مركز البحوث
   
الفقه
   
عبادات
   
حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد وفي غير المسجد
حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد وفي غير المسجد
يونس عبد الرب فاضل الطلول
الجمعة 11 يناير 2013

حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد وفي غير المسجد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الإسلام قد أمر بأداء الصلوات الخمس جماعة في المسجد، ورغَّب في ذلك، وقد دلّ على هذا المقصد قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلهِيهِم تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبصَارُ﴾ [النور: 36، 37]. وكذلك فِعلُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاته بأصحابه جماعة في المسجد.

ومما لا شك فيه، أن الأصل هو أداء هذه الصلوات جماعة في المسجد، حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام، لم يرخص للأعمى أن يصلي في بيته، طالما أنه يسمع النداء، كما سيأتي بيان ذلك في البحث، وأنَّ فعل الصلاة فيما كثر فيه المصلون من المساجد أفضل؛ لقول النبي-صلى الله عليه وسلم- «... وإن صلاة الرجل مع الرجل، أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين، أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله -عز وجل-»(1)، لكن ما هو حكم الصلاة جماعة في البيوت مثلاً، أو في الصحراء؟

هذا البحث المتواضع، والذي هو بعنوان: (حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد، وفي غير المسجد) سأذكر فيه: تمهيداً عن فضل الصلاة جماعة في المسجد، ثم بيان هذه المسائل، وهي:

1. حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد.

2. حكم أداء الصلاة جماعة في غير المسجد، كالبيوت والصحراء مثلاً.

3. بيان الحكمة من مشروعية الصلاة جماعة.

تمهيد: فضل الصلاة جماعة في المسجد:

مما يدل على فضل الصلاة جماعة في المسجد، ورود الأحاديث التي فيها بيان الأجر والثواب، لمن حافظ على أداء الصلاة جماعة في المسجد، ومن هذه الأحاديث ما يلي:

أ- رفع الدرجات بسبب الخطى إلى المساجد، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة، تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، لا ينهزه(2) إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة، إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يحدث»(3)، وعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنه- قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم»(4)، والمعنى: الزموا دياركم، فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم الكثيرة إلى المسجد(5)، وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أعظم الناس أجرا في الصلاة، أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام»(6)، وعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: كان رجل من الأنصار، بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فتوجعنا له، فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حماراً يقيك من الرمضاء ويقيك من هوام الأرض، قال: أما والله ما أحب أن بيتي مطنب(7) ببيت محمد - صلى الله عليه وسلم- قال: فحملت به حملاً، حتى أتيت نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن لك ما احتسبت»(8).

ب- زيادة الأجر بسبب كثرة عدد المصلين في المسجد، عن أبي بن كعب-رضي الله عنه- قال: «صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما الصبح، فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته، لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل، أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين، أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل»(9).

ج- النور التام يوم القيامة، عن بريدة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد، بالنور التام يوم القيامة»(10).

د- كتابة الملائكة لمن يدخل المسجد يوم الجمعة، قبل خروج الإمام، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كان يوم الجمعة، وقفت الملائكة على باب المسجد، يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر(11) كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشا ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر»(12).

وبعد ذكر بعض الروايات، التي تدل على فضل الصلاة جماعة في المسجد، أذكر الآن المسائل الثلاث في هذا البحث، وبيان أقوال الفقهاء في كل مسألةٍ على حدة، وهي كالتالي:

1. حكم أداء الصلاة جماعة في المسجد:

اختلف العلماء في حكم أداء الصلوات الخمس جماعة في المسجد، على ثلاثة أقوال:

القول الأول: سنة مؤكدة، وبه قال المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية(13).

القول الثاني: واجبة على الكفاية، وهذا هو القول الثاني للشافعية، قال النووي: "صلاة الجماعة هي في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية للرجال، فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية، فإن امتنعوا كلهم قوتلوا"(14).

القول الثالث: واجبة على الأعيان، وبه قال عامة الحنفية، والحنابلة، والظاهرية، إلا أن الحنابلة لم يشترطوا الجماعة لصحة الصلاة، واستثنوا من الوجوب العيني من كان تخلفه لعذر شرعي، وهذا هو المنصوص عن أحمد(15). قال البهوتي: "ليست الجماعة شرطا لصحة الصلاة، فتصح صلاة المنفرد بلا عذر، وفي صلاته فضل، وصلاة الجماعة أفضل بسبع وعشرين درجة، لحديث ابن عمر المتفق عليه"(16).

وأما الظاهرية، فاشترطوا الجماعة لصحة الصلاة، بمعنى أن من لم يحضر الجماعة لا تصح صلاته إلا لعذر، قال ابن حزم: "ولا تجزئ صلاة فرض أحدا من الرجال، إذا كان بحيث يسمع الأذان أن يصليها إلا في المسجد مع الإمام، فإن تعمد ترك ذلك بغير عذر، بطلت صلاته، فإن كان بحيث لا يسمع الأذان، ففرض عليه أن يصلى في جماعة مع واحد إليه فصاعدا ولابد، فان لم يفعل فلا صلاة له، إلا أن لا يجد أحدا يصليها معه، فيجزئه حينئذ، إلا من له عذر فيجزئه حينئذ التخلف عن الجماعة"(17).

حجة من قال بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس سنة مؤكدة:

احتج القائلون بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس سنة مؤكدة، بما يلي:

أ- عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»(18)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الجماعة تعدل خمسا وعشرين من صلاة الفذ»(19)،(20)، ولو كانت صلاة الجماعة واجبة لم تصح صلاة المنفرد، ولم يكن هناك تفضيل لصلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده، قال الشافعي: "ولا أحب لأحدٍ ترك الجماعة، ولو صلاها بنسائه أو رقيقه أو أمه أو بعض ولده في بيته، وإنما منعني أن أقول صلاة الرجل لا تجوز وحده، وهو يقدر على جماعةٍ بحال، تفضيل النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يقل لا تجزئ المنفرد صلاته"(21). وأما ما ورد في الحديث، من العدد: خمس وعشرين، وسبع وعشرين، فقد جمع بينهما ابن تيمية، فقال: "حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما، فصار المجموع سبعا وعشرين"(22).

ب- وأجابوا عن الحديث الصحيح، والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بإحراق بيوت المتخلفين عن الجماعة، بأن ذلك إنما هو لأجل ترك الجمعة، ولأجل النفاق(23)، قال الشافعي: "فيشبه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من همه أن يحرق على قوم بيوتهم، أن يكون قاله في قوم تخلفوا عن صلاة العشاء؛ لنفاق"(24).

حجة من قال بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس واجبة -عينا أو كفاية-.

احتج القائلون بأن صلاة الجماعة في الصلوات الخمس واجبة على العين، أو الكفاية، بما يلي:

أ- قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِم فَأَقَمتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلتَقُم طَائِفَةٌ مِنهُم مَعَكَ وَليَأخُذُوا أَسلِحَتَهُم فَإِذَا سَجَدُوا فَليَكُونُوا مِن وَرَائِكُم وَلتَأتِ طَائِفَةٌ أُخرَى لَم يُصَلُّوا فَليُصَلُّوا مَعَكَ وَليَأخُذُوا حِذرَهُم وَأَسلِحَتَهُم﴾ [النساء: 102]، فأمر سبحانه بأداء فريضة الصلاة جماعة في أحرج الأوقات، فإذا كان الله - تعالى- يأمر بالقيام إلى صلاة الخوف جماعة مع ما يكون فيه المقاتلون من خوف المباغتة، والاستعداد لعدوهم، فإن ذلك يدل على وجوب الجماعة حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن، وإنما جوز العلماء أن تؤدى صلاة الخوف فرادى، عند الخوف الشديد، واشتداد القتال.

ب- وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا(25) سمينا أو مرماتين(26) حسنتين، لشهد(27) العشاء»(28)، فقد هم عليه الصلاة والسلام، بتحريق من لم يشهد الصلاة، لكن حال دون التنفيذ وجود النساء والذرية في البيوت، ممن لا يجب عليهم حضور الجماعة بالمسجد، وفى تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله، ويؤيد هذا ما جاء في المسند وغيره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار»(29).

ج- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل أعمى فقال: يا رسول الله: «إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب»(30)، فإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يرخص لهذا الرجل الأعمى، أن يصلي في بيته، وهو يسمع النداء، فإنّ ذلك يدل على وجوب أدائها جماعة في المسجد.

د- وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم - صلى الله عليه وسلم- سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف"(31).

و- أجاب أهل الظاهر، عن الحديث الذي فيه فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، بأن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة، تفضل صلاة المنفرد الذي سقط عنه وجوب صلاة الجماعة للعذر، وليس مطلقا لكل من صلى منفرداً.(32)

القول الراجح في حكم صلاة الجماعة:

الذي يظهر -والله أعلم- هو قول الجمهور، وهو أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة، لأن الأدلة التي ذكرها أصحاب الأقوال متعارضة، لكن هنالك طريقة أصولية يجمع بها بين هذه الأدلة، وهي أن أحاديث أفضلية الجماعة مشعرة بأن صلاة المنفرد مجزئة، ومن هذه الأحاديث:

أ- حديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»(33).

ب- حديث: «والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام»(34).

ج- حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أبصر رجلا يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه»(35).

د- أحاديث التعليم لأركان الإسلام، فإنه لم يأمر من علمه بأن لا يصلي إلا في جماعة، وقال لمن قال له: لا يزيد على ذلك ولا ينقص، أفلح -وأبيه- إن صدق(36).

فيجمع بين الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة، والأحاديث الدالة على صحة صلاة المنفرد مع الفضل بينهما على نفي الكمال لمن صلى منفردا، لا على نفي الصحة.

2. حكم الصلاة جماعة في غير المسجد:

الأصل أنَّ الصلاة بجماعة تقام في المساجد العامة، وفعل الصلاة فيما كثر المصلون من المساجد أفضل؛ لقول النبي-صلى الله عليه وسلم- «... وإن صلاة الرجل مع الرجل، أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين، أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله -عز وجل-»(37).

ومما يستحب لأهل الثغر-وهو موضع المخافة من البلدان- الاجتماع في مسجد واحد؛ لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة، فإذا جاءهم خبر عن عدوهم، سمعه جميعهم، وتشاوروا في أمرهم، وإن جاء عين للكفار، رأى كثرتهم، فأخبر بها، قال الأوزاعي: "لو كان الأمر إلي لسمَّرت أبواب المساجد التي للثغور؛ ليجتمع الناس في مسجد واحد"(38).

ولبيان حكم صلاة الجماعة بالبيوت والصحراء، فقد صرح الشافعية بالجواز(39)، وأجازها الظاهرية(40) بشروط سيأتي بيانها. ومما يدل على جواز الجماعة في غير المسجد، وإن كان المسجد أفضل، حديث جابر ابن عبد الله -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»(41). وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فضلت هذه الأمة على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنـز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي»(42)، وفي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: وفيه:«...وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركعتين، ثم انصرف»(43).

قال الشربيني: "والجماعة في المسجد لغير المرأة، أفضل منها في غير المسجد كالبيت، وجماعة المرأة في البيت، أفضل منها في المسجد، لخبر الصحيحين: «... فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة»(44).

والمعنى، أنّ أداءها في المسجد أفضل؛ لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة، وإظهار الشعائر، وكثرة الجماعة"(45).

والظاهرية إنما يجيزون الصلاة بجماعة خارج المسجد في مكان لا يُسمَع فيه آذان. قال ابن حزم: "ولا تجزئ صلاة فرضٍ أحدًا من الرّجال، إذا كان بحيث يسمع الأذان، أن يصلّيها إلاّ في المسجد مع الإمام، فإن تعمّد ترك ذلك بغير عذرٍ بطلت صلاته. فإن كان بحيث لا يسمع الأذان فَفَرضٌ عليه أن يصلّي في جماعةٍ مع واحدٍ إليه فصاعدًا ولا بدّ، فإن لم يفعل فلا صلاة له، إلاّ أن لا يجد أحدًا يصلّيها معه، فيجزئه حينئذٍ إلاّ من له عذرٌ"(46).

وعلى هذا فمن صلى جماعة بأهل بيته، أو بضيوفه، فإن صلاته تعتبر مؤداة بجماعة، ويدرك فضيلة الجماعة. قال ابن قدامة: "ولو أمَّ الرجل عبده أو زوجته، أدرك فضيلة الجماعة"(47)، وأقل الجماعة اثنان، وقد بَوَّب البخاري لحديث: «إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقِيما، ثم ليؤمُّكما أكبركما»(48) بقوله: باب اثنان فما فوقهما جماعة.

3. بيان الحكمة من مشروعية الصلاة جماعة:

إن المقصود من الأمر بأدائها جماعة في المسجد، الإقامة لهذه الشعيرة في بيوت الله، والتنـزه عن صفات المنافقين في التخلف عنها، ورجاء المثوبة والأجر، وطلب المغفرة من الذنوب، ورفع الدرجات بالمشي إلى بيت الله تعالى من الخطوات، والتعرض لدعوات الملائكة له بالرحمة والمغفرة مادام في مصلاه، لا يمنعه من انصرافه منها إلا انتظاره للصلاة، والذي يتخلف عن شهود الجماعة في بيت الله من غير عذر شرعي فإن هذا يدل على ضعف امتثاله أوامر الشريعة، وبُعدِه عما يضاعف له به الحسنات، ويرفعه به إلى أعلى الدرجات، ويغفر له به السيئات، وخالف الأوامر الدالة على شهود أدائها في المساجد، واستحق الوعيد الذي توعد به المتخلفون عن شهود الجماعة في المساجد.

قال ابن نجيم الحنفي، وهو يتكلم عن الحكمة من مشروعية صلاة الجماعة في المساجد: "أحدها: قيام نظام الألفة بين المصلين، ولهذه الحكمة شرعت المساجد في المحال، لتحصيل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران، ثانيها: دفع حصر النفس أن تشتغل بهذه العبادة وحدها، ثالثها: تعلم الجاهل من العالم أفعال الصلاة"(49).

والله تعالى أعلم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول.

بتاريخ/ 9 صفر 1428هـ الموافق 26/ 2/ 2007م.

_______________________

(1) سنن أبي داود 1/ 207، برقم: 554. قال الشيخ الألباني: حسن، انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 2/ 54، برقم: 554.

(2) لا ينهزه، أي لا تُنهِضه وتُقيمه إلا الصلاة. صحيح مسلم 1/ 458.

(3) صحيح مسلم 1/ 458، برقم: 649.

(4) صحيح مسلم 1/ 462، برقم: 665.

(5) شرح النووي على مسلم 5/ 169.

(6) صحيح البخاري 1/ 233، برقم: 623.

(7) مطنب، أي ما أحب أنه مشدود بالأطناب، وهي الحبال إلى بيت النبي - صلى الله عليه وسلم- بل أحب أن يكون بعيدا منه، لتكثير ثوابي وخطاي إليه، شرح النووي على مسلم 5/ 168.

(8) صحيح مسلم 1/ 460، برقم: 663.

(9) سنن أبي داود 1/ 207، برقم: 554. قال الشيخ الألباني: حسن، صحيح أبي داود 1/ 110، برقم: 528.

(10) سنن أبي داود 1/ 209، برقم: 561. قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح أبي داود 1/ 112، برقم: 525.

(11) المهجر: الذي يمشي في الهاجرة، وهي شدة الحر، والمعنى: التبكير إلى الصلوات، انظر: القاموس المحيط 2/ 30.

(12) صحيح البخاري 1/ 314، برقم: 887.

(13) الشرح الكبير 1/ 319، بداية المجتهد 1/ 102.

(14) منهاج الطالبين 1/ 16.

(15) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 23/ 225.

(16) الروض المربع 1/ 23.

(17) المحلى 4/ 188.

(18) صحيح البخاري 1/ 231، برقم: 619.

(19) الفذ: أي الفرد، بمعنى المنفرد الذي ترك الجماعة، صحيح مسلم 1/ 449.

(20) صحيح مسلم 1/ 449، برقم: 649.

(21) الأم 1/ 15.

(22) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 23/ 223. مختصر الفتاوى المصرية 1/ 56.

(23) فتح القدير 2/ 172، بداية المجتهد 1/ 115.

(24) الأم 1/ 180.

(25) عرقا: عظما عليه بقية لحم قليلة. صحيح البخاري 1/ 231.

(26) مرماتين: مثنى مرماة، وهي ظلف الشاة أي قدمها، صحيح البخاري 1/ 231.

(27) لشهد العشاء: لحضر صلاة العشاء. صحيح البخاري 1/ 231.

(28) صحيح البخاري 1/ 231، برقم: 816.

(29) مسند أحمد بن حنبل 2/ 367، برقم: 8782. والحديث ضعفه الألباني، انظر: ضعيف الترغيب والترهيب 1/ 58، برقم: 225.

(30) صحيح مسلم 1/ 452، برقم: 653.

(31) مسند أحمد بن حنبل 1/ 382، برقم: 3623.

(32) المحلى 4/ 237.

(33) صحيح البخاري 1/ 231، برقم: 619.

(34) صحيح البخاري 1/ 233، برقم: 623.

(35) سنن أبي داود 1/ 212، برقم: 574. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 2/ 74، برقم: 574.

(36) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري 2/ 669، برقم: 1792.

(37) سنن أبي داود 1/ 207، برقم: 554. قال الشيخ الألباني: حسن، انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 2/ 54، برقم: 554.

(38) المبدع 2/ 43.

(39) مغني المحتاج 1/ 229.

(40) المحلى 4/ 188.

(41) صحيح البخاري 1/ 128، برقم: 328.

(42) صحيح ابن خزيمة 1/ 132، برقم: 263. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: الجامع الصغير وزيادته 1/ 768، برقم: 7672.

(43) صحيح البخاري 1/ 149، برقم: 373.

(44) صحيح البخاري 1/ 256، برقم: 698.

(45) مغني المحتاج 1/ 229.

(46) المحلى 4/ 188.

(47) المغني 2/ 4.

(48) صحيح البخاري 1/ 234، برقم: 627.

(49) البحر الرائق 1/ 367.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: