مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
أحوال شخصية
حكم الخلوة بالأجنبية والأحكام الفقهية في ذلك
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد:

لقد جاء الإسلام لحفظ الضروريات الخمس ومنها حفظ النسل فصان العرض وحماه بمنع اختلاط الأنساب ومنع الفاحشة المؤدية إلى ذلك فقال سبحانه: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾ [الإسراء:32] .

ولما كان للزنا وسائله وذرائعه فقد حرم كل وسيلة موصلة إليه باعتبار أن المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها فالطرق والأسباب نقد تابعة لها في الحرمة فوسائل الحرمات والمعاصي يكون حكمه في المنع والكراهية بحسب إفضائها إلى غاياتها فإذا حرم الله تعالى شيئاً فإنه يحرم طرقه ووسائله التي تفضي إليه وذلك سداً للذرائع المفضية إلى المحارم ومن هذه الذرائع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، من تحريم الخلوة بالأجنبية ومن في حكمها ولو في إقرار القرآن والسفر بها ولون في الحج وذلك سداً لذريعة ما يخشى منه من الوقوع في الفتنة وحسماً لمادة وسائل الفساد ودفعاً لها متى ما كان الفعل وسيلة للمفسدة وإن كان فيها سالماً من فترة من الفترات.

ولو نظرنا إلى واقعنا اليوم لرأينا أن النساء المصاحبات لمحارمهن أكثر حشمة ووقاراً، بل تمتنع نظرات الغير من متابعتهن فضلاً عن ملاحقتهن ومطاردتهن، بخلاف النساء اللاتي يتجولن في الأسواق بدون محارم .

ومن أجل ذلك فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن خروج المرأة أو سفرها بدون محرم بقوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها"  (1) .

فالمحافظة على أعراض المسلمين من الأمور التي جاءت الشريعة لتحقيقها ولقد سد باب الذرائع الموصلة لانتهاكها، فالوسيلة الموصلة إلى الحرام تعتبر حراماً، إذ للوسائل حكم الغايات، والخلوة بالمرأة الأجنبية هو ومن في حكمها يعد من الأمور المحرمة: لأنها تفضي إلى الوقوع في الحرام.

ولقد تحدثت في الفصل الأول : عن أحكام الخلوة بالمرأة الأجنبية وأنها تشمل الخلوة لغرض التعليم، والعلاج، وبينت المراد بالمرأة الأجنبية، وهل المرأة الكبيرة تعد في حكم الأجنبية؟ وبينت الأدلة الشرعية لتحريم الخلوة بالأجنبية، وحكم خلو الرجل بأكثر من امرأة أو العكس.

وتحدثت في الفصل الثاني: عن أنواع الخلوات وأنها تشمل ، خلوة المرأة بمملوكها والسفر معه، وبينت حكم الخلوة بإماء الغير، وهل تصح الخلوة بالمرأة المطلقة ثلاثاً، وبينت حكم الخلوة بالخنثى المشكل والسفر معه بعد أن ذكرت آراء العلماء في ذلك وسند كل منهم .وتحدثت في الفصل الثالث: عن حكم السفر بالمرأة الأجنبية وبينت الأدلة الشرعية الصحيحة على حرمة الخلوة وأن هذه الحرمة تشمل السفر والحضر ولا فرق بين ذلك في حج وغيره.

وتحدثت في الفصل الرابع: أن الخلوة مشروعة بالزوجة وذوات المحارم فتصح الخلوة والسفر بأي منهم، وأوضحت أثر الخلوة بالزوجة على استحقاق المهر والعدة وكما بينت حرمة الخلوة بالمطلقة ثلاثاً لأنها تعتبر في حكم الأجنبية 

خطة البحث :قد قسمت البحث إلى مقدمة و أربعة فصول وخاتمة

الفصل الأول : أحكام الخلوة بالمرأة الأجنبية وأدلتها الشرعية .

البحث الأول : تعريف الخلوة بالمرأة الأجنبية .

المبحث الثاني: الخلوة بالأجنبية   

المطلب الأول: المراد بالمرأة الأجنبية .

المطلب الثاني: حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية .

المطلب الثالث: الخلوة لغرض التعليم والعلاج.

المطلب الرابع: الخلوة بالمرأة الكبيرة.

المطلب الخامس: خلوة الرجل بأكثر من امرأة أو العكس.

المبحث الثالث : الأدلة الشرعية لتحريم الخلوة بالأجنبية.

الفصل الثاني : الخلوات وأنواعها

المبحث الأول : خلوة المرأة بمملوكها والسفر معه

المبحث الثاني: الخلوة بإماء الغير.

المبحث الثالث: الخلوة بالمرأة المطلقة ثلاثاً.

المبحث الرابع: الخلوة بالخنثى المشكل والسفر معه.

الفصل الثالث: حكم السفر بالمرأة الأجنبية .

الفصل الرابع: الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

المبحث الأول : حكم الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

المبحث الثاني : حكم مباشرة  الزوجة من غير خلوة .

المبحث الثالث: أثر الخلوة بالزوجة على المهر والعدة.

المبحث الرابع: أثر الخلوة بالمطلقة طلاقاً رجعياً على الرجعة.

الخاتمة: أهم محتويات البحث.

 

الفصل الأول

أحكام الخلوة بالمرأة الأجنبية

المبحث الأول

تعريف الخلوة بالمرأة الأجنبية

 

الخلوة في اللغة: يقال خلا المكان والشيء إذا لم يكن فيه أحد  ، ويقال: خلا الرجل إذا وقع في موضع لا يزاحم فيه ، كما يقال: أخل بأمرك أي تفرد به وتفرغ له، وخلا الرجل بصاحبه وإليه ومعه ، والخلوة الاجتماع معه في خلوة قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14]، ويقول الرجل للرجل: أخل معي حتى أكلمك أي كن معي خالي(2)  والخلوة مكان الانفراد بالنفس أو بغيره(3) .

والخلوة الصحيحة في الفقه: إغلاق الرجل الباب على زوجته وانفراده بها: (الخلوة هي التي تكون في البيوت أما الخلوة في الطرقات فلا تعد من ذلك) (4). ويدخل في ذلك حكم البيوت كل مكان فيه مانع لدخول الغير .

 

المبحث الثاني

الخلوة بالأجنبية

المطلب الأول

المراد بالمرأة الأجنبية

 

المرأة الأجنبية : هي من ليست بزوجة ولا ذات قرابة محرمة للنكاح بسبب مباح أو نسب. ولذلك نرى العلماء جعلوا زوجة الأخ في حكم الأجنبية(5). وكذلك بنت الزنا سواء كانت من مائه أو من ماء غيره، والمخطوبة تعد هي الأخرى في حكم الأجنبية، فلا تصح الخلوة بهن لعدم المحرمية، والمخطوبة لم يرد الشرع إلا بحل النظر إليها. أما الخلوة بها فبقيت على التحريم، لأنه لا يؤمن مع الخلوة وقوع المحظور، لاسيما في زمن يقل فيه وازع الإيمان والدين ، ويكثر فيه الفساد. ولقد حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليست معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان"(6).

ومما يعد أيضا في حكم الأجنبيات بنات العم، وبنات الخال، فلا يحل لأي مما مضى الخلوة بهن، أو الدخول عليهن، إلا إذا دخل مع غيره من المحارم من غير خلوة ولا ريبة(7).

 

المطلب الثاني

حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية  

 

اتفق جميع الفقهاء على حرمة خلو الرجل بمرأة ليست له زوجة، ولا ذات رحم محرم، وهذه الحرمة على الإطلاق، سواء أمنت الفتنة أم لم تؤمن، وسواء وجدت العدالة أو لم توجد(8). (ويحتسب على الرجل والمرأة إذا كانا في خلوة وكانا أجنبيين:.. إلا إذا كان له على المرأة حق، فله أن يلازمها ويجلس معها، ويقبض على ثيابها، وهذا ليس بحرام، فإن هربت، ودخلت الخربة فأراد الرجل أن يدخل تلك الخربة لا بأس به، إذا كان الرجل يأمن على نفسه من ذلك، فيكون بعيداً عنها يحفظها بعينه، لأن هذه الخلوة ضرورة) وقد أوجب العلماء نهي النساء عن اجتماعهن مع الرجال اجتماع ملاصقة، لأن ذلك كله محرم  ، وأطلقوا حرمة الخلوة مع الشهوة فحرموا الخلوة بكل حيوان يشتهي المرأة وتشتهيه كالقرد) والخلوة بشهوة لرجل مع رجل أو امرأة مع امرأة (9).ومن ذلك حرموا خلوة النساء بعضهن ببعض إذا خيف عليهن المساحقة(10).   

 

المطلب الثالث

الخلوة لغرض التعليم والعلاج

 

طلب العلم يعد من الأمور المشروعة لكن إذا صاحبة أمر محرم، لا لذاته، وإنما للأمر المحرم المصاحب له. ولذا نرى العلماء من المالكية يرون حرمة مباشرة الرجال للنساء لغرض تعليمهن، وقالوا: إن مسئولية تعليم البنت على أبيها ثم على زوجها ولا يجوز لهما إنابة الأجنبي في ذلك، لأن مثل هذه الإنابة لا تصح مطلقاً، ولا يعني هذا منعهن من سؤال العلماء فالسؤال جائز لكن من وراء حجاب كما أمر الله تعالى، فالعالم لا بأس أن تأتيه الأجنبية إلى منزله، فتسأله بمحضر زوجته أو ابنته فيجيبها بما عنده، وهو يكف بصره عن النظر إليها بشرط أن لا يسمع منها إلا ما لسماعه ضرورة من حديثها، ويرى الشافعية حرمة الخلوة بالأجنبية لغرض التعليم مع الشهوة مطلقاً وإن وجد محرم وأجازوها بوجود محرم إذا أمنت الفتنة(11).

أما الخلوة للعلاج فحرم عندهم، إذ قالوا بعدم جواز الخلوة بالمرأة للعلاج إلا بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة على القول الراجح عندهم بجواز الخلوة بالأجنبي بمرأتين(12).

والحنابلة، منعوا الخلوة بالمرأة لغرض التعليم أو العلاج إلا بحضور محرم أو زوج لأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور لما ورد مرفوعاً من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم فإن ثالثهما الشيطان"  ومما مضى نعلم أن الفقهاء قرروا حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية لغرض التعليم والعلاج غير أن الشافعية أجازوا الخلوة لأجل التعليم لأكثر من امرأة إذا أمنت الفتنة.

  

 

المطلب الرابع

الخلوة بالمرأة الكبيرة

 

ذهب الحنفية إلى أن العجوز الشوهاء تعد في حكم الأجنبية فيحرم على الرجل الشاب الخلو بها كما يحرم على غيره(13).

وبهذا قال الشافعية فلم يعتبروا الجمال، لأن الطبع يميل إليها فضبط التحريم بالأنوثة(14) ، وهو القول الصحيح عند الحنابلة. إذ قالوا بحرمة الخلوة بالأجنبية ولو كانت عجوز شوهاء(15)

أما المالكية فيرون خلوة الشيخ الهرم بالمرأة الشابة أو المتجالة(16) ، وكذلك خلوة الشاب بالمرأة المتجالة(17) وهذا هو القول الثاني عند الحنابلة(18).

وضبط حرمة الخلوة بالأجنبية أولى لانضباط العلة فهي لا تختلف باختلاف محالها، ومن السهل التحقق من وجودها، أما الجمال فلا يمكن ضبطه لاختلافه باختلاف الأحوال والأشخاص بل ويختلف في نظرة الناس، باعتبار هذا إجمالاً أو ليس بجمال فالجميل قد يكون عند البعض قبيحاً ، والقبيح قد يكون عند الآخر جميلاً ، وكما يقال لكل ساقطة من الحي لاقطة.

 

المطلب الخامس

خلوة المرأة بأكثر من رجل والعكس

 

ذهب الحنفية إلى حرمة خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية وإن كان معها أخرى.

وفي إمامة البحر عن الإسيجاتي (ويكره أن يؤم النساء في بيت وليس معهن رجل ولا محرم، ولا امرأة هو محرم لها) فعلة الكراهة التحريمية هي الخلوة وهذا النص يفيد أن الخلوة لا تنتفي بوجود امرأة أخرى ولا تعتبر من محارم الرجل مما يدل على عدم صحة خلوة الرجل بالمرأة إذا لم يوجد معها امرأة ثقة(19) ، ومنع الشافعية الخلوة بالمرأة إذا لم يوجد معها امرأة ثقة(20) ، وعند الحنابلة يحرم خلوة الرجل مع عدد من النساء ، وأجاز المالكية خلوة الرجل بالمرأتين .

وقيد الشافعية الجواز يكون مع الرجل امرأة ثقة فقالوا بجواز الخلوة للعلاج ونحوه لأن المرأة تستحي من الأخرى، فلا تمكن من نفسها بحضرة غيرها، فاستحياؤها أكثر من استحياء الرجل، بشرط أن تكون المرأة ثقة، فالمرأة قد لا تستحي من غير الثقة فإذا لم يكن ثقات فلا تصح الخلوة.

والجواز قول عند الحنفية إذا وجدت امرأة ثقة، وعلى القول باشتراط المرأة الثقة لإباحة الخلوة لابد من شرطين آخرين:

أ ـ الحاجة لهذه الخلوة فإن لم توجد حاجة فلا تصح.

ب ـ تعذر وجود المحرم بسبب مشروع وإلا فالقول بالحرمة المطلقة أولى.

 

المبحث الثالث

الأدلة الشرعية لتحريم الخلوة بالأجنبية

 

ومما سبق يتبين تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية باتفاق المسلمين وقد دلت على ذلك النصوص الشرعية ومنها:

1 ـ ما ورد عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس لها محرم فإن ثالثهما الشيطان"   في هذا الحديث بيان أن من مقتضى الإيمان عدم الخلوة بالأجنبية، لاسيما وأن في الخلوة مشاركة للشيطان في هذا الاجتماع، وهو لا يوجد إلا ليوقع في الحرام، مما يدل على حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية.

2 ـ عن جابر رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا لا يبتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم" (21) ففي هذا الحديث نهى عن المبيت عند امرأة أجنبية والمبيت يقتضي الخلوة مما يدل على حرمة الخلوة بالأجنبية.

3 ـ عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والدخول على النساء ،فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت"(22)  

ففي هذا الحديث نهي عن الدخول عن النساء والدخول يعني الخلوة بهن والنهي يقتضي التحريم، ومما يدل على حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية ، دخول الحمو (23)  عليها يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو برجمها إن زنت معه فقد بالغ الإمام مالك في هذا الباب حتى منع ما يجر إلى التهم كخلوة امرأة بابن زوجها، وإن كانت جائزة، والخوف من الحمو بهذا النهي جاء لأن الخوف من الحمو أكثر من غيره والشر يتوقع منه؛ ولأن الأصل كلما كان سبباً للفتنة ينبغي حسم مادته، وسد ذريعته ودفع ما يفضي إليه إذا لم يكن منه مصلحة راجحة(24).

 

 

الفصل الثاني

أنواع الخلوات

المبحث الأول

خلوة المرأة بمملوكها والسفر معه

 

ذهبت الحنفية والحنابلة إلى أن المملوك لا يصح أن يكون محرماً لها في السفر (25) ، ولا يعد من المحارم في ذلك (26) ، سواء كان فحلاً أو مجبوباً أو خصياً (27) ، وذهب الشافعية إلى أن مملوك المرأة يصح أن يكون محرماً لها على الأصح عند الأكثرين  فله الخلوة بها والمسافرة بها (28)  إن كان ثقة وممسوحاً لم يبق فيه شهوة للنساء والمقصود بذلك الملكية التامة.

واستدل الشافعية بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: ﴿ ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ [النور:31]،  ففي هذه الآية ذكر سبحانه المملوك مع ذوي المحارم والأرحام في إباحة النظر مما يدل على أنه يأخذ حكمهم في الخلوة أيضاً (29) .

2 ـ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها  فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك"  (30).

ففي هذا الحديث السابق دلالة على إباحة النظر مما يدل على حل الخلوة والمسافرة بها ويجاب على الاستدلالين السابقين:

بأن إباحة النظر لا تكفي لحل الخلوة والسفر، لأن النظر أجتيز للحاجة كالشاهد والخاطب وكفيف أولي الإربة فلهم النظر وليس لهم السفر والمحرمية (31).

3 ـ إن المملوك يحرم عليه الزواج بسيدته فكان محرماً كالأقارب (32) ، ويجاب عن ذلك بأن الحرمة المؤقتة هذه لا تقتضي النظرة الطبيعية بدليل السيد مع أمته وبالتالي فلا يؤمن عليها مما يدل على عدم صحة القياس على الأقارب.

واستدل الحنفية والحنابلة بما يلي:

1 ـ بما روى عنه ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سفر المرأة مع عبدها ضيعة" (33) .

ففي هذا الحديث بيان بأن بيان بأن سفر المرأة مع عبدها ضياغ للمرأة، وما يؤدي إلى ضياعها لا يجوز، فإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك دليل على تحريم سفر العبد بسيدته وخلوته بها.

2 ـ أنه لا يحل له أن يستمتع بها كما يفعل السيد وأمته، فزوج الأخت لا يعد لها محرماً فكذلك العبد مع سيدته.

3 ـ أنه لا يعد محرماً لها على التأبيد فله أن يتزوج بها إذا أعتق.

4 ـ أنه غير مأمون عليها لعدم وفرة المحرمية كما هو مع المحارم (34) .

 

المبحث الثاني

الخلوة بإماء الغير

 

ذهبت الحنابلة إلى حرمة خلوة الرجل غير المحرم بأمة غيره، لأنه لا يؤمن عليها، وبهذا قال الحنفية في المختار عنهم (35) .

أما المالكية فجعلوا مدار الحل والحرمة في خلو الرجل بخادم زوجته حسب الأشخاص فإن وثق بنفسه جاز (36) .

وذهبت الحنفية في قول آخر لهم إلى إباحة الخلوة والمسافرة بهن كما في ذوات المحارم واستدلوا لهذه الرواية بما يلي(37):

1ـ أن المولى قد يبعثها في حاجته من بلد إلى بلد ولا تجد محرماً ليسافر معها  ، ويجاب على ذلك بأن بعث المولى ليس حجة شرعية والواجب أن يتقيد بالأحكام الشرعية ولا يبعثها إن كان سيترتب على هذا الكلام محظور.

2 ـ أن جارية المرأة قد تخلوا بزوجها ولا يمنع أحد ذلك  .

ويجاب عن ذلك بأن الأصل كون الخادمة مصاحبة لسيدتها وبالتالي قد لا تتصور خلوة الأمة مع زوج السيدة، لكن أفعال الناس لا تعد حجة شرعية، ولذا الأولى أن لا يكون الرجل في خلوة مع خادمة زوجته .

3 ـ أن سائر الناس لها كذوي المحارم للحرائر ولذا جاز لهم السفر بهن (38)  ويجاب عن ذلك بأن دعوى السفر منازع فيها وسائر الناس ليسوا محارم لهن وتنزيلهم هذه المنزلة بني على غير دليل شرعي.

واستدل الجمهور فيما ذهبوا إليه بما يلي:

1 ـ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم"  .

ففي هذا الحديث نفي حل سفر المرأة بدون محرم والأمة امرأة ونفي الحل يقتضي التحريم مما يدل على حرمة سفر المرأة دون محرم مطلقاً سواء كانت حرة أو أمة.

2 ـ عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان"    

ففي هذا الحديث نهي عن الخلوة بالمرأة مطلقاً، سواء كانت حرة أم أمة. والنهي يقتضي التحريم، مما يدل على حرمة الخلوة بالأمة.

3 ـ أن علة النهي عن الخلوة واحدة سواء في الحرة أم في الأمة وبالتالي لن يؤمن عليها (39) .

4 ـ أن الفسقة الإرواء فسقهم لمن يتورعوا عن ارتكاب الحرام لا سيما إذا كانت الأمة جميلة فاتنة فيبعث الشيطان النفس الأمارة بالسوء لذلك، ولذلك فإن القول المحرم بالخلوة بإماء الغير أو السفر بهن هو الراجح والله أعلم.

 

المبحث الثالث

الخلوة بالمرأة المطلقة ثلاثاً

 

لا يصح  للمطلق طلاقاً بائناً أن يختلي بمطلقته لأنها بمنزلة الأجنبية عنده (40) وفي حالة سكناها عند من يوجبها على الزوج:

فيرى الحنفية أن يكون بينهما سترة واكتفى بالحائل لاعتراف الزوج بالحرمة وإن كان فاسقاً يخاف عليها منه.

وإن جعل القاضي بينهما امرأة ثقة تقدر على الحيلولة فهو حسن لبقاء إمكانية استحياء الرجل من العشيرة، ولإمكان الاستعانة بجماعة المسلمين إذا اعتدى الزوج المطلق (41) .

قال ابن عابدين ومرادهم بالثقة (أن تكون عجوزاً لا يجامع مثلها مع كونها قدرة على الدفع عنها وعن المطلقة)  .

والشافعية يقولون: ليس للزوج مساكنتها ولا مداخلتها، لكن يجوز له مساكنتها إذا كان في الدار محرم لها مميز ذكر أو عند الرجل زوجة أو أنثى أخرى، أو أمة، أو امرأة أجنبية ثقة حذراً من الخلوة .

ويجوز مساكنتها ولو بدون محرم إن كانت المرافق غير متحدة والممر غير مشترك، لأنها والحال هذه في حكم الدارين المتجاوزين    .

والمطلقة ثلاثاً هي في حكم الأجنبية فلا ينبغي لها مساكنة الزوج في داره وإن وجد محرم مميز أو أنثى على ما ذكر وإن اضطرت إلى السكنى عنده لعدم تخصيص سكن محدد لها ولا محرم لها موجود فتعامل كمعاملة الأجنبيات وتسكن مع غيرها من النساء الثقات على أن يمنع الرجل من الدخول عليها في الحالة هذه.

 

المبحث الرابع

الخلوة بالخنثى المشكل والسفر معه

 

ذهبت الحنفية إلى كراهية الخلوة به ممن ليس بمحرم له وهي كراهة تحريم وإلى هذا ذهبت الشافعية (42)  والحنابلة (43) .

قال الحنفية: وإذا خلا الخنثى برجل، فمن الجائز أنه امرأة فتكون هذه خلوة رجل لمرأة أجنبية ، وإذا خلا بامرأة فمن الجائز أنه ذكر خلا بأجنبية، والمراهقة في المنع من هذه الخلوة كالبالغة، لأن المنع لخوف الفتنة.

وقال الشافعية ولا يجوز أن يخلو به أجنبي ولا أجنبية، ولو كان مملوكاً لمرأة (44) .

وقال الحنابلة تحرم الخلوة بالخنثى المشكل لغير محرم من رجل أو امرأة تغليباً لجانب الحظر في أي من الحالتين واستدلوا على حرمة الخلوة به بالحديث الذي روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ليس معها ذو محرم فإن ثالثهما الشيطان  .

والاحتمال أنه امرأة فحرم خلوة الرجل به والعكس بالعكس.

أما السفر به فعاملوه معاملة المرأة (الأجنبية) فقال الحنفية: لا بأس أن يسافر الخنثى مع محرم من الرجال.

أما الشافعية فقالوا بجواز سفره لحج مع امرأتين، لأنه إذا جاز ذلك للرجل فالخنثى المحتمل للرجولة أو لا ، وليس سفره معهن مضنة الخلوة، بأي منهن على حدة.

أما الحنابلة فسبق أن منعوا السفر للأجنبية بدون محرم ولو مع عدد من النساء ولاحتمال كون الخنثى امرأة فلا يصح سفره بدون محرم .

والأولى منع الخلوة والسفر به بدون محرم وهذا أحوط من القول بالجواز إلا إذا ظهرت علامات تغليب جانب المذكورة فيجوز له السفر بدون محرم.

 

الفصل الثالث

حكم السفر بالمرأة الأجنبية

 

سفر المرأة بدون محرم لها لابد أن يقتضي خلوة الغير بها إما أثناء السفر أو بعده فالسفر مظنة الخلوة وإن سافرت مع عدد من النساء أو الرجال في الطائرة أو القطار أو السيارة لذا يحسن بنا أن نعرف مدى حكم سفر المرأة بدون محرم لها.

ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز للحرة أن تسافر بدون محرم، فسفرها مع غير محرم خلوة محرمة وبهذا قال المالكية (45)  وقيدوا التحريم بالمرأة الشابة أما المتجالة فيجوز لها السفر بدون محرم ومنع الشافعية سفر المرأة بدون محرم لها وبذلك قال الحنابلة (46)  حتى مع الأمن فقالوا يحرم على الجرل بالسفر بأخت زوجته ولو كانت أختها برفقتها مع زوجها ويرى الحنفية لسفر المرأة ثلاثة أيام فما فوقها بدون محرم واختلفت الروايات عندهم فيما دون ذلك.

قال أبو يوسف رحمه الله: أكره لها أن تسافر يوماً بغير محرم وهكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله ، وقال الفقيه أبو جعفر واتفقت الروايات في الثلاث أما دون الثلاث فهو أهون من ذلك (47).

والأولى منع السفر بدون محرم ولو دون الثلاث، لأن الأزمان تتغير فيكثر الفساق وتنتشر الذئاب الآدمية، والمرأة لا بد لها من حصن يحفضها وكيف لها ذلك بدون محرم يمنع عنها الردى وتعدى الفساق.

ولذلك قال الحنفية : لا يجوز للمرأة أن تسافر مع نساء ثقات لخشية وقوع الفتنة معهن لعدم إمكان استعانتهن بالمفازة بأحد من جماعة المسلمين فما دون الثلاث مفازة.

أما سفر المرأة للحج بدون محرم فبعض الحنفية يرى جواز سفر المرأة للحج مع رجال صالحين وأجاز المالكية سفرها بدون محرم للحج خاصة وقالوا إذا لم يكن لها محرم تخرج مع جماعات النساء وقيد بعضهم الجواز أن تكون الرفقة مأمونة وإلا لم يجوز.

وبهذا قال الشافعية فيصح للمرأة أن تسافر للحج مع نساء ثقات بأن بلغت وجمعت صفات العدالة وإن كن إماء، بانقطاع الأطماع باجتماعهن، فلا تكفي مراهقات إلا أن جعل معهن الأمن، وغير الثقات لا يصح أن تسافر معهن للحج لأن الفاسقة لا تألف من منع محرمها بخلاف الرجل وقيل لابد من ثلاث نسوة وقيل يكفي اثنتان غيرها   .

والقول الأخير لا يصح إذ أنه بذهاب واحدة منهن يخشى على الباقية (48) .

وقرر الشافعية أن الواجب عليها الخروج مع واحدة لغرض الحج والعمرة، بل أجازوا خروجها لوحدها إذا تيقنت الأمن وهو محمل الأخبار الدالة على حل سفرها.

أما سفرها لغير فرض الحج فحرام مع النسوة مطلقاً، وإن قصر السفر وإن كانت شوها، إذ لا واجب هنا حتى يفتقر لمصلحة تحصيله الاكتفاء بأدنى مراتب الأمن  .

وأما الحنابلة فيرون حرمة سفر المرأة مع محرمها مطلقاً للحج أو لغيره، فلا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم (49) .

ومن يرى أن المرأة يجوز لها السفر للحج بلا محرم فقد استدل بما يلي:

أولاً: بما روى عن ابن عمر رضي الله عنه (50)  قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما يوجب الحج قال:  الزاد والراحلة" .

قالوا فإذا قدرت المرأة على الاستطاعة وجب أن يلزمها الحج ولو بدون محرم ويتأولون خبر النهي على الأسفار التي هي مقطوعة بها دون السفر الواجب إذ لا يشترط له محرم.

ويجاب عنه ذلك بما يلي:

1-   هذا الحديث قد تكلم فيه فإبراهيم الخوزي ـ وهو أحد رواته متروك الحديث وقد روى ذلك عن طريق الحسن مرسلاً وهو لا يتحجج به عند الشافعي وهو ممن لا يرى اشتراط المحرمية في الحج(51).

2-   أن الحديث في اشتراط الزاد والراحلة خاص بالرجل دون المرأة إذ يشترط للمرأة خروج غيرها معها وهذا لا يشترط في الرجل فجعل ذلك الغير محرماً للمرأة وبينه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المشترطة للمحرمية.

3-   يحتمل أنه أراد اشتراط الزاد والراحلة لوجوب الحج مع كمال بقية الشروط الأخرى، ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وإمكان السير وقضاء الدين ونفقة العيال.

واشترط المالكية إمكان الثبوت على الراحلة وهو غير مذكور في الحديث وهذه الشروط ليست واردة لا في الكتاب لا في السنة وإنما شرط المحرمية وارد في السنة فهو أولى بالاشتراط.

4-   لو قدر التعارض فاشتراط الزاد والراحلة عام بما خصص من اشتراط المحرمية.

ثانياً: بما روى عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتوشكن الضعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخالف إلا الله"   .

ففي الحديث هذا إخبار بأن المرأة تسافر للحج من الحيرة إلى البيت ولا محرم معها مما يدل على عدم اشتراطه للحج.

ويجاب عن ذلك: بأن حديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه، ولذلك لم يجز في غير الحج المفروض ولم يذكر فيه خروج غيرها معها ، وقد اشترطوا هاهنا خروج غيرها معها .

ثالثاً: أنه سفر واجب فلم يشترط له المحرمية كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار وكذا الكافرة إذا أسلمت في دار الحرب فإنه يجب السفر إلى بلاد الإسلام بلا محرم فكذلك الحج .

ويجاب عن ذلك : بأن السفر المسلمة والكافرة إذا أسلمت في بلاد الكفر سفر ضرورة لا يقاس عليها حالة الاختيار ولذلك تخرج منه وحدها ولأنها تدفع ضرراً متيقناً يتحمل الضرر المتوهم، لذا لا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلاً (52) .

ثم لو سلمنا بمساواة جواز سفرها للحج بما ذكروه لجاز لها أن تحج وحدها كما تفعل المسلمة والأسيرة، فإذن لم اشترطوا وجود امرأة ثقة للحج أو جماعة صالحة؟ فلما لم يبح لها في الحج أن تخرج وحدها لا في حج ولا في غيره (53) .

ومما سبق يتبين أن سفر المرأة لوحدها عرضة لفساد دينها خلقها بما قد تتعرض له أثناء الطريق أو الإقامة في البلدان التي تمر عليها ففي السفر مظنة حصول الخلوة فالطائرة قد يحصل بها بعض العطل فتضطر للنزول ومن هنا لا محرم مما قد يجبر الرجل إلى الخلوة بها في الفندق المهيأ للانتظار للركاب.

وفي السفينة قد يدعوها قبطانها أو أحد الركاب في غرفته فتحصل الخلوة لهذا فإن عين المحرمية متابعة ومراقبة دائمة ، والذئب إنما أكل القاصية من الغنم التي لا حارس لها يحرسها ولا حامي يحميها.

وإذا سقط الحج عن المريض والعاجز عن الزاد والراحلة فلئن يسقط عن المرأة التي لم تجد محرماً من باب أولى.

ولو نظرنا إلى واقعنا اليوم لرأينا أن النساء المصاحبات لمحارمهن أكثر حشمة ووقاراً، بل تتبع نظرات الغير من متابعتهن، فضلاً عن ملاحقتهن ومطاردتهن بخلاف النساء اللاتي يتجولن في الأسواق والشوارع بدون محارم أو مع سائقين من أصحاب الشهوات والقلوب المريضة.

واجتماع النسوة لا يمنع الغير من مضايقتهن ومحاولة تدنيس خلقهن وإيقاعهن فيما منعن منه وإذا كان هذا في الحضر فكيف بالسفر لوحدهن مما يؤكد عدم حل سفر المرأة مع غيرها محرمها من زوج أو قريب مهما كان نوع السفر ومدته.

ويؤيد ما ذهب إليه الحنابلة من الحرمة المطلقة عموم الأدلة الواردة في منع سفر المرأة وحدها سواء أكان لحج أم غيره.

ومنها:

1-   عن أبي سعيد الخدر رضي الله عنه  قال سمعت أربعاً من النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبني قال: " لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم"  (54)  .

2-   عن ابن عباس رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"  (55).

3-  عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر بسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم"   .

4-   عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوماً وليلة إلا مع ذي محرم من أهلها" . 

ففي هذه الأدلة نهي عن سفر المرأة بدون محرم والنهي يقتضي التحريم مما يدل على عدم حل سفر المرأة وحدها مهما كانت مدة السفر ، قال النووي (56) قوله لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم وفي رواية لأبي داود ولا تسافر بريداً والبريد مسيرة نصف يوم.

قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن وليس في النهي عنه عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد.

ولا ينبغي التفريق بين نوع السفر فالحرمة واحدة سواء كان السفر للحج أم لغيره، فالمرأة إذا لم تجد المحرم سقط عنها الحج، لأنه من السيل الذي ذكره الله تعالى.

في قوله ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران:97] ، فإذا لم يكن لها محرم، فلا تستطيع إلى هذا السبيل  .

قال الإمام مالك وأرى أنه يكره خروج المرأة للحج مع ابن زوجها وإن كان ذا محرم منها (57) .

وإذا كان مالك يكره ذلك مع ابن الزوج وهو محرم، فالقول بالحرمة مع الغير مع غير المحرم أولى.

ولا وجه للتفريق بين المرأة الشابة والمتجاهلة لأن مناط النهي للتحريم كما في الأحاديث كونها امرأة وهو وصف منضبط يصلح لأن يكون علة للتحريم بخلاف كونها شابة أو متجاهلة، خاصة وأن بعض النفوس قد تتعلق بالمرأة المتجالة أيضاً فكل ساقطة في الحي لها لاقطة .

ومما يؤيد حرمة سفر المرأة بدون محرم للحج ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما   قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة قال ارجع وحج مع امرأتك" (58).

ففي هذا الحديث دلالة على تقديم الأهم من الأمور المتعارضة، لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها، لأن الغزو يقوم غيره مقامه بخلاف الحج معها وهذا يدل على أن المحرم لا ينوب عنه جماعة المسلمين الصالحين أو النساء الثقات، وإلا لما أمره صلى الله عليه وسلم بالرجوع عن الجهاد والتخلف عنه لاسيما وأن من يتخلف عنه منافق معلوم النفاق.

 

 

الفصل الرابع

الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

المبحث الأول

حكم الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

 

يصح للرجل أن يخلو ويسافر بزوجته وذوات محارمه ولهذا قال جميع العلماء   فيصح خلوة الرجل بأي امرأة من وذات محارمه بنسب كالأمهات والجدات وبنات الأخ وبنات الأخت وكل امرأة محرمة عليه بالقرابة على التأبيد والمحرمة بالرضاع أو بالمصاهرة وأن يسافر بهن  (59)  ، وفي الدر المختار: (والخلوة بالمحرم مباحة إلا الأخت رضاعاً والصهرة الشابة) ، وفي حاشية ابن عابدين: (وينبغي لأخ من الرضاع أن لا يخلو بأخته من الرضاع، لأن الغالب هناك الوقوع في الجماع ، قال العلامة البيري: (أن ينبغي معناه الوجوب) (60) ، والمالكية يرون أن لا بأس للرجل أن يسافر بأخته من الرضاع وحكمها حكم ذوي المحارم(61) وهو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ، والصحيح أن الأخت من الرضاع تعد من المحارم لما روي عن عائشة رضي الله عنها  قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"  (62)    

ففي والحديث السابق دلالة على أن القرابة من الرضاع تأخذ حكم القرابة من النسب مما يدل على حل الخلوة والسفر بالأخت من الرضاع غير أنه إن خاف الرجل على نفسه من الخلوة بامرأة ذات محرم ينسب أو نكاح فلا يحل له أن يسافر بها أو يخلو فيها ولا ينبغي للمرأة إن خافت ذلك منة أن تخلو معه في بيت ولا تسافر معه.

قال محمد صاحب أبي حنيفة : (وإن أمن على نفسه فلا بأس أن يسافر بها ويكون محرماً لها وتسافر معه ولا محرم معها غيره، فإن كان يخاف على نفسه فلا يسافرون معها ولا يخلون معها ولا ينبغي لها إن خافت ذلك منه أن يخلو به في بيت ولا تسافر معه، فأما إذا أمنا ذلك أو كان عليه أكبر رأيهما فلا بأس بالخلوة معها والسفر بها).

والبنت المنفية باللعان محرم على نافيها الزواج منها عند الشافعية وتتعدى الحرمة إلى سائر محارمه، ولكن هذا لا يعني حل الخلوة بها فالخلوة محرمة احتياطاً  وقيل يصح عندهم الخلوة والسفر بها (63) .

أما الحنابلة فقالوا: ليست من محارم الرجل وألحقوا بها في الحرمة أم المزنى بها وابنتها وبنت الموطوءة بشبهة وأمنها  .

وكذا قال الشافعية في الموطوءة بشبهة فتحرم على الواطئ أمهاتها وبناتها وتحرم على آبائه وأبنائه تحريماً مؤبداً بالإجماع لتنزيله منزلة عقد النكاح غير أن هذا التحريم لا يحل الخلوة بهن أو المسافرة بهن (64) .

والشافعية يحرمون أي خلوة ولو كانت مع ذي محرم متضمنة وجود الشهوة من أي منهما سواء رجل مع رجل، أو امرأة مع امرأة (65) . 

ودليل مشروعية جواز الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحرم ما يلي:

1-  عن جابر رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان" ، ففي هذا الحديث نهي عن الخلوة بالمرأة من غير ذوات المحارم مما يدل على إباحته في ذوات المحارم.

2-  عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلى ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها" ، ففي هذا الحديث نهي عن سفر المرأة أو أخوها بدون محرم. والنهي يقتضي التحريم مما يدل على جواز سفر المرأة مع محرمها، وبدلالة الاستثناء الوارد في الحديث.

3-  عن جابر رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ببيت إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم" ، ففي الحديث هذا نهي عن المبيت عند الأجنبية لغير الناكح، والمحرم، والإذن لهما يدل على حل خلوتهما، أو أحدهما بها.

فمما سبق نعلم أن الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم أمر جائز بضوابطه الشرعية كخوف مواقعة المحظور.

 

المبحث الثاني

حكم مباشرة الزوجة من غير خلوة

 

يحرم على الرجل أن جامع أهله في مرأى الغير، بل يتعين عليهما الخلوة (66) وكره المالكية الوطء في ليل في البيت ومعه صغير أو كبير  غير أنه يجوز نوم الرجل مع امرأته بالإجماع بحضرة آخر غير أنه يشترط أن يكون من محارمها (67) .

وقال الحنفية: (لا بأس أن يدخل على الزوجين محارمهما وهما في الفراش من غير وطء باستئذان، ولا يدخلون بغير إذن) وكذا الخادم حين يخلو الرجل بأهله، وكذا الأمة (68)  ، واستدلوا بذلك بما روى عن ابن عباس رضي الله عنه  : " أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها" (69) ، ففي هذا دلالة على إباحة نوم الغير من المحارم مع الزوجين في غير حالة الجماع.

 

المبحث الثالث

أثر الخلوة بالزوجة على المهر والعدة

 

ذهب الحنفية ورواية عن الحنابلة أن الخلوة بالمرأة بعد عقد النكاح عليها يجوز وبعده المهر وحد الخلوة الموجبة لذلك عند الحنفية أن لا يكون هناك مانع يمنع من الوطء طبعاً ولا شرعاً كالمرض وصيام رمضان والحيض فإن وجد فلا خلوة لقيام المانع طبعاً وشرعاً .

وعند الحنابلة كل امرأة فارقت زوجها في الحياة قبل المسيس والخلوة فلا عدة عليها، وإن خلا بها وهو عالم بها وهي مطاوعة فعليها العدة، سواء كان بهما أو بأحدهما مانع من الوطء كالإحرام والصيام والحيض والنفاس والمرض والجب والعنة أو لم يكن ، وهذا هو المذهب مطلقاً سواء كان المانع حسياً أم شرعياً .

وقيل: لا عدة بخلوة مطلقاً وعنه لا عدة بخلوة مع وجود مانع شرعي كالإحرام والصيام والحيض والنفاس   والظهار والإيلاء والاعتكاف.

وحكي عن الإمام الشافعي أن الخلوة بدون مسيس لا توجب المهر والعدة لقوله تعالى:  ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [ البقرة: 237]والمراد بالمسيس الجماع ولأن هذه خلوة خلت عن الإصابة فلا توجب المهر والعدة كالخلوة الفاسدة .

ـ ويستقر المهر كاملاً إذا خلا الرجل بامرأته بشرطين يكون عالماً بوجودها عنده وأن يكون الزوج ممن يطأ مثله وليس عندهما مميز، وهذا هو المذهب.

ـ واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ [ النساء:21]

ـ ففي الآية نهى عن استرداد بشيء من الصداق بعد الخلوة فإن الإقضاء عبارة عن الخلوة، ومنه يسمى المكان الخالي فضاء. وروى الإمام أحمد والأثرم عن زرارة بن أوفى، قال (قضى الخلفاء الراشدون والمهديون أن من أغلق باباً أو أرض شر فقد وجب المهر ووجبت العدة) ولأنها سلمت نفسها التسليم الواجب عليها فاستقر لها المهر والصداق.

 

المبحث الرابع

أثر الخلوة بالمطلقة طلاقاً رجعياً على الرجعة

 

 يرى الحنفية أن الخلوة والمسافرة بالمطلقة طلاقاً رجعياً لا تكون رجعة إلا عند زفر وأبي يوسف ، ويرى المالكية أن المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً يكره للزوج أن يخلو بها أو أن يدخل عليها إلا بإذنها وإن كان لغرض الرجعة، لأن الرجعة لا تكون إلا بالقول (70) ، وذهب الحنابلة إلى أن الرجعية مباحة لزوجها فله السافر بها والخلوة معها غير أن الخلوة لا تعد رجعة وإن كان معها شهوة، لأن تحريم المصاهرة لا يثبت بها وهذا هو الصحيح من المذهب  ، ويرى بعضهم أن الخلوة مع الشهوة تكون رجعة، لأنه محرم من غير الزوجة فأشبه الاستمتاع (71) .

 

 

الخاتمة :

 

ختام هذا البحث اسأل الله العلي القدير أن يكون قد وفقت في هذا البحث والله أسال التوفيق والسداد في عملي ، واطلب من المولى أن يكتب اجر من علمني  ومن ساعدني في أتمامه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.  

 

تأليف : عبد الله محمد عبد الله محمد السادة

مراجعة وتعليق: عبد الوهاب الشرعبي



(1)    أخرجه مسلم ،ج2/977، برقم 1340 .

(2)   لسان العرب ج14/ 237 مادة "خلا" .

(3)   المعجم الوسيط: مادة خلو .

(4)   انظر : الفروع لابن مفلح ج5 /153 .

(5)   انظر : مجموع فتاوى ابن تيمية ج32/9 .

(6)  أخرجه أحمد في مسنده 3/399 ،برقم 14692. 

(7)  انظر: المغني لابن قدامة 6/553 ومجموع فتاوى ابن تيمية ج11/505 .

(8)   انظر: بدائع الصنائع، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ج 32/11 .

(9)   انظر: الإقناع في حل ألفاظ ابن شجاع ج2/121 .

(10)  انظر: إعلام الموقعين ج4/338 . 

(11)   انظر: الإقناع في حل ألفاظ بن شجاع ج2/121 .

(12)   انظر: الإقناع ج2/120 .

(13)   انظر: الإنصاف : 9/314 .

(14)  انظر: فتح الجواد ج 2/71 .

(15)  انظر: الإنصاف ج 9/314 .

(16)   المتجالة هي المرأة المسنة   .

(17)  انظر: الإنصاف ج 9/314 .

(18)   انظر: الإنصاف ج 9/314 .

(19)  انظر: حاشية ابن عابدين ج 6/368 .

(20)  انظر : مغني المحتاج ج3 /133 .

(21)  أخرجه مسلم شرح النووي ج2/ 1086، برقم 715 .

(22)  أخرجه مسلم ج4/1711،برقم 2172.

(23)  الحمو : هو أخو الزوج.

(24)  انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28/380 .

(25)  انظر: مسائل الإمام أحمد ج1/139 مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/111 .

(26)  انظر: الكافي ج3/6  .

(27)  انظر: فيض القدير ج6/150 .

(28)  انظر: مغني المحتاج ج6/190 .

(29)  مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/111 .

(30)  أخرجه أبو داود ج2/ 460، برقم 4106 وصححه الألباني في الإرواء ،ج6/ 206.

(31)  مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/111 .

 (32)انظر: المغني لابن قدامة ج6/557 .

(33)   أخرجه الطبراني ج6/ 368 وضعفه الألباني ،ج1/702،برقم 7012.

(34)  انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/112 .

(35)  انظر: حاشية ابن عابدين ج6/368 .

(36)  انظر: حاشية العدوي ج2/422 .

(37)  انظر: بدائع الصنائع ج5/122 .

(38)  انظر: حاشية ابن العابدين ج6/368 .

(39)  انظر: بداية المجتهد ج2/85 ، مجموع فتاوى ابن تيمية ج32/11 .

(40)  انظر: بداية المجتهد ج2/85   .

(41)  انظر: حاشية ابن عابدين ج6/368 .

(42)  انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج2/122 .

(43)  انظر: الكشاف القناع 5/15 .

(44)  انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج2/122 .

(45)  انظر: الكافي ج2/134 . 

(46)  انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ج28/373 .

(47) انظر: حاشية ابن عابدين ج 6/368 .

(48)  انظر: إعانة الطالبين ج 2/283 .

(49)  انظر: مسائل الإمام أحمد ج1/142 .

(50)  أخرجه الترمذي ،ج5/225، برقم 2998 وضعفه الباني في ضعيف الترمذي ، ج3/ 93، رقم  133.

(51)  انظر: معالم السنن 2/144 .

(52)  انظر: المغني لابن قدامة ج 3/237 -238 .

(53) انظر:  معالم السنن ج2/145 .

(54)  أخرجه البخاري في كتاب الصوم ج 20/249 ومسلم في كتاب الحج.

(55)  أخرجه مسلم في كتاب الحج صحيح مسلم بشرح النووي.

(56)  انظر: النووي في شرحه على صحيح مسلم ج9/103 .

(57)   انظر: شرح الزرقاني على موطأ مالك ج2/402 .

(58)   أخرجه البخاري ، ج3/1114، برقم 2896  .

(59)  انظر: والمبسوط للسرخسي ج30 /49  وبدائع الصنائع ج5/120 .

(60)  انظر: ابن عابدين ج 6/369 .

(61)   انظر: هامش مواهب الجليل ج 1/500 .

(62)   أخرجه البخاري ج2/935، برقم 2502  .

(63)  انظر: الإمتاع في حل ألفاظ أبي شجاع 2/130 .

(64)  انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع 2/131 .

(65) انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع 2/130 .

(66)  انظر: القوانين الفقهية ص141 والفروع ج 5/324 .

(67)  انظر: الفروع ج5/324 .

(68)  انظر: الفتاوى العقدية ج 5/328 .

(69)  أخرجه البخاري 1/78، برقم 181 .

(70)  انظر: فتح القدير ج 4/16 .

(71)  انظر: الكافي لابن قدامه ج 3/229  والمقنع ج 3/222 ، ومنتهى الإرادات ج  2/313 .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: