مركز البحوث
   
الفقه
   
عبادات
   
حكم الصلاة على المذياع
حكم الصلاة على المذياع
يونس عبد الرب فاضل الطلول
الجمعة 11 يناير 2013

حكم الصلاة على المذياع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإنَّ من المسائل الحادثة في هذا العصر، مسألة الصلاة خلف المذياع أو التلفاز، ومعلوم أنَّ السرعة التي حققتها هذه الوسائل في نقل الكلام والصور، سرعة مذهلة خلال ثوان معدودة، فأنت ترى أو تسمع إمام الحرم المكي أو المدني، أو أي إمام مسجد في العالم، وهو يصلي، وتُنقَل صلاته عبر الهواء مباشرة، وكأنك في البلد نفسه!، ولكن مع هذه المشاهدة القريبة، ومع سماع الصوت القريب، فهل يجوز لإنسان أن يصلي خلف المذياع أو التلفاز، وهو في بيته أو سوقه أو في أي مكان؟ هذا ما سأذكره في بحث هذه المسألة، والتي هي بعنوان: (حكم الصلاة على المذياع)، سائلا من الله تعالى التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.

حكم الصلاة على المذياع:

اتفق الفقهاء على أن من شروط صحة الصلاة للمؤتم، أن يقتدي بالإمام، ومعنى الإقتداء بالإمام، الإقتداء به زماناً بحيث يتابعه في أفعال الصلاة، والإقتداء به مكاناً، بحيث يتحد مكان الإمام والمأموم، وهذا هو قول الفقهاء أئمة المذاهب، ولا خلاف فيه.(1) وعليه: فإن الصلاة على المذياع فيها مفارقة كبيرة للإمام في المكان، فلا تصح؛ وإذا كان الفقهاء قد أبطلوا صلاة المؤتم المفارق للإمام، مع أن المفارقة قد تكون يسيرة، وقد يسمع المفارق صوت الإمام أو المبلغ، لعدم وجود المكبرات الصوتية في السابق، ومع هذا حكموا ببطلان صلاة المؤتم المفارق لإمامه في الصلاة، أما من يصلي على المذياع، فإنه قد يفارق الإمام من حيث المكان في المدينة، وفي الدولة،... وغير ذلك، لتوفر المكبرات الصوتية، والنقل المباشر عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، فهذه المفارقة البعيدة هي أولى بالبطلان، فلا تصح صلاة المؤتم على المذياع. وأما الصلاة على سطح المسجد، فجائزة، لأن سطح المسجد تبعٌ للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل، فكأنه في جوف المسجد.(2)

ومن أقوال الفقهاء في عدم صحة صلاة من يفارق الإمام في الصلاة مفارقة كبيرة، ويدخل في هذا دخولاً أولياً من يصلي على المذياع، ما يلي:

- المذهب الحنفي:

قال ابن نجيم الحنفي: (ولو اقتدى -أي المؤتم- بالإمام في الصحراء، وبينهما ما قدر صفين فصاعدًا، لا يصح الإقتداء)(3).، والسبب في بطلانها: انعدام التبعية في المكان، وأما المقتدي بالإمام من سطح داره المتصلة بالمسجد، فصلاته كذلك غير صحيحة، والعلة في بطلانها، اختلاف المكان للإمام والمؤتم(4).

وقد حدَّد ابن عابدين، المسافة التي تُبطل الصلاة وتكون بين الإمام والمأموم، فقال: (ويمنع من الإقتداء: طريق تجري فيه عجلة آلة يجرها الثور، أو نهر تجري فيه السفن ولو زورقا ولو في المسجد، أو خلاء، أي: فضاء في الصحراء)(5)، وأما السرخسي، فقد جعلها، أي المسافة المبطلة للصلاة بين الإمام والمأموم، بمقدار طريق يمر فيها الناس(6)، وقال الكاساني، وهو يذكر شروط الإقتداء في الصلاة، بأن من الشروط: اتحاد مكان الإمام والمأموم، لأن الإقتداء يقتضي التبعية في الصلاة والمكان من لوازم الصلاة، فيقتضي التبعية في المكان ضرورةً، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان، فتنعدم التبعية في الصلاة، لانعدام لازمها، ولأن اختلاف المكان يوجب خفاء حال الإمام على المقتدي فتتعذر عليه المتابعة التي هي معنى الإقتداء.(7)

- المذهب المالكي:

ذهب أصحاب المذهب المالكي، إلى أن المسافة القصيرة بين الإمام والمأموم، مثل نهر صغير، أو طريق ليست بعيدة، لا تبطل الصلاة، بشرط أن يكون المؤتم يرى الإمام، أو يسمع كلامه. قال: محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري: (وفصل مأموم بنهر صغير، أو طريق من المدونة، قال مالك: لا بأس بالنهر الصغير أو الطريق تكون بين الإمام والمأموم)(8). وقال الدسوقي: (وأما الفصل بالنهر الكبير، وهو ما يمنع من سماع الإمام ومأمومه، ومن رؤية فعل أحدهما، فلا يجوز)(9).

- المذهب الشافعي:

إذا كان الإمام والمأموم بمسجد واحد، فيشترط لصحة الإقتداء بالإمام، التمكن من متابعته برؤيته أو بعض صف، أو نحو ذلك كسماع صوته أو صوت مبلغ. قال الهيتمي، وهو يذكر شروط الإقتداء في الصلاة: (أن يجتمعا، أي الإمام والمأموم في موقف، إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جَمع في مكان، كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية، ومبنى العبادات على رعاية الإتباع)(10).

وعند وجود مسافة بين الإمام والمأموم، فإما أن تكون المسافة نافذة إلى المأموم، بمعنى لا يوجد حائل بينهما يمنع الرؤية والسماع، فهذا لا يؤثر في صحة الصلاة، وإن لم تكن المسافة نافذة إلى المؤتم، ووجدت حواجز بينهما، تمنع رؤية الإمام، أو سماع صوته، فلم يعد الجامع لهما مسجدا، وبهذا لا تصح صلاة المؤتم(11). قال البجيرمي: (إن حال بين جانبيه، أو بين المساجد المذكورة، نهر أو طريق قديم، بأن سبقا وجوده، أي المسجد، أو وجودها أي المساجد، أو قارناه فيما يظهر، فلا يكون ما ذكر كالمسجد الواحد، بل كمسجد وغيره)(12).

وإن صلى الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد حالة كونه قريبا منه، فيشترط لصحة الصلاة، أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبا معتبرا من آخر المسجد؛ لأن المسجد كله شيء واحد.(13)

- المذهب الحنبلي:

من شروط صحة إقتداء المأموم بالإمام، أن يكونا في مسجد واحد، حتى وإن لم يره، ولا من وراءه، إذا سمع التكبير؛ لأنهم في موضع الجماعة، ويمكنهم الإقتداء بسماع التكبير، وكذا يصح الإقتداء، إذا كان المأموم خارج المسجد، بشرط: إن يرى المأموم الإمام، أو بعض المأمومين الذين وراءه(14)، وهذا الجواز إنما هو للعذر، وذلك لتصريحهم بأنه: لو كان بين الإمام والمأموم طريقٌ، ولم تتصل فيه الصفوف، لم تصح الصلاة على الصحيح من المذهب(15). قال البهوتي: (وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف حيث صحت فيه، أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى في غير شدة خوف، لم يصح الإقتداء)(16).

وقد بيَّن ابن قدامة سبب بطلان الصلاة، وهو عدم الرؤية للإمام، أو سماع الصوت.(17) والمعتبر في البعد بين الإمام والمؤتم، والذي هو مبطل للصلاة، البعد غير المعتاد، ويرجع هذا إلى العرف.(18)

وبعد بيان أقوال الفقهاء أئمة المذاهب، في شروط الإقتداء لصحة الصلاة، أخلص إلى القول، ببطلان الصلاة على المذياع، لما تقدم، وللأمور التالية:

1. إن صلاة الجماعة سميت جماعة؛ لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا، فإذا أخلوا بالاجتماع المكاني أو الزماني، مثل أن يتقدم بعضهم على الإمام، لغير عذر، أو يتأخروا عنه في المكان، تأخرا بعيدا، لغير عذر، أو يتخلفوا عنه في المتابعة تخلفا كثيرا، لغير عذر، كان ذلك منهيا عنه، وكذلك الحكم لو كانوا مفترقين غير منتظمين، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام، بتقويم الصفوف وتعديلها، وتراص الصفوف وسد الخلل، وسد الأول فالأول، كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان.

2. من شروط صحة الإقتداء في هذه الصلاة، تمكن المأموم من ضبط أفعال إمامه، برؤية أو سماع -ولو بمبلغ- فمتى تمكن المأموم من ضبط أفعال إمامه، صحت صلاته، فيلزم على هذا، اتحاد مكان الإمام والمأموم، وأن لا يكون بينهما فاصل كبير، وهذا مما اتفق عليه الأئمة الأربعة، وقد تقدم بيانه.

وأما الصلاة في سطح المسجد، فقد تقدم أنها جائزة؛ لأن سطح المسجد تبعٌ للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل، فكأنه في جوف المسجد.(19)

وأما الصلاة في مسجد النساء، والذي قد يكون منفصلا عن المسجد قليلاً، فقد تقدم التفصيل في المذهب الشافعي، وخلاصته ما يلي: إن كان الإمام والمؤتم في مسجد واحد، فإما أن تكون المسافة نافذة إلى المؤتم، وإما أن لا تكون نافذة إليه، فإن كانت المسافة نافذة إلى المؤتم، ويكون مسجد النساء في مؤخرة المسجد، فهذا لا يؤثر في صحة الصلاة، وإن لم تكن المسافة نافذة إلى المؤتم، ووجدت حواجز بينهما، تمنع رؤية الإمام، أو سماع صوته، فلا تصح صلاة المؤتم.(20)

وإن كان الإمام في المسجد، والمؤتم خارج المسجد حالة كونه قريبا منه، فيشترط لصحة الصلاة، أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبا معتبراً من آخر المسجد؛ لأن المسجد كله شيء واحد(21).

وإن كانت المسافة بين الإمام والمؤتم بعيدة، فلا تصح الصلاة، والمعتبر في البعد بين الإمام والمؤتم، والذي هو مبطل للصلاة، البعد غير المعتاد، ويرجع هذا إلى العرف(22).

3. الذي يصلي خلف المذياع، ليس في جماعة، أي ليس متصلاً بالجماعة الذين يصلون، فبينه وبينهم مسافات كبيرة كثيرة، ولا يمكن أن يقال: إن الذي يصلي خلف المذياع، إنه من جماعة المسجد الذي يأتم بإمامه؛ لأن صلاة الجماعة تستلزم أن يكون الناس فيها مجتمعين، على إمام واحد، وأما المنفصلون بمثل هذه المسافات البعيدة، من غير أن تتصل الصفوف، فإن صلاتهم لا تصح.

4. إذا كانت صلاة المنفرد خلف الصف، لغير عذر لا تصح عند جماعة من الفقهاء، وهو الذي يظهر، فكيف إذا كان بعيدا بعدا مكانياً عن الإمام، ويصلي معه على التلفاز أو الراديو؟ فمن صلى مع الإمام على المذياع، فصلاته باطلة، وهي أولى بالبطلان ممن يصلي خلف الصف، من دون عذر. قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (من كان بينه وبين الإمام نهرٌ، أو حائطٌ، أو طريقٌ، فليس مع الإمام)(23).

5. لأن الصلاة خلف التلفاز أو الراديو، تشعر باستهانة في حضور المساجد، وإقامة الجماعة للصلاة، وفيها كذلك فتور عن امتثال أوامر الشريعة، وعزوف عما يضاعف به الحسنات، ويرفع به الدرجات، وتغفر به السيئات.

6. قد يعرض لمن يصلي على المذياع، مالا يمكنه الإقتداء بالإمام، كخلل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وحينئذ يبقى المتابع في حيرة، وإن كان هذا في الحقيقة قد يحصل لبعض من يكون في المسجد، كأن يكون بعيدا عن الإمام، أو في سطح المسجد، فلا يستطيع أن يتابع الإمام، فيلزمه أن يكمل صلاته منفردا(24)، وهو في أمنٍ من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإمام والمأمومين، أو يسمع صوت الإمام أم مبلغه.

7. لأن البث الذي في جهاز الإذاعة، ليس هو صوت الإمام، بل يُنقل صوت الإمام إلى إشارات كهربية قابلة للمغنطة، وهي تبث على الأثير مباشرة، ثم الجهاز يحول تلك الإشارات الكهربية إلى أصوات تشبه صوت الإمام، وليست هي صوت الإمام، فلذلك لا يقتدى بها.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول.

بتاريخ/ 9 صفر 1428هـ الموافق 26/ 2/ 2007م.

_________________________

(1) البحر الرائق 1/ 385، الإنصاف للمرداوي 2/ 294، التاج والإكليل، التاج والإكليل، لمختصر خليل 2/ 117، الإقناع للشربيني 1/ 168.

(2) بدائع الصنائع 1/ 145.

(3) البحر الرائق 1/ 385.

(4) المصدر السابق.

(5) الدر المختار 1/ 585.

(6) انظر: المبسوط للسرخسي 1/ 193.

(7) انظر: بدائع الصنائع 1/ 145.

(8) التاج والإكليل، التاج والإكليل لمختصر خليل 2/ 117.

(9) حاشية الدسوقي 1/ 336. شرح مختصر خليل 2/ 36.

(10) المنهج القويم 1/ 320.

(11) انظر: الإقناع للشربيني 1/ 168.

(12) حاشية البجيرمي 1/ 327.

(13) انظر: الإقناع للشربيني 1/ 168.

(14) انظر: الروض المربع 1/ 26.

(15) الإنصاف للمرداوي 2/ 294

(16) الروض المربع 1/ 263.

(17) المغني 2/ 21.

(18) الإنصاف للمرداوي 2/ 294.

(19) بدائع الصنائع 1/ 145.

(20) انظر: الإقناع للشربيني 1/ 168.

(21) انظر: المصدر السابق 1/ 168.

(22) الإنصاف للمرداوي 2/ 294.

(23) المحلى 4/ 58.

(24) انظر: القوانين الفقهية 1/ 49.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: