مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
آداب وأخلاق
كيف أحافظ على التزامي بالدين
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف أحافظ على التزامي بالدين

الحمد لله، وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

سؤال الأخ الكريم يقول: كيف أحافظ على التزامي بالدين؟

والجواب: الاستقامة على المنهج القويم مما أمر به ربُّ العالمين، وأرشد إليه خاتمُ النبيين، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[هود:112]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾[فصلت:6].

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: «يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله فاستقم»(1).

فالاستقامة على أمر الدين والالتزام به مما أمر به الكتاب والسنة، فما معنى الالتزام بالدين أو ما المقصود بالاستقامة؟

قال ابن رجب رحمه الله: (والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها)(2).

وقال ابن عاشور رحمه الله: (الاستقامة هي العمل بكمال الشريعة بحيث لا ينحرف عنها قيد شبر)(3).

والاستقامة قد تصعب على النفس البشرية التي جبلت على الميل إلى الشهوة وحب العاجلة، وترويضها على الطاعة والعمل للآخرة يحتاج إلى صبرٍ ومجاهدة، فما السبيل إلى ذلك؟

السبيل إلى ذلك يتحقق من خلال الآتي:

1 الاستعانة بالله العلي القدير، من يقول للشيء كن فيكون، وطلب العون من الله هو شعار المؤمنين الموحدين، يهتفون بكل صلاة داعين الله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾[الفاتحة:6] ويوسف عليه السلام بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم استعان بربه في أحلك الظروف، وأشد الصعاب على النفس البشرية إن لم تحطها العناية الإلهية، فقال تعالى: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾[يوسف:33].

يــا مــن ألوذُ بـه فيـــما أوأمــلُــه          ويامـن أعوذُ به مما أحـاذرُه

لا يجبرُ الناسُ عظماً أنت كاسرُه      ولا يكســــرون عظماً أنت جابرُه

فبالاستعانة يوفق الإنسان للخير ويهتدي إليه ويستمر عليه.

والاستعانة بالله من أعظم العبادات؛ إذ أن طلب العون منه سبحانه دعاء، وفضل الدعاء وأهميته وأثره دل عليه الكتاب والسنة، ولاحظه المؤمنون في واقع حياتهم.

2 المجاهدة: طريق الهداية، ومن أعظم الهداية لزوم الاستقامة، فهي مطلب القانتين، ومُبتغى الموحدين، ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾[الفاتحة:6]، وقد وعد الله المجاهدين أن يهديهم سبيله المستقيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت:69].

والمجاهدة من الأخذ بالأسباب التي أمرنا بالأخذ بها، ولا ينافي ذلك التوكل على الله، فالتوكل عمل القلب، والأخذ بالأسباب من عمل الجوارح، وكلاهما من العمل الصالح.

3 مما يجعل الإنسان محافظاً على الدين ملتزماً بالشريعة إخلاصه لله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ﴾[الزمر:2]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[البينة:5].

فبالإخلاص يوفقك الله إلى عمل الخير، ومن أعظم التوفيق أن تبقى على طاعة الله، وإنما يتعثر من لم يخلص.

4 الجليس الصالح يعين على الطاعة والتي من أعظمها الاستقامة، كما أن جليس السوء يؤثر على الإنسان سلباً، فيكون متقاعساً متكاسلاً بعيداً عن الهدى، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾[هود:113].

عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة»(4).

5 مما يجعلك أخي مستديماً على الطاعة هو العمل الصالح، وكيف ذلك؟

اعلم أن الحسنة تسوق إلى الحسنة وتُذهِبُ السيئة، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾[هود:114]، وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾[التوبة:124]، وأن السيئة تسوق إلى مثلها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[التوبة:125].

فتجد توفيقاً إلهياً وتأييداً ربانياً حين تعمل الصالحات وتبعُد عن المنكرات، يقول ابن القيم: (مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمرة وغرست نواه، وكذلك تداعي المعاصي فليتدبر اللبيب هذا المثال فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها)(5).

وأخيراً:

لتعلم أن الإنسان ضعيفٌ ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾[النساء:28] فالنفس تهوى، والشيطان يُغوي، والدنيا حلوة خضرة، ذكر القرطبي في التذكرة قول الشاعر:

إنــي بُــــليت بأربــعٍ يـرميننــي            بالنبلِ قد نصبوا علي شِراكا

إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى       من أيــــــن أرجــــو بينهـــن فِـــكاكــا

يــا رب ســـاعــدنـي بـعــفوٍ إنني                    أصبحتُ لا أرجو لهن سِـواكا

وأنشد غيره أيضاً في معنى ذلك:

إني بُلِيتُ بأربـعٍ يرمـينني              بالنـبلِ عن قـوسٍ لها توتـيرُ

إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى       يا ربُّ أنـــت علــى الخــلاص قديرُ(6)

لما كان ذلك كذلك كان لا بد من تقصيرٍ؛ ولذا شرع الله الاستغفار ليس من المعاصي بل بعد الوضوء وعقب الصلاة والحج ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[البقرة:199].

ولما كانت الاستقامة أن تلتزم بما شرع الله وذلك من أعظم الطاعات، وكان لا بد من التقصير شرع الله الاستغفار بعد الأمر بالاستقامة فقال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾[فصلت:6].

قال ابن رجب الحنبلي: (وفي قوله عز وجل: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾[فصلت:6] إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها فيجير ذلك الاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها»(7)(8).

مرفق ناجي مصلح ياسين

_______________

(1) صحيح مسلم (1/ 65)، برقم: (38).

(2) جامع العلوم والحكم (1/ 205).

(3) التحرير والتنوير (2148).

(4) صحيح البخاري (5/ 2104)، برقم: (5214).

 (5) الفوائد (35).

(6) التذكرة للقرطبي (473).

(7) سنن الترمذي (4/ 355)، برقم: (1987)، قال الشيخ الألباني: حسن، انظر حديث رقم: (97) في صحيح الجامع.

(8) جامع العلوم والحكم (1/ 205).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: