماء والأرض كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها، قيل المراد بخير السماء: المطر، وخير الأرض النبات والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك...(3).

5- العزة: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].

6- النصر على الأعداء، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47].

فالنصر على الأعداء والظفر بهم من أهم ثمار الإيمان في الدنيا فما أعظم هذه الثمرة وما أحوجنا إليه اليوم ونحن نعيش في مرحلة من الهزيمة والذل لم تعهده أمة الإسلام نسأل الله السلامة والعافية، وهذا النصر والظفر وعد من الذي لا يخلف الميعاد قال الشوكاني: "هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده الصالحين"(4).

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]. فهذه بشارة لأهل الإيمان بالنصر على الأعداء.

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

7- الدفاع: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [الحج: 38]. فالله - عز وجل- هو المدافع عن أهل الإيمان،بل يعلن الحرب على من يعاديهم فعن أبي هريرة- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه...»(5).

8- عدم تسليط الكافرين: قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].

9- التمكين والاستخلاف في الأرض: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55].

فمن الثمار العظيم التي تحصل لأهل الإيمان التمكين لهم، فلاستخلاف في الأرض والتمكين لهم وجعلهم أئمة الناس والولاة عليهم، وخضوع البلاد لهم لمن أعظم ثمار الإيمان؛ لأن به تصلح البلاد ويحصل الأمن للناس، وقد حصل هذا للرسول صلى الله عليه وسلم ولمن جاء بعده من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].

فهم حققوا الإيمان فتحقق لهم الوعد، وهذا الوعد عام يعم جميع الأمة بشرط الإيمان والعمل الصالح، قال الشوكاني: "وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم وهو وعد يعم جميع الأمة، وقيل هو خاص بالصحابة ولا وجه لذلك فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم بل ويمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله"(6).

فالمؤمن الجدير بالحياة هو الذي آمن بربه، وعرف غايته، وتبين مصيره، وأيقن بمبعثه، فعرف لكل ذي حق حقه، فلا يغمط حقا، ولا يؤذي مخلوقا، فعاش عيشة السعداء، ونال الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].

فهذه جملة من ثمار الإيمان في الحياة الدنيا، شرطها الإيمان وتحقيقه في النفوس والعمل الصالح، وهذه الثمار تتحقق للفرد والجماعة المسلمة، وعدم تحقق هذه الثمار اليوم في المجتمع المسلم يرجع إلى ضعف الإيمان أو فقد بعض صفات الإيمان؛ "فمن ضعف إيمانه أو فقد بعض صفات الإيمان لم تتحقق له هذه الثمار، كما هو مشاهد اليوم في حال المسلمين. ويوم يعود المسلمون إلى الله تعالى عودة صادقة، ويجددون إيمانهم ويثبتونه سيجنون هذه الثمار العظيمة إلى جانب ما ينتظرهم من الفوز العظيم في الدار الآخرة"(7).

ثانياً: ثمار الإيمان في الحياة الآخرة:

للإيمان في الحياة الآخرة ثمارت ينالها المؤمن بما قدمه في الحياة الدنيا من عمل صالح هذه الثمرات جاءت في ثنايا كثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم نذكر طرفاً منها على وجه الإيجاز:

1- الخاتمة الحسنة: فهي أول الثمار التي يلقها المؤمن وهو في طريقه إلى عالم الآخرة حيث تحسن خاتمته ويموت ميتة حسنة، وتحصل له جملة من الثمار من نزول الملائكة بالبشارة لهم بالأمن وعدم الخوف، والبشارة بالجنة، والنعيم المقيم...قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32].

قال ابن جرير: "كذلك يجزي الله المتقين الذين تقبض أرواحهم ملائكة الله وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيمان وطهر الإسلام في حال حياتهم وحال مماتهم"(8), فهم مؤمنون طاهرون من الشرك كذا قال البغوي(9).

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: 30-31].

لما ذكر الحق تبارك وتعالى عقاب الكافرين وما أعده لهم ذكر في هذه الآية حال المؤمنين وما أنعم عليهم به فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ أي وحده لا شريك له ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله حصل لهم كرامات من نزول الملائكة بالبشارة لهم عند الموت، وحصول الأمن لهم وعدم الخوف، والتبشير بالجنة، والولاية لهم في الدنيا والآخرة.(10)

2- التثبيت عند السؤال في القبر:

قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].

فهذه الآية وردت على القول المشهور في سؤال الملكين في القبر، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق.

فالثبات حاصل لأهل الإيمان في الحياة الدنيا على القول الحق وهي شهادة التوحيد،وهو حاصل لهم في الآخرة عند القبر فهو أول منازل الآخرة.

يقول الألوسي: "في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي بعد الموت وذلك في القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة وفي مواقف القيامة فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك ولا تدهشهم الأهوال"(11).

فمن مظاهر التثبيت ما ورد في الصحيح عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قولُ اللهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾»(12).

والمؤمن يثبت عند السؤال من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقال له وما دينك؟ يقول: ديني الإسلام: ويثبت عندما يقال له: ومن نبيك؟ يقول: نبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما ورد ذلك عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-.(13)

3- التوسعة في القبر:

فالمؤمن يوسع له في قبره ويرى مكانه من الجنة وذلك بعد سؤال الملكين له وثباته في الجواب، فقد جاء في حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «... فينادى مناد في السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره...»(14).

4- الأمن من الفزع الأكبر:

قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 103].

اختلف أهل التفسير في المراد بالفزع على عدة أقوال(15): فقيل: وقوع طبق جهنم عليها، وقيل: النفخة الأخيرة. وقيل: الأمر بأهل النار إلى النار، وقيل: ذبح الموت، وقيل: إذا نودي ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]، وقيل: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء﴾ [الأنبياء: 104].

وقيل: أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب، وقيل: المراد الموت، وأياُ كان الفزع الأكبر فأهل الإيمان آمنون منه، لا يحزنهم فقد نجوا منه، وتستقبلهم الملائكة يهنئونهم ويقولون لهم: هذا ما كنتم توعدون به في الدنيا وتبشرون.

يقول سيد وهو يتحدث عن النار: "وهي تسري وتحرق، وتحدث ذلك الصوت المفزع, وإنه لصوت يتفزع له الجلد ويقشعر، ولذلك نجي الذين سبقت لهم الحسنى من سماعه فضلاً على معاناته نجوا من الفزع الأكبر الذي يذهل المشركين، وعاشوا فيما تشتهي أنفسهم من أمن ونعيم، وتتولى الملائكة استقبالهم بالترحيب، ومصاحبتهم لتطمئن قلوبهم في جو الفزع المرهوب"(16).

فما أعظم هذه الثمرة لأهل الإيمان! ثمرة النجاة والأمن من الفزع الأكبر اللهم آمنا من الفزع الأكبر، وجعلنا من الآمنين يا رب العالمين.

5- الوقاية من شر يوم القيامة:

أهل الإيمان آمنون من الشر المستطير في ذلك اليوم العظيم من بأسه وشدته وعذابه وأهواله فهو أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11].

يقول تعالى: "مخبرا عن هؤلاء القوم -المطعِمين- أنهم يقولون لمن أطعموه من أهل الفاقة والحاجة: ما نطعمكم طعاما نطلب منكم عوضا على إطعامنا لكم جزاء ولا شكورا، ولكنا نطعمكم رجاء منا أن يؤمننا ربنا من عقوبته في يوم شديد هوله، عظيم أمره، تعبِس فيه الوجوه من شدّة مكارهه، ويطول بلاء أهله، ويشتدّ"(17).

فهذا هو يوم الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف، الخائفين من اليوم العبوس القمطرير، الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام، يبتغون وجه الله وحده، لا يريدون شكوراً من أحد، إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير.(18)

6- الحساب اليسير وإعطاء الكتاب باليمين:

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7 -9].

فالناس يوم القيامة على صنفين أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال فأهل الإيمان هم أصحاب اليمين فصاحب الإيمان يأخذ كتابه بيمنه، ويحاسب حساباً يسيراً؛ وهو العرض فقط دون مناقشة، كما في حديث عائشة رضي الله عنها وسيأتي قريباً.

بخلاف المشرك الذي يأخذ كتابه بشماله ويدعو بالثبور والهلاك، وأهل الإيمان هم أهل السرور الآجل عندما ينقلبون إلى أهلهم، وهذا من تمم النعمة عليهم.

يقول سيد: "والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرضي السعيد، الذي آمن وأحسن، فرضي الله عنه وكتب له النجاة، وهو يحاسب حساباً يسيراً، فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب، والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها غناء.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حوسب عذب», قالت عائشة: فقلت أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: 8]. قالت فقال: «إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك»(19).

وعنها كذلك قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حساباً يسيراً»، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك»(20).(21)

فالمؤمنون الصادقون، يحاسبون حساباً يسيراً سهلاً، بأن تعرض أعماله على خالقهم -سبحانه وتعالى- ثم يكون التجاوز عن المعاصي، والثواب على الطاعة، بدون مناقشة أو مطالبة بعذر أو حجة.فيحصل لهم بهذا السرور.

7- النجاة من النار:

قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72].

فمن أعظم النعم التي ينعم بها أهل الإيمان في الآخرة النجاة من النار وهولها والفوز بالجنة فهذا من أعظم الفوز كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

ثم تتوالى على أهل الإيمان النعم في هذا اليوم الرهيب والعظيم.

8- النور الذي يكشف الطريق الموصلة إلى الجنة:

قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: 12].

يقول ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين: أنهم يوم القيامة يسعَى نورهم بين أيديهم في عَرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم مَن نوره مثل الجبل، ومنهم مَن نوره مثل النخلة، ومنهم مَن نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا مَن نوره في إبهامه يتَّقد مرة ويطفأ مرة.(22)

وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من المؤمنين من يضيء نُوره من المدينة إلى عَدن أبين وصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه»(23).

فهذا النور دليل لهم في طريقهم إلى الجنة كما قال مقاتل.(24)

"فهؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم، ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعاً لطيفاً هادئاً، ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم، فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت نوراً يمتد منها فيرى أمامها ويرى عن يمينها..."(25).

9- استقبال الملائكة بحفاوة:

قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73].

وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24].

10- الخلود في الجنة:

قال تعالى عن المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 10-11].

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: 42].

11- ألوان مختلفة من النعيم في الجنة:

1- من الأزواج المطهرة:

قال تعالى: ﴿...وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25].

2- والرضوان والنعيم المقيم:

قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ [التوبة: 21].

3- المساكن الطيبة:

قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: 12].

4- ينزع الله الغل من صدورهم:

قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: 43].

5- النظر إلى وجه الله:

قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26].

وفي صحيح مسلم تفسير هذه الزيادة بالنظر إلى الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن»(26).

6- يحلون أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق:

قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 31].

7- الرزق المعلوم: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: 41-43].

8- الظلال والعيون والفواكه الشهية:

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: 41-43].(27)

فهذه نماذج من النعيم المقيم الذي يلقاه أهل الإيمان في دار النعيم نسأل من الله العزيز القدير أن يجعلنا من أهل الجنة بمنه وفضله وكرمه إنه على ما يشاء قدير.

وليس المقصود هنا حصر نعيم أهل الجنة فليس المقام لذلك فهناك في الجنة لأهل الإيمان من أنواع النعيم ما لم تسمع به أذن، ولا رأته عين، ولا خطر على قلب، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]»(28)، والمقصود ذكر طرف من هذا النعيم الذي ينعم به أهل الإيمان في الحياة الآخرة لتظهر لنا من خلاله الثمار العظيمة التي تحصل لأهل الإيمان في الآخرة.

ثانياً: الثمار الخاصة:

وهناك ثمار للإيمان تتعلق في بعض قضايا الإيمان كأركان الإيمان الستة، وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية، وخاتم الرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومحبة الصحابة الكرام وغيرها من القضايا الإيمانية فالإيمان بها يورث المؤمن جملة من الثمار، فهي وإن كانت خاصة إلا أنها تدخل بالجملة في ثمار الإيمان بشكل عام، وهي كثيرة ولكننا سوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن بعض هذا الثمار في بعض قضايا الإيمان ليتبين لنا عظمة قضية الإيمان التي هي أعظم القضايا فمن أجلها خلق الله -عز وجل- السموات والأرض، وخلق الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفرض الجهاد،وانقسم الناس فيه إلى مؤمنين وكفار...، ويتبين عظيم ما يحصل للمسلم من الثمار العظيمة والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

وأول ما نبدأ الحديث عنه ثمار الإيمان في بعض أركان الإيمان.

1- ثمار الإيمان بالله -سبحانه وتعالى-:

فالإيمان بالله -عز وجل- أكثر من أن تحصى ثماره وما ذكر في الثمار العامة في الدنيا والآخرة ما هي إلا طرف مما يلقاه العبد المؤمن وخلاصة القول بأن ثمار الإيمان بالله - عز وجل- هو حصول المؤمن على كثير من خيرات الدنيا والآخرة، وجلب الخيور، ودفع الشرور كلها، والفوز والفلاح.

والإيمان بالله -عز وجل- يتضمن الإيمان بوجوده سبحانه، والإيمان بألوهيته، وتفرده بالربوبية، والإيمان بأسمائه وصفاته، والحديث سيكون على الثمار التي يجنيها المؤمن من هذا التوحيد:

فتوحيد الله، وإفراده بالعبادة أجَلُّ النِّعم وأفضلها على الإطلاق،وفضائله وثمراته لا تعد ولا تحصى، نذكر طرفاً من هذه الفضائل:

1- أعظم النعم: فتوحيد الألوهية من أعظم النعم التي أنعم الله على بها على عباده، حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم،فالله عز وجل قدم نعمة التوحيـد على كل نعمـة، فقال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: 2].

2- عبادة المولى تبارك وتعالى: فهو الغاية التي من أجلها خلق الجن والإنس: قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

3- أنزال الكتب: فمن ثمرات هذا التوحيد إنزال الكتب التي تحمل الهداية والنور للبشرية، وخاتم هذه الكتب القرآن الكريم قال تعالى: ﴿آلر * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: 1 - 2].

4- تفريج الكرب: فهو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، ودفع عقوبتهما كما في قصة يونس عليه السلام.

5- منع الخلود في النار: فمن ثماره العظيمة أنه يمنع صاحبه من الخلود في النار، إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان»(29)، قال الإمام النووي: فالمراد دخول الكفار وهو دخول الخلود.(30)

6- منع دخول النار بالكلية: ومن ثماره أنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية كما في حديث عتبان في الصحيحين؛ قال عليه الصلاة والسلام: «فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»(31).

7- حصول الاهتداء الكامل والأمن التام لأهله في الدنيا والآخرة: قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

8- حصول الرضا: فهو من أهم الأسباب لنيل رضا الله وثوابه.

9- حصول الشفاعة: فصاحبه من أسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه»(32).

10- ترتب قبول الأعمال عليه: جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها، وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.(33)

11- يسهل على العبد فعل الخيرات: ويعينه على ترك المنكرات، ويسليه عن المصيبات؛ فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات؛ لما يرجوه من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لما يخشى من سخطه وأليم عقابه.(34)

12- تحبيب الإيمان في القلب: فالتوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكره إليه الكفر، والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين قال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7].

ففي الآية خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل أي جعل الإيمان أحب الأديان إليهم وحسنه في قلوبهم فلا يقع منهم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة.(35)

13- تحرر العبد: من رق المخلوقين ومن التعلق بهم، وخوفهم، ورجائهم، والعمل لأجلهم.

وهذا هو العز الحقيقي، والشرف العالي، فيكون بذلك متألهاً متعبداً لله، فلا يرجو سواه، ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.(36)

14- التوفيق والتسديد: فالله تكفل لأهله بالفتح والنصر، والعز والشرف، وحصول الهداية، والتيسير، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال، ويمن عليهم بالحياة الطيبة، والطمأنينة إليه وبذكره.

وشواهد ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، فمن حقق التوحيد حصلت له هذه الثمار كلها وأكثر منها، والعكس بالعكس.(37)

ثمرات توحيد الأسماء والصفات:

العلم بأسماء الله وصفات، والإيمان بها وتدبرها، وفهمها يورث ثمرات عظيمة وفوائد جليلة ذكرها العلماء نذكر طرفاً منها على وجه الإيجاز:

1- طريق معرفة الله:

فالعلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفته، فالله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك اشتغال بما خُلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خُلق له، وقبيح بعبد لم تزل نِعَمُ الله عليه متواترة أن يكون جاهلاً بربه، معرضاً عن معرفته، يقول ابن القيم: ولا يستقر للعبد قدم في المعرفة حتى يؤمن بصفات الرب جل وعلا، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة الإحسان.(38)

2- محبة الله: فمعرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له: وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.

3- الإقتداء: ومن ثمرات الإيمان بصفات الرب تبارك وتعالى أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلي بها على ما يليق به، فالمحب يحب أن يتصف بصفات محبوبة، فأحب الخلق إلى الله تعالى من اتصف بالصفات التي يحبها الحق تبارك وتعالى وابغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها.(39)

4- تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد: وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم ـ بإذن الله ـ من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويملأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.(40)

فمثلاً أسماء العظمة تملأ القلب تعظيماً وإجلالاً لله، فتثمر الخضوع والاستكانة والمحبة.(41)

وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة له، وشوقاً إليه، ورغبة بما عنده، وحمداً وشكراً له.

وأسماء العزة، والحكمة، والعلم، والقدرة ـ تملأ القلب خضوعاً وخشوعاً وانكساراً بين يديه -عز وجل- وهكذا

5- الإنزجار عن المعاصي: ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتجانب المعصية.

6- التوبة من المعصية: فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله "الرحيم، التواب، الغفور" فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفوراً تواباً رحيماً.

7- اللجوء إلى الله: ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره، فيلجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.

8- الشجاعة: فعند مقارعة الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، وإلحاق الأذى به فعندما يعلم العبد بتفرد الرب تبارك وتعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه ظاهراً وباطناً.(42)

9- زيادة الإيمان: فالعلم بأسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادة الإيمان، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والإخبات، والتقديس، والتعظيم للباري ـ جل وعلا ـ قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: 17].(43)

10- من أحصاها دخل الجنة: فمن أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله دخل الجنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة».(44)

وهناك ثمار كثيرة لهذا التوحيد، فما من صفة لله تعالى، أو اسم من الأسماء إلا ولها ثمار عظيمة، وآثار كبيرة، وهذا من فضل الله -عز وجل- على أهل التوحيد.

2- ثمار الإيمان بالرسل الكرام:

إيمان المؤمن بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام له آثار عظيمة وثمرات كثيرة يجنيها المؤمن نذكر منها:

1- معرفة رحمه الله: فالإيمان بالرسل الكرام يعرّف الإنسان رحمة الله -عز وجل- بخلقة وعنايته سبحانه بهم حيث أرسل الرسل إليهم ليهدوهم إلى الطريق الصحيح، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله - عز وجل- عبادة يرضاها ويقبلها قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

وقال سبحانه: ﴿قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].

وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4].

2- شكر الله تعالى على هذا النعمة:

فإرسال الرسل نعمة أنعم الله بها على الناس قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]، ففي هذه الآية يُذكر الله -تبارك وتعالى- عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات وَيُزَكِّيهم... فالناس قبل أرسل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا في جاهلية جهلاء فانتقلوا ببركة رسالته، ويُمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة...(45)

3- محبة الرسل الكرام: ومن الثمار محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم قاموا بعبادة الله وتبليغ رسالته والنصح لعباده، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين»(46).

يقول ابن حجر: وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر فإن الأحبية المذكورة تعرف به وذلك أن محبوب الإنسان أما نفسه وأما غيرها أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومالا فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره.(47)

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»(48).

قال في عمدة القاري: قال النووي هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام قلت كيف لا وفيه محبة الله ورسوله التي هي أصل الإيمان بل عينه...(49)

فمحبة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هي من أعظم الثمار التي يحصل عليها المؤمن لعظيم النفع الذي حصل له من بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم،فكل من أمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير الناس تتفاوت في ذلك فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى.(50)

4- أتباع الهدى: فمن الثمار التي يجنيها المؤمن من خلال إيمانه بالرسل الكرام أتباع الهدى الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيتحقق للمؤمن الخير والهدى والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123 - 124].

يقول ابن كثير: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه(51)، فتباع هدى الله -عز وجل- الذي جاء به الرسل الكرام يجنب الإنسان الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة.

3- ثمار الإيمان بالملائكة:

الإيمان بالملائكة الكرام ثمراته عظيمة على المؤمن نذكر طرفاً منها:

1- عظمة الخالق: فالإيمان بهم يعرف المؤمن بعظمة خالقهم عز وجل وكمال قدرته وسلطانه: وهذه من أعظم الثمار فعظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق -سبحانه وتعالى- فخلق الملائكة الكرام أولي أجنحة يوحي بعظمة الخالق سبحانه قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: 1].

وقد جاء في الأحاديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام وله ستمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب.(52)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أذن لي أن أحدِّث عن ملك من ملائكةِ اللَّه من حملة العرشِ، ما بين شحْمة أذنهِ إِلى عاتِقِهِ مسيرة سبعمائةِ عام»(53).

فالمؤمن بذلك تزداد معرفته بخالقه وعظمته سبحانه، فهو على كل شيء قدير.

2- محبة الملائكة: على ما هداهم الله إليه من تحقيق عبادة الله على الوجه الأكمل ونصرتهم للمؤمنين واستغفارهم لهم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: 165- 166].

يقول ابن جرير: يقول تعالى مخبرًا عن ملائكته: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ لله لعبادته ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ له، يعني بذلك المصلون له، وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقال به أهل التأويل.(54)

ومن ذلك: ما رواه مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنها قالت: قال نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيا مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أو قائم»، فذلك قول الله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.(55)

فالملائكة قائمة لله -عز وجل- بالعبادة والطاعة، فهم يسبحون بحمد الله قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].

يقول ابن جرير: "الذين يحملون عرش الله من ملائكته، ومن حول عرشه، ممن يحفّ به من الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يقول: يصلون لربهم بحمده وشكره ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يقول: ويقرّون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويشهدون بذلك، لا يستكبرون عن عبادته"(56).

وقال -عز وجل-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206].

فمن ثمرات ذلك أن يتشبه المسلم بالملائكة في مداومتهم على طاعة الله -عز وجل- والعبادة له.

3- عنايته الله -عز وجل- بعباده: حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وعنايتهم وكتابة أعمالهم وغير ذلك مما تتحقق به مصالحهم في الدنيا والآخرة مما يوجب عليهم شكره على هذا النعمة.

قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ [الرعد: 11].

والمعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلاً منه، وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين.(57)

يقول ابن كثير: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حَرَس بالليل وحَرَس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار.(58)

4- المراقبة الدائمة - لله عز وجل-: فالمؤمن يعلم بالكرام الكاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد فيديم المراقبة له سبحانه.

قال سبحانه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12].

فقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ وإن عليكم رُقَباء حافظين يحفظون أعمالكم، ويُحْصونها عليكم ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾كراما على الله كاتبين يكتبون أعمالكم.(59)

فالملائكة تكتب أقوال الإنسان وأفعاله من خير وشر فيشعر المؤمن بهذا الرقابة الدائمة عليه فيحسن العمل ويستحي أن يرى على غير ما هو مأمور به، فيستقيم على طاعة الله تعالى، فلا يعصيه لا في العلانية، ولا في السر.

5- الاستئناس بالملائكة في طاعة الله - عز وجل-: حيث أن الله -عز وجل- يثبت بهم أولياءه على طاعته قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [الأنفال: 12].

فالمؤمن عندما يوقن أن معه في هذا الكون الفسيح أُلوفا من الملائكة تقوم بطاعة الله على أحسن حال وأكمل شأن يشعر بالأنس والطمأنينة، ويعلم بأن هناك من ينافسه على العبادة لله -عز وجل- فيجتهد في الطاعة والعبادة،وتحصل له الاستقامة على أمر الله -عز وجل-.

6- البعد عن إيذاء الملائكة: فأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وأكثر ما يؤذي الملائكة الصور والتماثيل والروائح الكريهة، وما يصدر من الإنسان من المعاصي والذنوب.(60)

فعن أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم».(61)

وقال مرة: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»(62).

7- التنبه من الغفلة والتذكر الدائم للموت: فعندما يتذكر المؤمن ملك الموت الذي يقبض الأرواح يستعد للموت وينتبه من غفلته ويعلم أن الدنيا دار عمل، وأن ما فيها زائل لا يدوم، وأنها لحظات قد يأتيه رسل الله -عز وجل- في أي لحظة منها فيحسن العمل الصالح، والاستعداد لليوم الآخر.

قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: 61].

يقول ابن جرير: "إن ربكم يحفظكم برسل يعقب بينها يرسلهم إليكم بحفظكم وبحفظ أعمالكم إلى أن يحضركم الموت وينزل بكم أمر الله فإذا جاء ذلك أحدكم توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح ورسلنا المرسلون به ﴿وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ في ذلك فيضيعونه"(63).

8- تطهير العقيدة من الشرك: المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بهذه الأعمال العظيمة تخلص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهمية تسهم في تسيير الكون، فيطهر المسلم عقيدته من شوائب الشرك وأدرنه، وكذلك عندما يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم.(64)

4- ثمار الإيمان بالكتب:

أنزل الله -عز وجل- عبر القرون على الأنبياء والرسل كتب فيها الخير الهدى والنور والضياء للبشرية والمسلم يؤمن بها فهي من أركان الإيمان الستة كما هو معلوم، والإيمان بها يحقق ثمار للمسلم نذكر منها:

1- الشعور بأن دين الله واحد: فإيمان المسلم بالكتب السماوية التي أرسلها الله -عز وجل- على الأنبياء والرسل السابقين يشعر بوحدة الدين فدين الله واحد قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]. ويشعر بوحدة الرسل، ووحدة البشرية، وبالتالي الشعور بوحدة المنزل سبحانه وتعالى.

2- عناية الله تعالى بخلقه: يعلم المسلم عناية الله -عز وجل- بخلقه فإنزال الكتب على كل قوم منه سبحانه وتعالى ليهديهم ويرشدهم بها تدل على عنايته سبحانه بهم.

3- العلم بحكمة الله تعالى: حيث أنزل على كل قوم ما يناسبهم من الشرائع، وتناسب أحوالهم.

قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48].

قال ابن جرير: لكل قوم منكم جعلنا طريقا إلى الحق يؤمه، وسبيلاً واضحاً يعمل به.(65)

فالله -عز وجل- شرع شرائع مختلفة لكل أمة من الأمم ما يناسبها فجعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، ولكن هذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.(66)

وبهذا يشعر المسلم بأن الإسلام الجامع لكل الديانات السماوية، والمسلمون هم أولى الناس بقيادة البشر إلى الخالق سبحانه وتعالى.

4- شكر نعمة الله في إنزال تلك الكتب: فهذه الكتب نور يستضيئون بها،وهدى يسيرون عليه في الدنيا والآخرة، فهي نعمة عظيمة من الله -عز وجل- منّ بها على الناس فيتعيّن شكر الله على هذه النعم العظيمة كما في شكره على سائر النعم.

5- ثمار الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره:

الإيمان بالقضاء والقدر من أهم أركان الإيمان فهو قطب رحى التوحيد ونظامه، وهو سر من أسرار الله تعالى التي اختص به، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب.

قال الإمام أبو المظفر السمعاني -رضي الله عنه-: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفا النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار واختص الله تعالى به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب.(67)

والمؤمن بالقضاء والقدر يجني من الإيمان به ثمار عديدة وفوائد جليلة في الدنيا والآخرة فمن جملة هذه الثمار والفوائد:

1- الاعتماد على الله تعالى: فالمسلم عند فعل الأسباب يعتمد على الله - عز وجل- لأنه مقدر الأسباب والمسببات.

فالمرء لا يدري ما يصيبه من خير أو شر، والمسلم عندما يعتمد على الله تعالى يبقى دائم الاتصال به مرتبطاً بخالقه، متوكلاً عليه، وهم مأمورون بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، والإيمان بأن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله، لأن الله هو الذي خلق الأسباب، وهو الذي خلق النتائج.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير، إحرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»(68).

يقول الإمام النووي: "احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن طلب الإعانة".(69)

فالحديث يتضمن الإيمان بالقدر لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا طاعة لله -عز وجل- إلا بمعونة وتوفيقه سبحانه ومن ظن أنه يستطيع أن يعبد الله -عز وجل- بلا معونته كما يزعم القدرية والمجوسية فقد جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء.(70)

2- الراحة النفسية: فالمؤمن إذا أدرك أن كل شيء بقضاء وقدر عاش في راحة نفسية، وسكون في القلب، فلا يقلق بفوات محبوب أو حصول مكروه فكل شيء عنده بقضاء وقدر. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11].

وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22]. فكل ما يصاب به الناس من المصائب والأمراض والأوجاع مكتوب في كتاب من قبل أن يخلق الله - عز وجل- الأنفس يقول ابن جرير في معنى الآية: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في الأرض بجدوبها وقحوطها وذهاب زرعها وفسادها ﴿وَلا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ بالأوصاب والأوجاع والأسقام ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ يعني إلا في أم الكتاب ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ أي من قبل أن نبرأ الأنفس يعني من قبل أن نخلقها.(71)

فالمؤمن يعش في هذا الدنيا المليئة بالمشاق مطمئن القلب لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه» ثم قرأ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ أي من الدنيا.(72)

فتسكن نفسه ويطمئن باله، فإن من علم أن كل شيء بقدر هان عليه الأمر.

3- تهون على العبد المصائب: لعلمه بأن ذلك من عند الله سبحانه، وما كان من الله سبحانه فالرضى به والتسليم له شأن كل عاقل، فمن ثمرات الإيمان بالقدر أنه يورث العبد قدرة على مواجهة المصائب والمحن التي تنزل عليه فلا يستسلم لها، ولا تضعف نفسه بل يرضى ويسلم أمره للذي بيده سبحانه ويقول كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها -إلا أخلف الله له خيرا منها»(73).

بل أمر المؤمن كله خير في السراء أو الضراء، فتهون عليه كل المصائب عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».(74)

4- ترك الإعجاب بالنفس: فالإيمان بالقدر يَعْرِف الإنسان قَدْر نفسه، فلا يتكبر ولا يَبْطُر ولا يتعالى أبدا؛ لأنه عاجز عن معرفة المقدورِ، ومستقبل ما هو حادث، وحصول النعم له من الله تعالى ما هي إلا بما قدره الله له من أسباب الخير والنجاح، فالإنسان يقرّ بعجزه وحاجته إلى ربه تعالى دائماً.

5- الثبات عند المحن والشدائد: فالمسلم يواجه المحن ومشاق الحياة بقلب ويقين صادق فلا تهزه الأحداث والفتن لأنه يعلم أن هذا الحياة دار ابتلاء وامتحان، تتقلب فيها الأمور في كل لحظة, فالرعيل الأول من الصحابة الكرام واجهوا المحن والمصائب بالإيمان الصادق والعزم الثابت، وما ذاك إلا لإيمانهم بقضاء الله وقدره وإيمانهم بقوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُو مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].(75)

إن الإيمان بالقدر يبعث في القلوب الشجاعة والثبات على مواجهة الشدائد، ويقوي فيها العزائم، ولا تخاف الموت.

وصور الثبات كثيرة منها الثبات في ساحات الجهاد يحث يلوح الموت في الأفق فالإيمان بالقدر يبعث في النفوس الشجاعة والإقدام والثبات في ساحات القتال، لإيمان النفوس المؤمنة بأن الآجال محدودة، والأنفس معدودة، فلا تتقدم ولا تتأخر لنشاهد أروع الأمثلة على الثبات والصمود أمام الأعداء مهما كانت قوَّتهم، ومهما كان عددهم.

6- الإيمان بالقدر هو القوة الدافعة والطاقة المولدة للنشاط:

فهو يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والثراء لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له فإنه يتوكل ولا يهاب أحد من المخلوقين، ولا يعتمد عليه وإنما يتوكل على الله، فالقدر من أكبر الدواعي التي تدعو الفرد إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله في هذه الحياة، والإيمان بالقدر من أقوى الحوافز للمؤمن لكي يعمل، ويُقدم على عظائم الأمور بثبات ويقين.(76)

7- الصدع بالحق والجهر به:

ومن آثار الإيمان بالقدر أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته، ويجهر بها أمام الكافرين والظالمين، لا يخاف في الله لومة لائم، يبين للناس حقيقة الإيمان ويوضح لهم مقتضياته، كما يبين لهم مظاهر الكفر والنفاق ويحذَرهم منها، ويكشف الباطل وزيفه، ويقول كلمة الحق أمام الظالمين، فإن المؤمن يفعل كل ذلك وهو راسخ الإيمان واثق بالله، متوكل عليه، يعلم أن كل شيء بقدر، صابر على كل ما يحصل له في سبيله؛ لأنه موقن أن الآجال بيد الله وحده، وأن الأرزاق عنده وحده، وأن العبيد لا يملكون من ذلك شيئا مهما وجد لهم من قوة يتقوون بها، وأعوان ينتصرون بهم.(77)

8- القضاء على كثير من الأمراض:

والإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات، وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، وذلك مثل رذيلة الحسد، الذي يدفع العبد إلى الضغينة والحقد، فإن العبد إذا علم أن الله هو المعطي وهو المانع، وأن الرزق مقسوم، والأجل محدود، سلَّم أمره إلى الله، وقنع بما رُزِق، وعلم أن ما كتب له سيأتيه، ولو لم يرد أهل الأرض، وأن ما لم يكتب لن يأتيه ولو أراد أهل الأرض.(78)

فالمؤمن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله؛ لأن الله هو الذي رزقهم وقدّر لهم ذلك، وهو يعلم أنه حين يحسد غيره إنما يعترض على القدر، فمن ثمار الإيمان بالقدر معالجة هذه الأمراض الناشئة عن عدم الرضا بالقضاء والقدر.

9- التحرر من الخوف: فمن ثمار الإيمان بالقدر تحرر العبد من الخوف إلا من الله جلَّ وعلا، فإذا علم المسلم أن لكل أجل كتاب، ولكل أمر مستقر، وأن نواصي العباد بيده سبحانه، لم يرهبه ظلم ظالم، ولا تجبر جبار.

10- الحرص على العمل الصالح: ومن ثمار الإيمان بالقدر الحرص على الأعمال الصالحة، لعلم العبد أن الموت قد يدهمه في أي لحظة، فيكون حاله كمن يسابق الزمن في سبيل التزود من عمل الخير.

11- شهود منه الله ونعمه على العباد: ومن فوائده: أنه يوجب للعبد شهود منة الله عليه فيما يمن به عليه من فعل الخيرات وأنواع الطاعات، فلا يعجب بنفسه ولا يدلي بعمله؛ لعلمه أنه تعالى هو الذي تفضل عليه بالتوفيق والإعانة وصرف الموانع والعوائق، وأنه لو وكل إلى نفسه لضعف وعجز عن العمل,كما أنه سبب لشكر نعم الله بما ينعم عليه من نعم الدين والدنيا. فإنه يعلم أنه ما بالعبد من نعمة إلا من الله وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونقمة.(79)

ثمار الإيمان باليوم الأخر:

الإيمان باليوم الأخر هو الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد البعث فهو إيمان بالأمور الغيبية التي تكون في يوم القيامة، والله -عز وجل- قد علق حصول التقوى والفلاح للإنسان في الدنيا والآخرة بالإيمان بما ذكره الله - سبحانه وتعالى- من الأمور الغيبية قال سبحانه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 1-5].

واليوم الأخر هو من جملة الأمور الغيبية التي أخبر بها سبحانه، والتي يحب على العبد الإيمان به، فالإيمان به يورث المسلم ثمار عظيمة يجدها في الحياة الدنيا فمن هذه الثمار:

1- الحرص على الأعمال الصالحة والزيادة منها:

فالإيمان باليوم الآخر واليقين به يزيد المؤمن حرصاً على الأعمال الصالحات والزيادة منها، والابتعاد عن الأعمال السيئة فيستعد لهذا اليوم بما يحبه الله - سبحانه وتعالى- قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 37-41].

يقول ابن جرير: قوله تعالى: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يقول: وآثر متاع الدنيا على كرامة الآخرة وما أعد الله فيها لأوليائه فعمل للدنيا وسعى لها وترك العمل للآخرة، ويقول: وأما من خاف مسألة الله إياه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ونهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله ولا يرضاه منها فزجرها عن ذلك وخالف هواها إلى ما أمره به ربه فإن الجنة هي مأواه ومنزله يوم القيامة.(80)

وهذا الآية عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة كما قال الإمام القرطبي.(81)

فالمؤمن يحرص على طاعة الله رغبة في ثواب ذلك اليوم، ويبتعد عن المعاصي خوفا من عقاب ذلك اليوم.

2- تسلية المؤمن: ففي اليوم الآخر تسلية للمؤمن عما يفوته من نعيم الدنيا ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها(82)، ويعلم أن عمله لا يضيع بل سيجزى به بدار النعيم المقيم قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 30-31].

3- المحاسبة للنفس: فمن ثمار الإيمان باليوم الآخر أن يحاسب المسلم نفسه؛ لأنه يعلم أين مصيره بعد موته، ويعلم أنه ملاق جزاء عمله، إن خيرا فخيراً وإن شرا فشراً، وأنه سيوقف للمحاسبة، وسيقتص له ممن ظلمه، وتؤخذ حقوق العباد منه لمن ظلمهم أو اعتدى عليهم.(83)

4- إحياء المعاني والصفات الحميدة: فالإيمان باليوم الآخر يحي في نفوس المؤمنين معاني الصبر والاحتساب، والرضا، والعفو والبذل في سبيل الله عز وجل، فالمؤمن يعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان وليست دار للجزاء والنعيم، فيعفو عمن ظلمة، ويقبل الأعذار، ويبذل وينفق في سبيل الله تعالى، ويضرب أروع الأمثلة في التضحية والفداء ويسعى إلى الخير ويقاوم الشر، لا يغش ولا يخدع، ولا يسرق، ولا يزني...كل هذا لإيمانه باليوم الآخر.

5- الزهد في الدنيا: ومن ثمرات اليقين باليوم الآخر الزهد في الدنيا وعدم تعلق القلب بها فالمؤمن يعلم أنها دار متاع، وأنها مرحلة من مراحل الحياة، وليست هي كل الحياة، والآخرة خير وأبقى فيرغب في الباقية ويزهد عن الفانية.

6- تحقيق الأمن والسلامة من الظلم: أن الإيمان بالله وباليوم الآخر يحقق للبشرية الأمن والسلام - في زمن عز فيه الأمن، ولم تتوقف فيه الحروب- وما ذاك إلا لأن الإيمان بالله وباليوم الآخر يلزم الإنسان أن يكف شره عن غيره في سره وفي علنه، فهو يردع الإنسان عن ظلم الآخرين وانتهاك حقوقهم، فإذا آمن الناس باليوم الآخر سلموا من ظلم بعضهم لبعض وحفظت حقوقهم.(84)

7- كمال العدل الإلهي: فالمؤمن باليوم الأخر يستشعر كمال عدل الله تعالى حيث يجازي كلا بعمله مع رحمته بعباده، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

8- راحة البال: فالإيمان باليوم الآخر هو إجابة لأهم الأسئلة من الذي خلقك؟ ولماذا خلقت؟ وإلى أين المصير بعد الموت؟ فالمؤمن يجد الجواب على هذه الأسئلة، فيعيش مطمئن البال، أما الكافر الذي لا يجد الجواب عليها يعيش في حيرة عظيمة وقلق دائم.

ثمار محبة الصحابة رضي الله عنهم:

ومن ثمار الإيمان الخاصة التي تتعلق ببعض قضايا الإيمان الثمار التي يجنيها المؤمن من حبه للصحابة الكرام، ومعرفة قدرهم ومكانتهم واحترامهم. وهذه الثمار كثيرة نذكر طرفاً منها:

1- الفلاح والغلبة والنصر: فمن أهم ثمار المحبة للصحابة الكرام الفلاح والنصر في الدنيا والآخرة قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56].

يقول ابن كثير: "فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة"(85).

قد وقع ولله الحمد ما وعد الله به أولياءه وأولياء رسله وأولياء عباده المؤمنين من الغلبة على أعدائهم فإنهم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية حتى صاروا لعنهم الله أذل الناس...(86)

2- الحشر معهم: ومن ثمار محبتهم في الآخرة ما يُرجى لمُحبّهم من الحشر معهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم: «المرء مع من أحب»(87).

فحب الصحابة الكرام وإخلاص المحبة لهم يجعل المحب لهم يكون من زمرتهم وإن لم يعمل عملهم لثبوت التقارب بين قلوبهم وربما تؤدي تلك المحبة إلى موافقتهم، ففي هذا الحديث الحث على محبة الصالحين والأخيار فهي من أسباب الخلاص من النار.(88)

3- الابتعاد عن صفات أهل النفاق: فمن ثمار محبة الصحابة الكرام أن المحب لهم يخلع عن نفسه صفة من صفات أهل النفاق؛ فمن صفات أهل النفاق بغض الصحابة الكرام فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»(89).

وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضائل الصحابة الكرام كثيرة نعرفها من خلال تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضا ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئاً وكل هذا يوجب على المؤمن محبتهم والرضا عنهم.(90)

4- ومن الثمار التقرب إلى الله -عز وجل- بمحبتهم: فالصحابة الكرام كانوا يتقربون إلى الله -عز وجل- بمحبة أبي بكر وعمر ويعدون ذلك من أفضل أعمالهم فقد روى البخاري عن أنس -رضي الله عنه-: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها؟» قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم"(91).

ومن الثمار الخاصة الثمار التي يجدها الفرد في حياته: فالإيمان يورث الكرامة والعزة في نفس المؤمن ليعش حياة مليئة بالعزة، يثمر له السعادة، والسكينة والرضا والأمن والحب والأمل والثبات عند الشدائد وغيرها كثير.(92)

وثمار الإيمان يجدها الفرد المسلم سواءً في الجانب العقائدي وهو ما تحدثنا عنه سابقاً، أوفي الجانب الاجتماعي، من حيث الأمن، والراحة، ومن حيث الوقاية من الرذائل والفواحش، أوفي الجانب الأخلاقي من حيث التحلي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة التي ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم، والأمر ينسحب على الجماعة المسلمة لتجني الثمار في هذه الجوانب، وتظهر فيه المعاني الحميدة والأخلاق الفاضلة من الإخلاص في العمل والتضحية والفداء والبذل والعطاء والتكافل والتعاون بين جميع الأفراد، وتنتشر بين أفرده روح المحبة والإخاء،والرحمة، وتظهر فيه معاني القوة والعزة والكرامة، مجتمع منتج يسعى للتغيير والإصلاح، ينشر العدل والآمان فيتحقق له الفوز في الدنيا والآخرة، ويستحق وصف خير أمة أرسلت للناس.

ومن خلال هذه البحث يتبين لنا أهمية هذه القضية قضية الإيمان وما تثمر من الثمار اليانعة والطيبة في الحياة الدنيا والآخرة، وهي أكثر من أن تحصى أو تستقصى والمراد ذكر جملة من هذه الثمار التي يتحصل عليها المؤمن في الحياة الدنيا فيعيش حياة طيبة، فيها الراحة والآمان، والاطمئنان، وفي الآخرة ينعم بالعيش السعيد الأبدي في جنات النعيم.

ثمار يجدها الفرد المسلم في حياته يجدها في كل ركن من أركان إيمانه، كما تجدها الآمة المسلمة فتحيا حياة مليئة بالكرامة والعزة والسؤدد والسيادة على جميع الأمم، فتستحق أن تكون خير الأمم.

وهكذا تثمر الشجرة المباركة شجرة الإيمان تثمر الثمار اليانعة فهي طيبة وثمارها طيبة، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 25].

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على إمام الموحدين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين،والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

جمع وإعداد: خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 29/ رجب/ 1427هـ, الموفق: 22/ 8/ 2006م.

مراجعة: علي عمر بلعجم.

_________________________

(1) تفسير ابن كثير: 2/ 772، وانظر تفسير الطبري: 7/ 641، وتفسير القرطبي: 10/ 155.

(2) تفسير الطبري 3/ 23، وانظر في معنى الآية تفسير القرطبي: 3/ 270، وفتح القدير: 1/ 417، وتفسير البغوي: 1/ 315.

(3) باختصار من فتح القدير: 2/ 332، وانظر في تفسير الآية تفسير البيضاوي: 1/ 43، وروح المعاني: 9/ 10.

(4) فتح القدير: 4/ 327، وانظر في تفسير الآية تفسير الطبري: 10/ 195، تفسير البغوي: 1/ 275.

(5) صحيح البخاري: 5/ 2384، برقم: 6137.

(6) فتح القدير: 4/ 69، وانظر في تفسير الآية تفسير ابن كثير: 3/ 401، وتفسير القرطبي: 12/ 272.

(7) علم الإيمان: 1/ 23، للشيخ عبد المجيد الزنداني.

(8) تفسير الطبري: 7/ 580.

(9) تفسير البغوي: 1/ 17.

(10) بتصرف فتح القدير: 4/ 733، وأنظر في تفسير الآية: تفسير الطبري: 11/ 106، وتفسير البيضاوي: 1/ 114، وتفسير أبي السعود: 8/ 13.

(11) تفسير الألوسي: 9/ 362، وانظر في تفسير الآية: تفسير الطبري: 16/ 589، وفتح القدير: 4/ 145، والتحرير والتنوير: 7/ 431، وتفسير الرازي: 9/ 247.

(12) صحيح البخاري: 4/ 1735، برقم: 4422.

(13) جزء من حديث طويل عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنظر سنن أبي داود: 2/ 652، برقم: 4753، وقال الألباني: صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك: 1-93، برقم: 107.

(14) سنن أبي داود: 2/ 652، برقم: 4753، ومسند أحمد بن حنبل: 4/ 287، برقم: 18557، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح.

(15) أنظر هذه الأقوال في: تفسير البحر المحيط: 8/ 193، وتفسير ابن كثير: 5/ 381، وفتح القدير 5/ 84، والنكت والعيون: 3/ 98.

(16) في ظلال القرآن: 5/ 174.

(17) تفسير الطبري: 24/ 99، وانظر تفسير ابن كثير: 4/ 584، وتفسير القرطبي: 19/ 122، وتفسير الرازي: 16/ 226.

(18) في ظلال القرآن: 7/ 412، بتصرف.

(19) صحيح البخاري: 1/ 51، برقم: 103، ومسلم: 4/ 2204، برقم: 2876

(20) صحيح ابن خزيمة: 2/ 30، برقم: 849، وقال: الأعظمي: إسناده حسن، وانظر صحيح ابن حبان: 16/ 372، برقم: 7372.

(21) في ظلال القرآن: 7/ 496، وانظر أضواء البيان: 9/ 116، والوسيط لسيد طنطاوي: 1/ 4471.

(22) تفسير ابن كثير: 8/ 15، وانظر التحرير والتنوير: 14/ 393، وانظر اثر ابن مسعود في: المستدرك: 2/ 520، وقال:

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط البخاري.

(23) رواه ابن جرير في تفسيره: 11/ 675.

(24) النكت والعيون: 4/ 234.

(25) في ظلال القرآن: 7/ 131.

(26) صحيح البخاري: 4/ 1848، برقم: 4597، ورواه مسلم: 1/ 163، برقم: 180.

(27) بتصرف أنظر هذه الثمار في علم الإيمان: ص 31، وما بعدها.

(28) صحيح البخاري: 3/ 1185، برقم: 3072، ورواه مسلم: 4/ 2174، برقم: 2824.

(29) رواه مسلم: 1/ 93، برقم: 91.

(30) شرح صحيح مسلم: 2/ 91.

(31) رواه البخاري: 1/ 164، برقم 415، ورواه مسلم: 1/ 454، برقم 33.

(32) رواه البخاري: 1/ 49.

(33) نظرة النعيم: 4/ 1341.

(34) بتصرف من نظرة النعيم: 4/ 1341.

(35) بتصرف من تفسير القرطبي: 16/ 266، وفتح القدير: 5/ 86.

(36) انظر بتصرف نضرة النعيم 4/ 1341.

(37) أنظر توحيد الألوهية محمد إبراهيم الحمد.

(38) أسماء الله الحسنى: ص: 30 بتصرف، ابن القيم، دار الكلم الطيب.

(39) أسماء الله الحسنى: ص 47.

(40) أسماء الله وصفاته ص 19، الأشقر.

(41) أسماء الله الحسنى: ابن القيم ص 41.

(42) المصدر السابق: ص 41.

(43) توحيد الأسماء والصفات: محمد إبراهيم الحمد.

(44) صحيح البخاري: 2/ 981، برقم 2585، وصحيح مسلم: 4/ 2062، برقم: 2677.

(45) بتصرف من تفسير ابن كثير: 1/ 464.

(46) رواه البخاري: 1/ 14، برقم: 15.

(47) فتح الباري: 1/ 59.

(48) رواه البخاري: 1/ 14، برقم: 16.، ومسلم: 1/ 66، برقم: 43.

(49) عمدة القاري: 1/ 148.

(50) قاله القرطبي: انظر فتح الباري - ابن حجر: 1/ 60.

(51) تفسير ابن كثير: 3/ 227.

(52) منها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح" أنظر صحيح البخاري: 3/ 1181 برقم: 3060، ومسلم: 1/ 158، برقم: 174.

(53) سنن أبي داود: 2/ 645، برقم: 4727، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 86، برقم: 856.

(54) تفسير الطبري: 21/ 127.

(55) الحديث ذكره الإمام محمد بن نصر بن الحجاج المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة: 1/ 260، وانظر الجامع الصغير وزيادته:

1/ 10، والسلسلة الصحيحة: 3/ 49، برقم: 1059.

(56) تفسير الطبري: 21/ 354.

(57) فتح القدير: 4/ 92.

(58) تفسير ابن كثير: 4/ 437.

(59) تفسير الطبري: 24/ 271.

(60) الثمرات الزكية في العقائد السلفية ص: 174، أحمد فريد، الدار السلفية للنشر والتوزيع.

(61) صحيح مسلم: 1/ 394, برقم: 562.

(62) صحيح مسلم: 1/ 394, برقم: 563.

(63) تفسير الطبري: 5/ 214.

(64) بتصرف من الإسلام أصوله ومبادئه: 1/ 182.

(65) تفسير الطبري: 4/ 606.

(66) بتصرف من فتح القدير: 2/ 70.

(67) مرهم العلل المضلة: 1/ 94، عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي، دار الجيل، بيروت، ط1، 1992.

(68) صحيح مسلم: 4/ 2052، برقم: 2664.

(69) شرح النووي على مسلم: 16/ 215.

(70) بتصرف من مجموع الفتاوى: 8/ 74.

(71) تفسير الطبري: 11/ 685.

(72) الحديث بهذا اللفظ ذكره القرطبي في تفسيره: 17/ 222، وقال عنه الألباني: حسن، انظر ظلال الجنة: 1/ 93، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت،ط3، 1413هـ، والحديث عند الترمذي بلفظ: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن لخيطئه وأن ما أخطأن لم يكن ليصيبه، انظر سنن الترمذي: 4/ 451، برقم: 214، وقال الألباني: صحيح، أنظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1355.

(73) صحيح مسلم: 2/ 631، برقم: 918.

(74) صحيح مسلم: 4/ 2295، برقم: 2999.

(75) بتصرف من الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: 276/ 2.

(76) بتصرف من الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: 2/ 277، الفوزان

(77) بتصرف من التوحيد للناشئة والمبتدئين 1/ 102.

(78) المصدر السابق بتصرف: 1/ 100.

(79) التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة 1/ 88، عبد الرحمن ناصر السعدي، ط1، دار طيبة.

(80) تفسير الطبري: 12/ 440.

(81) تفسير القرطبي: 19/ 180.

(82) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة: 1/ 330، نخبة من العلماء.

(83) بتصرف الإسلام أصوله ومبادئه: 1/ 123، محمد بن عبد الله بن صالح السحيم.

(84) بتصرف المصدر السابق.

(85) تفسير ابن كثير: 2/ 97.

(86) فتح القدير: 2/ 76.

(87) صحيح مسلم: 4/ 2034، برقم: 2640.

(88) بتصرف: عون المعبود: 14/ 25.

(89) صحيح البخاري: 1/ 14، برقم: 17، وصحيح مسلم: 1/ 85، برقم: 74.

(90) بتصرف من كتاب الكبائر: 1/ 236.

(91) صحيح البخاري: 3/ 1349، برقم: 3485، وصحيح مسلم: 4/ 2032، برقم: 2639.

(92) أنظر في هذا الموضوع كتاب الإيمان والحياة للدكتور يوسف القرضاوي.

 
العنوان: موقع جامعة الإيمان
 
العداد: 453
 
الحجم: 62.00KB
اعتماداً على1تقييم  
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: