مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
أحوال شخصية
الحكم للقيط بالإسلام والحرية
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012

 المقدمة :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد:ـ

فإن الفقهاء – رحمهم الله تعالى _ وضعوا أحكاما خاصة للقيط ، وفي هذا البحث المتواضع سأذكر حكم اللقيط بالإسلام والحرية، سائلا المولى _ عز وجل- التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل .                                                  

أولا: هل يحكم للقيط بالإسلام ؟ :

إذا وجد اللقيط في دار الإسلام فهو محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة، وذلك للأمور التالية:

·       تغليبا للإسلام .

·       ولظاهر الدار.

·      ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى(1).

فمن أحكام اللقيط: أنه يحكم له بحكم الإسلام إن كان التقاطه في دار المسلمين ويحكم للطفل بالإسلام بحكم أبيه عند مالك ، وعند الشافعي بحكم من أسلم منهما، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك(2).

وقال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد أنه يجب غسله ودفنه في مقابر المسلمين وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين قال: وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر هذا قول الشافعي وأصحاب الرأي(3).

واختلف الفقهاء في اللقيط في قرية فيها يهود ونصارى ومسلمون:

قال بن القاسم: يجعل على دين أكثرهم عددا، وان وجد عليه زي اليهود فهو يهودي، وان وجد عليه زي النصارى فهو نصراني وإلا فهو مسلم إلا أن يكون أكثر أهل القرية على غير الإسلام.

وقال أشهب: هو مسلم أبدا لأني أجعله مسلما على كل حال كما أجعله حرا على كل حال(4).

وهذا هو الصحيح .

مسألة : دار الإسلام قسمان :

1-  ما اختطه المسلمون كبغداد والبصرة فلقيطها محكوم بإسلامه.

2- دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم حكم بإسلام لقيطها؛ ؛ لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام، وإن لم يكن فيها مسلم بل كان أهلها أهل ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال (5).

-   وفي المغني:  ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام أو في دار الكفر فأما دار الإسلام فضربان أحدهما : دار اختطها المسلمون كبغداد والبصرة والكوفة فلقيط هذه محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة تغليبا للإسلام ولظاهر الدار ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، الثاني : دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلام لقيطها ؛ لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام وإن لم يكن فيها مسلم بل كل أهلها ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال(6).

السبب في كونه يحكم له بالإسلام:

ذكر العلماء في كتبهم عدة أسباب أبينها كالتالي :

-       الكافي لابن حنبل:ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم ؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها(7).

-       الروض المربع:  وهو مسلم إذا وجد في دار الإسلام وإن كان فيها أهل ذمة تغليبا للإسلام والدار(8).

-   منار السبيل: ويحكم بإسلامه إن وجد بدار الإسلام إذا كان فيها مسلم أو مسلمة ؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها تغليبا للإسلام فإنه يعلو ولا يعلى عليه(9).

-       العدة شرح العمدة: ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم ؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها(10).

-       عمدة القاري : إذا وجد اللقيط في بلاد الإسلام كان حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه ونحوها من أحكام الدين(11).

-   المبسوط : فإن كان اللقيط في يد مسلم وادعاه ذمي فالقياس لا يثبت النسب منه وهذا غير القياس الأول في دعوة اللقيط لأنا قد حكمنا بإسلام الولد هنا باعتبار الدار ولا قول للذمي في دعوة نسب الولد المسلم ولكنه استحسن(12).

-   بدائع الصنائع : وأما حاله في الإسلام و الكفر، فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم يكون مسلما حتى لو مات يغسل و يصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وإن وجده ذمي في بيعة أو كنيسة أوفي قرية ليس فيها مسلم يكون ذميا تحكيما للظاهر، وإذا وجده مسلم في بيعه أو كنيسة أو في قرية من قرى أهل الذمة يكون ذميا، ولو وجده ذمي في مصر من أمصار المسلمين أوفي قرية من قراهم يكون مسلما، واللقيط الذي هو في يد المسلم و تصرفه يكون مسلما ظاهرا، والموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الإسلام وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد المسلم و تصرفه يكون مسلما ظاهرا و الموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الذمة وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد الذمي وتصرفه يكون ذميا ظاهرا فكان اعتبار المكان أولى فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين فبلغ كافرا يجبر على الإسلام و لكن لا يقتل ؛ لأنه لم يعرف إسلامه حقيقة وإنما حكم به تبعا للدار فلم تتحقق ردته فلا يقتل(13).

- مغني المحتاج : إذا وجد لقيط بدار الإسلام بأن سكنها المسلمون، وإن كان فيها أهل ذمة أو معاهدون، أو وجد لقيطا بدار فتحها المسلمون وأقروها قبل ملكها بيد كفار صلحا  أي على جهته،  أو أقرها المسلمون بيد كفار بعد ملكها عنوة  بجزية،  أو كانوا سيكنونها ثم جلاهم الكفار عنها وفيها مسلم  في الصور الأربع يمكن أن يولد للمسلم ذلك اللقيط ولو كان المسلم أسيرا منتشرا أو تاجرا أو مجتازا أو نفاه حكم بإسلام اللقيط في المسائل الأربع تغليبا للإسلام وفي مسند الإمام أحمد و الدار قطني الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وقضية كلامه أن يحكم بإسلام اللقيط في دار الإسلام مطلقا وإن لم يكن فيها مسلم وليس مرادا كما يعلم مما قدرته أيضا، وإنما يحكم بإسلامه إذا كان في القرية مسلم أما لو كان جميع من فيها كفارا فهو كافر؛ لأن الكفار بعضهم أولياء بعض (14).

-   كفاية الأخيار : واعلم أن الحكم بإسلام اللقيط لا يختص بدار الإسلام بل لو كانت دار كفر وفيها مسلمون بل مسلم أسير أو تاجر أو وجد لقيط هناك فإنا نحكم بإسلامه على الأصح لأن الإسلام يزيد ولا ينقص، واعلم أن من حكمنا بإسلامه بالدار لو جاء ذمي وأقام بينة مقبولة بنسبه لحقه وتبعه في الكفر لأن البينة أقوى من الدار، ولو اقتصر على الدعوى فالمذهب أنه لا يتبعه في الكفر، والله أعلم(15).

مسألة : في الحكم بإسلام اللقيط: وفي الموضع الذي حكمنا بإسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرا، فهو كالثابت يقينا، و؛ لأنه يحتمل أن يكون ولد كافر فلو أقام كافر بينة أنه ولده ولد على فراشه حكمنا له به، والسبب في كونه يحكم لغير المسلم إن أقام بينة أن البينة أقوى من الدار.

مسألة: إذا بلغ اللقيط : وإذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم سواء كان ممن حكم بإسلامه أو كفره، وإن وصف الكفر وهو ممن حكم بإسلامه فهو مرتد لا يقر على كفره، وبهذا قال أبو حنيفة، وذكر القاضي وجها أنه يقر على كفره، وهو منصوص الشافعي  والسبب في ذلك :أن قوله أقوى من ظاهر الدار، وعلى القول بأنه لا يقر على كفره- وهو الصحيح- لأن ثبت حكم الإسلام واستقر فلم يجز إزالة حكمه لقوله كما لو كان ابن مسلم وقوله لا دلالة فيه أصلا، ؛ لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه، وإنما يقول هذا من تلقاء نفسه فعلى هذا إذا بلغ استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل(16).

مسألة : بلد الكفار ضربان:

1- بلد كان للمسلمين فغلب الكفار عليه كالساحل، فإن كان فيه مسلم حكم بإسلام لقيطه، وإن لم يكن فيه مسلم فهو كافر، وقال القاضي : يحكم بإسلامه أيضا ؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه بخلاف الذي قبله فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام.

2- دار لم تكن للمسلمين أصلا كبلاد الهند والروم، فإن لم يكن فيها مسلم فلقيطها كافر لأن الدار لهم وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم ففيه وجهان : أحدهما : يحكم بإسلامه تغليبا للإسلام- وهو الصواب-، والثاني: يحكم بكفره تغليبا للدار وللأكثر، وهذا التفصيل مذهب الشافعي(17).

الخلاصة: إن وجد اللقيط في بلد فيه كفار ولا مسلم فيه فهو كافر لأن الظاهر أنه ولد كافرين، وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون ففيه وجهان :

1- هو كافر ؛ لأنه في دارهم.

2- هو مسلم تغليبا لإسلام المسلم الذي فيه – وهو الراجح – والله أعلم .

- الكافي في فقه ابن حنبل : ومن حكمنا بإسلامه لإسلام أحد أبويه أو موته أو إسلام سابيه فحكمه حكم سائر المسلمين في حياته وموته ووجوب القود على قاتله قبل البلوغ أو بعده، وإن كفر بعد بلوغه فهو مرتد يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل ؛ لأنه محكوم بإسلامه يقينا فأشبه غيره من المسلمين،

ومن حكمنا بإسلامه للدار وهو اللقيط فكذلك ؛ لأنه محكوم بإسلامه ظاهرا فهو كالثابت يقينا وذكر القاضي وجها آخر : أنه يقر على كفره ؛ لأنه لم يثبت إسلامه يقينا(18).

- في الروض المربع : وإن وجد في بلد كفار لا مسلم فيه فكافر تبعا للدار(19).

- في الإقناع : إن وجد في بلد كفار حرب ولا مسلم فيه أو فيه مسلم : كتاجر وأسير فكافر رقيق، فان كثر المسلمون فمسلم، وإن وجد في دار الإسلام في بلد كل أهلها ذمة فكافر، وإن كان فيه مسلم فمسلم إن أمكن كونه منه(20).

- مغني المحتاج : وإن وجد  اللقيط  بدار كفار  وهي دار الحرب  فكافر  ذلك اللقيط  إن لم يسكنها مسلم  إذ لا مسلم يحتمل إلحاقه به، ثم إن كان أهل البقعة مللا جعل من أقربهم إلى الإسلام والثاني: كافر تغليبا للدار(21).

- الإنصاف : ويحكم بإسلامه بلا نزاع إلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافرا

وهذا المذهب وعليه الأصحاب، وقال القاضي : يحكم بإسلامه أيضا ؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن بكتم إيمانه، وحكى صاحب المحرر وجها بأنه مسلم اعتبارا بفقد أبويه(22).

فائدة : لو كان في دار الإسلام ولد كل أهلها أهل ذمة، ووجد فيها لقيط حكم بكفره، وإن كان فيها مسلم حكم بإسلامه .

ثانيا : الحرية للقيط:

أولا :ذكر الخلاف في هذه المسألة :

اختلف في اللقيط، فقيل:إنه حر، وقال قوم: إنه عبد، وممن قال إنه حر علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم والشعبي والحكم وحماد و مالك و الثوري و الشافعي

و إسحاق وأصحاب الرأي ومن تبعهم (23).

وقال النخعي : إن التقطه للحسبة فهو حر، وإن كان أراد أن يسترقه فذلك له، وهذا قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح في النظر، لأن الأصل في الآدميين الحرية فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وإنما الرق للعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الأصل(24).

وذكر الخلاف صاحب المدونة(25)  فقال: اختلف في اللقيط على أقوال، فقيل :

1- إنه حر وولاؤه لمن التقطه .

2- إنه عبد لمن التقطه .

3- إنه حر وولاؤه للمسلمين، وهو مذهب مالك، وهو الذي تشهد له الأصول إلا أن يثبت في ذلك أثر تخصص به الأصول مثل قوله عليه الصلاة والسلام :" ترث المرأة ثلاثة : لقيطها وعتيقها وولدها الذي لا عنت عليه"(26).

ثانيا:الرواية الواردة في ذلك:

روى سعيد عن سفيان عن الزهري أنه سمع سنينا أباجميلة قال :" وجدت ملقوطا فأتيت به عمر بن الخطاب، فقال عريفي : يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر : أكذلك هو ؟ قال : نعم، فقال : اذهب به وهو حر، ولك ولاؤه وعلينا نفقته، وفي لفظ : وعلينا رضاعه " رواه سعيد في سننه(27).

وفي رواية: عن سنين أبي جميلة، قال:" وجدت منبوذا على بابي، فأتيت به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال عمر - رضي الله عنه -:" عسى الغوير أبؤسا هو حر ونفقته علينا" فمعنى قول عمر - رضي الله عنه -: عسى الغوير أبؤسا مثل معروف لما يكون باطنه بخلاف ظاهره، وأول من تكلم به الزباء الملكة حين رأت الصناديق فيها الرجال، وقد أخبرت أن فيها الأموال فلما أحست بذلك أنشأت تقول :

ما للجمال مشيها وئيدا       أجندلا تحمل أم حديدا

أم صرفانا باردا شديدا        أم الرجال جثما قعودا

ثم قالت: عسى الغوير أبؤسا، فطار كلامها مثلا، وكان عمر - رضي الله عنه - ظن أن هذا الرجل جاء إليه بولده يزعم أنه لقيط ليستوفي منه نفقته، فلهذا ذكر هذا المثل، فيكون اللقيط حرا كما قال عمر - رضي الله عنه - نفقته علينا وهو حر(28).

ثالثا : وجه الدلالة من هذه الرواية:

في هذا الحديث دليل على أن اللقيط حر مسلم، وذلك إما:

·       باعتبار الدار لأن الدار حرية وإسلام، فمن كان فيها فهو حر مسلم باعتبار الظاهر .

·       أو باعتبار الغلبة لأن الغالب فيمن يسكن دار الإسلام الأحرار المسلمون،ويكون الحكم للغالب.

·       أو باعتبار الأصل فالناس أولاد آدم وحواء - عليهما السلام-  وكانا حرين، فلهذا كان اللقيط حرا(29).

رابعا : نقل الإجماع :

 قال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر، ولأن الأصل في الآدميين الحرية فيكون حرا(30).

- في شروح الحديث : وحريته: لأنها الأصل في الآدميين، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا والرق عارض والأصل عدمه، قال الخطابي: أما اللقيط فإنه في قول عامة الفقهاء حر، فإذا كان حرا فلا ولاء عليه لأحد، والميراث إنما يستحق بنسب أو ولاء وليس بين اللقيط وملتقطه واحد منهما ،وكان إسحاق بن راهويه يقول: ولاء اللقيط لملتقطه ويحتج بحديث واثلة، وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل فإذا لم يثبت الحديث لم يلزم القول به فكان ما ذهب إليه عامة العلماء أولى(31).

- في كتب المذهب الحنبلي :

اللقيط حر في جميع الأحكام، لأن الحرية هي الأصل والرق عارض، وإن اعترف اللقيط بالرق مع سبق مناف للرق من بيع ونحوه أو عدم سبقه لم يقبل ؛ لأنه يبطل حق الله من الحرية المحكوم بها سواء أقر ابتداء لإنسان أو جوابا لدعوى عليه أو قال اللقيط بعد بلوغه : إنه كافر لم يقبل منه ؛ لأنه محكوم بإسلامه ويستتاب فإن تاب وإلا قتل(32).

وفي الإنصاف :وهو حر في جميع أحكامه هذا الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب(33).

-       اللباب شرح الكتاب : وهو حر مسلم  تبعا للدار(34).

الخلاصة : الأصل هي الحرية في بني آدم لأن الناس كلهم أولاد سيدنا آدم - عليه الصلاة و السلام-  و حواء، وهما كانا حرين، والمتولد من الحرين يكون حرا، و إنما حدث الرق في البعض شرعا بعارض الاستيلاء بسبب عارض وهو الكفر ، فيجب العمل بالأصل حتى يقوم الدليل على العارض، فترتب عليه أحكام الأحرار.

مسألة : هل يتبع الرق النسب عند الحكم بثبوت النسب من المملوكين:

قول محمد من الحنفية: اللقيط حر باعتبار الدار، وفي الحكم بثبوت النسب من المملوكين فيه توفير المنفعة على الولد، وفي إثبات الرق إضرار بالولد، وليس من ضرورة ثبوت النسب ثبوت الرق، فبقي على ما كان من الحرية فسقط اعتبار قولهما فيما يضر بالولد، كما لو ادعاه ذمي وقد وجد في مصر من أمصار المسلمين يثبت النسب منه بالدعوة ويكون مسلما دفعا للضرر عن الولد وتوفيرا للمنفعة عليه في ثبوت نسبه.

وعند أبي يوسف : أنه لما حكمنا بثبوت النسب منهما فقد حكمنا بأنه مخلوق من ماء رقيقين، والمخلوق من ماء رقيقين لا يكون حرا لأن الولد من الأصلين فإذا كانا رقيقين وليس هنا سبب يمكن الحكم بحرية الولد بذلك السبب، ولا وجه لإثبات الحكم بدون السبب يكون الولد رقيقا يقرره أن ولد الأمة مملوك لمولاها ؛ لأنه جزء من أجزائها، فحينئذ يبقى صفة الحرية لمائه فكان الولد رقيقا(35).

مسألة : تصرف اللقيط:

يعتبر تصرف اللقيط تصرف الأحرار، إلا إذا  ثبت رقه فحكم تصرفه حكم تصرف العبيد ؛ لأنه ثبت أنه مملوك، ولكن لا يعتبر في إبطال ما يفعله من التصرفات من الهبة و الكفالة و الإعتاق و النكاح

ونحوها من التصرفات التي لا يمكنها العبد حتى لا تنفسخ و هذا عند الحنفية، وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه : ينفسخ، وجه قوله : أنه لما أقر بالرق فقد ظهر انه كان رقيقا وقت التصرف فلم يصح تصرفه كما إذا قامت البينة على رقه(36)، والصحيح- والله أعلم- : أن هذا إقرار تضمن إبطال حق الغير، ؛ لأنه حريته ثابتة من حيث الظاهر، فلا يصدق في حق ذلك الغير، فإذا تضمن إبطال حقه حق الغير كان دعوى أو شهادة على غيره من ذلك الوجه فيصدق على نفسه لا على غيره .

 

مسألة:إقرار اللقيط :

 إن أقر اللقيط بالرق على نفسه بعد أن كان أقر بالحرية لم يقبل إقراره بالرق، ؛ لأنه قد لزمه بالحرية أحكام من العبادات والمعاملات فلم يملك إسقاطها، وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية وكذبه المقر له بطل إقراره ؛ لأنه لا يثبت رقه لمن لا يدعيه، فإن أقر بعده لغيره قبل كما لو أقر له بمال، ويحتمل أن لا يقبل لأن في إقراره الأول اعترافا بأنه ليس لغيره فلم يقبل رجوعه عنه كما لا يقبل رجوعه عن الحرية (37).

و إن بلغ فأقر أنه عبد فلان نظر في ذلك، إن كان لم يجر عليه شيء من أحكام الأحرار صح إقراره، ؛ لأنه لم تعرف حريته إلا بظاهر الحال، فإذا أقر بالرق فالظاهر أنه لا يقر على نفسه بالرق كاذبا فصح إقراره، فإن كان قد اعترف بالحرية لنفسه قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق بعدها، ؛ لأنه اعترف بالحرية وهي حق الله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطالها(38).

مسألة:ادعاء الغير بالرق للقيط :

إذا ادعى شخص رقه سواء الملتقط وغيره لا يقبل قوله، لأن الظاهر حريته، وفيه إضرار به،  فإذا ادعى رقه من هو في يده لم يقبل إلا ببينة في الأصح(39).

وإذا بلغ اللقيط فادعى عليه رجل أنه عبد فأنكره فالقول قوله لأن الأصل الحرية(40).

وعليه فلا يسمع من المدعي إلا ببينة لأن حريته من حيث الظاهر فلا يقدر على إبطال هذا الظاهر إلا بدليل، فإن ادعى أنه ابنه ثبت نسبه منه ؛ لأنه ينفعه، وكان حرا فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك، والحر في دعوته اللقيط أولى من العبد، والمسلم أولى من الذمي ترجيحا لما هو الأصلح في حقه(41).

قال الشافعي رحمه الله : ولو أقر اللقيط بأنه عبد لفلان، وقال الفلان ما ملكته قط ثم أقر لغيره بالرق بعد لم أقبل إقراره وكان حرا في جميع أحواله(42).

فإذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه؛ لأنها ممكنة، وإن كانت مخالفة لظاهر الدار فإن لم يكن له بينة فلا شيء له لأنها دعوى تخالف الظاهر وتفارق دعوى النسب من وجهين أحدهما : أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق تخالفه، والثاني : أن دعوى النسب يثبت بها حقا للقيط ودعوى الرق يثبت بها حقا عليه فلم تقبل بمجردها(43).

 

جمع وإعداد / يونس عبد الرب فاضل الطلول

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1)نظر: الشرح الكبير 6/405 .

(2) المدونة الكبرى 4/263 .

(3) الشرح الكبير 6/405 ، المغني 6/403 .

(4)الاستذكار 7/159 بتصرف .

(5) الشرح الكبير 6/405 .

(6) المغني 6/403 .

(7) الكافي لابن حنبل 2/203.

(8) الروض المربع 1/450 .

(9) منار السبيل 1/325 .

(10) العدة شرح العمدة1/259 .

(11) انظر:عمدة القاري6/152 .

(12) انظر: المبسوط6/420 .

(13) انظر: بدائع الصنائع 5/290 .

(14) انظر: مغني المحتاج 2/422 .

(15)كفاية الأخيار 1/655 .

(16) انظر: المغني 6/405 .

(17)انظر: الشرح الكبير6/405 ، المغني 6/403 .

(18) الكافي لابن حنبل  2/203.

(19) الروض المربع 1/450 .

(20) انظر:الإقناع2/405 .

(21) مغني المحتاج 2/422 .

(22) الإنصاف6/434 بتصرف .

(23)عمدة القاري 13/237 .

(24) المغني 6/403 ، الشرح الكبير 6/403 .

(25) انظر: المدونة الكبرى 4/263 .

(26) أخرجه أبو داود ج2ص139 ، برقم 2906،وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود ج1ص287 ، برقم 623 .

(27) منار السبيل 1/325 .

(28) انظر:المبسوط 6/ 146 .

(29) انظر:المبسوط6/146 .

(30) العدة شرح العمدة 1/259 .

(31)عون المعبود 8/82 ، تحفة الأحوذي 6/249 .

(32)الروض المربع 1/450 ، زاد المستقنع 1/450 ، الإقناع 2/405 ، 4/ 423 ، الكافي ابن حنبل 2/203 .

(33) الإنصاف 6/432 .

(34) اللباب في شرح الكتاب2/55 .

(35) انظر:المبسوط 6/420 .

(36) انظر :الكافي 2/203 ، انظر :بدائع الصنائع 5/290 .

(37) انظر :الكافي 2/203 ، انظر :بدائع الصنائع 5/290 .

(38) الشرح الكبير 6/421 ، الإنصاف6/451 .

(39) كفاية الأخيار 1/431 ، المهذب3/243 .

(40) المهذب 2/312 .

(41) الهداية 1/415 .

(42) مختصر المزني 1/148 .

(43) الشرح الكبير 6/420 .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: